ندوات البيان

ندوة حول المستقبل الاقتصادي

طوفان العولمة واقتصادياتنا المسلمة

إعداد : وائل عبد الغني

الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا .. وبعد:

فقد تحدث الناس قديماً عن العنقاء ـ بوصفها إحدى المستحيلات ـ ذلك الطائر الغريب الأطوار .. الضخم الذي يضرب بجناحه المدينة الكبيرة.

وحديثًا تحدث الناس عن العولمة باعتبارها واقعاً، ورأوا فيها ذلك المستحيل القديم .. تلك القضية المثيرة للجدل التي تتكرر فيها قصة العميان والفيل مع فارق أن فيلنا متناهٍ في الضخامة والتعقيد والشراسة .. وعمياننا ضعفت لديهم سائر قوى الإدراك .. وقلَّ أن تجد معنى في بطن شاعر .. وعز من يداوي..!

وفي ندوتنا هذه نتناول الجانب الاقتصادي للعولمة، والذي لا نقول: إنه الأخطر ولكنه بحق من أخطر الجوانب.

والأمر الذي نريد بلوغه وإبلاغه هو تصوُّر لمستقبل هذه الأمة الممتحنة في ظل هذا الخطر.

لا نزعم أنا سنتناول كل شيء عن القضية .. ولكن حسبنا أن ننصب الأقدام على الطريق الصحيح .. ونخطو عليه خطوات، ونرتقب الرافد من بعد. نحن على ثقة أن المستقبل بيد الله ـ تبارك وتعالى ـ وهو ـ سبحانه ـ يداول الأيام بين الناس .. ثقتنا هذه هي لـب زادنا ونحن نسعى لأن نقدم لأمتنا ولأنفسنا كما أمرنا ربنا.

معنا في ندوتنا هذه أربعة من خيرة الاقتصاديين المتخصصين:

الدكتور/ رفعت العوضي، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة.

الدكتور/ عبد الرحمن يسري، رئيس قسم الاقتصاد الإسلامي بجامعة الإسكندرية.

الدكتور/ عبد الحميد الغزالي، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة.

الأستاذ. يوسف كمال، أستاذ الاقتصاد الإسلامي غير المتفرغ بكلية التجارة جامعة عين شمس ـ الدراسات العليا.

والضيوف الكرام أصحاب إسهامات قوية في مجال الاقتصاد الإسلامي كما أن لبعضهم كتابات متنوعة أخرى في التفسير والمنهجية والحضارة.

نبدأ ندوتنا عن العولمة بوصفها مصطلحاً.. فماذا يعني هذا المصطلح في حقيقته وفق نظرة موضوعية مدققة؟

د . عبد الرحمن يسري :

قضية العولمة قضية من أعقد قضايا العصر؛ فهذا المفهوم ظهر في الحقبة الأخيرة، وحاول أنصاره أن يروِّجوا لفكرة أن العالم أصبح قرية واحدة، بينما رأى غيرهم أنه في سبيله لأن يصبح تلك القرية، ورأى فريق ثالث أنه لن يصبح كذلك أبدًا، كما كثر الجدل حول حيادية هذه الفكرة ومصداقيتها.

وتحريًا للموضوعية علينا أن نبحث في المضمون حتى يمكننا استخلاص صياغة تقربنا من فهم العولمة.

هذا المصطلح ظهر من خلال الأطر الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية التي تعكس تجربة العالم الغربي التاريخية والحضارية واتجاهاتها المستقبلية. وإذا كنا سنتناول هــذه القضية مـن شقها الاقتصــادي ـ كما هي طبيعة الندوة ـ فإني لا أزعم أن الشق الاقتصادي هو أهم الجوانب، وإنما بمنظورنا الإسلامي يجب أن يلحق البعد الاقتصادي دائمًا بأبعاده العقدية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

وحتى لا نسهب أكثر يمكن أن نستخلص مفهومًا اقتصاديًا للعولمة من خلال كتابات أنصار العولمة في الفكر الغربي؛ حيث تعني: «تحرر العلاقات الاقتصادية القائمة بين الدول من السياسات والمؤسسات القومية والاتفاقات المنظمة لها بخضوعها التلقائي لقوى جديدة أفرزتها التطورات التقنية والاقتصادية تعيد تشكيلها وتنظيمها وتنشيطها بشكل طبيعي على مستوى العالم بأكمله وجعلها وحدة واحدة».

ومن ثم فإن اقتصاديات بلدان العالم ستصبح بلا سياسات قومية، وإنما تخضع لنظام عالمي مسيَّر بقوانين طبيعية حتمية بما يحقق مصالح الجميع، وهذا هو ما يفهمونه أو ربما يريدونه في العالم الغربي الذي يقود قاطرة الحضارة في عصرنا الحاضر.

د . رفعت العوضي:

الدكتور عبد الرحمن حاول أن يقدم صياغة قريبة لمفهوم العولمة، ولكنها من حيث إنها مفهوم أو مصطلح ـ حتى في الغرب ـ ما زال يشوبه قدر كبير من الغموض .. هذا الغموض ربما ينتج من أن العولمة ما زالت في طور التشكُّل؛ حيث تقابل الصياغة الفلسفية بمشاكل تطبيقية ضخمة وغير متوقعة، وأرى أن من المهم هنا أن أربط بين العولمة باعتبارها فكرة وبين الرأسمالية باعتبارها نظرية؛ لأن العولمة تعني إخضاع العالم كله لطور من أطوار هذه الرأسمالية التي مرت بثلاث مراحل يمكن التمييز بينها:

المرحلة الأولى: رأسمالية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين: في هذه المرحلة كانت الرأسمالية تتسم بسمتين بارزتين:

الأولى: اعتمادها على استنزاف موارد الدول الأخرى من خلال الاستعمار.

والثانية: تغييبها العدالة الاجتماعية. وانعكس ذلك من خلال تركُّز الملكية في شريحة داخل المجتمع، ومن تغييب الاهتمام بإعادة توزيع الدخل، وجعل علم الاقتصاد يدور محورياً حول التوازن.

المرحلة الثانية: مرحلة ما بعد قيام الثورة الشيوعية عام 1917م وحتى سقوطها عام 1990م: وفي هذه المرحلة أخذت الرأسمالية في تهذيب أنيابها لتحافظ على وجودها في مواجهة المد الاشتراكي. في هذه المرحلة أعادت (الكينزية) دورًا للدول، كما طرح الاهتمام بقضية الفقر وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية. وهذه المرحلة شهدت حركة الاستقلال بعد نضال قاس ومرير من الدول التي كانت محتلة.

المرحلة الثالثة: ما بعد 1990م حيث انفردت الرأسمالية بالسيطرة على العالم، وعادت إلى نهب موارد العالم الثالث من جديد؛ ولكن النهب هذه المرة لم يكن باستعمار مباشر وإن كان واردًا، وإنما من خلال منظومة فكرية ومؤسسات دولية، وهنا غاب البعد الاجتماعي بصورة أبشع. وتسويقاً للفكرة صدرت عدة كتب في الغرب ككتاب «نهاية التاريخ» لفوكوياما الذي حاول أن يوصل للعالم أن الإنسان في كل تجاربه التي مرَّ بها من حيث النظم التي ابتدعها وأخضع نفسه لها قد انتهى إلى نظام واحد هو النظام الليبرالي سياسيًا ـ الرأسمالي اقتصاديًا، ولعله حاول أن يقنن لواقع كان يصنع.

أ. يوسف كمال:

العولمة كغيرها من القضايا لا بد من أن أناقشها من زاوية كوني مسلمًا له رؤيته المستقلة ومنهجيته في تناول الأمور، وله عالمه الخاص بمنأى عن أي انتماء آخر سواء كان عالمًا ثالثًا أو غير ذلك، حتى وإن كانت هناك اتفاقات جوهرية. لهذا يروق لي جدًا أن نبدأ مناقشة العولمة من كتاب «صراع الحضارات» لهنتنجتون؛ لأن مؤلفه حدد بصراحة أن ما يواجه الغرب المسيحي إنما هو الإسلام.

والمتفحص للأحداث العالمية يجد أنهم لا يُحكمون الحصار إلا على العالم الإسلامي، ولذا نبدأ المسألة من كونها حربًا عقدية في الدرجة الأولى، وهنا نفهم القرآن ونستطيع أن نفهم حركة التاريخ فهمًا جيدًا فاعلاً.

في هذا الكتاب يشير مؤلفه إلى طبيعة المواجهة المقبلة؛ حيث يقول: إن عصر الحروب القومية انتهى، والعالم مقبل على حروب حضارات، وهو لا يعني بالحضارات مجرد الثقافات، وإنما يعني الأديان التي تشكل الحضارات، ويحصرها في ثلاث: الحضارة الإسلامية، والحضارة الغربية المسيحية، والحضارة الصينية الكنفوشيوسية، ثم يؤكد ويؤكد أن المواجهة الرئيسة ستكون مع الإسلام.

د . عبد الحميد الغزالي:

العولمة ليست مصطلحًا، وإنما اكتسبت هذا الانتشار وهذه الشهرة؛ لأن الغرب وأمريكا يحاولون أن يجدوا إطارًا لتنفيذ سياساتهم على العالم بعد انتهاء نظام القطبين، بعد أن أصبح العالم يسير وفق نظام دولي أحادي القطبية، ومن ثم فهي محاولة نقل ما هو محلي إلى بقية دول العالم، ليس في الاقتصاد وحده وإنما في السياسة والاجتماع والثقافة، وكأي ظاهرة يتعين أن ندرسها بموضوعية وبهدوء وبعمق، ولهذا أرى أن كتاب نهاية التاريخ وصراع الحضارات كلاهما مكمل للآخر. فالأول يبشر بسيادة النموذج الغربي، وبالذات في بُعده الأمريكي، والثاني يحذر من الحضارات الأخرى، ويقترح تآمريًا «الآخر» الجديد، بعد انهيار «الآخر» القديم، وهو الاتحاد السوفييتي السابق؛ وذلك بالتركيز على الحضارات الشرقية، وبالذات الإسلام.

وفي الحقيقة فإن صانعي العولمة لم يعنوا بعولمتهم نهاية التاريخ فحسب وإنما جعلوها خمس نهايات:

النهاية الأولى: نهاية التاريخ التي تعني سيطرة النموذج الرأسمالي على العالم بعد انتهاء الشيوعية.

والنهاية الثانية: نهاية الجغرافيا: وهو أمر مهم جدًا؛ لأن نهاية الجغرفيا تنقلني مباشرة إلى الشركات العملاقة التي تجاوزت الحدود الجغرافية والتي تعادل ميزانية إحداها ميزانية العالم الإسلامي بأسره!

والنهاية الثالثة: نهاية الدولة: وهذا يتم من خلال استخدام الشرعية الدولية للتدخل في شؤون الدول الأخرى وضرب السيادة الوطنية من قبل الناتو.

ثم النهاية الرابعة: ـ وهي أبشع ـ وهي نهاية الهوية: ومن ثم القضاء على الخصوصية بالنسبة للشعوب.

أما خامس النهايات: فهي نهاية الأيديولوجية «الدين»: وإحلال آلهة المادة ويقولون ـ أستغفر الله ـ بموت الإله !

هذه النهايات الخمس تشكل الأساس المذهبي للعولمة، ومن ثَمَّ لنا أن نتصور كيف تكون العولمة المطروحة والتي تقابلها عولميتنا أو عالمية الإسلام، ومن ثَمَّ فهي تستخدمها لذاتها.. ولمصالحها، بينما قامت عالميتنا لصالح البشرية جمعاء، نورًا وهدى للعالمين.

د . عبد الرحمن يسري:

كي تكتمل الصورة ـ وباعتبار العولمة هي بدعة غربية جديدة ـ علينا أن نفرق بين العولمة «Globalizaion» وبين التدويل «internationalism»، فالعولمة كما ذكر الدكتور عبد الحميد الغزالي تتجه إلى إلغاء كل السلطات الشرعية الوطنية وعلى رأسها سلطة الدولة التي عرفت في النظام السابق على العولمة وما زالت قائمة. وأود هنا أن أقول: إن النظام العالمي القائم على تشابك سلطات الدول المختلفة واتفاقها على إجراءات «مستقلة» من قِبَل كل دولة قد بلغ شأوه في حقبة التسعينيات. وهذه هي ظاهرة التدويل. لقد نمت ظاهرة التدويل وشهدت تصاعدًا بعد الحرب الأوربية العالمية الثانية؛ فقامت مؤسسات مختلفة ذات طابع دولي: الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وصندوق النقد، والبنك الدولي، واتفاقية الجات. هذه المؤسسات هيأت للعولمة ابتداءاً، ثم هي الآن في طور تعديل برامجها وأهدافها ومواثيقها لتتماشى مع العولمة.

