ندوات البيان

 

سقطة الحداثة والخصوصية الغربية

إعداد: وائل عبد الغني

الحداثة مذهب غائب حاضر بعيد قريب جلي خفي في المواجهة بين الإسلام وأعدائه؛ ... الحداثة ذلك المصطلح الذي فرض عنوة ضمن ما يفرض علينا منذ تراجع المد الإسلامي، ليأخذ دوره في سلسلة الغزو العقدي والفكري الطويل المتلاحق الذي ظاهره التقدم المزعوم وباطنه السقوط والانحطاط، ومع أن المذهب قد تجاوزته (موضة) الأفكار إلا أنه ما زال له أدعياؤه في بلادنا الذين ينفخون في بوقه، ويملكون باسمه العير والنفير. وكشفاً لحقيقة هذا المذهب نعرج على بعض تفاصيله، ومراحل تطوره، كمدخل كاشف لحجم الجريمة التي تمارس باسمه في العالم وخاصة في بلادنا.

 تساؤلات عديدة يطرحها السياق الحداثي عن واقعنا المشهود:

هل نحن بحاجة إلى الحداثة؟.. وإذا فرضت علينا فرضاً فأين الحرية التي تبشر بها؟ وهل هي صالحة لكل زمان ومكان كما يردد البعض؟! أتجرد هي أم تمرد؟.. وماذا تُبقي لنا من شعار أمتنا ودثارها؟.. هل أورقت هناك حتى تثمر هنا؟.. كيف يجمع الإنسان بين الحداثة واحترام الإسلام فضلاً عن التزام أحكامه؟ هل يصبح الحل كما يزعم البعض هو الخروج من أسر التاريخ لنقع في أسر تاريخ مغاير وجغرافيا مختلفة؟ وهل يقضي الإنسان دَينه برهن نفسه؟ وكيف يُشهَد ببراءة من أدان نفسه وشهد عليه شاهد من أهله؟.. إذا كان العالم الغربي قد تجاوز المصطلح والقضية وألقاها في مزبلة التاريخ فهل يعني فرضها على بعض الشعوب من قِبَل الغرب أن تلك الشعوب بمثابة تلك المزبلة؟

تساؤلات كثيرة يجيب عنها السياق الحداثي، ويشهد بها نتاجها الغربي يجدها المرء حين يتطرق للحداثة، وتبقى تساؤلات تطرح نفسها على ضيوف ندوتنا الكرام وهم:

- أ. د. إبراهيم الخولي: أستاذ الأدب والنقد بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر.

- أ. د. مصطفى حلمي: أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة.

- د. علاء عبد العزيز: المدرس بمعهد التمثيل بالقاهرة.

- أ. محمد إبراهيم مبروك: الكاتب الإسلامي المعروف.

البيان: لفظ الحداثة شـأنه شأن غيره من المفاهيم الوضعيـة، لا تكاد تجد اتفاقاً حول معنى محدد يكشف عن مضمونه دون أن يقع الالتباس، وهذه نقطة منهجية تثير إشكالات عديدة في التعامل نقداً وتحليلاً مع الفكرة؛ فهل يمكن لنا أن نبني تعريفاً جامعاً مانعاً لهذا اللفظ، وإذا لم يمكن هذا فهل يمكن تعريفها تعريفاً إجرائياً يقرب لنا المفهوم، ويسهم في نقد أكثر منهجية للفكرة؟

   د. إبراهيـم الخولي: بسم الله الرحمن الرحيم.. الحـداثــة لغة مشــتقة مـن مادة: (حدث) وفي اللغة يقال: (حَدَثَ حُدُوثاً وحداثة فهو حَدِيث) ويقال حَدُثَ في مقابل قَدُمَ، وحداثة مصدر لحَدَثَ يكون على غير قياس أما حدُث بضم الدال كقدُم فلا بأس أن تكون حداثة مصدراً لحدُث بالضم، وحدَث حدوثاً، فيكون حدوثاً مصدراً لحَدَثَ بفتح الدال، وصاحب القاموس يقول إذا استخدم لفظ حدث مع قدُم لا يستخدم إلا مضموم الدال.

وما دام قد اختير لفظ حداثة كي يقابل به المصطلح الغربي؛ فمن حقنا نحن أن نتعامل مع هذه التسمية بلغتنا التي اتخذت منها.

هذه شروط المنهجية في أي عمل علمي خاصة فيما يتصل بالمصطلحات.. والمفترض لغةً أنّ الحداثة مقولة إضافية أي بالإضافة إلى قديم سبقه، وبُعد الزمن داخل في المفهوم، إذن كل حديث سيعود قديماً، وكل قديم كان حديثاً بالقياس إلى ما كان قبله. إذن فاختراع حداثة لما سيأتي عليه الزمن يخلقه ويبليه كما أبلى غيره اختيار غير موفق وغير أمين، ومن هنا فمن التناقض أن تلصق بهذه التسمية دعوى الاستمرار، والآن هم أنفسهم يتحدثون عن «ما بعد الحداثة».. فبِمَ يسمونه وبم يسمون ما بعد بعد الحداثة، وهل يبقى مفهوم الحداثة على ما كان يعطيه؟

وأما الحداثة كمصلح عند دعاتها فهي: «اتجاه أو منزع ينتهي إلى قطيعة شاملة مع التراث، تنطوي على تحقير هذا التراث والتهوين من شأنه وقطع صلة الأمة بماضيها لتبدأ من الصفر وقد سلب منها كل مقومات هويتها، وتصبح مستعدة لأن تصاغ كما يريد الآخرون».

   د. مصطفى حلمي: الصورة البارزة من الحداثة ـ باختصار ـ تعني: «نقد المقدس وهدمه» والتعبيرات حولها يعلوها التزويق أحياناً، والغلو أحياناً، ولا تخلو من الغموض أيضاً وهي لدى معتنقيها تعني «قطيعة معرفية مع الماضي بما يولد إطاراً غير نمطي في التصور القيمي للحياة» وإذا ما قلبنا النظر في تعريفــات ســدنة الحــداثة فسنجد تبايناً واســعاً يوحي بقـوله ـ تعالى ـ: {إن نَّظُنُّ إلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} [الجاثية: 32] والقدر المشترك فيما بينهم هو القطيعة؛ فيرى (أوين) مثلاً أنها تعني: «الفصل المتعاظم بين عالم الطبيعة الذي تديره قوانين يكتشفها ويستخدمها الفكر العقلاني، وبين عالم الذات الذي يختفي فيه كل مبدأ متعال لتعريف الخير».

بينما يرى (ماكس فيبر) أن: «الحداثة هي فصم الائتلاف والوحدة بين السماء والأرض مما يخلي العالم من وهمه ويلغي سحره» وكلاهما مؤالف لمعنى العلمانية، ويرى (بودلير) أنها: «حضور الأبدي في اللحظة العابرة فيما هو مؤقت»، ويضيف (شوبنهاور) أبعاداً أخرى أقرب نتيجة؛ إذ يرى أنها تعني: «الأنانية والتخلي عن الطابع الاجتماعي، لا لتخلق نظاماً جديداً مستحيلاً، بل طلباً للإخلاد إلى الحياة والرغبة، يجب تدمير الأنا ووهم الوعي، كما ينبغي الاحتراس من وهم النظام الاجتماعي الذي يحمي الشهوات الأنانية فقط».

ومن هذه التعبيرات المتباينة يستشف المرء لوناً من القطيعة المستمرة مع الماضي ومع عالم الغيب، والثورة والتمرد على القيم والأخلاق، بل وحتى مع أي أعراف اجتماعية أو نظم وضعية، والانطلاق خلف الشهوات، والانقلاب على معالم الفطرة البشرية، والسعي في مادية بحتة لا تقف عند حد، بل تتفاعل وتتفاعل ليكون شعارها الثورة والتمرد الدائمين.

أما محاولة البعض لدينا أن يلبسها ثوب التحديث زوراً فهو لون من الكذب والتضليل؛ وفرق أي فرق بين التحديث «الأخذ بتقنيات العصر»، وبين الحداثة التي تعني ضرب القيم وطعن المقدس الذي هو لون من الزندقة.

   د. إبراهيم الخولي: ضرب المقدس وطعن التراث يعني تمييع المواقف وعدم الاعتراف بكل ما هو ثابت.. ومما ذكره الدكتور مصطفى فهم يريدون حركة الإنسان عشوائية ليس تقدماً نحو الأفضل؛ وهذا بدوره يؤدي إلى تحطيم الماهية والهوية ويعصف بالإنسان.

   د. مصطفى حلمي: بالنسبة للزمن وارتباطه بالتقدم أود التنبيه على أن خطأ العقل الغربي في رؤيته الحتمية أن التقدم يقتضي سيره في خط مستقيم هو الذي أوقعهم في هذا المأزق! وهو ما وقع فيه أتباع الحداثة في بلادنا.. وقد عاب توينبي على الغرب هذه النظـرة وخطّأها، والصحيح في هــذا هـو ما قرره أبو الحسن الندوي ـ رحمه الله ـ من أن التقدم والتأخر عندنا ليس رجعياً أو تقدمياً كما يصوره الغرب: عصوراً قديمة ومتوسطة وحديثة.. كلاَّ! بل هو بين مد وجزر؛ مد مع الارتباط بالكتاب والسنة، وجزر عند التخلي عنهما.

   أ. محمد مبروك: إذا كانت الحداثة في نشأتها الغربية تعني القطيعة مع الماضي؛ فمن واقع الكتابات التي عالجت الحداثة نجد أن هذه الكتابات تنقسم إلى رأيين: رأي يرى أن الحداثة تعني التمرد على الكنيسة؛ وبهذا فالحداثة عندهم تعني عصر التنوير، والآخر يرى أن الحداثة تعني الثورة على الأفكار التي تولدت في عصر التنوير ذاته، وعلى هذا فالحداثة ثورة على الثورة على الكنيسة دون أن يعني ذلك العودة إلى الكنيسة، وقد تبلورت الحداثة بوضوح في الأدب والفن، وبصورة أقل في السياسة والفكر، ومن بين من عرفها (سبندر) ـ أحد كتاب الحداثة ـ فيقول: «إن الفن الحديث [أي الحداثي] يعكس الوعي الحديث بموقف حديث لا سابقة له في شكله أو لغته» أي أن هناك قطيعة مع الماضي الذي ينصبُّ أساساً على عصر التنوير، ويعبر (دورن) عن مفهومها بقوله: «العمل الفني الإبداعي يقدم نفسه كتعبير حتمي تاريخي عن الاضطراب في مجتمع الرأسمالية المتأخرة»، أما (لوكاش) فيرى أنها: «تعبير عن عمى المثقف البرجوازي في مواجهة القوى التاريخية الحقيقية المضادة التي تعمل باتجاه تحويل هذا المجتمع إلى الاشتراكية».

   د. علاء عبد العزيز: الحداثة مصطلح غامض وغائم، ومن العسير جداً أن نبني تعريفاً حدياً أو حتى إجرائياً لمصطلح بهذا الشكل؛ فلا يمكن أن نقيسها مثلاً على الكلاسيكية التي تعد سمة؛ حيث لا تملك الحداثة صفات صارمة يمكن التعويل عليها ولكن هناك ظواهر عامة.

