الافتتاحية
 أين العلماء الربانيون؟!

 

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وبعد:
فما مشكلة بعض العلماء في العالم الإسلامي؟
يُجْمِع العـامَّة وبعـضُ المثقـفين وقـلـةٌ مـن عِلْية القوم على إظـهار التـقدير والاحـترام لهم، ولكن الواقع - في الغالب - أنه لا يأبه بكثير منهم إلا القليل في عالم اليوم.
العالِم – وللأسف - لم يعُد قدوةً لأحدٍ في عالم الاستهلاك والاستمتاع والمغريات والتقنيات، العالِم أصبح هامشياً في مجتمعات العولمة والشركات المتعددة الجنسيات، وأوشك بعض العلماء أن يفقد القدرة الحقيقية على التأثير في الحـيـاة الـيومـية، واختُزل دوره في افتتاح المناسبات، أو الوعظ في دور العبادة، أو رُقيَة الأطفال.
بعض العلماء أصبح مرجعاً فقط في قضايا الأحوال الشخصية والميراث، وسَرْد قصـص التـاريخ والقلـيل مـن حكـايات الصالحين. فما سبب ذلك؟ ومن نلوم؟ هل نلوم المجتمعات التي أفرطت في المادية والحياة النفعية، أم أن اللوم يجب أن يُلقى على العلماء أنفسهم؛ لأنهم قد تخلوا عن الأمانة؟ نحن هنا لا نتحدث عن دولة معينة وإنما عن حال مليار ونصف مليار من المسلمين.
إن الأُمة في أزمتها الحالية في حاجةٍ إلى علماء يجمَعون بين صفات وعزم الرجال، وبين معرفة أحكام الدين وواقع الدنيا. نحن نحتاج إلى علماء يفقهون الكتب الدينية، ويفقهون كذلك المشكلات الإنسانية والاجتماعية.
العالِم الذي تحتاجه الأمة: رجل معاصِر مُطَّلعٌ على وسائل التقنية، ومُدرِكٌ للواقع الاقتصادي والسياسي ليس فقط على المستوى المحلي، بل والعالمي أيضاً. العالم اليوم لم يعُد يتنافس مع شيخٍ في زاوية في الطرف الآخر من المدينة أو القرية، بل إنه اليوم في مواجهةٍ مباشرة مع قوى العولمة وتيارات الانحدار الثقافي والفكري العالمية؛ فأين العلماء؟ ولماذا قلَّ وجود العلماء الثقات والفحول في مجتمعاتنا؟
من السهل أن نلقي باللائمة على المجتمعات، وما أكثر ما تتلقى المجتمعات من الاتهامات! ومن السهل أن نقول: إن الإعلام العربي قد شوَّه صورة الدين، وأن كثيراً من الحكام قد قلَّصوا من صلاحيات العلماء. من الممكن أيضاً أن نَدَّعِي أن بعض المجتمعات لم تعد تهتم بفهم أصول الدين، ومن الممكن أن نتفنن في إيجاد أسبابٍ أخرى فكريةٍ وثقافيةٍ واقتصادية، ولكن السؤال الحقيقي هو: أين هم العلماء الربانيون من كل ذلك؟
إن بعض العلماء في مجتمعاتنا بدأ منذ سنين في المنافسة على الدنيا مع المتنافسين، فالعالِم الذي كان يُشار إليه في الماضي على أنه ضمير الأمة رضي أن يكون اليوم في عِداد المُخَدَّرين.
في عصور الإسلام الزاهرة كان العالِمُ يخيف السلطان، وكان الداعيةُ يقف في وجه كل طغيان، كان العالِم في أول صفوف المجاهدين، كان يحمل هَمَّ الفقراء، وكان سِراجاً يضيء الطريق للتائهين. أما اليوم: فهل ننعى للأمة موت كثير من العلماء؟ مشكلة بعض العلماء في هذا الزمان – إلا من رحم الله - أنهم قد ارتضوا أن ينسحبوا من الصفوف الأمامية في العطاء، بل إن بعضهم قد استخدم الدين طريقاً للتسلق، ووسيلةً لإرضاء أصحاب السلطة والله المستعان.