د . رفعت العوضي:

لا بد أن نبين أن العولمة ارتبطت بالفكر الأمريكي؛ لأن الولايات المتحدة هي التي تقود المدنية الغربية اليوم من خلال ذراعها القوي الذي يرهب العالم باسم الشرعية الدولية وسيطرتها على حلف الناتو، ومن خلال قيادتها لمجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى استطاعت أن تفرض سياستها الاقتصادية على العالم، إضافة إلى فرض معاييرها وقيمها من خلال المنظمات الدولية ونفيرها الإعلامي، ومن خلال اتفاقية التجارة العالمية كذلك التي حولتها إلى منظمة ملزِمَةٍ ولها سلطتُها على الجميع. ونذكر في هذا الصدد أن مصطلح النظام العالمي الجديد استخدمه لأول مرة (جورج بوش) الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية في عام 1991م بعد حرب الكويت ـ العراق.

البيان: هذا يذكرنا بكلمة لأحد الكتاب: «إن الدولة التي لا تتصهين سياسيًا ولا تتعولم اقتصاديًا يكون مصيرها الحل العسكري» فالخيارات واضحة ومحددة ومعلومة للجميع، والأمثلة على ذلك معروفة تكاد تنحصر في عالمنا الإسلامي! لكن هنا يجدر سؤال حول السرعة التي تسير بها العولمة وتنتشر وتتطــــور، لو قورنت بأي نظرية سابقة حتى قال عنها أصحابها: «ستدرككم العولمة ولو كنتم في بروج مشيدة!» مشبهًا إياها بالموت الذي يتجاوز كل الحصون، ومع أن العبارة تحمل نوعًا من المبالغة وربما الحرب النفسية، إلا أن الجميع يعترف بعموم بلواها مع أننا موقنون من هشاشتها بنسبة كبيرة ولذا لا بد من معرفة السر الذي ربما لم يعد سرًا.

د . عبد الرحمن يسري:

السر وراء هذه المقولات التي شاعت أخيرًا هو أن العولمة تمتلك قوى غير عادية لم تتوفر لأي مشروع من قبل، وأهم هذه القوى تتمثل في الأمور الآتية:

ـ حرية الاستثمار في أي مكان في العالم، وهذه الحرية اقترنت بحرية تحرك رأس المال الخاص دون قيود على مستوى العالم.

ـ حرية إقامة الصناعة في أنسب الأماكن لها في العالم بغض النظر عن الجنسية أو السياسة القومية لأي دولة.

ـ عالمية الاتصالات التي تعتمد على التقنيات المتطورة والأقمار الصناعية التي سهلت عملية انتشار الفروع وإمكانية إدارتها من أي مكان في العالم.

- عالمية المعلومات التي ترتبت على تطور تقنيات الكمبيوتر ووسائل الاتصال، وتوفر شبكات معلومات عالمية تخدم صناع القرار في كل المجالات.

- توحد النمط الاستهلاكي عالميًا، وإطلاق حرية المستهلك في اختيار مصدر شرائه؛ بحيث استطاعت العولمة أن تدخل أسواقًا جديدة وتنافس عليها دون عقبات.

هذه القوى أتاحت للعولمة الانتشار والسيطرة في ظل تهميش السلطات الوطنية؛ فحرية الاستثمار تعتمد على حرية رأس المال، وكلاهما يفتح الطريق أمام حرية إقامة الصناعات في أنسب مكان في العالم هذا المكان يتم انتقاؤه بعناية من خلال التراكم المعلوماتي وتقنيات الاتصال العالمية والتي من خلالها أيضًا يستطيع المستهلك العالمي التعرف على كل الخيارات.

أ. يوسف كمال:

تستخدم العولمة شعارين للسيطرة على العالم: شعار التحرير، وشعار التجديد؛ وشعار التحرير معناه فتح الأسواق دون قيود أمام حركة التجارة الخارجية.

ولتقوم الشركات الدولية بعمليات إغراق وتكتل واندماج يمكنها امتلاك السوق المحلية كليًا، ومن ثم القضاء على الصناعات المحلية في أي لحظة تريدها، وتدفقت رؤوس الأموال قصيرة الأجل لصناديق الاستثمار الدولية التي تملكها الشركات الاحتكارية ذات النشأة الدولية كما حدث في ماليزيا؛ حيث قام (سوروس) بلعبته وانهارت العملة، واتجهت العولمة بشراء المؤسسات هناك بثمن بخس تحت مسمى الإصلاحات، متسترة بستار التحرير، ولكن (محاضر محمد) عاد إلى لون من التقييد في سعر العملة وحركة رؤوس الأموال؛ ليحافظ على البقية الباقية من الاقتصاد المنهار ورفض معونة صندوق النقد وشروطه التي تربط سياسات الإصلاح ببرامج تدمر الاقتصاد لخدمة العولمة؛ ولهذا شددوا الحملة عليه.

وبهذا حين نسحب رؤوس الأموال قصيرة الأجل تعاني البنوك من قلة السيولة، ثم تعاني المؤسسات وراءها، ثم تنخفض أسعار العملة وتهوي وراءها أسعار الأسهم.

وهذه العولمة التمويلية تجذب معها إلى الهاوية القطاعات الحقيقية لإنتاج السلع والخدمات رغم أن لديها المقومات التكنولوجية والمادية، والحاجة إليها ماسة.

أما التجديدات المالية فتؤدي إلى تضخم القطاع التمويلي بصورة مبالَغ فيها إذا ما قيس بالقطاع الإنتاجي الحقيقي، وهو ما يعرف «باقتصاد البالونة»؛ نظرًا لاستحداث أنواع من عقود المقامرة والاتِّجار في المال التي أصبحت مصدر ثراء واسع للعالم الغربي واليابان في منتصف التسعينيات؛ حيث كانت حركة التجارة العالمية 30 تريليون دولار، بينما حجم التجارة الحقيقي 3 تريليونات فقط، و27 تريليون بيع وشراء في الهواء بعقود ما أنزل الله بها من سلطان.

التجديدات المالية تحيل المال الذي تُقَوَّم به الأشياء سلعةً تباع وتشترى؛ وهذا فساد كبير لحياة الناس كما قال فقهاؤنا.

د . رفعت العوضي:

آليات العولمة ومؤسساتها تركِّز الغنى في جانب والفقر في الجانب الآخر، ويزيد التضخم لأسباب كثيرة منها نظام الفائدة، وهو نظام يواجه انتقادات حادة من الاقتصاديين.

البيان: ذكر الدكتور عبد الرحمن أن الحرية هي أحد الأسس أو القوى التي تقوم عليها العولمة ولكنها حرية ذات مذاق خاص غير الحرية التي يتحدث عنها مروِّجو العولمة في بلادنا، أليس هذا صحيحًا؟!

د . عبد الرحمن يسري:

فكرة الحرية هنا تحمل ازدواجية؛ فهي حرية من طرف واحد وإذعان من طرف آخر؛ والمراد ألاَّ تمارس الدولة أي ضغوط لتحقيق مصالحها أو حمايتها ضد أي دولة أخرى، ولكن الولايات المتحدة نفسها تكسر هذه القاعدة حين يمارس كلينتون ضغوطًا شديدة على اليابان بشأن شراء سيارات أمريكية، وحين يمارس كوهين وزير دفاعه مرارًا ضغوطه على دول عديدة لشراء أسلحة رغم عدم الحاجة إليها ورغم أن هذه الدول مدينة وستستدين من أجل إنعاش الصناعة الأمريكية!

هناك كذلك حروب القوانين الاقتصادية كقانون داماتو، حرب الموز. أما حرية الاستثمار فلا تحمل مصلحة للدول الفقيرة؛ لأنه كما يدخل بسهولة يمكن أن يخرج أيضًا بسهولة مخلفًا الدمار.

وفي المقابل لا تملك الأيدي العاملة الحرية نفسها في الانتقال. إذن! هي حرية لطرف ضد طرف؛ فإذا وضعنا في الاعتبار أن غالبية المشروعات الاستثمارية الوافدة لا تستهدف خدمة اقتصاد البلد المضيف بل ربما ذهبت إلى مجالات قد تضر أكثر مما تنفع كمجال السياحة والفنادق والأعمال الإباحية وصناعات التجميل وسلع الرفاهية.

د . رفعت العوضي:

اتفاقية تحرير التجارة تحوِّل العالم إلى سوق شاملة واحدة يعمل فيها قانون واحد هو قانون الأقوى الذي يتاح له كل شيء بهدف تضخم أرباحه بأكبر قدر في أقصر زمن وإن تضرر من تضرر.

أشير في هذا الصدد إلى أن دراسة تاريخ الاقتصاد للدول المتقدمة الآن كشفت عن أنها كلها استخدمت الحماية وهي في بداية تقدمها؛ ففرنسا استخدمت قوانين خاصة لحماية صناعتها الناشئة في مواجهة إنجلترا التي سبقتها إلى الثورة الصناعية، وألمانيا فعلت الشيء نفسه، والولايات المتحدة الأمريكية في نهاية القرن التاسع عشر فعلت ذلك. ولهذا فإن إجبار الدول المتخلفة التي تسعى الآن إلى التقدم ـ إجبارها على فتح أسواقها وعدم حماية صناعتها الناشئة يعتبر أمرًا غريبًا على تجارب النمو.

د . عبد الرحمن يسري:

يؤسفني أن أقول: إن الدول الإسلامية دخلت مرحلة التحرير ـ أعني تحريـر الأسواق وحركة رؤوس الأموال ـ وعولمة للاستثمار دون رصيد، بل وهي محملة بأعباء الماضي التي تراكمت فيها المديونيات نتيجة لعدم اكتراث الحكومات العلمانيـــة بالشريعة وتبعيتها للغــرب؛ وهنا أشير إلى أن استمـــرار ارتباط إنتاجنا المحلــي ـ بوصفنا دولاً إسلامية ـ بالسياسات العالمية دون أية ضوابط أو حتى تفهم لاتجاهاتها ومضامينها قد لا يكون من ورائه كسب على الإطلاق بل ربما خسائر محققة خاصة إذا احتكمنا إلى معاييرنا الإسلامية الصحيحة.

البيان : وماذا عما يردد من أن الاقتصاد العالمي في طريقه لأن يقاد من خلال قوى خفية من شأنها أن تنظم السوق العالمي بحياد تام ودون تحيز.

د . عبد الرحمن يسري:

فلسفة اليد الخفية التي تدير النشاط الاقتصادي وتهيمن عليه هي مسألة فلسفية غير واقعية وقد وضع أساسها آدم سميث في القرن التاسع عشر ليدل على أن استخدام الموارد المتاحة والقيام بالإنتاج والاستهلاك لا يستدعي تدخل الدولة، بل إن هذا التدخل يفسد الأمور. ويريد الآن فلاسفة العولمة في العالم الغربي أن يقولوا مثل ما قال سميث ولكن على مستوى العالم بأسره، وهذا غير مقبول. إن مثل هذه المقولة التي ثبت إخفاقها من قبل على مستوى الاقتصاد القومي حينما ظهرت الاحتكارات وحينما اضطرت الحكومات إلى تقديم برامج للخدمة الاجتماعية أو للتكافل الاجتماعي سوف تثبت إخفاقها بشكل أكبر على المستوى العالمي. وغير مقبول أن نصبح ـ ونحن أمة إسلامية ـ جزءًا من العالم ليس لنا إلا التبعية لما يجري فيه وليس لنا دور التأثير فيه.

إن الحق ـ تبارك وتعالى ـ جعل للإنسان عقلاً وإرادة وتدبيرًا وقدرة على تصحيح الأخطاء وهو ملزم بذلك، وهذا لا يعني أن الإنسان مطلق الإرادة وإنما هو محكوم بسنن ربانية؛ وهذه السنن لا تلغي إرادة الإنسان. كذلك فإن سنة نبينا وهدي القرآن العظيم تجعلنا نقيم أهمية كبيرة لدور الدولة الراعية، ومن ثَمَّ فإن أي مجتمع إسلامي لا يمكن أن يقبل أو يسلِّم لهذه الفكرة ظنًا بأن الخير قد يأتي في نهاية الطريق؛ لأن هذا مخالف لعقيدتنا بوصفنا مسلمين.

د . عبد الحميد الغزالي:

كيف لنا أن نقبل بفكرة من هذا النوع في ظل وجود آليات تتدخل وتدير وتراقب وتتابع وتخطط، هذه الآليات ذات أشكال وملامح مختلفة، ولكنها في الحقيقة تهدف إلى تكريس العولمة وخدمة أهدافها ومصالحها، وهو ما يعني بالطبع سيطرة النموذج الغربي!

البيان: إذنْ! فكرةُ حيادية قوى العولمة غيرُ متصوَّرة في ظل المعطيات الواقعية.

د . عبد الرحمن يسري:

فكرة الحيادية أو سيادة منافسة خالصة بين جميع الأطراف في معاملاتهم وتحرك عناصر الإنتاج من مكان إلى آخر وفقًا للقدرة على استخدام هذه العناصر بشكل أكفأ ليست حقيقية؛ فالتجربة التاريخية للنظام الاقتصادي الحر الذي تحكمه قــوى الطلب والعــرض في إطار المنافسة الكاملة بعيدًا عــن التدخل الحكـومــي ـ والذي كان الاعتماد فيه على فلسفة اليد الخفية للمواءمة بين المصالح الفردية والمصلحة الجماعية على مستوى المجتمع الواحد ـ لم يدم طويلاً وتعرض لهزات أدت إلى تغيرات هيكلية وأزمات اقتصادية تفشت فيها البطالة .. فإذا كان هذا على مستوى المجتمع الواحد فهل يمكن أن نثق بتجربة مشابهة تجري على مستوى العالم؟ ولهذا فعلينا من حيث إننا دول إسلامية أو فقيرة ألاَّ نسلِّم بقضية الانصهار في عالم بلا حدود بحجة حتمية فلسفية لا أكثر.