من ضمن ما قيل عنها أن: الحداثة مرتبطة بمفهوم «التمرد الدائم»، والتمرد قائم في أغلب المراحل التاريخية التي يظهر فيها جديد بحيث يوجد هناك لون من التمرد على ما سبق.. ومن ثم فهذه ليست سمة مميزة للحداثة إطلاقاً، كذلك من ضمن ما قيل ـ على لسان أحد المثقفين العرب ـ: «البحث في أسرار الكون» وهذا كلام غامض جداً ومبهم، والحداثة ليست بهذا الشكل.

   د. إبراهيم الخولي: يجدر بنا أن ننبه إلى أننا لسنا بصدد تعريف منطقي على الطريقة الأرسطية، وينبغي ألا تشغلنا التعريفات الهلامية التي يقدمونها.

   د. علاء عبد العزيز: اتفق معك تماماً في هذه النقطة، وحتى يمكن تجلية المفهوم أرى أنه من المهم أن أطرح بعض الملاحظات:

أولها: أنه لا يمكن التسليم بأن الحداثة مجرد اتجاه فكري فقط، بل هي رؤية شاملة للحياة تحمل معها كل تفريعات طريقة الحياة، هذا ما تشهد له تطورات الحداثة، وما يؤكده واقع الغرب، وما يحلم به ويسعى له الحداثيون العرب.

وثانيها: ينبغي ألا نُخدع بما يمارسه البعض من خلط مقصود بين الحداثة والتحديث؛ فالتحديث لا يعني أن يكون المجتمع مجتمعاً حداثياً.. فهو مغاير للحداثة تماماً كما أنه ليس مجرد نقل تقنيات حديثة.

وثالث هذه الملاحظات: تتعلق بملمح رئيسي من ملامح الحداثة وهو هاجس الزوال ونسبية الزمن حيث أصبح الزوال مفهوماً، هذا الهاجس امتد إلى كل شيء.. حيث ازدهرت ثقافة (التيك ـ أوي).. وأصبحت منتجات هذه الحضارة قائمة على الزوال ليس هناك شيء يسمى البقاء، وانتشرت شعارات مثل: استخدم وألقِ، ابنِ واهدم وتخلص..

ورابعها: أن الحداثة بما تحمله من تمرد على كل أشكال القيم، تتسم بانفلات الغرائز في الأدب والفن؛ إذ أصبح هناك ما يعرف بالأدب الغرائزي والأدب المكشوف في الحضارة الغربية؛ هذا الانفلات هو تعبير لصيق بفكر التمرد.

النقطة الخامسة: ـ وهي من أهمها ـ قضية إسقاط المطلق وادعاء نسبية الحقيقة، الحداثة تدعي نسبية الحقيقة وأنه لا يوجد شيء حقيقي، وإذا سقط المطلق (الإطار المرجعي وهي قضية ربوبية الله ـ تعالى ـ وألوهيته) أصبح كل شيء نسبياً.. وإذا كان الأمر كذلك فقد أصبح للشواذ حقوق خارج الإطار الديني.. ولهذا نجد تظاهرات للدفاع عن حقوق الشواذ والآخرين.

البيان: النسبية المطلقة التي تعد أبرز دعاوى الحداثة، هي بذاتها من أخطر السهام التي يمكن أن توجه للحداثة؛ لأن الثورة على المطلق وإسقاطه يعني نسبية الحقائق، وبهذا يؤول الأمر إلى أن النسبية هي المطلق المسلّم به لدى الحداثة، ومن المفروض أن المطلق يسقط بقول الحداثيين بالنسبية، ومن هنا تسقط النسبية حين تصبح هي مطلقاً! هذا نظرياً. أما من الناحية العملية فإن الحداثيين أنفسهم هم أول كافر بهذه النسبية في مواقفهم من الإسلام، وفي جميع المعارك التي خاضوها ضد الإسلام؛ بل إن فرض الحداثة على العالم الإسلامي هو كفر بهذه الحداثة.

وإلا فإذا كانت النسبية مطلقة كما يقولون فأين هي مما يجري من اضطهاد للمسلمين، واستضعاف للشعوب وفرض الوصاية الفكرية والهيمنة العسكرية والثقافية بمسوغ وبدون مسوّغ؟ هم بذاتهم أول كافر بنسبيتهم هذه حين تحرم المحجبة مثلاً من التعليم في عاصمة التنوير، أو يحرم مسلم ملتزم بإسلامه من الالتحاق بكثير من الوظائف لمجرد أنه مسلم!

   د. علاء: إلى حدٍّ مَّا أتفق معك في هـذه الفكــرة، ولكـن لا يمكن القول بأن النسبية قد أصبحت المطلق الوحيد، حتى هذا الكلام نسبي عندهم.

البيان: الحديث هنا من باب التنزل، وهذا لازم القول بنسبية الحقيقة؛ فلو كانت نسبية فيفترض أنهم ملتزمون بهذه النسبية، ومن هنا فلا حق لهم مثلاً في المصادرة على حق امرأة في الحجاب مثلاً أو في الختان، أو حق رجل في التعدد، أو حق شعب في تطبيق ما يراه حقاً له، وليس من حقهم أنفسهم أن يفرضوا وصاية على غيرهم من الشعوب المقهورة فيما تختاره خاصة إذا كان هذا الاختيار نابع من دين تؤمن هذه الشعوب به؟

الحداثة النشأة والتطور:

البيان: تعد الكنيسة الغربية أحد أبرز الأطراف التي أسهمت في ميلاد الحداثة وتطورها، إلى جانب الثورة الصناعية التي كان لها أثرها في تطوير أشكال التمرد وتجذير القطيعة على المستوى النظري وفي الممارسة، وهذا ما نلمسه من الشواهد الاجتماعية والثقافية الكثيرة؛ هل المسؤولية هنا ملقاة على الكنيسة وحدها كمؤسسة، أم أن للنصرانية حظها ونصيبها من هذه المسؤولية؟

   د. علاء عبد العزيز: من المهم هنا تسجيل نقطة تتعلق بالخصوصية الغربية، وهي أن التمرد في الغرب قد جاء كرد فعل على سلوك الكنيسة، ولكن الأهم من وجهة نظري أن العلمانية - كأساس عقدي للحداثة - ومع كونها أحد أشكال التمرد على النصرانية - هذه العلمانية كانت في نفس الوقت طوق النجاة للنصرانية من الانهيار، ولو لم تكن العلمانية لسقطت النصرانية سقوطاً مبرماً. كان لا بد تاريخياً وواقعياً وحالياً من انزياح الدين إلى جانب بعيد؛ لأنه فقد مقومات وجوده على أرض الواقع بعد الثورة الصناعية والتحولات التي تلتها، واليوم يعود الدين في الواقع الغربي كأحد أشــكال الهـــوية بصــورة عنيفة وقاسية جـداً، ولا نستطيع أن نلقي به خارج الحلبة، ولهذا فالغرب يعاني حالة من حالات المواجهة الغامضة..! لا أدعي بأن هذا الرأي فقط هو الرأي الصحيح والصواب؛ لكن أعتقد أن له حظه الكبير من الصحة.

البيان: إذن هناك قطيعة، وهناك توفيق هل هما مسلكان متباينان متصارعان داخل المجتمع الغربي؛ أم هو نوع من التلفيق بين هذا وذاك؟

   أ. محمد: من الممكن أن يكون هذا من نتائج تصور الغرب للدين أنه أوجد صيغة توفيقية من أجل إنقاذ النصرانية لفترة من الزمن بدلاً من أن يرفض النصرانية بالكامل.

البيان: لكن بذرة العلمانية موجودة منذ أن شاع مبدأ: «دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله» وهذا له خصوصيته بالنسبة للنصرانية كدين وللغرب كمسلك في الحياة.

   د. إبراهيم الخولي: الأقرب أن ذلك كان نتيجة غير مرادة للغرب، ولكنه هو ما وقع بالفعل نتيجة السياق التاريخي؛ فكما جنت الحداثة على النصرانية وحصرتها في ركن الحياة حتى حين، أسدت إليها جميل البقاء؛ فالقطيعة وجدت وقويت، وما أن أخفقت الحداثة وسقطت ذلك السقوط المريع، حتى بدأ الدين يعود من جديد وبقوة، لكنه عاد بغير الصورة التي كان بها وقت سطوة الحداثة عليه؛ إذ عاد ديناً حداثياً علمانياًً فضفاضاً، عبارة عن شعارات وأمانٍ ترسم له العلمانية دوره.

   د. مصطفى حلمي: العلاقة بين الحداثة وبين النصرانية تراوحت بين المصالح المشتركة وبين التنافس أو النزاع والخصومة الشديدة، كانت القضية بين الكنيسة والدولة، لكنها تعدت ذلك إلى الجماهير التي حركها فكر ومصالح وشهوات جنباً إلى جنب، وحين انطلق العقل من إسار النصرانية وصل مؤخراً إلى حالة من العجز أدت إلى البحث عن حل ربما يكون هنا أو هناك؛ ليس لأنها حق ولكن لكونها بمثابة المنطق الذي يُستند إليه.. وبهذا فإن الفكر الغربي وصل بالفعل إلى مرحلة من الإفلاس الذي نقرأ بعض معالمه اليوم.

   أ. محمد مبروك: من الطبيعي أن يحدث كل هذا داخل الحضارة الغربية بدءاً بالتمرد على النصرانية وانتهاء بالعجز، ومن المهم استصحاب هذا في قراءة سياق تطور الفكر العلماني، ومن المهم هنا أن نلقي الضوء على ما ذكره بعض الباحثين من أن النصرانية تمثل أكبر إشكالية في تاريخ الفكر الإنساني لأربعة أسباب:

أولها: هي صورة وجود السيد المسيح نفسه في التصور الغربي، ويذكر المؤرخون الغربيون وعلى رأسهم (ول ديورانت) أن وجود السيد المسيح نفسه من الناحية الموضوعية عند الغرب مشكوك فيه، وفي نظري أن الإسلام هو أكبر داعم لوجود المسيح في التاريخ.

الإشكالية الثانية: تتعلق بصحة تواريخ الأناجيل ومدى صحة إسنادها إلى أصحابها؛ هذه الأخرى مطعون فيها ومن المؤرخين الغربيين أيضاً.

الإشكالية الثالثة: حول مدى صحة ما جاء في هذه الأناجيل والتناقضات فيما بينها.

الإشكالية الرابعة: أن النصرانية المشاعة الآن لا علاقة لها بالأناجيل حتى المحرفة. الأناجيل ليس فيها كنيسة ولا رهبانية ولا قواعد صلاة ولا أي قواعد مما يذاع فيها. بمجموع هذا كله فالنصرانية تمثل إشكالية تسوغ للعقل الغربي أن يسير فيما سار فيه؛ وهذا السياق لا يصح مطلقاً للتطبيق على مجتمعاتنا الإسلامية.

   د. إبراهيم الخولي: هناك سبعة من كبار أساتذة اللاهوت في أكسفورد ألفوا كتاباً بعنوان «خرافة تجسد المسيح» في أوائل الثمانينيات، وأحدث ضجة، وقد ترجمه أحد الأساتذة المصريين هناك لكنه لم ينشر حتى الآن.

   د. علاء عبد العزيز: النصرانية ديانة مرتبطة بالروح وليست ديانة واقع (معاملات)؛ لأنها فُرضت لتهذيب الجانب المادي عند اليهود، أما الإسلام فإنه دين متوازن ما بين قيم روحية وتعاملات في الواقع والسلوك، الإسلام يضبط السلوك.