من العبارات البليغة لابن الجوزي في كتابه صيد الخاطر قوله: «إني تدبرت أحوال أكثر العلماء والمتزهدين فرأيتهم في عقوبات لا يحسّون بها، ومعظمها من قِبَل طلبهم للرياسة‏.‏ فالعالم منهم يغضب إن رُدَّ عليه خطؤه، والواعظ متصنع بوعظه، والمتزهد منافق أو مراءٍ‏؛ فأول عقوباتهم إعراضهم عن الحق شغلاً بالخلق‏.‏ ومن خفيِّ عقوباتهم سلْبُ حلاوة المناجاة ولذة التعبد‏». تأمل في أحوال بعض علماء الأمة فإنك ستجد العبارة السابقة من خير ما يمكن أن يصف حالهم.‏
بعـض العلـماء الـيوم في بلداننـا مُغرَقون في التـفاهات، لا يتحدثون إلا عما أقرَّ الحاكم أنه من المباحات، لا يبادرون بإعلان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يتعلمون فِقه الدنيا، يتساهلون، لا يقدِّمون الغالي للدعوة، يعظُم في أعينهم عملهم، وتعظُم في قلوبهم خشية أهل الأهواء
معذرةً أيها العلماء! لا تفصلوا الإيمان عن الحياة؛ فمشكلاتنا كلها مشكلات دينية: الجوع، والفقر، والتسلط، والاستغلال، والبطالة، والقهر، والتفكك الاجتماعي والتخلف التقني.. كلها مشكلات دينية.
إننا نتأمل واقعنا اليوم فنجد أن دور بعض العلماء أصبح معاونة بعض المفسدين على تحقيق المطلوب من المهام. الأنظمة الليبرالية تطالب ألا تتدخل الدولة في الدين، وألا يتدخل الدين في الحياة، وبعض العلماء يقولون: سمعاً وطاعة. وتنطلق كلمات بعض العلماء: «العقيدة لا غبار عليها، أما الإيمان فلْيبقَ في القلوب.. لا بأس أن نسجد خلف الإمام، لكن لا بد أيضاً أن نركع للقانون والنظام».
أما الأنظمة القمعية فتطالب أن يُستخدم الدين لبسط سيادة النظام على العقول والقلوب، وأن تتحول الدولة إلى (قوانين)، وبعض العلماء يقولون: سمعاً وطاعة، ونسمع من يقول: «مِن السياسةِ تركُ السياسة، الجهاد جهاد النفس، دع ما لقيصر لقيصر»، ومن لا يتبع الدولة فهو خارج عن الدين، فالدولة هي الدين»! وهذا تحويل لديننا الحنيف إلى رهبانية وكهنوتية فإلى الله المشتكى.
الأنظمة العالمية لها طلباتها أيضاً؛ هي تريد أن يصبح الدين فضفاضاً ومَرِناً ليتقبل التغيرات العالمية ومشروعات العولمة، وبعض العلماء يقولون: سمعاً وطاعة؛ «فحقوق الإنسان هي ما يقرره الأمريكان، والسلام مع اليهود مطلبٌ عادل، وتحرير الأسواق هو أصل الشريعة التي تمنع الاحتكار».
فبالله عليكم هل لأمتنا من حاجةٍ إلى علماء من هذا النوع؟
وعلى الرغم مما تقدم فإن هناك المخلصين الذين يجهرون بالحق، وهناك العاملون الربانيون، ولكننا أمة جاوزت البليون، فكم فيها اليوم من هؤلاء؟ إننا جميعاً في حاجة إلى العلماء بالنسبة الطبيعية التي تتناسب مع أكثر من مليار من البشر، ولكـننا لا نجد ذلك، وهذه هي الحقيقة.
إن المادية التي تقتحم حياتنا صباح مساء تحتاج إلى من يعيننا على مواجهتها والتعامل معها دون أن ننعزل عن واقعنا، ودون أن نفقد هويتنا.
العالِم الذي نـريد هـو نـبراسٌ يتـقدم الطـريـق، يُحيي في الأمـة الرغبةَ في الحياة، ويُشعِل فيها أيضاً طاقات الإبداع والنجاح، ويقودها إلى التفوق في الدنيا والنجاة في الآخرة؛ فهل تعرفون عمن نبحث؟ إننا نبحث عن العلماء الربانيين؟

 

للعودة للصفحة الرئيسة