حتى وإن سلمنا بحياديتها التامة وبما سنجنيه من مكاسب اقتصادية، فهل يجوز لنا نبذ سياستنا المستمَدة من شريعتنا.. وخاصة أن الجانب الاقتصادي لا يمكن فصله عن الجوانب الأخرى؟ وهذا يعني دخولنا ـ بوصفنا مجتمعات إسلامية ـ في أطر لا نقبلها إطلاقًا لأنفسنا ولنسائنا وأولادنا.

أ . يوسف كمال:

العالم بكل مستوياته يتوجس خيفة من العولمة ولا يتصور حياديتها، أما نحن المسلمين فربنا يقول لنا: {ولّن تّرًضّى" عّنكّ اليّهٍودٍ ولا النَّصّارّى" حّتَّى" تّتَّبٌعّ مٌلَّتّهٍمً} [البقرة: 120] والتاريخ يروي لنا عن حروب القرصنة التي شُنَّت على البلاد الإسلامية في الأندلس، وحروب العصابات التي جاءت لنهب العالم الإسلامي والتي استمرت حتى اليوم من خلال المعايير المزدوجة بمخالبهم في الشرعية الدولية في مجلس الأمـن والجـــات والشــركات الدولية النشاط.

ولعل أزمة جنوب شرق آسيا تكشف لنا بعض هذه الحيادية؛ فبعد تلك الأزمة قدم صندوق النقد الدولي لكوريا الجنوبية 80 مليار دولار دون أي شروط في حين اشترط لتقديم 43 مليار دولار لأندونيسيا مزيدًا من التحرر الاقتصادي من أجل بيع مؤسساتها بأبخس الأثمان في الوقت الذي انهارت فيه العملة الأندونيسية؛ مع العلم أن عدد السكان 43 مليوناً في كوريا بينما في أندونيسيا أكثر من 220 مليون.

فالمسألة واضحة سواء من زاوية الواقع أو من زاوية الرؤية القرآنية التي تعطينا المفاتيح الصحيحة.

د . رفعت العوضي:

في كتاب «المدخل الاستراتيجي للقرن الحادي والعشرين» لبول كينيدي وهو من أقوى المفكرين المؤثرين في الغرب يقول المؤلف: إذا كنا نريد أن ندخل القرن الحادي والعشرين فمن خلال نظرية (مالثس) في السكان، وهي نظرية مؤسسة على أن السكان أكبر من الموارد؛ ولذلك لا بد من التخلص من جزء منهم، والحروب القائمة في العالم الآن وخاصة في الدول الإسلامية هي إعمال لهذه النظرية.

العولمة ـ وهي تتبنى نظرية مالثس ـ تفرض صيغة معينة على العالم.. هذه الصيغة هي نظرية 20: 80 أي: 20 % فقط من سكان العالم هم الذين لهم حق الملكية والعمل وكذلك العيش، في مقابل 80% يمثل فائضًا بشريًا في دول العالم الثالث، والحديث عن هذه النظرية جاء في كتاب: (فخ العولمة) وقد ترجم إلى العربية ونشر في سلسلة عالم المعرفة التي تصدر من الكويت.

د . عبد الحميد الغزالي:

أعتقد أن الصورة الحالية أبشع من هذا، فقد تكون 10: 90 % أو أقل من عشرة.

10 % دول متقدمة في مقابل 90 % متخلفة أو نامية تأدبًا !!

د . عبد الرحمن يسري:

لا يمكن تصور الحيادية في ظل سيطرة القلة على كل شيء واحتكاره لصالحهم؛ فهم يدَّعون أنه في ظل تحرير التجارة ستتكافأ الفرص، وأنا أقول: إنها حتى في ظل ذلك لن تتكافأ لا إنتاجيًا ولا استهلاكيًا؛ ففي ظل توحيد النمط الاستهلاكي على مستوى العالم هل نتصور أنه سيكون هناك تكافؤ فرص بين مواطن من سيراليون متوسط دخله السنوي 180 دولارًا ومواطن ياباني متوسط دخله السنوي 30000 دولار؟

وحتى على المستوى الثقافي فإن تعميم النمط الاستهلاكي العالمي يحمل في طياته نمطًا أخلاقيًا مغايرًا، وعلى سبيل المثال: فلسفة «السندويتش» أو الوجبات الخفيفة .. تعني أن الأسرة لا تجتمع على طعام واحد أو مائدة واحدة!

أما على المستوى الإنتاجي ففي ظل احتكار الأموال والمعلومات، وانعدام القدرة التنافسية والتفاوضية لدى العالم الفقير .. لا يمكن تصور هذه الحيادية!

د . رفعت العوضي:

أود أن أشير أيضًا إلى جانب آخر من عدم الحيادية؛ إذ إن الغرب بما يملكه من تراكم معلوماتي وجرأة تجريبية وعمل مؤسسي قوي وتبني الشخصيات النابغة استطاع أن يولِّد ثورة في المعلومات اختص نفسه بها، وزاد من سُعار هذه الثورة توفر التقنيات الحديثة من كمبيوتر وشبكات اتصالات ومعلومات لديه مع احتفاظه بأسرارها، كما أنه يملك برامج متكاملة ومتطورة للتعامل مع قاعدة البيانات. إن احتكار الغرب لهذه الأمور باعتبارها ضمانة أخرى لتفوقه لن يولد الحيادية بصورتها الوردية كما يزعم منظِّرو العولمة.

د . عبد الرحمن يسري:

يشبِّه بعض الكُتَّاب الثورة العلمية بالجنِّي الذي خرج من القارورة ليخدم سيده، ولكن علينا أن ندرك أن القارورة ما زالت بيد السيد الذي صنعها، أعني بذلك أن العالم الغربي هو وحده الذي يملك أسرار التقنيات ويتحكم في استخداماتها.

وهذا تحدٍّ آخر أمام الفقراء كما أشار الزميل الدكتور رفعت؛ فرغم أن المعلومات متاح كثير منها عبر شبكة الإنترنت إلا أن الفجوة ما زالت في اتساع بين عالمين متقدم ومتخلف، هذه الفجوة تمثل في جانب منها تحديًا اقتصاديًا وسياسيًا، كما تمثل في جانبها الآخر تحديًا ثقافيًا يشكل خطرًَا على الهوية الإسلامية.

البيان: تحدثنا فيما سبق عن العولمة ومفهومها وبعض القضايا الفلسفية والتطبيقية المتفرعة على ذلك، وتحدثنا كذلك عن القوى التي تمتلكها العولمة في بسط سيطرتها وهيمنتها على العالم، ولا شك أنها تعتمد مع هذه القوى على آليات تدعمها وتسعى على خدمتها من خلال أدوار يكمل بعضها بعضًا؛ ولذلك نود تسليط الضوء على هذه الآليات وما تقوم به في خدمة العولمة.

د . عبد الحميد الغزالي:

هناك آليات عملت واستفادت من القوى التي توفرت للعولمة بل وساعدت هي على تكريسها، هذه الآليات ذات طبائع مختلفة لكنها متكاملة الأدوار ابتداءًا من المنظمات الدولية: منظمة الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وما يعرف الآن بهيئة برلمانات العالم، هذه المؤسسات فرضت ما يسمى بالبرامج الإصلاحية وتنظيم حركة الأسواق ومتابعة التشريعات القانونية على مستوى الدول لضمان التجاوب الأسرع مع سياسات العولمة.

- هناك كذلك منظمة التجارة العالمية التي ورثت الجات عام 1994 والتي تنظم عمليات انفتاح الأسواق وتحرير التجارة من القيود الحكومية وتتابع ذلك.

ـ ثم يأتي بعد ذلك المؤتمرات الدولية المتخصصة (ابتداء من مؤتمر الأرض ـ مؤتمر السكان ـ مؤتمر المرأة..الخ) لفرض ثقافة العولمة.

- ثم الشركات العملاقة عابرة القارات والتي تعد المستفيد الأكبر والمحرك القوي للعولمة.

- ثم التكتلات الاقتصادية (أوروبا الموحدة ـ النافتا ـ دول النمور فيما سبق .. وما تبع ذلك من تكتلات أخرى).

ولهذا أقول: إن الربط بين العولمة وفكرة اليد الخفية ـ بمعنى الحرية بعامة والاقتصادية بخاصة ـ المراد منه إلغاء المقاومة الذاتية في مواجهة قوى الجذب الغربية.

أ . يوسف كمال:

هناك آلية أخرى من آليات العولمة وهي المشاريع المطروحة للتطبيق في منطقة القلب الإسلامي لإذابة إسرائيل في المنطقة أولاً من خلال المشروع الشرق أوسطي الذي تطرحه الولايات المتحدة والذي بدأ مؤتمراته من الدار البيضاء في عام 1994 في العام نفسه الذي تشكلت فيه منظمة التجارة العالمية بل وفي الدولة ذاتها المغرب؛ حيث عقد في مراكش. أما المشروع الثاني فهو الشراكة الأوروبية المتوسطية وهو المشروع الذي تطرحه أوروبا في مقابلة المشروع الأمريكي، وهو يهدف لذات الهدف بحيث يتحول الصراع العقدي تدريجيًا إلى تنافس اقتصادي ثم تكامل تتزعمه إسرائيل بما لديها من تقدم صناعي يموله رأس المال الإسلامي ويمده بالأيدي العاملة وبالمواد الخام وبأسواق الاستهلاك في الوقت ذاته .. وبالمناسبة فإن المؤتمر الاقتصادي الشرق أوسطي الخامس يجري الإعداد له هذه الأيام على قدم وساق.

د . رفعت العوضي:

بالنسبة لاتفاقية تحرير التجارة التي ترعاها الآن منظمة التجارة العالمية ويساعد في ذلك كل من صندوق النقد والبنك الدولي، هذه الاتفاقية هي في الواقع أقرب إلى سياسة الفرض منها إلى الاتفاق؛ لأن الدول الإسلامية مرغمة على التعامل مع صندوق النقد والبنك الدولي كي تتهيأ للدخول في منظمة التجارة العالمية، وهي بذلك أمام قائمة طويلة مما يعرف بالإصلاحات الاقتصادية باتباع سياسات نقدية ومالية معينة وسياسات سعر الصرف وتخصيص القطاعات الإنتاجية العامة وفرض أسلوب معين في الإدارة وفق معايير هم يضعونها.

وهنا نلاحظ أن منظمة تحرير التجارة تؤدي الدور نفسه الذي أداه الاحتلال قديمًا في استغلال موارد الدول الفقيرة لصالح الدول الغنية وفرض التخلف والتبعية على هذه الدول.

لهذا فإن التحرير لن يؤدي بالضرورة إلى نمو كل من المبادلات وحركة الاستثمار والتشغيل في كل الدول التي يحلم شعوبها بالرفاهية والرخاء؛ لأنه في ظل الإنتاج من جانب واحد تفقد الدول الميزة النسبية لخاماتها؛ حيث تبيع الخامات بأسعار رخيصة ثم تشتري نفس الخامات بعد تصنيعها بأسعار كبيرة جدًا.

د . عبد الحميد الغزالي:

لم تتضمن اتفاقية تحرير التجارة أي إشارة لانتقال الأيدي العاملة مع العلم أننا دول الفائض، ولكن الدول الغربية لم تشأ النص على حرية انتقال العمالة خوفًا على الخصوصية الثقافية والسكانية والمصالح الاقتصادية لمجتمعاتها، وحفاظًا على الوضع الاقتصادي حيث متوسط الدخل هناك 000.20 دولار سنويًا في مقابل 000،2 دولار في المتوسط للدول الفقيرة وهذا من شأنه أن يزيد الفجوة الاقتصادية.

د . عبد الرحمن يسري:

قد ترحب الدول الغربية بشيء من النمو الاقتصادي يتحقق في بعض الدول كي تضمن أسواقًا لمنتجاتها لكن دون أن يبلغ هذا النمو حد المنافسة الحقيقية، وإذا ما استشعرت خطرًا على مصالحها سارعت بالانقضاض على تلك التجارب الناجحة.

ولهذا فإن العالم الغربي دائم الحرص على توسيع الفجوة التقنية ليضمن عدم اللحاق به؛ وهذا من شأنه أن يضعنا في الجانب الأضعف في أي وضع تفاوضي. كما أشير إلى أنه ينبغي علينا ألا نُخدع ـ بوصفنا مسلمين ـ بموجة التخصيص المطلقة التي تأتي على كل شيء؛ لأن هناك ـ على الأقل ـ ملكية مشتركة حددها النبي -صلى الله عليه وسلم- بـ «الماء والنار والكلأ» والاجتهادات الحديثة تقول: إن النار تشمل موارد الطاقة، والماء يشمل جميع الموارد المائية، والكلأ: الموارد الطبيعية غير المملوكة ملكًا خاصًا لأحد؛ وعليه يجب علينا المحافظة عليها بعيدًا عن استنزاف الشركات عابرة القارات، ويدخل في هذا أيضًا كل ما من شأنه أن يحافظ على المصالح العامة للأمة أو للشعوب.