الشيء الملفت في سقوط الحداثة هناك ـ وكما ذكرت منذ قليل ـ أن هناك حنيناً جارفاً للعودة إلى الدين في الغرب؛ لكنها عودة بشكل من أشكال الهوية وليس من أشكال الإيمان، والاقتناع بالدين.

البرجوازية والحلقة المكملة:

البيان: كيف تشكلت الحداثة في ظل المجتمع الرأسمالي في ظل التمرد على الكنيسة؟

   أ. محمد مبروك: حين نشأت الحداثة في نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 كانت البدايات في مجتمع الاغتراب؛ فالمهاجرون في مجتمع المدينة مع شعورهم بالاغتراب في ظل البرجوازية، نمت لديهم مشاعر الكراهية والثورة على هذا المجتمع؛ لأنها ليست مدينتهم.

البيان: تماماً كما يشعر اللقطاء!

   أ. محمد مبروك: بالضبط؛ لأن المجتمع البرجوازي تعامل بمادية بحتة مع القادمين ولم يعاملهم مثلاً كما عامل الإسلام المهاجرين، وانطلقت الحداثة من خلال الأدب والفن بقوة، وتأثر بها الفكر وتأثرت السياسة ولكن بصورة أقل وضوحاً، ومع تجليها في الفن بقيت شديدة التضارب والتعقيد.. شديدة الغموض.

ومع تجذر الاغتراب وتحوله إلى قطيعة، تحولت الحداثة إلى مشروع تمرد يبحث من خلال التجريب عن حلٍّ ما للإنسان، هكذا هم تصوروا الأمر، وقد كان التمرد على المجتمع الرأسمالي البرجوازي في البداية، ثم تحول إلى تلك الصورة الشاذة مع الوقت، وفي هذا الإطار نرصد في الفن (فوكنر) و(بيكاسو) و(ستراينسكي) و (بوريس)، وبالنسبة للأدباء (باوند) و(لورنس) و (جيويس) و(بتس أليوت).

اللافت للنظر هنا أن تلك القطيعة أسقطت مع الوقت كل الرؤى المعرفية التي يمكن البناء عليها، ليس الرؤى الدينية فقط بل والتأملية (العقلية)، وتفجرت النزعات الإنسانية المتمردة في كل الاتجاهات.

   د. علاء عبد العزيز: فيما ذكر الأستاذ ملاحظة مهمة حول الخصوصية الغربية في نشأة الحداثة، تمثلت في نظرة القادمين إلى المدينة وكم الحقد الذي يدفعهم للتمرد لشعورهم بتقاليد جديدة تعاملهم كآلة بما رسخ القطيعة الشعورية بين هؤلاء والمجتمع، مع أن هؤلاء القادمين كانوا من الذات الغربية، ولكن التعامل الطبقي معهم ورثهم الكراهية. وإذا كانت هذه النظرة داخل الذات الغربية فكيف النظرة إلى الآخر؟!

البيان: إذا ذكرت الحداثة ذكر (نيتشة) بانقلابه الكبير في عالم الأفكار والقيم، فكيف رسخت أفكاره لمسلك القطيعة الذي بدأ شعوراً ثم تطور فكراً أو فلسفة؟

   أ. محمد مبروك: كما كانت الثورة الفرنسية انقلاباً على الفكر الكهنوتي حين وضعت أسس البرجوازية على أنقاض المجتمع الإقطاعي الأرستقراطي بآدابه وفكره، وصعدت الوضعية في كينونة عقلانية؛ كانت أفكار (نيتشة) انقلاباً على البرجوازية والكهنوتية معاً، حيث ذهب الأول إلى أنه لا يوجد مـوضوعية في العالم..!

ومن ثم أسقط كل المفاهيم والقواعد القيمية الفلسفية والمجتمعية للمجتمع البرجوازي، وكان المقابل قيماً جديدة تأتي من خلال التجريب في اتجاهات شديدة العدمية والعبثية وشديدة الغموض.. يطرحها الفنانون،  هو يجرب.. النزعات كلها مباحة، ومن ثم فلا غــرابة إذا مـا صـارت المثلية والشذوذ ـ مثلاً ـ جزءاً لا يتجزء من التجريب الحداثي.

   د. علاء عبد العزيز: ينبغي أن نفرق بين القطيعة المعرفية والانقطاع التاريخي؛ فالحداثة تمثل قطيعة معرفية مع الماضي دون أن يعني ذلك انقطاعاً في المسار التاريخي، بمعنى أننا لا يمكننا التوصل إلى لحظة تاريخية نعتبرها كحد السكين نهبط بها لنفرق تاريخياً بين الحداثة وما قبلها، وما بعدها.. فالحداثة جاءت إفرازاً لتفاعل مجموعة عوامل آخذة في التطور في ظروف اجتماعية تتعلق بالغرب. هناك تداخل بين هذه العوامل، ومن هنا يمكن رصد عدة تطورات فكرية وتاريخية أسهمت في توليد الحداثة:

- في عام (1859م) ظهر كتاب: «أصل الأنواع» لـ (دارون) ومنهجه الذي ينتهي بالغرب إلى نزع القداسة عن الإنسان «كونه مخلوقاً لله» ونسبته إلى الطبيعة، والإعلاء من شأن القوة في مقابل القيمة «فكرة البقاء للأقوى وليس للأصلح».

- وفي (1867م) صـدر كتاب: «رأس المال»، الجـزء الأول لـ (ماركس) وهذا كان محاولة لهدم المفهوم الأرستقراطي والاقتصادي الرأسمالي الموجود في الغرب وبرجوازيته.

- (1882م ـ1883م) ظهر كتابان لـ (نيتشة) وهما: «العلم المرح»، و«هكذا تكلم زرادشت» وطرح بدعته عن موت الإله، وأنه ينكر أن يكون هناك إله مجاوز لهذا الواقع.

- (1890م) صدر كتاب «الغصن الذهبي» لـ (جيمس فريزر) وتكلم عن الأساطير المؤسسة للمسيحية وعلاقاتها بالأساطير.

- (1895م) اكتشاف أشعة (إكس)، وبداية دخول العالم الداخلي للإنسان.

- (1900م) كتاب «تفسير الأحلام» لـ (فرويد).

- (1905م) النظرية النسبية في صياغتها الأولى لـ (أينشتين).

كل هذه التراكمات أدت إلى تحطيم كافة التصورات الكلية لدى العالم الغربي التي تشكل رؤيته للكون، والتي كانت تحمل في طياتها كثيراً من الخرافات، ومن ثم حين اكتشف العقل الغربي حجم الأخطاء في تصوراته الكلية حدثت صدمة ضخمة عصفت بما يحمله الفكر الغربي أيضاً من بعض الحقائق.

ومن هنا فإن الحداثة لم تأت من فراغ، ولكنها جاءت وفق سياق تاريخي متتابع خاص بالتطور التلقائي الذي مر به التاريخ الغربي، عبر الاكتشافات والآراء النظرية الفكرية والفلسفية والعلمية؛ فهذا مرتبط بفلسفة التنوير، وليس هناك لحظة انقلاب من حال إلى حال، ولكنها تراكمات.

   أ. محمد مبروك: هذا صحيح فلم تكن هناك نقطة تاريخية بذاتها مثلت لحظة انقلاب كلي، ولكن مجمل ما حدث هو انقلاب كلي.. فثورة الفكر الغربي على الكنيسة تمخضت عن مدرستين هما: «المدرسة المثالية العقلية» (هوبز وبلوك وهيوم)، و«المدرسة المادية التجريبية» (بريكلي وكانط وهيجل).. وكان بين المدرستين صراعات ومساجلات طويلة تأرجح الفكر الغربي بين وجهتيها، وكلا المدرستين نتاج لاستبداد العقل الغربي وانفصامه عن الكنيسة في رسم المنهج البشري، وبناء تصور للوجود، وابتداع القوانين التي تدير شؤون الحياة.

من هذا المنظور انطلق التطور في الغرب، لكن مع نهاية القرن الـ 19 ومع ظهور بعض العوامل المادية التي أشار إليها الدكتور علاء والتي من بينها أصل الأنواع، ولكن أهمها من وجهة نظري الثورة على وجود إله بحق أو بباطل.

البيان: تقصد هرطقة نيتشة حول موت الإله التي تعد من أخطر الأفكار التي طرحت في سياق التطور الحداثي؟

   أ. محمد مبروك: ليس (نيتشة) وحده، بل هناك أيضاً (وليام جيمس) والذي أتت أفكارهما على ما تبقى من قيم، فانحدرا بالفكر الغربي نحو مهاوٍ سحيقة أبعد من مجرد الكفر بوجود إله، فـ (نيتشة) لم يكتف ـ تعالى الله ـ بإعلان فكرة موت الإله، وإنما عمل على محو ظلال الإله؛ وهي القيم التي كان يحافظ عليها حتى منكرو وجود إله. بمعنى أن الذين أنكروا وجود الإله راعوا قدراً من القيم التي كانت متعلقة بوجود الإله والتي تمثل إطاراً أخلاقياً عاماً للمجتمع، وهذا لم يكن متسقاً مع إنكارهم للإله، فجاء (نيتشة) بقوله: «إذا كان الله غير موجود فلا قيم ينبغي أن تعلق مطلقاً في الهواء»، وبدأت مرحلة من القضاء على كل القيم.

اللحظة الفارقة أن الفكر الغربي الذي جعل الإنسان الكامل هو الذي يدير الكون بدلاً من الإله، وهذا لا يعني القضاء على الأديان فحسب؛ بل وعلى المذاهب الفكرية التأملية التي تصنع مشروعاً بديلاً من خلال العقل الإنساني. وبمعنى أدق: القضاء على المشروع التنويري الذي نتج عن قمة عصر النهضة، بمعنى أنه ليس هناك مثاليون، أو ماديون، وهم الذين تبنوا من قبل مشروعات ثورية على الدين، وحاولوا أن يضعوا تصوراً للحياة من خلال منظومة عقلية أو مادية.

   د. إبراهيم الخولي: الغرب استهلك النصرانية في عصر الإقطاع، ثم أقصاها.. ثم استهلك الدين المدني مع (روسو) والدين الوضعي مع (أوجست كونت)، وها هو اليوم يشقى بما بعد الحداثة بعد أن دمرت الحداثة بنياته الفكرية والثقافية، وأُفسد الإنسان وسُحق بمفاهيم الحرية المزعومة التي بشرت بها الحداثة، وخُرب المجتمع، على طريقة جئتُ ولكن لا أدري من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت طريقاً قدامي فمشيت. منتهى الضياع ومنتهى السقوط وهذا ما نجده أكثر وأكثر في مبدأ البرجماتية الشهواني الذي أرساه (وليام جيمس).