قد يقال إن مجهودات الشركات الأجنبية وما تتملكه من موارد وطنية يمكن أن يندرج تحت مسمى حق الإحياء، وهذا لا يصح؛ لأن حق الإحياء لأراضينا يكون للمسلمين وحدهم ولمن عاش معهم من أهل الذمة دون غيرهم، أما حق الإقطاع مقابل الاستصلاح فينبغي ألاَّ تُملَّك الأرض وإنما تؤجَّر لمدة معلومة مقابل الاستصلاح إذا دعت إلى ذلك الحاجة.

البيان: وماذا عن الشركات دولية النشاط التي أشار الدكتور عبد الحميد الغزالي إلى أنها أصبحت إحدى آليات العولمة وأحد أكبر المستفيدين منها في الوقت ذاته، هذه الشركات بعد أن كانت عابرة الحدود عبرت اليوم حدودًا أخرى من خلال ما أصبحنا نسمع عنه من ثورة اندماجات عالمية يصعب على المتابع إدراك أبعادها، وبعض المتابعين والمحللين عدها أهم آليات العولمة على الإطلاق؛ لنفاذها إلى مجالات أكثر تأثيرًا، هذه الشركات نريد أن نلقي الضوء على نشاطها وأهدافها وسياساتها ومخاطرها.

د . رفعت العوضي:

هناك حركة اندماجات عنيفة جدًا بين الشركات فوق العملاقة؛ والدراسات في هذا الموضوع مخيفة للغاية؛ فلم يكتف العالم المتقدم بإقامة تكتلات اقتصادية بين الدول كالاتحاد الأوروبي، والنافتا في أمريكا، فقام بتطوير أشكال التكتل كي يضمن الهيمنة المطلقة على السوق الدولية.

ومن هنا فإن اندماج الشركات دولية النشاط من شأنه أن يُحْكِمَ السيطرة السياسية والاقتصادية والعسكرية لصالح قطب واحد.

هذه الشركات تسعى للاستفادة من اقتصاديات الحجم الكبير والانتشار الجغرافي في توسيع أسواقها، وتخفيض تكلفة الإنتاج والنقل، وإعادة تقسيم العالم على المستوى الدولي بما يدعم كفاءتها الاقتصادية وفرض سيطرتها على الأسواق. هذه الشركات أصبحت تتضخم بشكل مفزع من خلال الاندماجات السريعة والمتلاحقة حيث أصبح العالم أمامها سوقًا واحدة.

على سبيل المثال سوق السيارات يتوقع أن تسيطر عليها أقل من عشر شركات في العالم في الدول المتقدمة.

سوق البترول سوف تسيطر عليها أقل من خمس شركات.

حتى الشركات غير الوطنية دخلت في عمليات اندماج؛ فشركة كهرباء لندن اشترت شركة كهرباء نيويورك.

أما مصرفيًا فسوف يسيطر على العالم 26 بنكًا .. ومن ذلك أن اندماج بنكين في الولايات المتحدة الأمريكية كانت حصيلته رأس مال يقدر بـ 600 مليار دولار، علماً بأن هذه الشركات تدير 70% من تجارة العالم.

وبينما نجد أن شركات الدول الكبرى تتوحد وتكبر فإن العالم كله يتفتت؛ ومن ثَمَّ فإن الكلام عن عجز الحكومات أمام هذه الشركات في ظل تحرير التجارة أمر لم يعد جديدًا؛ لأن هذه الشركات أصبحت تمارس ضغوطًا شديدة وتملك صلاحيات في كثير من البلدان ـ وعلى المستوى الدولي أحيانًا ـ بما يمكنها من تحقيق مآربها وأهداف الدولة الأم.

د . عبد الرحمن يسري:

الدول العربية والإسلامية لم تنتفع بوجود الشركات الدولية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات على أراضيها إلا قليلاً، وما يقال حول دور هذه الشركات في عمليات الإنماء لا تشهد له التجارب ولا الواقع.

فعلى مستوى التقنية الحديثة فإن هذه الشركات تحتفظ بأسرارها للدولة الأم ولا تصدرها إلا في مجالات محدودة جدًا وهامشية؛ وإذا ما اضطرت إلى نقل فعلي للتقنيات الحديثة فإنها تسعى جاهدة للاحتفاظ بإدارة أجنبية للنشاط بعيدًا عن الخبرة المحلية؛ وعلى سبيل المثال فإن فرنسا عندما خرجت من الجزائر قامت بتدمير كل تقنيات البترول الحديثة التي خلَّفتها.

وفي الإطار نفسه إذا ما اضطرت إلى توسيع نشاطها الإنتاجي من خلال عقود التراخيص ـ كما فعلت في دول جنوب شرق آسيا ـ فإنها تقصر تلك العقود على حلقة إنتاجية واحدة حتى لا تتسرب الأسرار التقنية.

وهناك نوع ثالث من العقود التي تلجأ إليها وهي عقود تسليم المفتاح الذي يكثر تطبيقها في التعامل مع دولنا؛ حيث إن الخبرة المحلية لا تعرف عـن التكــوين التقني إلا مجــرد الاستخـــدام دون اطلاع علــى أسـرار أو معرفة كيفية الصيانة ومن ثم تقوم بإدارة المشروع إما من خلال الخبرة الأجنبية أو من خلال الإرشادات المملاة كما هو الحال في الأجهزة المنزلية.

وهناك نوع آخر هو نقل الصناعات كثيفة العمالة خفيفة التقنية التي تحتاج إلى العمالة الرخيصة ـ وهي متوفرة لدينا بالطبع ـ أو المشروعات ذات معدل التلوث العالي التي تلاحقها منظمات البيئة هناك وتفرض عليها ضرائب باهظة فتلجأ إلى البلاد الفقيرة التي نحن منها، وذلك هربًا من القيود التي تفرض عليها في بلادها.

وأخيرًا لجأت هذه الشركات إلى تضمين اتفاقية تحرير التجارة بنودًا عن حفظ حقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع وبهذا تحجز هذه التقنيات من المنبع خاصة، وأكثر الدول قد وقَّعت على هذه الاتفاقية.

أ . يوسف كمال:

لا بد من التنبيه إلى خطر فتح الأبواب على مصاريعها أمام الشركات الدولية النشاط والاستثمار الأجنبي، فبالإضافة إلى ما ذكره الأخ الدكتور عبد الرحمن يسري فإن هناك جانباً آخر ربما كان أكثر خطورة وهو جانب الاستثمار؛ لأن هذه الشركات نادرًا ما تدخل في شكل استثمارات مباشرة (أي طويلة الأجل)، وإنما تدخل بما يعرف «بالأموال الطائرة» في استثمارات قصيرة الأجل وسريعة العائد التي تحقق لها عوائد هائلة دون أن يكون لذلك مردود على التنمية المحلية، بل ربما يحدث مثلما حدث في دول النمور.

وإن حدث وقدمت استثمارات مباشرة فإنها قبل ذلك تأخذ ما يكفيها من التسهيلات والضمانات السياسية والاقتصادية التي لا تحظى بها رؤوس الأموال المحلية، بما يعرقل الاقتصاد المحلي.

أضف إلى هذا أن جُلّ أنشطتها يقتصر على السلع الاستهلاكية ذات العائد الأسرع نتيجة للنمط الاستهلاكي السائد والذي يشكَّل خصيصًا لأجل هذا الغرض في بلادنا! ومن هنا فالواضح أن الاعتماد على هذه الشركات في إقامة قاعدة إنتاجية تنموية في بلادنا أمر مستبعد، وخاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن هذه الشركات تقوم بامتصاص الفوائض المالية لدى المستهلكين عن طريق الإغواء والإغراء الاستهلاكي.

وغالبًا ما تعيد تصدير عوائدها إلى الدولة الأم أو إلى أي مكان يمكن استثمارها فيه بشكل أفضل، وبهذا تتآكل المدخرات المحلية وتضعف القدرة الشرائية لدينا مع الوقت.

وفي أحيان أخرى تدخل هذه الشركات شريكاً بالخبرة والإدارة إلى السوق المحلية، ثم تقوم بتمويل نشاطها من خلال الاقتراض أو الاكتتاب المحلي دون أدنى مخاطرة بأموالها لفتح أسواق جديدة لها!

ومن ثم يتعين علينا أن نمحِّص المزايا التي يتحدثون عنها، والتي قد يصعب أن تتحقق للاقتصاد المحلي من جراء فتح الأبواب أمام هذه الشركات للاستثمار في بلادنا.

البيان: وماذا عن التكتلات الدولية التي أصبحت تنذر بمزيد من التهميش لعالمنا الإسلامي في ظل العولمة.

د . رفعت العوضي:

هناك بعض الدول ذات الحجم الكبير التي تُعَدُّ بذاتها كتلة سواءاً بمعيار حجم الإنتاج القومي أو عدد السكان أو حجم التجارة الخارجية، وهذه الدول بالتحديد هي: الولايات المتحدة والصين والهند واليابان، ومع بروز الصراع الاقتصادي في ظل العولمة سارعت بعض هذه الدول في الدخول في تكتلات تضمن لها بقاءًا أقوى، فدخلت اليابان في مجموعة الآسيان، وشكلت الولايات المتحدة مع كندا والمكسيك مجموعة النافتا وهي عبارة عن اتحاد جمركي ذي سياسة واحدة، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى دمج الأمريكتين في منطقة تجارة حرة تمهيدًا لخطوات أخرى نحو التكتل.

وفي الاتجاه نفسه سارت الدول الأوروبية بعد أن قطعت شوطًا؛ حيث وصلت إلى مرحلة الوحدة؛ إذ أصبح لها برلمان واحد وعملة واحدة «اليورو» وسياسة اقتصادية واحدة في مواجهة الدول والتكتلات الأخرى، وعلى غرار هذه التكتلات قامت تكتلات أخرى في كل من آسيا وإفريقيا؛ ولكنها لا تعتبر تكتلات بالمعنى المعروف لضعف التنسيق بين دول المجموعة الواحدة، وضعف مستواها الاقتصادي كذلك.

ولهذا فإن العالم الفقير ـ والذي منه الدول الإسلامية بالطبع ـ سيحاول اللحاق بهذه التكتلات في أحسن أحواله لضمان الفتات! وإذا تصورنا أن الاقتصاد العالمي عبارة عن طاولة فإن الذين يملكون الجلوس عليها في ظل العولمة هم الكبار فقط والذين يملكون زمامها هم الكبار جدًا؛ لأنهم يملكون سياسة واحدة! ومن ثَمَّ فإن الأمر ينذر بمزيد من ضعف القدرة التنافسية وباتساع أكبر للفجوة الدخلية والفجوة التكنولوجية وبانخفاض أسعار صرف العملات الإسلامية؛ مما يعني مزيدًا من الاعتماد على الخارج ومزيدًا من التبعية.

د . عبد الحميد الغزالي:

السبب واضح؛ وهو أن الرأسمالي عندما يطبق الرأسمالية على مستوى الفرد يقيم هذه الرأسمالية رغم ما فيها من مثالب، وبذلك تتفق قناعاته مع تطبيقه.

أما في العالم الإسلامي فنجد أن الفرد في داخله حقيقة العقيدة الإسلامية، لكنه يرى الأنظمة أشياء بعيدة تمامًا عما يعتقده!

هذا الانفصام وهذه الازدواجية كانا من أهم أسباب الأداء المتدني في الإنتاجية على مستوى الفرد والمجتمع، ومن هنا يأتي التخلف الاقتصادي والاجتماعي؛ لأننا إذا طبقنا المعايير الاقتصادية سنجد أن دول العالم الإسلامي كلها متخلفة، وبشهادة المنظمات الدولية، بما في ذلك مجموعة الدول ذات الرساميل النفطية؛ لأن المسألة ليست ثراءاً ماديًا وإنما الأمر يقاس بمدى مساهمة القطاعات السلعية ـ بالذات ـ في الناتج القومي، وبالذات .. الصناعة التحويلية. أو بمعنى آخر: مدى قدرة المجتمع على إنتاج ما يحتاج إليه أبناؤه من سلع وخدمات. ووفقًا لهذا المعيار فإن العالم الإسلامي كله يقع ضمن العالم المتخلف المسمى بالنامي.

البيان : ولكن مقاييس التخلف يمكن التلاعب فيها سلبًا أو إيجابًا حسب الزاوية والوجهة التي ينطلق منها الباحث. ألا ترى أن الأمر يحتاج إلى ضوابط موضوعية أكثر تحديدًا للقياس؟

د . عبد الحميد الغزالي:

مقاييس التخلف تطورت اليوم عن ذي قبل، وأصبحت أكثر موضوعية؛ لأنها أصبحت تستبعد أثر الأسعار وتضيف أبعادًا أخرى مثل المشاركة السياسية ومستوى الحالة الصحية.

والتخلف هو عبارة عن حالة الانخفاض النسبي في مستوى النشاط الاقتصادي لمجتمع من المجتمعات.

لكن عندما نتحدث عن التخلف في العالم الإسلامي فلا بد من إضافة أبعاد أخرى يمكنها أن تصوب النظرة للقياس وذلك لضبط المعنى المراد من اللفظ بوصفها وحدة للقياس. ومن هذه الزاوية يمكن أن أضيف تعريفين منضبطين للتخلف الاقتصادي:

الأول: إذا وجدت مجتمعًا من المجتمعات الإنسانيَّة فيه مقهور سياسيًا ومستغَلٌّ اقتصاديًا ـ أي فقد شرطي العدالة والحرية ـ فنحن أمام مجتمع متخلف!

الثاني: إذا وجدت مقاصد الشريعة الإسلامية الضرورية ـ وهي: حفظ الدين، والعقل، والنفس، والمال، والنسل ـ مغيبة فثق أنك أمام مجتمع متخلف مهما أوتي المجتمع من موارد مادية وبشرية ومالية.

والعالم الإسلامي يعيش هذه الحالة، وينطبق عليه كِلا التعريفين رغم ما حباه الله من امكانيات بشرية ومادية.

د . رفعت العوضي:

تكملةً لكلام الدكتور عبد الحميد: علينا أن نفرق بين ما يملكه العالم الإسلامي من موارد اقتصادية ضخمة ـ والتي تعد قوة كامنة ـ وبين ما ينتجه العالم الإسلامي .. الأرقام في هذا المجال تمثل صدمة كبيرة إذا ما قيست بالعالم من حولنا.

فالعالم الإسلامي ـ كما تقول الأرقام ـ مكون من 56 دولة، وعدد سكانه 2.1 مليار نسمة، ويبلغ إجمالي إنتاجه المحلي حوالي 735 مليار دولار سنويًا. وفي المقابل نجد أن الولايات المتحدة بتعدادها البالغ 265 مليون نسمة (خمس سكان العالم الإسلامي) تنتج وحدها 6.6 تريليون دولار سنويًا (أي حوالي 9 أضعاف إنتاج العالم الإسلامي بمجموعه!) أما اليابان (والتي يقدر سكانها بعُشر سكان العالم الإسلامي) فيبلغ إجماليي إنتاجها 6،4 تريليون (أي حوالي 6 أمثال إنتاجنا).

وإذا ما قارنا الصادرات نجد أنها في العالم الإسلامي 281 مليار دولار في مقابل 513 مليار (الضعف) بالنسبة للولايات المتحدة و 9.3 تريليون دولار (14 ضعف) لليابان!

إذن ونحن نتحدث عن العالم الإسلامي ومشاكله والمزايا التي يمكنه الحصول عليها، علينا أن ندرك أننا لسنا أمام عالم واحد بل أمام 56 دولة، 56 سوقًا، 56 مفاوضًا، 56 قراراً، هذا التفكك هو أحد أخطر أبعاد قضية التخلف والتبعية التي يحياها عالمنا الإسلامي!

د . عبد الحميد الغزالي:

التجارة البينية بين دول العالم الإسلامي الذي نريد له أن يكون حاضراً ومنافسًا قويًا في ظل العولمة لم تتعد 8% وفي بعض الأرقام المتفائلة 10% من إجمالي حجم التجارة الخارجية للعالم الإسلامي، وهذه قضية لها أبعادها الاقتصادية والسياسية والنفسية والمنهجية.

أما إذا نظرنا إلى هيكل الإنتاج فنجده عبارة عن مواد خام وبعض السلع رديئة التصنيع، أو التي لا ترقى للمستوى العالمي، ومن ثم فإن قدرتنا التنافسية محدودة للغاية، ولهذا فنحن في أسوأ وضع؛ والسبب أننا لم نستغل مواردنا استغلالاً صحيحًا. نحن لدينا العقول المبدعة، ونملك رأس المال، والموارد لدينا متاحة، كل عناصر الإنتاج متوفرة بحمد الله، ولكن السر يكمن في الإرادة: إرادة التقدم .. إرادة التنفيذ .. إرادة التنافس .. إرادة الوحدة .. والإرادة مسألة نفسية ترجع إلى الإنسان.

د . رفعت العوضي:

باستقراء الأحـداث التي تجـري في عالمنا الإسلامي نجد أن هناك سقفًا مفروضًا على العالم الإسلامي، ولا يُسمح له بتجاوزه .. قد يخفى وقد يبدو أحيانًا.

والعالم الإسلامي رغم التكتلات محروم من أن يكون له كيان كبير في ظل العولمة، ومنظمة المؤتمر الإسلامي إذا ما اعتبرناها جامعة إسلامية لا تعدو أن تكون هيئة شرفية استشارية ولدت في ظل ظروف خاصة .. ولم يُرَدْ لها البروز على ساحة القرار.

في ظل العولمة زاد التفرق بين الدول الإسلامية. وأذكر أن الدكتور عبد الحميد قد قال في إحدى محاضراته: إن حصاد العولمة كان 21 حربًا في العالم الإسلامي وحده! وضَرْبُ النماذج الإسلامية الناجحة من دول النمور الآسيوية مؤشر على هذا الأمر خاصة أنه سمح للدول غير الإسلامية باستعادة كيانها ثانية.

العولمة ضربت العالم الإسلامي في أمر آخر هو السلع الاستراتيجية كالبترول وغيره.

حتى الصلاحيات التي كانت تتمتع بها بعض الدول الإسلامية داخل المنظمات الدولية ضعفت جدًا في ظل العولمة.

صندوق النقد قبل العولمة كان مختلفًا تمامًا عما هو عليه الآن.

منظمة التجارة لم تكن كما تبدو اليوم.

معظم محاولات الاندماج أو التكامل التي كانت تمثل حلمًا في العالم الإسلامي جُمّدت؛ لأنها كانت تفتقد الرؤية الصحيحة في إيجاد الحلول.

د . عبد الحميد الغزالي:

الأنظمة لدينا بين مغيَّب ومغرَّب مع ما نملكه من مقدرات ومقومات للتنمية الناجحة.

ولهذا يمكن القول بأنه لو لم يكن هناك تغييب وتغريب للعقل المسلم على كافة الأصعدة لما كان هذا حالنا أبدًا.

ولأننا كذلك فلا نعتمد على الإنسان لدينا، ونتصور أن حل مشاكلنا الإنمائية وغيرها في الاعتماد على الخارج.

أليس أبشع ما تصاب به أمة أن تعتمد في ضروراتها على أعدائها سواء في السلاح أو الغذاء أو التقنيات التي لا تتمشى مع خصائص عناصرنا الإنتاجية، حتى نظل تابعين للغرب، وبذلك نبقى مهمشين في صناعات غير ذات جدوى، ونسير وفق مشاريع تسليم المفتاح؟

ولأننا أيضًا نعتمد على القروض والمعونات، فهذه التي تعد استعمارًا أبشع من استعمار القرن التاسع عشر؛ لأن القروض من أكبر معوقات التنمية؛ فهي توقعنا في كبرى الكبائر، ولسنا في حاجة إلى قروض! لدينا فائض يزيد عن 800 مليار دولار ودائع في البنوك الغربية؛ بينما نحن مدينون لهم وبأسعار فائدة ربوية؛ وقد بلغ إجمالي الفوائد أضعاف أصل الدَّيْن!

البيان : عندما طُرح مشروع مارشال بعد الحرب الأوربية الثانية لتمويل الدول التي خرجت منها من الحرب لدفعها نحو التنمية وفق الشروط الأمريكية وافقت فرنسا وإنجلترا على هذه الشروط، ورفضت كل من اليابان وألمانيا المشروع وفضلتا الاعتماد على الذات، ولنا أن نقارن بين النتيجتين حتى في العالم الغربي ذاته واليوم يسير صندوق النقد على نفس الخطا في تكبيل محاولات النهوض وإعاقتها.

د . عبد الحميد الغزالي:

اليابان استطاعت ـ من خلال عملية تنميتها ـ أن تستخلص فائضًا من النشاط الزراعي لا يمكن استخلاصه، ومولت به مشاريعها الإنمائية والصناعية؛ ولذلك نجحت لأنها اعتمدت على سواعد أبنائها وعلى التخطيط الداخلي دون أي تدخل أجنبي حتى حدثت الطفرة.

د . عبد الرحمن يسري:

المشكلة ـ من وجهة نظري ـ تكمن في أن العالم الإسلامي يئن معظمه تحت سيطرة حكومات علمانية تابعة للعالم الغربــي .. هــذه الحكــومات قــد ارتبطـت بالاقتصاديات العالمية بلا أيـة ضـوابـط أو فـهــم لاتجاهـاتها أو مضامينها، والتي قد لا يكون من ورائها مكاسب على الإطلاق، بل ربما خسائر محققه خاصة إذا احتكمنا إلى المعايير الإسلامية الصحيحة.

البيان : ولهذا يجيء رد فعلها على الأحداث العالمية والإقليمية ضعيفًا وبصورة مؤسفة ومخزية، فضلاً عن أنها قنعت بمجرد ردود الأفعال ولم تشارك في صنع اللعبة بما يخدم مصالح الأمة.

أ . يوسف كمال:

النظرة المصلحية البحتة إلى الحلول لا توصل إلى نهاية الطريق، وإنما التبصر والتمسك بالطريق مهما كانت العقبات هو الذي يوصل، ولذلك لا بد من تصحيح المنطلقات أولاً.

الرسول -صلى الله عليه وسلم- حينما ذهب إلى الطائف وعرض الإسلام على أهلها عرضوا عليه أن يقيموا جبهة قومية .. فقالوا : «ننصرك على أن يكـون لنا الأمـر مـن بعـدك»! ولكن هــذا لا يتفـق مـع طبيعـة المنهـج، والمعادلة هكـذا لا تصلح ولا بد من إرادة الآخرة أولاً حتى ننتصر، ولهذا كان رده ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «الملك لله يضعه كيف يشاء».

أما الأنصار فقالوا: «ننصرك على ماذا ؟!.. قال: «الجنة»!

قالوا: «ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل».

ولما صحت المنطلقات كان النتاج سريعًا وناضجًا، فلم تمض سنوات على هذه الصفقة الرابحة حتى سقطت فارس والروم على يد هذه العصبة التي وضعت بصمتها على كل شيء في الدنيا.

لهذا فإن إدخال الإسلام في القضية يضع الأمور في نصابها؛ لأنه يعتبر الإنسان هو أساس التقدم، والتخلف يمثل ظاهرة هوية أساسها الإنسان، والإنسان يتغير، ولا يثبت في نفسه غير العقيدة التي تشكل مسار حياته.

فإما أن يكون ديناميكيًا أو استاتيكيًا .. ذا تطلعات أو إمعة. ونحن حين ننظر إلى الكتابات التي تعالج مسألة العولمة ـ على سبيل المثال ـ نجد أن الثقافة الغربية قد تسللت إليها دون انتباه لذلك؛ لغياب طعم العقيدة عنها، حتى في كتابات إخواننا الذين يتحدثون عن الإسلام، نجد مزيدًا من التهميش المرجعي في مقابل مزيد من الاقتباسات عن الغرب.

لا عيب في أن نستفيد من تجاربهم لكن دون الافتتان عن منطلقاتنا أو الافتئات على ثوابتنا؛ لأن ذلك هو عين الهزيمة.

والعقيدة هنا هي المرتكز وهي السلاح الاستراتيجي الذي لا يملكه غيرنا؛ لأننا نريد الآخرة وهم يريدون الدنيا.

هذه العقيدة لها مضمونها في إيقاظ الإنسان وإحياء الإرادة لديه، وهي وحدها التي تملك أن توجه الإنسان المسلم وتبين له هدفه الصحيح.

الغرب يدرك ذلك تمامًا؛ ولهذا يقول ماسنيون: «استطعنا أن نحول العالم الإسلامي تحويلاً كبيرًا عن طريق إحداث انحرافة طفيفة في أول طريقه» كما لو حدث ذلك في قضبان القطار فإن الانحراف بزاوية ضيقة جدًا في الابتداء كفيل أن يبعده عن الهدف كلما سار على الطريق؛ وقد كان هذا بإدخاله في نظام حياة يختلف عن نظام الإسلام؛ ولهذا يقول: «الخطر الوحيد الذي يواجهنا أن يعرف المسلمون عقيدتهم؛ لأن هذا يشعل الإسلام في قلوبهم».

ولهذا فإن المسلم لن ينتصر في أي معركة إلا حين يعلن عن موقفه، نحن لا نطلب المستحيل، على الأقل أن يعرف الإسلام فكراً لا يشوه ولا يحرف ولا يخلط بغيره.

ثم نحن مع التيسير على قدر الطاقات لكن بشرط أن نسير في الطريق الصحيح هذا الطريق عليه منارات واضحة تهدي السائر عليه .. حتى وإن قابله جبل واستدار حوله فإنه سرعان ما يرى المنارة التي ترده إلى الجادة، ولهذا لو عرفنا ديننا حق المعرفة فستأتي الحركة؛ والحركة فيها النصر بإذن الله ـ تعالى ـ.