   أ. محمد مبروك: (وليام جيمس) كان أخطر الجميع، وكان معاصراً  لـ (نيتشة)، وطرح فلسفة ليس لها أي احترام على المستوى الأكاديمي، لكنها من حيث التطبيق العملي هي أخطر ما نتج عن الفـكر الإنساني من حيث القابلية للانتشـار والذيـوع ـ هذا إذا تحدثنا من خارج النطاق الإسلامي ـ ففكر (نيتشة) قائم على بعدين أساسيين متجذرين في الحضارة الغربيـــة هما: (أبيقور) و (السوفسطائيون): أي «العبث، وليس في الدنيا حقيقة مطلقة» فانطلق من نقطة عبث، وقال: «ما دمتم تقولون إن المذهبين الأساسيين المادي والعقلاني لم يوصلاكم إلى حقيقة مؤكدة.. فتحملوا الأفكار التي سأقولها لكم؛ ليس من باب اليقين، ولكن على الأقل من باب الظن مبدئياً، ولا أريد منكم تصديقها، ولكن ما دمتم غير مستيقنين من أي شيء.. فخذوا ما أقوله؛ فربما يكون مظنوناً». وهو نفس ما انطلق منه (وليام جيمس) فهو أيضاً لم يدّع مبدأً وكأنه يتفق مع (نيتشة) في هذه النقطة ليس حقيقة، ولكن موقفه يفارق (نيتشة) في التعامل مع العالم بشيء خطير جداً يحمل الكثير من التلاعب، وهو أنه حمّل (أبيقور) فوق هذه العدمية، ما دام أنه ليست هناك حقيقة.. والحياة عبث في عبث، لو أن الإنسان وقف أمام الأفكار المصيرية في الحياة فسيتحول إلى القلق والسأم والجنون؛ لأن افتقاد وجود الإله ليس فقط يسقط القيم كما يعتقد (نيتشة)، ولكنه يسقط القواعد القيومية المنطقية التي تنظم العالم في نظام ما؛ لأن من يعيش في هذه اللحظة بحقيقة كاملة يتآكل ويموت في العبث، وقد يجن الإنسان بالفعل. هذا الكلام هو ما وعاه (هدجر).. فكان البديل هو فكرة إلهاء الإنسان عن هذه المواجهة العاجزة أمام الأفكار المصيرية للحياة.

البيان: سياسة الإلهاء التي تتبناها مؤسسات التوجيه العالمية والمحلية هي جزء لا يتجزأ من الحداثة التي رسخها نيتشة وطورها وليم جيمس.

    أ. محمد مبروك: ينطلق جيمس من فكرة ساذجة تقول: لا تقل هذا خطأ أو صواب، ولكن جرب أي فكرة في الحياة وانظر فيها؛ فإذا كانت تأتيك بمنفعة عملية ـ المنفعة العملية في التطبيق العملي الأمريكي ستتحول إلى لذة ـ فهي حقيقة، وإذا لم تأتك بمنفعة عملية فلا تقل إنها باطل ولا حقيقة؛ لأنها لا تهم، وطبق هذا ضمن ما طبق على العقيدة في الله تعالى؛ فلا يقول: الله موجود أو غير موجود؛ فهذه القضية لا يشغلون بالهم بها؛ «دعنا نتمتع بإلهنا لو كان لدينا إله» إذن ليس لديهم دين حقيقي ودين غير حقيقي؛ فإذا تعامل المرء منهم مع الدين بطريقة عملية؛ فمثل له لوناً من الاسترخاء والتخدير ضمن حالة الإلهاء المادي التي يعيشون فيها فهو في نظر هؤلاء دين نافع.. وإذا عجز عن أداء هذا الدور طلقه وكفر به؛ ومن هنا انتشر الإلحاد في المجتمعات الغربية، وقد فلسفها (وليام جيمس) بقوله: هذه طرائق جديدة لأفكار قديمة.

   د. مصطفى حلمي: لقد انتشرت ثقافة اللذة وسلوكها في سائر المجتمعات من خلال أبواق الإعلام والثقافة، وأمست بضاعة يروج لها أبرز رموز الحداثة في عالمنا الإسلامي من خلال منتدياتهم وتفاعلاتهم المقروءة والمسموعة والمرئية؛ فالثقافة على سبيل المثال أصبحت منتجاً، وصارت تتمحور في مفهومها حول اللذة والمتعة وحول ما يشاهده الإنسان دون ما يغيب عنه، ويلجأ كثير من الحداثيين إلى الفكر الغنوصي لهدم كثير من الثوابت الإسلامية ومن بينها عقيدة الربوبية وصولاً إلى ما راج في الغرب من أفكار شاذة، وقد رأينا نماذج هذا الطرح في رواية الوليمة وأخواتها. هذا للأسف هو الطرح الذي تتبناه عدد من الدوائر الرسمية والدور الثقافية في عدد من بلاد الإسلام باسم الحداثة والتنوير!

   أ. محمد مبروك: الفكر الحداثي طبقاً لجيمس يقدم تسويغاً لما هو موجود بالفعل في الحياة الأمريكية (للرأسمالية) التي تحول كل الأشياء إلى ماديات وإلى منفعة، ويقنن البحث عن تجدد المتعة إلى أقصى درجة وجعلها رغبات مستمرة، بحيث يصاب الإنسان باللهاث وراء تلك الرغبات دون أن يتمكن من تلبيتها، فيتحول الإنسان في هذه الآلية المتسارعة إلى درجة من الإلهاء الحسي التام بعيداً عن التوقف أمام الأفكار المصيرية التي تحطمه؛ لأن (وليام جيمس) متيقن أنه لو توقف أمام هذه الأفكار المصيرية فسيصل إلى مرحلة الجنون.

هذه الأفكار اعترف (جيمس) نفسه بافتقادها للمنطق؛ ولذلك رفضها الأكاديميون، لكن الفكرة لشهوانيتها وضعف الإدراك أو لنقل الإيمان أمامها غزت العالم بالفعل كما توقع صاحبها حيث النقد الرديء يطرد النقد الجيد.

البيان: الحداثة سحقت الإنسان حين حولته إلى آلة حيناً؛ وإلى حيوان بهيمي حيناً آخر؛ لكنها ما زالت تخاتل من خلال أدوات جبارة وأفكار براقة، وقد رأينا صوراً من البرجماتية التي تحمل على ظهرها روحاً صليبية تسحق بها الشعوب ليس بالآلة الإعلامية الجهنمية وحدها، بل وبالعتاد الحربي الثقيل؛ ومــن ثم فمـن المتوقــع أن يصبح الشـعار في الأيــام المقبلة: لا صوت يعلو فوق صوت الحداثة؟

   د. مصطفى حلمي: ظاهرة التشيُّؤ التي سيطرت على العقل الغربي في نظرته للإنسان جعلت من الإنسان مجرد آلة يتم الانتفاع بها انتفاعاً مادياً ثم يرمى تماماً كما يحدث للآلة بعد أن تستهلك، هذا التفكير سحق الإنسان بالفعل حين حرمه مرة من إشباع حاجاته الروحية، وجعله مجرد سلعة تباع وتشترى، وأرهقه أخرى حين رده إلى بهيمية غرائزية أسقطت تعاليم الدين كما أسقطت تقاليد المجتمع، بل أسقطت مفهوم المجتمع ذاته ليتحول الغرب إلى نزعة فردية قاتلة ذات طابع عشوائي إغوائي تبرز فيها وسائل إعلام جبارة تصنع لهؤلاء الأفراد رغباتهم وأفكارهم، وتغيرها متى شاءت دون أن يملك الفرد حق الاعتراض، حتى وإن استخدمه فإن صوته يذهب هباء وسط هذا الصخب الهائل، وكما يحدث في عالم الموضة تتم السيطرة على ساحة الفكر باستمرار من خلال إصدارات متتالية يغرق العقل الغربي في تهويماتها وتفصيلاتها، مستفيدة في ذلك من تطبيقات علم النفس الاجتماعي في توجيه تلك الشعوب، ومن ثم فإن ما يعبر عنه بالحرية الفردية ما هي إلا أكذوبة لا تقل فحشاً عن الأكاذيب التي يمتلئ بها عالم الحداثة وما بعدها اليوم، وكما تم سحق الفرد يتم سحق الشعوب المستضعفة، والعجيب أن تصادر حريتها باسم الحرية، وتسلب مدخراتها باسم العدالة ويُضيّع مستقبلها باسم حماية المستقبل.

   د. علاء عبد العزيز: هناك حالة من حالات الخداع التي اكتشفت أنه كلما ازدادت المعرفة ازداد سلوك الإنسان انضباطاً ورُقياً واقتراباً من المثل العليا، لكن فجأة وفي وسط هذا التطور الفلسفي والفكري المجرد.. تنفجر أحداث حربين يطلق عليهما عالميتين، لنكتشف الوجه القبيح لهذه الحضارة: الإبادة بالجملة. كانت الحرب قائمة فيما مضى على طرفين لا ينسحب طرف إلا بعد هزيمته، وعندما أصبحت الحرب حرب إبادة مدنيين نساء أطفالاً رجالاً لا يهم فالمهم المكسب.. الوجه القبيح للحداثة ماثل في إلقاء القنبلة الذرية على اليابان وليس ألمانيا؛ لأن ألمانيا هي جنس أوروبي لكن اليابانيين جنس أصفر لا تهم إبادتهم، ومع أن واقع التاريخ يؤكد أن اليابان كانت ستستسلم، وأرسلت ما يفيد ذلك ولكن سطوة الرجل الأبيض المرتبطة بالعنصرية الشديدة طغت على مسالك التفكير.

   أ. محمد مبروك: هم أرادوا أن يكسروا اليابانيين لصالحهم قبل أن ينكسروا للروس من أجل تحقيق مكاسب لهم قبل الروس، ومن هنا فنحن نموذج برجماتي بحت.

البيان: هذا «طرح» نموذجي لثنائية «الأنا والآخر» على حقيقتها في الملة الحداثية، ومثال «صارخ» للتسامح الحداثي المزعوم مع الآخر!!

   د. مصطفى حلمي: الوجه الأخلاقي للحداثة تبدى جليّاً في معاملة الغرب العنصرية للمجتمعات الأخرى. الحداثة ليست سوى عنصرية واستعمار وتسلط وعنف، وهي الآن تتبدى في ممارساتها حتى داخل المجتمعات الغربية نفسها في ممارسة كل هذه الأخلاق أو تجديدها. المجتمعات التي تفيض عنفاً وشذوذاً، والتاريخ المليء بأبشع صور الاستعمار وذبح الشعوب، وسرقة ثرواتها، سواء في عالمنا الإسلامي أو في أمريكا الجنوبية أو حتى في الولايات المتحدة ذاتها، الحداثة التي تستبطن مبدأ داروين (البقاء للأقوى) هي التي تبعث بجيوشها لتهلك الأخضر واليابس وتوزّع على الشعوب نصيبها من اليورانيوم المنضب الأمريكي!! وتحول بقية العالم إلى مصدر للمواد الخام والعمالة الرخيصة، وسوق مفتوحة بشكل دائم للسلع الغربية. وعصر الحداثة وما بعدها هو الذي شهد إبادة الملايين، وكما يقول بعض الباحثين: إن هذا الإله الصناعي الحديث [لحداثة] أباد عرقاً بأكمله (العرق الأحمر)، أي سكان الأمريكتين الأصليين، وأكل زبدة عرق آخر (العرق الأسود) عن طريق النخاسة واستعباد ملايين (مما يضع عدد ضحايا هذه العملية نحو مائة مليون إنسان) باعتبار أن عبداً واحداً يحتفظ به النخاسون الغربيون كان يقتل مقابله تسعة عبيد. هذا بخلاف الشعوب التي تمت إبادة الملايين منها في دورة الاستعمار الماضي، والتي تتكرر مشاهدها اليوم في العراق وفلسطين وأفغانستان والبوسنة، وأمبون وتيمور وكشمير، والشيشان ومورو...، فلماذا يريد الغرب منا أن ندين بالحداثة؟ وإذا كان الغرب يبشر بالحداثة تحقيقاً لصالح شعوبنا فلماذا يدفع إلينا بجيوشه وعتاده، ويحرّم علينا أسرار التقنية والتقدم التي يسهم في جزء منها مسلمون وعرب.