د . عبد الرحمن يسري:

تصحيح المنطلقات هي الخطوة الأولى على طريق الحل، والوعي الإسلامي وحده هو الذي يجعلنا أكثر انتباهًا للمخاطر المحدقة بنا؛ لأن الوعي الرأسمالي لا يثير أي شكوك بالنسبة للأساليب التي تنتهجها قوى العولمة للهيمنة على العالم، بل يضفي عليها هالة من القداسة بحيث يصعب معها التنبه إلى خطئها أو خطرها.

والمسلم ليس بالإمعة الذي يسير في ركاب الآخرين ولا يدري إلى أين يقاد، وحتى لا نكون كذلك علينا أن نتجاوز عقلية المنهزم ومرحلة التلقي السلبي وسياسة ردود الأفعال المجردة، لنصل إلى مرحلة الفعل.

لدينا آمال كبيرة، ومن يدرس تجارب النهوض في العصر الحديث سـواء فـي ألمانيا واليابان بعـد الحرب أو حتى في دول النمور الأسيوية يدرك أن الأمل ما زال كبيرًا إن عدنا بإسلامنا إلى المعترك؛ وحينها لن نبدأ من الصفر وإنما ننظر فيما فعلناه أولاً ونصححه ثم نبني عليه ثانيًا، وعلينا انتهاز الفرص، ولدينا مؤسسات قائمة نبحث كيف نستفيد منها.

ننظر في حاجاتنا الفعلية، وننظر في كيفية تلبيتها داخليًا بالنسبة لنا .. الاعتماد على النفس ربما كان قاسيًا في أول الطريق لكنه لن يكون بقسوة خضوعنا للغير سواء كان عولمة أو غيرها.

د . عبد الحميد الغزالي:

تكميلاً لكلام الزميلين العزيزين .. فإن النظرة الإسلامية للإنسان تعيد الاعتبار إلى رأس المال البشري، وهو رأس المال الحقيقي؛ لأن الإنسان هو القيمة الأرفع والأكثر أثرًا في عملية التنمية والإنسان الفاهم لدينه المستوعب لتغيرات عصره هو الإنسان القادر على النهوض الحقيقي في مواجهة أي خطر مهما كان وبأقل الإمكانات.

ولهذا فإن الاستثمار في هذا المجال استثمار استراتيجي وقائم على الإسلام، وإذا لم نستطع ترتيب بيتنا من الداخل قبل أن تطغى علينا العولمة بآلياتها ومفاهيمها وتطبيقاتها فلا أرى أملاً.

معظم الدول الإسلامية على مدى نصف قرن جربت استراتيجيات عديدة .. النمو المتوازن .. النمو غير المتوازن.. استراتيجية الدفعة القوية .. استراتيجية البعد الأدنى الحساس .. استراتيجية التغلغل .. استراتيجية الحاجات الأساسية .. استراتيجية الصناعات الثقيلة .. استراتيجية الطلب النهائي .. استراتيجية الانطلاق والنمو .. إلى آخر هذه الاستراتيجيات، وكانت النتيجة ـ بشهادة المنظمات الدولية المتخصصة ـ: مزيدًا من التخلف ومزيداً من معاناة الإنسان، والسبب في ذلك هو أننا أهملنا العنصر الأساس وهو الإنسان.

د . عبد الرحمن يسري:

من الموضوعية أن نعترف أن الآثار السلبية للعولمة ستكون شديدة الخطورة، ومن ثم فإن الأمر يلح علينا لتدبر أمورنا تجاهها بسياسة اقتصادية حكيمة واجتهادات عميقة ترمي إلى تحقيق مصالح الأمة في إطار القواعد الشرعية الأصلية، وتقدم حلولاً لما يجدُّ من مشكلات.

ولا نعني أن تكون الحلول سهلة المنال، ولربما كانت موجعة، فالجراحة قد تكون صعبة ولكنها وسيلة الشفاء إن شاءه الله ـ تعالى ـ ولأن العولمة ليس لها سابقة في التاريخ ولا يستطيع أحد أن يقول: إن لديه سياسات اقتصادية جاهزة لمواجهتها، ولكن الإسلام معين لا ينضب وعلينا الاجتهاد.

البيان : ولكن الاجتهاد قضيةً ومفهوماً قد جمد في حقبة سابقة، وهو اليوم يتعرض للون من التحريف في مضمونه وفحواه .. نحن نؤكد على هذا الواجب ولكن المشكلة في: من؟ وكيف؟

أ . يوسف كمال:

الاجتهاد واجب الطليعة المؤمنة من العلماء المتخصصين كلٌ في مجاله، بأن تكشف عن حكم الله ـ تعالى ـ في قضايا العصر، وتعيد الأمة إلى مسارها بعد توضيح المعالم؛ لأن الشرع محكم ومن رحمة الله بنا وإحكامه لدينه أن الآية من القرآن يمكن أن تقيم نظامًا اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وهنا نحتاج إلى اجتهاد هذه الطليعة لاستنباط ذلك.

نحن لسنا ضد الدراسات المتخصصة المتعمقة، ولكن عندما يتحدث العالم المسلم عن العولمة لا نريده أن يتحدث بمنطق العالم الثالث .. وإنما بمنطق: قال الله، وقال الرسول .. من منطلق الاتباع والأسوة والطاعة.

هذا هو مفرق الطريق!

نحن اليوم ـ ونحن نواجه العولمة ـ لا بد أن نضع كل شيء في نصابه، ولا يمكن أن تكون المواجهة في مجال واحد! المواجهة في كل المجالات. ولهذا لا بد من مشروع حضاري شامل يستوعب كل طاقات الأمة ويوحد بينها. إن ما ذكر عن جمود في العالم الإسلامي وتخلف سببه الأساس هو جهود الإنسان من داخله!

على سبيل المثال: السوق العربية المشتركة وهي هدف مقدم مطروح منذ عام 1956م وقبل السوق الأوربية التي طرحت عام 1957م؛ وهـا هـي السوق الأوربية تجـاوزت اليوم مرحلة السوق إلى مرحلة الوحـدة، ونحـن ما زلنا نقول: منطقة حرة أو اتحاد جمركي أو سوق مشتركة .. !

د . عبد الحميد الغزالي:

هنا أمر يجدر الإشارة إليه، ولا أحب أن يضيع في زحمة كلامنا .. وهو أن العولمة بصورتها الراهنة ليست قدرًا وليست شرًا محضًا، وإنما هي واقع جديد يُصنَع، ولا بد أن نتعايش معه بعقيدة المسلم وذكاء المسلم وحزم المسلم وحسمه.

نحن مع العولمة إذا ما كانت تعني التفاعل الحيوي بين شعوب الأرض .. نحن مع حرية التجارة، وحرية الانتقال التي تعني حريتنا أيضًا في كل ذلك؛ وحين نملك القرار سنملك التأثير.

ولهذا أقول: إن العولمة الصحيحة بضاعتنا ويجب أن ترد إلينا لكن من منظورنا الإسلامي، لكن لن نستطيع أن ندخل تنافس العولمة ومعتركها المفروض علينا إلا بتربية إسلامية صحيحة وتطبيق إسلامي في الاقتصاد وفي السياسة في الاجتماع وفي الثقافة .. وبدون هذا التطبيق لن نكون قادرين على مواجهة العولمة. نحن جربنا الاشتراكية فكنا مستهلكي شعارات، وجــربنا الرأسمالية فكنا مستهلكي سلع.. فلماذا لا نجرب الإسلام لننفتح على العالم من دائرة التأثير لا التأثر.

نحن أصحاب الانفتاح الحقيقي ولا يوجد انفتاح في أي عقيدة سماوية أو أرضية مثل الانفتاح في الإسلام؛ فالحكمة ضالة المؤمن والأصل في الأشياء الإباحة، ولهذا فإن انفتاحنا على العالم سيكون له إسهامه في الحضارة.

وأود أن أشدد على ضرورة توحُّد الدول الإسلامية تجاه هذه الظاهرة، وأن نضع أيدينا في أيدي بقية الدول النامية للحصول على نصيب عادل من التجارة الدولية والعلاقات الاقتصادية الدولية. فلقد رفعت الدول النامية ـ دول السبع والسبعين ـ في أوائل الستينيات شعار «التجارة وليست المساعدة Tsade Not Aid»؛ وذلك لأن المساعدة كانت ـ على عكس المأمول ـ عبئًا على التنمية وليست عاملاً مساعدًا لأحداثها. والآن ترفع الدول النامية شعار «عدالة التجارة وليس حرية التجارة» بمعنى أن حرية التجارة ـ باعتبارها جزءاً من ظاهرة العولمة ـ يتعين ألا تكون لصالح دولة واحدة أو حفنة قليلة من الدول المتقدمة.

د . رفعت العوضي:

العالم كله اليوم يتطلع إلى حل جديد وهو الذي يُعبَّر عنه بالطريق الثالث؛ لأن الشيوعية سقطت بالفعل، والرأسمالية في عولميتها تعيش أزمة خانقة رغم أن عمرها قصير وهو تسع سنوات لم يعدُ عمر طفل في المرحلة الابتدائية؛ هذا الطريق الثالث تكلَّم عنه كلينتون وتوني بلير وجاك شيراك ...

الإسلام يقدم أكفأ نموذج للطريق الثالث، ولو أننا جمعنا ما كتب عن هذا الطريق الثالث لوجدنا كأنهم يحومون حول الإسلام، وهذا يجعلنا نقول: على العالم الإسلامي أن يقدم الإسلام باعتباره الطريق الثالث الذي يبحث عنه العالم كله.

سنُسأل أمام الله ـ تعالى ـ إذا لم ننتهز الفرصة ونقدم الإسلام للعالم على أنه الطريق الثالث المنقذ؛ لأن الحرية المطلقة سببت الكوارث. والإسلام وحده هو الذي يقدم الحلول والضوابط في هذا المجال، والإسلام وحده هو الذي يربط التنمية بالتوزيع والعدالة الاجتماعية. الإسلام يقنن دور الدولة في الاقتصاد ولا نبالغ إذا قلنا: إن الإسلام هو سبيل النمو الذي يحتاجه العالم.

د . عبد الحميد الغزالي:

بعد سقوط الاشتراكية وتبني جورباتشوف البروستريكا التي أراد من خلالها أن يبحث عن طريق غير الرأسمالية؛ لأنه أعلم بمشاكلها، أرسل وفدًا إلى مصر ليدرس النظام الإسلامي للاستفادة منه، وشُكِّلت لجانٌ في مركز الاقتصاد الإسلامي التابع لجامعة الأزهر من المتخصصين، وعكفت هذه اللجان على صياغة برنامج متكامل للنظام الإسلامي في شكل بنود وفقرات قدمنا فيه نظامًا اقتصاديًا تشغيليًا يبدأ بفلسفة النظام والعمل والأجور ونظام الملكية المتعددة، الاستهلاك والاستثمار والادخار والشركات وصيغ الاستثمار والسياسة النقدية والسياسة المالية .. إلى آخر كل مكونات النظام الاقتصادي الفاعل..

وعندما قُدم هذا النظام للوفد تساءل رئيسه الوزير (بافلوف): كيف يكون لديكم مثل هذا النظام وأنتم على هذه المسألة من التخلف؟! وأسندت أمانة المؤتمر الرد إليَّ، وكان ردي: «لأننا بعيدون تمامًا عن هذا النظام».

ولكن توالت أحداث تفكك الاتحاد السوفييتي، ولم تُعطَ القيادة الروسية الفرصة للاستفادة من هذا المشروع الذي أصر الوفد الروسي على مناقشته تفصيلاً في جولة ثانية في موسكو.. إلا أن الجولة المقترحة لم تتم بسبب هذه الأحداث.

البيان : هل يمكننا ـ ونحن في إطار الحديث عن المشروع الحضاري بصفة عامة ـ أن نطرح تصورًا له في ظل مخاطر العولمة؟

أ . يوسف كمال:

إذا كنا نتحدث عن مواجهة فالمواجهة تحتاج بداية إلى إرادة، ولا إرادة بدون عقيدة؛ لأننا إذا نظرنا على سبيل المثال إلى الفجوة التقنية بيننا وبين الغرب والتي تتسع وتتسع فسنصاب باليأس؛ لأننا في حاجة إلى تكوينات رأسمالية وهي بدورها تتطلب فائض مدخرات كبير، وهذا الفائض يحتاج إلى زيادة الدخل وإلى ضغط الإنفاق! ومستحيل أن نصبح كروسيا؛ لأن الإنسان الروسي هو الذي هدم روسيا بسلبياته وعدم حرصه على مصلحة بلده.

إذن لا بد من عامل ذاتي يدفع الإنسان نحو مضاعفة عمله وضغط نفقاته؛ بحيث يكون على استعداد دائم لبذل أكثر مما هو مطلوب منه.

ليس شيء سوى العقيدة يصنع مثل هذه المعجزة، إذن العقيدة هنا يمكن أن تحدث الطفرة؛ لأنها تربي الفرد على المسؤولية في إطار جماعي وتحميه من الهزيمة النفسية والفكرية.

ثم تأتي بعد ذلك الشريعة لتضع له الضوابط العملية والتطبيقية التي توجه جهوده التوجيه الأمثل.

د . عبد الرحمن يسري:

لماذا لا يرفع المسلمون شعارًا واحدًا يوحد بينهم كما يرفع غيرهم من الشعوب الشعارات؟ الثورة الشيوعية رفعت من قبلُ شعار: «يا عمال العالم اتحدوا»

والأمريكيون رفعوا شعار: «بالله نثق»، والفرنسيون رفعوا شعار: «حرية ـ إخاء ـ مساواة» والمسلمون يملكون الشعار الذي يوحد بينهم وهو كلمة الشهادة التي نرددها صباح مساء هذه الكلمة تمثل شعارًا حقيقياً للإسلام عقيدةً وفكرةً ونظاماً، ويمكن من خلال توظيف مفهومها أن تستعيد الأمة ما فقدته حتى في ظل طغيان العولمة.

البيان : لكن كيف نترجم هذا الشعار إلى واقع حضاري عمومًا، واقتصادي خصوصًا؟

د . عبد الحميد الغزالي:

إذا تكلمنا عن المشروع الحضاري فلا بد أن ينقلنا هذا للحديث عن الثوابت التي ينبغي أن نحتكم إليها ونحن نواجه العولمة:

أولى هذه الثوابت: أن يكون مدخل التعامل عقديًا؛ لأننا إذا فقدنا المقياس ونقطة الانطلاق فستصبح الأمور كلها نسبية تقبل التسويغ واحتمال وجهات النظر المختلفة، أما إذا احتكمنا إلى العقيدة وانطلقنا منها فسوف يكون سعينا مطردًا بنّاءاً، ويكفي أننا نملك حينئذ المعية الإلهية.

وثانيها: أن تكون المصلحة الاقتصادية لأمتنا وأوطاننا هي المحرك الأساس لعملنا، وهذا لا يكون إلا بإرساء حرية الإنسان وإشراكه في العمل؛ فلا تهدر طاقة ولا تزيف إرادة، وإلا أحس الإنسان بالغربة، وهذا شعور قاتل لكل مبادرة .. و لكل عمل جاد.

ثالثها: سياساتنا الاقتصادية التي لا بد أن تنبع من خططنا المبنية على مصالحنا، أما خطط صندوق النقد والبنك الدولي فينبغي ألا تكون ملزمة.

رابعها: أن تكون حلولنا استراتيجية، بأن ننظر إلى عملية التنمية نظرة غير تقليدية، بأن نستفيد من فترات السماح المتاحة لاتفاقيات التجارة، وهي ما بين 5 ـ 10 سنوات، ويمكن أن تُمد عن طريق التفاوض حتى نقف على أرجلنا وهكذا..

د . عبد الرحمن يسري:

يمكن من خلال هذه الثوابت التي طرحها الدكتور عبد الحميد أن نطرح تصورًا لدور الدولة في الإسلام خاصة في مثل هذه الظروف، هذا الدور يتمثل في عدة واجبات يمليها الشرع على الدولة، هذه الواجبات كانت موجودة منذ عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين ـ رضوان الله عليهم جميعًا ـ ويمكن لنا أن نطرحها بإيجاز:

1- واجبها نحو بناء الفرد المسلم الذي يعد العنصر الأهم في التنمية وفي المواجهة، وذلك عن طريق تربية الناس وتوعيتهم بواجباتهم وحقوقهم الشرعية، وضرورة تماسكهم قطريًا وعالميًا، وهذا يستدعي زيادة الإنفاق على التربية والتوعية الإسلامية في جميع المستويات التعليمية، وإحياء دور المسجد، وإعداد المناهج اللائقة بذلك.

2 - واجبها في إيجاد الكفاءات، وهو ما يمثل فروض الكفايات عن طريق وضع خطة تعليمية مركزية تتضمن برنامجًا زمنيًا تفصيلياً يبدأ بمحو الأمية، ويمتد للتوفيق بين برامج التعليم والتدريب وبين احتياجات سوق العمل حاضرًا ومستقبلاً، والارتقاء بالبحث العلمي من خلال توفير التقنيات الحديثة والعمالية، والتشجيع على البحث والإبداع والابتكار.

3 - واجبها نحو المال باعتباره قيمة إسلامية لها دورها العقدي والاقتصادي والاجتماعي، وهذه المسألة تمثل نقطة ارتكاز تفصل بين النظرة الإسلامية والنظرة المادية عمومًا، فتقوم بوظيفتها المالية من جمع الزكاة والصدقات والعشور وغيره وتصرفها في وجوهها حتى لا يكون المال دُولة بين الأغنياء كما تريد العولمة.

4 - واجبها نحو ضمان استقرار النشاط الاقتصادي الحقيقي بالإشراف على أسواق رؤوس الأموال وتنظيمها، وتنظيم تدفق رؤوس الأموال، وضمان الالتزام بالأحكام الشرعية واتخاذ الإجراءات الحاسمة لمنع الإخلال بالقواعد الشرعية.

5 - تنظيم الانتفاع بالموارد كالموارد المائية وأراضي الرعي والغابات والصحراء لصالح أبناء المجتمع وضبط عمليات التملك بما يضعف النفوذ الأجنبي.

6 - الابتكار في تشجيع الاستثمار؛ وعلى سبيل المثال من خلال المعاملة التفضيلية للشركات الأجنبية التي تسهم إسهامًا فعليًا في التنمية الحقيقية.

7 - ضبط التعامل مع الأسواق الأخرى من خلال مراقبة الواردات لضمان عدم مخالفتها للشريعة الإسلامية، وأخذ العشور وإدارة التجارة الخارجية بما يحقق المصالح، وعلى هذا الغرار تكون واجبات الدولة التي يمكن أن تتطور وفق هذه الواجبات بآليات أحدث.

د . رفعت العوضي:

التطورات الراهنة تفرض على الدولة مزيدًا من أدوار الحماية وإدارة الإنماء بطريقة ذكية وفاعلة تعتمد فيها على البحث العلمي والدراسة والتخطيط الجاد .. وقيام الدولة بهذه الأدوار يقلل كثيرًا من الخسائر التي يمكن أن تتعرض لها في ظل العولمة .. وعلى سبيل المثال:

ـ الاتفاقيات الدولية الملزمة كاتفاقية تحرير التجارة تحتاج إلى دراسة متأنية ومتخصصة تتيح لنا معرفة عناصر القوة والضعف والثغرات في هذه الاتفاقية، كي تتمكن الدولة من توسيع مجال المناورة وتفسير هذه المواد بما يخدم مصالحها.

ـ تحتاج الدولة بدلاً من أن تغري الاستثمارات الأجنبية بالقدوم أن تنتهج سياسات تعيد الثقة بالاقتصاديات المحلية، بما يشجع الاستثمارات المهاجرة إلى الخارج على العودة إلى بلادها مرة أخرى.

- حماية الصناعات الناشئة من المنافسة الأجنبية وسياسات الإغراق من خلال فرض لون من القيود الجديدة التي تعتمد على المواصفات في الحيلولة من دخول الصناعات المنافسة.

ـ توجيه الدراسات الجامعية والأكاديمية الشرعية والمتخصصة إلى حل مشكلات الانفتاح والتحرير والبورصة بحلول عملية.

ـ تطوير القدرة التنافسية لصناعاتنا من خلال دعمها عن طريق الدراسات أو مساعدتها في فتح أسواق جديدة أمامها.

هذه الأدوار مجرد أمثلة على ما يمكن أن تفعله الدولة الآن.

أ . يوسف كمال:

السياسة الحمائية لها بُعْدٌ شرعي مهم يتمثل في تطبيق الشريعة؛ لأنه لا قيمة لوضع سياسات لحماية الصناعات دون حماية البنية التحتية التي يمتد إليها التمويل الأجنبي ليتلاعب بها، وأمامنا تجارب معاصرة تخلت فيها الحكومات عن الحماية الشرعية المتمثلة في تحريم الربا الواقع في عمليات الإقراض، وتحريم المقامرات التي تجري في البورصات، فكانت النتيجة أن أُتيَ الاقتصاد من حيث لم يحتسبوا والله قد ضمن لنا العصمة في التمسك بحبله؛ فلماذا النكوص؟!

د . رفعت العوضي:

مسألة التكامل الإسلامي، وكيف يمكن للدول الإسلامية اليوم أن تكمل في إطار هذا التكامل.

في ظل الظروف الراهنة ليس بمقدور أي دولة إسلامية أن تخرج عن الإجماع العولمي الذي تمليه الدول السبع الكبار عبر المؤسسات والمنظمات الدولية، ومن ثم فإن المتنفس أمام الدول الإسلامية يبدأ عبر الساحة الإسلامية ذات الامتداد الجغرافي والاستراتيجي والسكاني والمادي بدءًا بالتكامل وانتهاءاً بالتوحد عبر سياسات منضبطة ومحكمة.

لأن المنظومة العولمية آخذة بالتطور عبر القرارات والاتفاقات والتكتلات والاندماجات بشكل يملي على العالم الإسلامي سرعة المبادرة قبل أن يفلت الزمام.

العالم الإسلامي يمتلك مخزونًا جبارًا من رؤوس الأموال ومن الثروات الحيوية والمعدنية بالإضافة إلى التلاحم الجغرافي والتكامل في الموارد، ولهذا لو قامت تجارة فعلية بين العالم الإسلامي لأمكننا الاستغناء عن العالم الخارجي على الأقل في الاحتياجات الاستراتيجية.

وهنا يبرز دور مؤسسات التكامل سواء على مستوى الإطار الإسلامي العام كمنظمـة المؤتمـر الإسلامي، أو حتى على المستوى الإقليمي كالاتحاد المغاربي، ومجلس التعاون الخليجي، أو اتحاد جمهوريات وسط آسيا الاسلامية، أو على المستوى الوظيفي كمجموعة الثمانية الإسلامية؛ لكن المثير للعجب أن دور هذه المؤسسات لم يزل مقصورًا على الدور الاستشاري ولا يحمل أي صورة من الإلزام.

لدينا كذلك مؤسسات متخصصة كاتحاد الغرف التجارية والصناعية الإسلامية، والبنك الإسلامي للتنمية ولدينا مؤسسات أخرى في الإطار العربي، لكن هذه المؤسسات لم تقم بدورها المرسوم والمراد لها، والأسباب معروف أكثرها، وإذا ما أرادت الدول الإسلامية لنفسها بعض المتنفَّس من ضغط العولمة فعليها أن تُفعِّل العلاقات البينية والتكاملية لمواجهة آثار الهيمنة الخارجية.

أما على مستوى رؤوس الأموال فلدينا فرص استثمار ممتازة، ويسيل لها لعاب المستثمر الأجنبي داخل المجال الإسلامي من آسيا الوسطى وحتى الأطلنطي تحتاج إلى رؤوس أموال وخبرة كافية لاستغلال المقدرات الموجودة.

د. عبد الحميد الغزالي:

لا بد أن يكون هناك نظرة استراتيجية لموارد العالم الإسلامي وإمكانياته من خلال التخصص وتقسيم العمل، بتوزيع الأدوار، ومن هنا فعلاً نستطيع إقامة تكتل، وحتى لا نكون حالمين علينا أن نبدأ بأدنى ما يمكن قبوله .. وهو أن ننظر فيما ينتج العالم الإسلامي فيتم التبادل فيه بدلاً من استيراده من العالم الخارجي.

ثم من خلال التخطيط الاستراتيجي يمكن تنمية بعض الصناعات الاستراتيجية وحل إشكالات التطور التقني بتنظيم حقوق الملكية الفكرية على مستوى العالم الإسلامي للاستفادة من عقولنا الإسلامية التي نهدرها بينما تنمو إذا ما احتضنها الغرب.

العالم الإسلامي كذلك يحتاج إلى دليل تنمية حقيقي، ودليل استثمار على مستوى العالم الإسلامي يتم تداوله بين رجال الأعمال المسلمين، ويحتاج كذلك إلى بنوك معلومات، ومجموعات استشارية إسلامية تقدم دراسات وافية عن جدوى الاستثمار وعوائده ومزاياه على نطاق العالم الإسلامي.

ونحتاج إلى دوريات متخصصة في هذا المجال تقدم الدراسات الإنمائية من المنظور الإسلامي؛ وهذه المؤسسات تحتاج إلى دعم الحكومات ومؤسسات التكامل تمامًا كما تدعم الأنشطة الوضعية.

أ . يوسف كمال:

هناك عدة تساؤلات تطرح نفسها على الحوار:

لماذا لا توجد كيانات كبرى قوية فاعلة على مستوى العالم الإسلامي مع توفر الإمكانات والدواعي؟!

ولماذا لا توجد شركات إسلامية دولية النشاط مع توفر الإمكانات والدواعي؟

ولماذا لا يوجد ابتكارات واختراعات في الدول الإسلامية مثلما يوجد في الغرب؟ هل العيب في العقول، أم في النظم؟

ثم لماذا تتفوق العقلية المسلمة في الخارج بصورة تدعو إلى العجب؟!

انعدام الإرادة السياسية أو ضعفها وتبعيتها لدينا هو السبب في جل ما أصابنا، ما زلنا نرفع شعارات للاستهلاك دون تطبيق؛ لأننا غير جادين في ذلك!

السوق العربية المشتركة.. التكامل الإسلامي.. حتى على مستوى التكامل الثنائي أو الثلاثي بين الدول .. الاتفاقيات الثنائية لم تصمد أمام أول ريح للخلافات السياسية !