البيان: تقول بعض الإحصائيات إن ما ينفق اليوم على السلاح يفوق بأضعاف مضاعفة ما ينفق على الطعام والدواء، كما تشير إحدى الدراسات إلى أن إجمالى ما استهلكته الولايات المتحدة (كبير كَهَنَة الحداثة) يفوق مجموع ما استهلكه الجنس البشري منذ آدم عليه السلام وحتى اليوم.

   د. إبراهيم الخولي: الحضارة الغربية بطبعها حضارة عنصرية قائمة على مركزية الغرب، والحداثة شأنها شأن أي نتاج عن هذه الحضارة، هذه الحضارة بحداثتها هي التي تجعل اليوم من 80% من سكان العالم فائضاً بشرياً يجب التخلص منه. والحداثة كما تقوم على سحق الشعوب، تقوم على سحق الفرد من خلال قيم فردية، يلهث فيها الإنسان وراء ما يقرر له أن يلهث وراءه، والحريات الفردية أكذوبة كبرى، وإنما هي حريات فرويدية إن صح التعبير.. لم تشقَ البشرية في تاريخها كما شقيت اليوم وهي كلها لم تعد بمأمن من ضربها بأسلحة فتاكة.. وحروب لا تدري لِمَ أقيمت ولا متى تنتهي، ومن أمراض نفسية وبدنية، وسقوط اجتماعي، وضحالة فكرية، وافتقاد الحداثة للمرجعية النصية يعلن عن إفلاس في القيم وفي الأخلاق ومن ثم إفلاس في الحضارة.

وهل عُهِدَ في الفكر الإنساني وفي تاريخ الثقافات أن تقوم مذاهب على هذا المستوى المدعى من الشمول..! تقوم وتطور وتموت في عقود ثلاثة كما في البنيوية وعقدين كما في التفكيكية ثم تنتهي؟

البيان: هل يمكن تصور حداثة عربية كما يقول بعضهم؟ 

د. إبراهيم الخولي: ليس هناك ما يمكن أن نسميه حداثة عربية على التحقيق.. بل ولا يوجد حداثيون عرب، لدينا دعاة حداثة عرب، ونسبتهم إلى الحداثة نسبة المقلد لا المنتج أو المبدع، فهؤلاء لم يقدموا فكراً مستقلاً، وإنما نقلوا عن الغرب دون أن يراعوا خصوصية مجتمعاتهم، فهؤلاء ليس لهم جهد فكري مستقل في هذا الباب.

أ. محمد مبروك: الحداثة تطور عن العلمانية الغربية التي تقتصر على العقل الإنساني وتجتنب القداسة بترك المسيحية، وإذا كانت قد تعايشت مع المسيحية فلا يمكن هذا مع الإسلام؛ لأن الإسلام منهج كامل غير قابل للتجزيء.

الإسلام والعلمانية نقيضان، ومما وقع عليه الاتفاق بين العلماء والمفكرين العرب أن العلمانية كفر، وما أجمل الإشارة في هذه النقطة إلى قول الدكتور محمد البهي ـ وكان وزيراً للأوقاف ـ في كتاب له: «العلمانية أخذ بعض الدين وترك بعضه؛ فهي كفر»، وهذا يعدُّ موقفاً رسمياً في الدولة، ومما يزيد الأمر حجية على العلمانيين عندنا أن هذا المؤلِف إلى جانب منصبه الرسمي حائز على دكتوراه الفلسفة من ألمانيا؛ بمعنى أنه محيط بهذه القضية من الناحية الشرعية ومن الناحية الفلسفية.

البيان: وماذا عن قول بعضهم إن العقل الحداثي العربي قد تحول من استهلاك الحداثة الغربية في الثمانينيات إلى بناء نموذج عربي مستقل في التسعينيات؟

د. علاء عبد العزيز: هذا كلام غير معقول؛ لأن الحداثة مبدئياً تعني القطيعة مع التراث؛ فكيف ستتطور عنه وهي في قطيعة كلية معه، ثم كيف ستكون عربية وهي لم تتحرر من النظريات والمصطلحات والأفكار التي ولّدها السياق الغربي، وجميع ما يردد في المحافل الحداثية مستورد ليس إلا، نحن لا نطعن في توليد نموذج عربي، بل نطعن في  وجود ما يمكن أن يسمى حداثة عربية مستقلة؛ لأن ما أحدث القطيعة المعرفية مع التراث في الغرب غير موجود في تاريخ العالم الإسلامي.. في المجتمع الإسلامي تشيع حالات من التراحم والتكافل، جنبته ويلات الصراع الطبقي الموجود في الغرب، ولهذا فإن ماركس لم يستطع أن يطرد نظريته على العالم الإسلامي، وتهرب بتسميته نمط إنتاج آسيوي.

الأوقاف على سبيل المثال، وهي جزء من نظام عام للتكافل الاجتماعي في الإسلام، كان لها دور مهم للغاية في تجنيب العالم الإسلامي ما حدث في الغرب من صراع، وقد ذكر بعض الباحثين أن ثلاثة أرباع أراضي الدولة العثمانية كانت أراضي أوقاف وليست ملكاً للدولة؛ إذن هناك مجموعة من المكونات هي التي أوجدت القطيعة والتمرد على التراث ورفض الدين في الغرب، هذه المكونات ليس لنا بها أدنى صلة لا تاريخياً ولا دينياً ولا حضارياً، ومن ثم فمن غير المنطقي أن تطبق نظريات الحداثة على مجتمعات خالية من الظرف التاريخي الذي ولّد الحداثة.

أ. محمد مبروك: العالم الإسلامي في هذه المرحلة يفتقد وجود مفكرين وفلاسفة يتطورون لكي يأتوا بفكر جديد يناسب المرحلة، أما ما يحدث ففي تصوري أن هناك مجموعة من المتمردين على الدين لا يحبون الله، يريدون أن يصنعوا لأنفسهم إطاراً موضوعياً يحتمون به، لذلك قاموا باستيراد فكرة الحداثة من الغرب، وأخذوا منها ما يتناسب مع مشروعهم الانتهازي في تدمير النسيج الإسلامي القوي وترويج وجودهم الإلحادي.. في الماضي كان المتمردون والزنادقة قلة، ونتيجة لتمكن الدين كان يتم اجتثاثهم سريعاً سواء بالعقل أو بغير العقل.. ولكن بالنسبة للعصر الحديث، فهناك قوى كبرى في الغرب يحتمون بها، ومن هنا كان من طبيعة الأشياء أن يميل هؤلاء إلى الحضارة الغربية، ويشعرون بالانتماء إليها لأنها هي التي تناسب مسلكهم، فيجب أن يلتحقوا بها، ومن ثم جاء الموقف متسقاً مع ما يعتقدونه؛ لأن من لا يؤمن بالله سيبحث ولا بد عن النسق الفلسفي الذي يمكن أن يتطور فيه،  فهم انساقوا وراء النسق الفلسفي الغربي، واعتبروا كل ما يتطور إليه النسق الفلسفي الغربي يمثل التطور الفلسفي للعالم، فالقضية ليست غرباً وشرقاً، ولكن ما يمثل أقصى تطور للفكر الإنساني يرون تعميمه على العالم كله، فهم كانوا متسقين مع أنفسهم حين أرادوا أن يصنعوا إطاراً موضوعياً لإلحادهم وعلمانيتهم، فالتجؤوا لآخر موضة موجودة في الغرب والتي تسمى الحداثة، هل هم أخذوا الحداثة كتطور للمجتمع عندنا؟ هذا غير صحيح مطلقاً، ولكن لأنهم يؤمنون أن ما ينتج عن المجتمع الغربي يمثل الإنسانية جمعاء اعتبروا أن الحداثة تمثل فكرهم، فاستوردوها، هذا من الناحية الموضوعية.. أما من الناحية الأخلاقية فالذي حدث هو أنهم تمسحوا بها، وأخذوا ما يتناسب مع مشروعهم الانتهازي في تدمير النسيج الإسلامي القوي، وتسويغ وجودهم الإلحادي.

د. إبراهيم الخولي: ما يسمى الحداثة العربية أو نقل الحداثة الغربية إلى المجتمع الإسلامي؛ هو بمثابة نقل أعضاء لجسم هو يرفضها ولا يمكن أن يتقبلها، فالسياق التاريخي والفكري والاجتماعي مختلف، ولمثل هذا النقل أمثلة في تاريخنا، مثل كتاب (نقد الشعر) الذي ترجمه «قدامة بن جعفر»، وكتاب (الشعر) لأرسطو الذي ترجمه «متى بن يونس»، وكان ذلك في وضع قوة الدولة الإسلامية التي كانت تستقبل استقبال الناقد المتفحص الذي يأخذ ويرمي وينقي ويترك، ثم يهضم، ثم يضيف فيخرج للبشرية ما لا قِبَل لها بأخذه في البداية، ولذلك رفض المجتمع كتاب (نقد الشعر) لتأثره بالفكر الأرسطي، ولننظر كيف الغرق في الهزيمة الفكرية، هذا إذا لم نذهب إلى أبعد من ذلك، وكم هو البون بينهم وبين «السيرافي» شارح كتاب سيبويه حين ناظر «متى بن يونس» لمَّا تفاخر بالمنطق اليوناني، وأن العرب لم ينتجوا منطقاً كالمنطق اليوناني، رد عليه السيرافي وقال: جهلتَ.. فليس المنطق إلا نحواً إلا أنه مسلوخ من العقل، وليس النحو إلا منطقاً إلا أنه مسلوخ من اللغة، وسأسألك عن حرف الواو، وأدلك على أسراره واستخداماته... إلى آخر كلامه، فأين منطق (أرسطو) من النحو العربي.

فالحداثيون يجهلون التراث الإسلامي العظيم؛ لذلك فهم يعادونه لأن الإنسان عدو ما يجهل، فأنا لا أخشى من دعوتهم فهي ستزول كما زال السابقون، أما حداثة الغرب فهل تستحق من المجتمع الإسلامي كل هذه الجلبة والضجة التي يثيرها الحداثيون العرب؟ لقد ماتت في بيئتها ودخلت المتحف لا لتحيا فيه وإنما لتتحلل وتبيد.

د. علاء عبد العزيز: القطيعة المعرفية مع التراث الإسلامي وضعت المتأثرين بها في منطقة غائمة، فهم ليسوا غربيين، في الوقت الذي هم فيه مفرغون تماماً من تراثهم الحقيقي التراث الإسلامي أو الحضارة الإسلامية الفاعلة فيه، فلا هم إلى هؤلاء ولا إلى أولئك، ومع هذه القطيعة تمتد أيدي الحداثيين ليقيموا علاقة مع هوية أبعد وتراث أقدم كالفرعونية والآشورية والفينيقية والكلدانية بإذكاء النزعات العرقية والإقليمية في مناهج التعليم وفي الإعلام، ويشوشوا بها على الانتماء الإسلامي، وهو ما أطلق عليه حامد ربيع ـ رحمه الله ـ اسم: «التسميم السياسي».

د. مصطفى حلمي: الغرب لا يريد لنا أن نصبح على صورته الحداثية، وإنما هو يفرض صورة من الحداثة تناسب جو المستعمرات تبقي على هذا العالم سابحاً في ركاب الغرب دون أن يبلغ ما بلغه الغرب من تقدم؛ لأن وجود منافس حضاري للغرب مسألة مرفوضة منه تماماً، وأي محاولة حقيقية للنهوض تقابل بقسوة وعنف من الغرب، ومن هنا نلفت النظر إلى أن المعركة في مسألة الحداثة في عالمنا تدور حول القيم والأخلاق، أما مسألة التطوير والتقنية فهي خارج نطاق الحداثة، بل على العكس نجد أن كل الاتفاقيات تسعى لتغيير العادات والتقاليد والقيم، بينما يحرص الغرب على توسيع الهوة بيننا وبينه فيما يخص الجانب التقني، فهي حداثة انتقائية يراد فرضها علينا؛ فهل يمكن مع هذا تصور أن هناك حداثة عربية؟! وأنى لها الاستقلالية وهي تمثل قطيعة تامة مع التراث العربي.

د. إبراهيم الخولي: اللعب بالمصطلحات مسألة تحتاج إلى معالجة وتأصيل.. حين يثور الحداثيون على قيم الإسلام باسم التقدم؛ لا يعنون سوى التقدم المادي الذي يحوّل الإنسان إلى كائن يعيش على معدته وفرجه ويعيش لهما، لكن التقدم في المفهوم الإسلامي تقدم الإنسان في إنسانيته حتى يسيطر بإرادته على غرائزه،  يصبح صاحب قيمة.. صاحب نظرة فلسفية في الوجود.. يعمل بعلم، يؤمن بقيم، ينتهي به إلى أن يخرج من الأنانية المنحطة في التكوين الإنساني إلى الإيثار الذي هو قمة التسامي، هذا هو التقدم، هل بوش راكب الشبح أكثر تقدمية بالمفهوم الإنساني البحت؛ من محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- راكب الجمل أو الناقة؟!

محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- الذي يقول: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها»، ويخبرنا في حديث آخر عن بغيٍّ عاشت فاجرة، رأت كلباً في الصحراء يأكل الثرى من العطش فرقت له ونزلت إلى البئر فملأت خُفَّيْها وظلت تناوله؛ حتى شرب وهدأ واطمأن، فشكر الله لها فغفر لها، هذه هي التقدمية.

لكن تقدمية المادة وتقدم العلم التجريبي ما ثمرته؟ لم يزد عن أن طور مطعم الإنسان وملبسه ومسكنه ليصبح مثله مثل البقرة في قصر من ذهب، بينما لو وُضع الراعي في حظيرة البقر وكان إنساناً يظل إنساناً متقدماً، هذه هي المعايير.. أما اللعب بالمفاهيم واللعب بالألفاظ فهي أولى خطوات الغزو الفكري، وأول مرحلة في تهيئة العقل المسلم للتقبل السلبي، وشحن المصطلح الجديد بما يغري.

د. مصطفى حلمي: هناك شهادة مهمة لأرمسترونج تقر بوجود حداثتين أحدهما تابعة والأخرى متبوعة، وتوجه لكلا النموذجين فتقول: «لم تكن المعضلة هنا تختلف عن معضلة الكثيرين في البلدان النامية ممن لا يفهمون الثقافة الغربية إلا فهماً سطحياً دون أن يستطيعوا الانتماء الحقيقي لثقافتنا التقليدية بسبب التأثير المدمر الذي أحدثته الحداثة بأساليب حياتنا المقدسة، فالحداثة في الغرب تتميز بالاستقلال والتجديد، أما في مصر وإيران فارتبطت بالاعتماد على الغرب ومحاكاته كما وعى هذا الإسلاميون وعياً شديداً»، فالتبعية موجودة لكن الفرق يزيد الصورة العربية تشوهاً وانحطاطاً؛ لأن هؤلاء حين ثاروا على ثوابت الإسلام لم يلبثوا أن سقطوا في أسر قيود التبعية للغرب، وهي أكثر قهراً وأكثر إيلاماً من كل ما يطعنون به زوراً على الإسلام.

البيان: يدعي بعض الحداثيين إمكانهم التعايش بين الحداثة والإسلام، أو إمكانية الجمع بين التراث والمعاصرة؛ بينما يسفر بعضهم عن استحالة ذلك ويدعو إلى الإجهاز كلية على التراث طلباً للتقدم، أي الموقفين معبر عن حقيقة الحداثة؟

أ. محمد مبروك: الجمع ما بين التراث والمعاصرة والتراث والحداثة أمر مستحيل في القواعد الغربية نفسها؛ لأن الحداثة تنطلق أصلاً من القطيعة مع الماضي ومع الفكر الإنساني؛ فكيف سيفلح الجمع بين التراث والمعاصرة؟!

أما بالنسبة لمجتمعاتنا فقد ظهر أن الحداثة هي تطور للسياق العلماني، وبما أن  1+ 1 = 2، والعلمانية تتناقض مع الإسلام؛ فالحداثة كفر ولا نحتاج إلى جهد كبير لإثبات أن الحداثة كفر، ربما قالوا إن الحداثة تمثل الخط الإيجابي التقدمي للمجتمعات البشرية؛ بحيث إن انتقال المجتمعات إلى المدنية الحديثة يعني المزج بين الحداثة والتحديث، مسألة التحديث مفارقة تماماً عن لمسألة الحداثة، التحديث يتعلق بالتقدم التكنولوجي للمجتمعات، أما الحداثة، كما تظهر من خلال تطور السياق التاريخي لها، فهي على علاقة بتطور الفكر العلماني ووصوله إلى مرحلة العجز والتمرد، فلماذا الجمع بين هذا وذاك؟!

أما بالنسبة للتحديث نفسه؛ فأنا أرفض القول بقبول التحديث على صورته الغربية بشكل كامل، صحيح أنه لا يمتزج كلية بالحداثة، لو أتينا إلى التعريفات الحقيقية للحداثة من الناحية الفنية البحتة؛ نجد أن الحداثة ثورة على التحديث في الغرب، والحداثة ثورة على المدنية الغربية وعلى المدنية البرجوازية، ونحن لم نزل في عصر الرأسمالية البرجوازية، فالحداثة ثورة على التحديث؛ فكيف يمزج هؤلاء بين هذا وذاك؟!

ولا يعني ذلك أننا نوافق على التحديث بصورته ومنطلقاته الغربية، فالتحديث نفسه صنع في إطار التوجهات في تطور المجتمع الغربي البرجوازي، وهذا بالطبع سيختلف في تطور المجتمع الإسلامي، ولذلك حتى التحديث نفسه أنا لدي عليه العديد من الإشارات والتحفظات.

البيان: التمرد على المقدسات هو المقدس الأكبر لدى الحداثيين، وهذا شائع في أدبياتهم بدءاً بصلاح عبد الصبور الذي يصوّر الحلاج بطلاً ثائراً في مسرحية، ومروراً بالسيّاب في قصيدة يجعل فيها من وجود الله ـ تعالى الله عما يقول ـ خرافة يتلهى بها في شعره، وأمل دنقل في قصيدة يمجد فيها الشيطان الذي قال لا في وجه من قالوا نعم، ونزار شاعر الخصور والخمور، وغيرهم ممن يتغنى بالجسد ويقدس الشذوذ.. وتدنيس القداسة وتقديس الدنس لديهم سواء، هكذا الإبداع لديهم، الصورة القريبة لدينا رواية الوليمة وأخواتها اليمنية والأردنيـة، في التطاول علـى ذات الله ـ تعالى ـ وعلى القرآن والرسول -صلى الله عليه وسلم-.

أ. محمد مبروك: هذا يؤكد لدي أهمية أن نركز في مواجهة الحداثة على موقفها من الإسلام أكثر من تركيزنا على موقف الإسلام منها، فالأهم من وجهة نظري أن نكشف عن حقيقة موقف الحداثيين من الإسلام؛ لأن ذلك يكفينا مؤنة كثير من المعارك التي يمكن أن يجيرها الحداثيون لصالحهم تحت حجة مواجهة التكفير، أو غيرها من الحجج.

| د. إبراهيم الخولي: هل هي مصادفة أن يكون عامة الحداثيين في بلادنا من اليساريين ومن المراكسة على التحديد، لن نطعن في ضمير أحد، فالضمائر لله، لكن عندما يصنف هؤلاء ويعلنون بألسنتهم وأقلامهم ويفخرون أنهم مراكسة، وأنا أقول لا يمكن أن نقبل دعوى ماركسي أنه ماركسي ومسلم، إن كان ماركسياً فليس بمسلم، وإن كان مسلماً فلا يمكن أن يكون ماركسياً؛ لأن جذر الماركسية الإلحاد.

د. مصطفى حلمي: معاداة الحداثيين العرب للإسلام جاءت بسبب نشأتهم نشأة فلسفية على أساس أن الفلسفة في جانب والدين في جانب، بينما جاءت المذاهب الفلسفية المختلفة في الغرب متأثرة إلى حد بعيد بالعقيدة النصرانية، فـ (روسو) يدين إلى البروتستانتية والكاثوليكية، كما دان (كونت) إلى تقواه، أما (ديكارت) صاحب مبدأ الشك الذي أسيء استخدامه، فقد تلقى تعليمه من جماعة (الجزويت)، والتي يصفها (برتراند راسل) بأنها جماعة تتسم بالإخلاص الكامل للقضية والمهارة في الدعاية، وكان لاهوتهم هو اللاهوت المضاد للاهوت البروتستانت.

(روسو) صاحب (العقد الاجتماعي) كان له كتاب آخر حول «عبقرية المسيح»، ويصف (برتراند راسل) طريقة (روسو) في الدفاع عن الاعتقاد الديني بالقوي، وله عبارات كثيرة تدل على اقتناعه بعقيدة البروتستانت المحدثين؛ منها قوله: «أنا لا أستنبط هذه القواعد [قواعد السلوك] من مبادئ  فلسفية عالية، ولكن أجدها في أعماق قلبي، كتبتها الطبيعة بحروف لا تنمحي».

ويقول في رسالة إلى سيدة أرستقراطية لديها شك في الإله: «انظري إلى شروق الشمس وهي تبدد الغيوم التي تغطي الأرض، وتكشف عارياً منظر الطبيعة اللامع، تبدد في عين اللحظة كل سحابة من نفسي، أجد إيماني من جديد، وإلهي واعتقادي فيه.. أنا أعجب به أعشقه وأخر ساجداً في حضرته».

(روسو) يصفه (مل بترو) بأنه راهب سافوي: «إني أعترف لكم أن قداسة الإنجيل حجة تتحدث إلى قلبي، ويؤسفني ألا أجد صددها رداً حسناً انظروا إلى كتب الفلاسفة بكل ما تحمل من دلائل؛ فما أصغرها إلى جانب هذا الكتاب، إنكم تعارضونني بـ (سقراط) وحكمته وعقله، ولكن ما أبعد الشقة بينه وبين ابن العذراء المسيح».