ما زال للنظرة القطرية الدور الأخطر في سياساتنا فلا رؤى مشتركة، ولا سياسات مشتركة.

وإذا أضفنا إلى ذلك التأثر بطابور المستفيدين بالعولمة اليوم في سن التشريعات وفرض السياسات واتخاذ القرارات.

ولهذا أقول: إنه ما من حل إلا من خلال تحرير الإرادة، والإرادة لا يحررها سوى العقيدة التي تبني الفرد وتبني المجتمع وتصحح المنطلقات والمعايير.

د . رفعت العوضي:

الدول الإسلامية تستورد أكثر من نصف غذائها من العالم الخارجي؛ مع أنها لم تستغل سوى أقل من 40% من المساحات الصالحة للزراعة. وبنظرة استراتيجية نتساءل: لماذا لا نزرع هذه الأراضي بفوائض أموالنا المعطلة في البنوك الغربية والتي تربو على 800 مليار دولار في أقل تقدير؟ عندنا الأيدي العاملة الرخيصة، والأراضي الصالحة للزراعة، ولدينا في السودان وحدها مساحات يمكن أن تكفي العالم الإسلامي من الغذاء، ولدينا مساحات شاسعة في الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز؛ وكازاخستان وحدها فيها 117 مليون فدان صالحة للزراعة!

العالم الإسلامي ما زال يتمتع ببعض الميزة النسبية في مجال الزراعة؛ فعلينا أن نطور هذه الميزة رأسيًا وأفقيًا.

وفي مجال الصناعة يمكن الاستفادة من الخبرات التي تكونت في ماليزيا وإندونيسيا ومصر وباكستان في هذا المجال لتوسيع قاعدتنا الصناعية، وأيضًا يجب علينا الاستفادة من العنصر البشري المتميز في الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز. العالم يسعى لجذب هؤلاء العلماء، وعالمنا الإسلامي غائب كلية عن ذلك. وفي هؤلاء علماء في الذرة ولا بد أن يُخَطَّط للاستفادة منهم.

حتى الآن ما زال أمامنا الكثير؛ لكن بمرور الوقت تتضاءل أمامنا الفرص وربما تضيع.

د . عبد الرحمن يسري:

لا شك أن الحرص على مصلحة بلادنا يدفع نحو ابتكار حلول عملية ونحن راضون بأقل القليل، لن نقول وحدة اقتصادية كما فعلت أوروبا، أو منطقة تجارة حرة كما هو الحال في أمريكا الشمالية، ومع أن هذا يندرج ضمن الواجبات الشرعية، لكنا نقنع بالحد الأدنى من التنسيق بين السياسات من خلال النظر في السوق الإنتاجية وما ينتج فيها وإعطائه الأولوية والابتكار في أساليب التعامل، حتى لو عدنا إلى أسلوب المقايضة بعيدًا عن العملة الصعبة بالاستناد إلى قيم ثابتة من الدينار الإسلامي (وحدة النقد المشتركة) حتى نتحرر بعض الشيء من قيود التعامل بالعملة الصعبة والآليات الدولية المفروضة.

هذا لا يعني رفض الارتباط الإنتاجي بالعالم على إطلاقه ولكن يعني ـ على سبيل التأكيد ـ عدم التسليم بهذا الارتباط قبل فهم مضمونه واتجاهه أو التعرف على مكاسبه: من أين؟ ولمن؟

د . رفعت العوضي:

أود أن أشير أيضًا إلى أهمية دور المؤسسات العلمية والمؤتمرات العلمية المتخصصة على مستوى العالم الإسلامي في تقديم حلول مؤسسية لإشكالات ثورة الاتصالات والمعلومات وكيفية الإفادة من الانترنت التي أصبحت متاحة للجميع لكن دون آليات وضوابط تضمن حسن الاستفادة.

ومن ثم توفير مراكز معلومات قادرة على خدمة اتخاذ القرار والإشراف والمراقبة. هل تتصور أن جامعة هارفارد لديها مركز عن البنوك الإسلامية، بينما لا يوجد مثله في أي جامعة على مستوى العالم الإسلامي؟!

وهذا يعني أن المعلومة لدينا إما مضللة أو مشوشة .. أو سطحية إذا ما اعتمدنا على امكانياتنا التي لم تزل دون المستوى.

كما نطرح لوناً آخر من التفعيل وهو كيفية الإفادة من البحوث العلمية المقدمة لنيل الدرجات العلمية في جامعاتنا؛ فبين هذه البحـوث عـدد كبير يمكن أن يفيـد في هـذا الجانب، ولنا أن نتصـور أيضًا حجـم الفائـدة إذا ما قامت مؤسسة إسلامية على مستوى العالم الإسلامي لرعاية الباحثين وتشجيعهم على البحث في هذا المجال عن طريق المسابقات البحثية أو شراء الأبحاث التي تقدِّم إضافة في هذا المجال.

إلى جانب هذا إيجاد مؤسسات للتدريب ورفع مستويات الأداء واكتساب الخبرات بمعايير شرعية وموضوعية.

ومؤسسات أخرى لتصميم المشاريع النموذجية التي تضمن أداءاً متميزاً من جهة العائد والتكاليف والضوابط الشرعية والعمل على انتشارها.

ومؤسسات كذلك تعمل على استيعاب التقنيات وتطويرها بل والابتكار أيضًا..

قد تكون برامج التطوير أكبر كلفة في المدى القصير لكن مردودها وتكاليفها لا تقارن على المستوى الاستراتيجي.

وفي هذا الصدد أشير إلى أن التكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية إذا تحقق فسوف يمثل وعاءاً ملائمًا لرعاية التقدم التكنولوجي.

إن الدول الإسلامية إذا اجتمعت فسوف تتوافر العناصر اللازمة للتقدم العلمي: العناصر البشرية المتوافرة في بعض الدول الإسلامية، ورؤوس الأموال، ومراكز البحوث العلمية.

د . عبد الحميد الغزالي:

المشروع الحضاري الإسلامي له منظومة تائية مكونة من تسع كلمات تستوعب في مجملها وتفصيلها ما يمكن أن تتناوله أي خطة للتطوير وتزيد.

هذه التائية تتمثل في : التوحيد .. التحديث .. التنمية .. التقنية .. التكافل .. التكامل .. التعاون .. التغيير.. التوحد.

فالتوحيد .. هـو المدخـل؛ لأن (لا إله إلا الله) سـنة حياة .. توحيد الشعائر والشرائع، والذي أجمله الحـق ـ سبحانه ـ في قوله: {إيَّاكّ نّعًبٍدٍ وإيَّاكّ نّسًتّعٌينٍ} [الفاتحة: 5]؛ وبهذا المدخل تتحقـق خـلوصية العبــادة لله ـ تبارك وتعالى ـ وتتحقق حرية الإنسان صانع التقدم؛ لأن صنع الرجال يصنع معه كل شيء، كما قال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ: «مجتمع المنتجين المتقين حقًا».

وثانيها: التحديث: الذي يبدأ بتحديث العقل قبل الأشياء .. وتحديث العقل فريضة بدأ بمشروع «اقرأ» .. ونحن نعيش عصر المعرفة.

وثالثها: عنصر التنمية: والإسلام جاء لإعمار الأرض وتنميتها وفق المفهوم الشامل للتنمية؛ والذي يشمل التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ورابعها: التقنية: ونحن مأمورون أن نأخذ بأحدث ما أنتجه العقل البشري من مستجدات وابتكارات ما لم تخالف نصًا أو تهدر أصلاً؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن ـ لكن التقنية ليست سلعًا تستورد، وإنما مادة تطور وفقًا لنظام تعليمي مستوعب قائم على خصوصياتنا.

وخامسها: عنصر التكافل: وهو جزء أصيل لهذا المشروع، وما حُرِّم الربا وفرضت الزكاة إلا من أجل التكافل والتكاتف بين أفراد المجتمع.

سادسها: التكامل: وهو مهم جدًا بين أفراد المجتمع الواحد وبين المجتمعات الإسلامية تكوينًا للوحدة، ونحن كما قلنا: نملك مقومات هذا التكامل ماديًا ومعنويًا.

وسابعها: التعاون: وأعني به التعاون مع الآخر بعد الاعتماد على الذات، وبشرط أن يقوم هذا التعاون على النِّدِّية وليس على التبعية.

وثامنها: التخطيط والذي يعني الاستخدام الأمثل والأكفأ لما لدينا من إمكانات مادية وبشرية ومالية تحقيقًا للحياة الطيبة الكريمة لكل إنسان يعيش في كنف النظام الإسلامي.

وتاسعها: التوحد: على أساس وحدة العقيدة ووحدة الأمة ووحدة المصلحة. الاتحاد الأوربي تبعنا في فكرة السوق المشتركة لكنه سبقنا وتخلفنا نحن؛ لأنه صحح منطلقه وفقًا لرؤيته وملك قراره وعرف مصلحته ووصل الآن إلى وحدة سياسية واحدة، وعملة واحدة.

أ . يوسف كمال:

العولمة ليست معنى جديدًا على البشرية؛ فقد سبقت هذه العولمة عولمات أخرى، وقد قدم لنا القرآن النموذج الإسلامي للعولمة بصورته المشرقة في ذي القرنين الذي مكَّن الله له في الأرض من مشارقها إلى مغاربها، وآتاه من كل شيء سببًا، فأتيحت له إمكانيات ضخمة {فّأّتًبّعّ سّبّبْا} [الكهف: 85] أي فأضاف إلى هذه الأسباب أسبابًا فكرية وعملية .. وأخذ بالأسباب .. لم يطبق المعايير المزدوجة وإنما طبق المنهج الإسلامي، ولخصه في: {وأّمَّا مّنً آمّنّ وعّمٌلّ صّالٌحْا فّلّهٍ جّزّاءْ الحٍسًنّى" وسّنّقٍولٍ لّهٍ مٌنً أّمًرٌنّا يٍسًرْا} [الكهف: 88] ، فأقام المنهج في جنبات الأرض، وعمل على تحرير المستضعفين في كل شبر منها .. هذا هو النظام العالمي الذي يبشر به الإسلام ممثلاً في ذي القرنين .. وقد ذكر المفسرون أن ما فعله عند مغرب الشمس فعله عند مطلعها.

{حّتَّى" إذّا بّلّغّ بّيًنّ السَّدَّيًنٌ وجّدّ مٌن دٍونٌهٌمّا قّوًمْا لاَّ يّكّادٍونّ يّفًقّهٍونّ قّوًلاْ * قّالٍوا يّا ذّا القّرًنّيًنٌ إنَّ يّأًجٍوجّ ومّأًجٍوجّ مٍفًسٌدٍونّ فٌي الأّرًضٌ فّهّلً نّجًعّلٍ لّكّ خّرًجْا عّلّى" أّن تّجًعّلّ بّيًنّنّا وبّيًنّهٍمً سّدَْا} [الكهف: 93، 94] وكان رده: {قّالّ مّا مّكَّنٌَي فٌيهٌ رّبٌَي خّيًرِ فّأّعٌينٍونٌي بٌقٍوَّةُ أّجًعّلً بّيًنّكٍمً وبّيًنّهٍمً رّدًمْا} [الكهف: 95] لم يقل: فعلت أو أفعل أو أمرت، وإنما تواضع لله مع ما وهبه من قوة.

وهنا قمة التقنية {آتٍونٌي زٍبّرّ الحّدٌيدٌ حّتَّى" إذّا سّاوّى" بّيًنّ الصَّدّفّيًنٌ قّالّ انفٍخٍوا حّتَّى" إذّا جّعّلّهٍ نّارْا قّالّ آتٍونٌي أٍفًرٌغً عّلّيًهٌ قٌطًرْا} [الكهف: 96] فخلط الحديد بالنحاس ليكون أقوى .. وبعد أن انتهت المهمة قال: {هّذّا رّحًمّةِ مٌَن رَّبٌَي } [الكهف: 98] ولم يقل: من إنجازاتي.

هذا أساس العولمة في الإسلام وهذا الذي يراد من الإنسان أن يفعله بالدنيا، فليس الهدف فقط إقامة عمران مادي؛ لأنه كله سيعود {دّكَّاءّ}.

أما العولمات الأخرى فهي التي قال الله عنها: {قٍلً هّلً نٍنّبٌَئٍكٍم بٌالأّخًسّرٌينّ أّعًمّالاْ * الذٌينّ ضّلَّ سّعًيٍهٍمً فٌي الحّيّاةٌ الدٍَنًيّا وهٍمً يّحًسّبٍونّ أّنَّهٍمً يٍحًسٌنٍونّ صٍنًعْا * أٍوًلّئٌكّ الذٌينّ كّفّرٍوا بٌآيّاتٌ رّبٌَهٌمً ولٌقّائٌهٌ فّحّبٌطّتً أّعًمّالٍهٍمً} [الكهف: 103 - 105] .

وحبطت أي: انتفخت، ونحن نرى الحضارة تشبه الجسم المتورم! لا وزن لها في ميزان الله {فّلا نٍقٌيمٍ لّهٍمً يّوًمّ القٌيّامّةٌ وزًنْا}.

إغلاق