أ. محمد مبروك: لا يمكن أن ننفي حضور المسيحية في تراث الحضارة الغربية، ولكن لو تحدثنا عن الفكر الأساسي الذي يوجه النخبة، فهذا الفكر إلى ما قبل العصر الذي نعيشه الألفية الثالثة يتطور داخل السياق العلماني، وإن يكن بعض الفلاسفة البارزين لم ينفصلوا عن التأثر بالمسيحية؛ خصوصاً المثاليين من العلمانيين إشارة إلى (ديكارت، بركلي)، والإشارة إلى (روسو) لها قيمتها؛ لأنه يمثل وضعية خاصة داخل إطار مدرسة الاستنارة؛ لأنه كان الاستناري الوحيد المتمرد على فلاسفة الاستنارة، وكانت مشاكله مع (فولتير، وبورون، ودلامير) شديدة الخطورة، هذا من ناحية.. وإن كنت أشكك في حقيقة ادعاء (روسو) ميله للمسيحية الغربية. أما بالنسبة للواقع المعاصر فحين نتكلم عن مراحل الحداثة، أعتقد أن هناك علاقة بين الميل إلى المسيحية مرة أخرى وبين الآثار النهائية لفكر ما بعد الحداثة التدميري، ومحاولة الغرب التحول إلى سياق آخر من العلمانية، وإن يكن ما زال كل اهتمام الغرب بالدين هو اهتمام يدخل في طريقة التعامل البراجماتية النفعية مع الدين كنوع من التأويل الذي يتناسب مع اللذة والمصلحة والمنفعة.

البيان: في التعامل مع النص الشرعي؛ كيف تكون مسلك الحداثيين في ظل القطيعة؟

د. إبراهيم الخولي: بداية إذا كان هدفنا من دراسة الكتاب والسنة الوقوف على مراد الله من خطابه، فهم ينفون القصد جملة؛ إذن دخل عنصر جديد، ومعنى هذا أنه لا يعنيهم في تناول القرآن الكريم أو تفسيره أن يسألوا ما مراد الله من هذه الآية ماذا تعني: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]؛ ماذا يعني: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ} [المائدة: 38]؛ إذن ليس الهدف الآن معرفة مراد الله من هذا الخطاب، وبالتالي آيات الأحكام تسقط.. ليس هناك آيات تشريع.. تسقط ويصبح النص القرآني كأي نص قابل للتأويل، وهذا يدخلنا في التأويلية والتركيز على المتلقي، والمتلقي في النهاية سيقرأ قراءة فاسدة وجميع قراءات النص تكون بذلك قراءات سيئة، وهذا يفضي إلى فوضى القراءة، ويصبح القارئ هو الذي يصنع النص، والنص يصنع بعدد قرائه.. أي فوضى هذه وماذا بقي؟ وتذهب: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] هباءً، ومنهج المسلمين الذي علمه القرآن إياهم أن من القول محكماً ومتشابهاً، وعلمهم منهج التناول، وكيف تحل إشكالية المتشابه بحمله على المحكم فيذهب إشكاله: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} [كالحداثيين والتأويليين]، {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ}  [ليس إيمان تسليم فقط، لكن تسليم مع] {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7]، فنحمل المتشابه على المحكم فيزول الإشكال.. {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، تحمل على: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وتحسم القضية.. هذه الأصول ينسفها الحداثيون نسفاً.

د. علاء عبد العزيز: مسألة موت المؤلف تنتهي بنا إلى نزع  القداسة عن أي كتب سماوية، إذا كانت المسيحية الغربية نزعت القداسة عن الكتاب ودخلت في دائرة الهرمنيوطيقا كما عند (شوماخر) وندخل في الدائرة العريضة لأسباب التأويل، التأويل ارتبط أصلاً بالنص الديني قبل أن يرتبط بالنص الأدبي، لكنه انتقل إلى النص الأدبي، ثم أتى الحداثيون العرب ليقلبوا المسألة ويأخذوه إلى تأويل القرآن، ويبدؤون في عياثة الفساد زاعمين أنه نص قابل للتأويل والدراسة كما لو كان كتاباً أرضياً.

الكارثة أننا نأخذ هذه المقولات أمراً واقعاً ونسلم بها، الأخطر من ذلك أنه ليست هناك اجتهادات فردية، ولكن هناك شبه نظام مؤسسي يؤيد هذه المقولة ويدعمها ويرددها ويفتح لها الأبواق؛ إذن المسألة ليست مجرد اجتهادات من مجموعة من أفراد حداثيين، وإنما تشعر كما لو كان هناك مؤسسة حداثية تتحرك في السينما والمسرح والأدب والشعر والموسيقى.

البيان: وجّه أحد المثقفين اتهاماً للقائمين على الثقافة في بلاده بأنهم ليس لديهم أي رؤية أو خطة أو تصور لتوجيه الثقافة خلال السنوات المقبلة، وهذا ما اعترف به وزير الثقافة، ألا يعد هذا تناقضاً بين واقع الحداثيين وبين ما يدعونه من تنوير وثقافة؟

د. إبراهيم الخولي: هذا من طبيعة الأمور، فعدم امتلاك الرؤية يتماشى مع العبثية التي يحياها الحداثيون قلباً وقالباً، فهم لا يملكون سوى الشعارات والإلهاء، وهي حيلة المفلس، لقد فشل الحداثيون في جميع المشاريع التي رفعوها، ولم تزد عن أن تكون شعارات للاستهلاك الزمني لتخدير الأمة للانصياع لهم، ما تلبث أن تنكشف فتسقط ثم يرفع غيرها إلى حين، وإذا نظرنا إلى طبيعة الفكر الحداثي وجدناه ثورة على النظم والقيم، وإشاعة لروح التفسخ والانحلال، أو ما يسمونه في الغرب التفكيك، فلا غرابة عندي مـن افتقـاد هـؤلاء لأي رؤية هادفة.

البيان: كيف يمكن أن نقرأ الواقع الحداثي في ظل التناقضات الحاصلة؟

د. إبراهيم الخولي: تناقضات المشهد الحداثي ومفارقاته لا تنتهي، وكل منها يعد فضيحة جديرة بأن تسقط دعاة هذا الفكر في بلادنا، وكثير منها يحتاج إلى تأمل، وتستثير السخرية.

فبينما هي تبشر الإنسان العربي بالحرية؛ إذ جاءت سحقاً للإنسان وافتئاتاً على الأمة المسلمة في امتلاك قرارها، وحيث يكون الكفر والشذوذ مطلباً ومأرباً تكون الحرية هي الشعار، وحين تصرخ الأمة بالأخذ على أيدي المفسدين وتطالب بالحرية المزعومة يرفعون شعار: «لا حرية لأعداء الحرية»، وهكذا نلحظ مفارقة ثانية هي خطيئة لدى الحداثيين حين تتحيز الحرية في مفهومها إلى حرية معينة يؤمن بها الحداثيون ويسعون إليها دون غيرها، ومن المعلوم أن النسبية التي يؤمنون بها تقتضي غير ذلك.

وحين ترفع الحداثة شعار التسامح نجد أن الحداثيين من أشد الناس عصبية وشراسة وعدوانية مع مخالفيهم وخصومهم، وهذا متسق مع المسلك الغربي الذي يدينون له تماماً، ولا نفهم كيف يكون التسامح في ظل نسبية الأخلاق أو قل انعدامها، ومن يعايش الواقع الحداثي أو يتابعه سيرى تورم الذات والعدوانية والشللية والإرهاب الفكري واستبعاد الآخر وإقصاءه، ليس مع المخالفين من غير الحداثيين فحسب بل حتى مع أبناء ملتهم من الحداثيين.

وإذا كان الحداثيون يرفضون التراث بزعم امتلائه بالأساطير والخرافات؛ فلماذا تشحن أعمالهم بالأسطورية سواء في الفن أو الأدب والشعر، ويرون في أساطير اليونان والرومان والهند والصين روائع يشاد بها وتضمن أعمالهم مفرداتها، بينما حقائق القرآن في نظرهم ميتافيزيقا وخرافات.

وبينما هم منفتحون تمام الانفتاح على الآخر؛ تجدهم منغلقين عن ذاتهم الحضارية الأصلية المتمثلة في الإسلام وأهله، فتعاملوا كما لو كان الآخر هو ذاتهم، وذاتهم الأصلية هي الآخر، ومارسوا أقسى ألوان التشويه وجلد الذات معها بحق وبغير حق.

ثم كيف يدعي هؤلاء التنوير وهم لا يملكون مشروعاً حقيقياً للنهضة وأعمالهم مبنية على الغموض والتفاهة؟ ويدّعون الجماهيرية وهم محبوسون في أبراج النخبوية العاجية؟ يرمون علماء الأمة بالكهنوتيــة وحـراسة الأفكار واحتكار تأويل النـص ـ وهم برآء من ذلك ـ؛ ثم نجدهم يمارسون الكهنوتية ويحرسون حداثتهم بالحد والحديد، فيسفهون عقول المخالف لهم بحجة أنهم وحدهم الذين بلغوا الشأو في فهم الحداثة، ويحتكرون الإبداع، ولا يطيقون أن يقترب أحد بالنقد لأعمالهم مهما بلغت من الانحطاط؟!

 ينفِّرون من الهوية الإسلامية بحجة طرح الرجعية جانباً من أجل التقدم، ولا يأنفون من الانتساب إلى حضارات بائدة حصرت الإنسان في المادة، وأشقته بالكفر وأرهقته بالظلم.

يسخرون ويستهزئون بأحكام الإسلام بينما يحتفلون بالهندوكية ويدينون بالإعجاب للبوذية!

ثم لماذا يتبنون الفكر الغنوصي وينشرون أدب جلال الدين الرومي وهرطقات ابن عربي، وتهويمات ابن الفارض، وكفريات الحلاج وأمثالهم من فلاسفة الحلول والاتحاد، ويجعلونها قرآناً ويقدمونها في ثوب التحرر، ويستخرجون من التاريخ صفحات الحركات السرية الهدامة التي شهدها التاريخ الإسلامي على يد القرامطة والزنج والحشاشين، ويقدمونها على أنها النموذج ويطمسون الصفحات المضيئة من تاريخ الأمة؟

البيان: الإبهام مفارقة من مفارقات الحداثة التي تدعي التنوير والتحضر، وهي سمة غالبة في شعر الحداثة ما سببها؟

د. إبراهيم الخولي: ظاهرة الغموض والإبهام في أدب الحداثة يتصور في حصوله عدة أسباب: أولها جهل أغلب الحداثيين باللغة ودلالات ألفاظها، وسبب ثان: ميل الحداثيين إلى نشر أفكارهم دون اصطدام بالأمة خاصة في حالات اليقظة وفي وضح الأمر، فهم يميلون نحو الغموض على طريقة الباطنية من أجل ترويج ما يريدون دون أن يلحقهم أذى. ومن الأسباب أيضاً العشوائية والعبثية والهذيان الفكري وعدم وضوح الهدف؛ حيث تشعر أن الواحد منهم لا يدري ذاته ماذا يريد، فهل يملك أحد من الحداثيين أن يجيبنا: كيف يكون الإبهام المطبق تنويراً؟ ومن هنا اضطر الحداثيون لفتح باب التأويلية والبنيوية والتفكيكية، وهو ما أدى إلى الفوضى وما بات يعرف بالتشظي.

د. مصطفى حلمي: الحداثيون يجعلون من الإبداع قيمة مطلقة تفوق كل القيم، حتى ينفتح لهم الباب للنيل من عقائد الأمة وأخلاقها  وتدنيسها، ومن يكشف جرمهم يرمونه بقائمة من الاتهامات المسبقة؛ كممارسة التكفير وشهوة تصنيف الناس والجهل بالإبداع والرجعية والتخلف والظلامية، ولو ساغ القول لقلنا إن الحداثيين يمارسون التكفير لكن وفقاً لمفاهيمهم هم، حين يتهمون غيرهم بالرجعية، أو الظلامية، وهم يتقنون كيل التهم والرمي بها جزافاً، وهم يرمون من وراء هذا إلى إسقاط المرجعية الإسلامية من المجتمعات واستبدالها بمرجعية هلامية يعلون فيها من الكفر والفسوق والعصيان باسم الإبداع، فيضيقون على العلماء والدعاة ويسلبونهم حق البيان الذي استرعاهم الله إياه.

د. علاء عبد العزيز: حين يُسقط الحداثيون المرجعية الإسلامية يلجؤون إلى مرجعية مستوردة بديلة؛ هذه المرجعية تتبطن أعمالهم سواء على مستوى الفن التشكيلي، أو على مستوى الأدب، أو على مستوى الشعر، أو على مستوى الفنون، هذه الأعمال تشيع أفكار ومفاهيم وآراء ووجهات نظر تشكل رؤية الإنسان للكون، وإذا كانت الثقافة هي نتاج للدين والأخلاق، فإن إسقاط الدين جانباً وإزاحة الأخلاق، فإن النظرة الكلية للكون والحياة تتبدل، ومن هنا يصدق القول بأن الحداثة ليست مجرد مذهباً في الأدب أو نظرية في الفن، وإنما هي نظرة شاملة للوجود.

د. مصطفى حلمي: أود أن ألفت النظر إلى المقابلة المصطلحية التي ذيل بها علي عزت بيجوفيتش كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب»، تكشف لنا كيف نعيش الصراع المصطلحي في حياتنا بين مصطلحات مادية وأخرى نصرانية ـ يروج لهما الحداثيون ـ وثالثة إسلامية، حيث نظرة الإسلام الشمولية للإنسان ككيان يجمع بين الروح والجسد، بينما تتعامل المادية مع الإنسان كجسد، النصرانية مع الإنسان كروح:

فالضرائب ومصادرة الملكيات في المادية/ يقابلها الإحسان والصدقة في النصرانية/ ويقابلهما في الإسلام الزكاة.

ويقابل الإنتاج/ الصلاة التأملية في النصرانية/ والصلاة في الإسلام.

ويقابل المدرسة والمعمل في المادية/ المدرسة والدير والمتحف الفني في النصرانية/ ويقابلهما في الإسلام المسجد والمدرسة.

والقوة /المعنويات/ الشريعة.

الصراع الطبقي والعنف في استخدام المصلحة/ الحب واللاعنف/ العدالة والجهاد.

الفارس ـ المناضل السياسي ـ البطل/ القديس والراهب/ الشهيد.

اخلق رغبات جديدة في المادية / اقهر الرغبات في النصرانية.

فكل منظومة مصطلحية من هذه.. تعبِّر عن رؤية كلية للوجود، هذه المصطلحات نجد أنه عبر الفن والإعلام والتعليم؛ يتم إزاحة المنظومة الإسلامية لصالح المنظومتين الأخريين.

البيان: موقف الحداثيين من اللغة العربية موقف استعلاء واستبدال كلي ضمن المنظومة الحداثية القائمة على القطيعة؟

د. علاء عبد العزيز: اللغة العربية هي الوحيدة التي تستطيع أن تتواصل خلالها مع تراث أجدادك حتى الشعر الجاهلي منذ 41 قـرناً، فلو وقعت القطيعة التي يسعى إليها الحداثيون، وهجرت مفردات اللغة الأصلية؛ فإن ذلك يعني القطيعة مع القرآن والسنة والتراث، والدعوات إلى القطيعة سواء الداعية إلى استخدام الحرف اللاتيني في الكتابة بدلاً من العربية، أو إلى نشر العامية، أو إلى مزاحمة العربية بإحياء اللهجات غير العربية واعتبارها لغة رسمية، كما هو الحال في الأمازيغية، أو حتى تغريب العلم من خلال تدريسه بلغات أجنبية في التعليم.. كل هذا  يرمي إلى قطيعة.. ربما لم نحس بخطرها على مستوى اللغة العربية بعد؛ لأن القرآن الكريم حفظ للغة العربية تواصلها عبر أجيال طويلة جداً، بينما في المقابل لو نظرنا إلى لغات أخرى كالروسية نجد أن تغييرها بقرار من (لينين) أحدث قطيعة مع التراث القديم للروسية، وكما فعل (أتاتورك) حين ألغى الحروف العربية واعتمد الحروف اللاتينية لكتابة التركية، فانقطعت صلة الأجيال الحديثة بتراثها، كذلك نصوص شكسبير في اللغة الإنجليزية القديمة لا يستطيع المعاصر أن يفهمها نتيجة لتطور اللغة وخروجها عن قواعدها الأصلية.

ومن هنا تنشط الدعوات إلى نشر العامية من خلال مهرجانات ومسابقات للشعر العامي، وجعل العامية لغة سائدة في وسائل الإعلام لتجذر القطيعة مع العربية.

وعلى مستوى الشعر نجد الاتجاه إلى الشعر غير المقفى، والشعر العامي لضرب جميع الأشكال المرتبطة بالتراث حتى على مستوى الشعر، ثم يتم التعامل مع اللغة من خلال نظريات مستوردة، وهذا يشوهها كثيراً، هذا القطع لماذا يأتي ومن أين يأتي؟ فإذا ما نظرنا إلى مردود هذا في الشارع نجده خطيراً للغاية.

د. إبراهيم الخولي: الحداثيون لا يدركون ماذا في نسيج هذه الحداثة أصلاً من تراثنا المسروق، ولو أخذنا (دي  سوسير) مثالاً وهو أس وقاعدة البنيوية وما وراءها، لو أردنا أن نقيم مقارنات بين ما طرحه من فكر وبين ما كتبه عبد القاهر الجرجاني تحديداً في «الدلائل والأسرار»؛ لقلنا إن (سوسير) يرى صورة عبد القاهر في مرآة نفسه وينقل منها، إن أساس فكر (دي سوسير) اللغوي هو التفرقة بين اللغة والكلام، وهذا ما طرحه عبد القادر تحديداً، وهو منطلق فلسفة عبد القاهر اللغوية والبلاغية، وإذا كان الغرب لا يزال حتى الآن يشقشق حول المعنى والمضمون والبنية، فإن عبد القادر بضربة قاضية قضى على «ثنائية اللفظ والمعنى» منذ عهد باكر بـ «نظرية النظم»، وقدم لنا نظرية لغوية بلاغية في آن معاً، وهذا ما لا نرى له نظيراً في كل شقشقات الغرب حتى انتهاء بـ (ريشاردز) الذي يسمى بأبي النقد الغربي الحديث، ثم ما أنتجته والحداثة ثم البنيوية وما إليها؛ انتهى به الأمر في النهاية إلى تخليهم عن كل ذلك.

البيان: قضية المرأة قضية لها محوريتها ضمن أجندة الحداثة العربية خاصة في ظل العولمة، بما تحمله من هجوم على جميع القيم التي تحفظ للمرأة فطرتها وعفافها؛ سواء كان الحجاب أو الأسرة والزواج أو القوامة؟

د. مصطفى حلمي: هذا دليل على التزام الحداثيين وعبوديتهم للفكر الغربي بالنسبة للمرأة؛ ما هى المرأة؟ هل هي كائن هلامي؟ ما مكانة المرأة في الإسلام؟ هي أمٌّ.. والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: «أمك.. أمك.. أمك»، هي زوجة.. وفي الحديث: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي».. بالنسبة للابنة؛ معاوية ـ رضي الله عنه ـ له قصة جميلة عندما رأى ناساً في حضرته يكرهون البنات فقال لهم: «لا تقولوا هذا إنها تفاحة القلب، هي التي تمرضني إذا مرضت، وتبكي عليَّ إذا مت».. كما تكون خالة أو عمة.. إلخ وكلنا يعرف صلة الرحم، وهذا ما يجهله الحداثي.

أ. محمد مبروك: قضية الحجاب هل هي قابلة لأن يكون لها تأويل حداثي؟

د. مصطفي حلمي: الأمر لا يحتمل التأويل بل هو الرفض للنص الإلهي.

د. إبراهيم الخولي: موقفهم من المرأة امتداد لمبدأ اللذة والشهوانية الذي يدينون به، حين تحتشم المرأة وتخفي زينتها وتتستر.. حين تعتز بطهرها؛ يُحرم هو من هذا التمتع الذي جعله الإسلام تمتعاً حراماً حين أمر بغضِّ البصر وحين وحين وحين...، هو يريدها سلعة مباحة، والمرأة الآن في المنطق الغربي سلعة مباحة.. بكل المعاني حين توضع فتاة الغلاف.. حين تستخدم في الإعلان، وحين تقدم في الحانات للمتعة، وحين يقال إن نص القرآن ليس فيه لفظ حجاب؛ فإن هذا كذب على الله، واتجار بأمور لا يفقهون منها إلا ما لقنهم أربابهم من المستشرقين؟

البيان: «الدياثة الفكرية»، و «الإيدز الثقافي» مصطلحات شاعت في السنوات الأخيرة؛ تعبيراً عن الانفلات الثقافي في ظل الترويج للعولمة والسعي في أمركة المجتمعات الإسلامية.. هل يمكن تصور مقاومة من الحداثيين لفكر العولمة في ضوء ما يؤمنون به من أفكار؟

د. مصطفى حلمي: لا يمكن للحداثيين بالطبع مقاومة فكر العولمة؛ لأن ما يؤمنون به من نسبية يفتح الباب على مصراعيه أمام قيم العولمة، بدءاً بالأخلاق وانتهاء بالولاء والواقع يشهد بهذا، وقد رأينا كيف تخلى كثير من اليساريين ممن أصيبوا بداء النسبية؛ تخلّوا عن عقيدتهم الثورية ـ بغضِّ النظر عن صوابها أو خطئها في تقييمنا ـ وانقلبوا دعاة للتطبيع والعولمة والقبول بهما كأمر واقع، أما القلة منهم ـ إن وجدوا ـ من دعاة القومية المستقلة الذين يرفعون شعار المقاومة فهم يعانون من مأزق التعارض بين ما يؤمنون به من نسبية وما ينادون به من خصوصية يمكنها أن تسقط المطلق الحداثي؛ إذ لا سبيل لتفضيل شيء على آخر وفقاً لنسبيتهم، ومن ثم فلا مجال للمقاومة لديهم، وهذا مأزق لدى البعض منهم، أما إذا تحدثنا عن عمالة الكثيرين كما لبعض الدوائر الغربية، كما أكدت عدد من الكتب الصادرة أخيراً في الغرب، اعتماداً على تقارير للمخابرات الأمريكية أُفرج عنها مؤخراً، عن تقاضي عدد من رموز الحداثة في بلادنا لمرتبات شهرية من المخابرات الأمريكية.

البيان: وكيف نقرأ واقع المجتمعات الإسلامية في ظل سيطرة الفكر الحداثي على التوجيه الجماهيري؟