تنمية الذات

مشعل بن عبد العزيز الفلاحي

  1 - الثقة بالنفس أول مطالب النجاح:
ما رأيت أروع للنفس من السباق نحو المعالي، ولا شهدت لها حالاً أفضل ولا أحسن من بلوغ المجد في زمن التواني! لقد جاء الله بنا - بعد عبادته - لعمارة الأرض، واستخلفنا فيها لذلك الهدف العظيم: {وَمَا خَلَقْتُ الْـجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: ٦٥]. والمتأمّل في النفس الإنسانية يجد أن الله - تعالى - أودع فيها قدرات فوصلت ببعضنا إلى أن نصبت أقدامهم على سطح القمر في ضحى النهار، وأعلنت حين وصلت هناك أنه قد لا يكون ثمة حدود في الكون تقصر عنها قدرات هذه النفس البشرية مهما كانت العوائق في سبيلها كبيرة أو قوية. والناظر في تاريخ الإنسان يجد أن البداية واحدة لكل فرد منّا، وليس على ذلك برهان أقوى من صراخنا جميعاً حين نلج إلى عالم الأرض الفسيح، لكن الأمر الذي لا يحتاج إلى برهان هو أن النهاية مختلفة إلى حد بعيد في حياة بعضنا.
إن النجاح في الحياة همّ يؤرّق الناجحين وحدهم، وشعور يتألق بهم في عالم الحياة فيجعل منهم آخرين على مساحات هذا الكون الفسيح، وصدق الرافعي حين قال: «إذا لم تزد على الدنيا كنت زائداً عليها». وعبر هذه المساحة بإذن الله - تعالى - سنصل وإياك إلى ما نريد، وأجزم - إن شاء الله - إن كنت على الخطو أن تهنأ بحياة حافلة بالنجاح وذلك ما نتمناه.
لن يتحقق النجاح في عالم الواحد منّا ما لم نؤمن إيماناً صادقاً ويقينياً أننا أهل لذلك النجاح. إن العامل النفسي مهم للغاية في إقناع نفوسنا بتحقيق معالم نجاحها في الحياة، وما لم نصل إلى أعماق نفوسنا فنثق بها، ونهتف بتميزها، ونكتب في قرارها أننا من الناجحين، لن نحقق شيئاً في مثل هذا العالم الطموح، وهذه بداية الطريق، ومن لم يحسن البداية فلن تكون له نهاية. ولذلك قيل: أضخم المعارك في حياة الإنسان تلك التي يقضيها الإنسان مع نفسه، وعندما تبدأ معركة المرء بينه وبين نفسه فهو عندئذٍ شخص يستحق الذكر.
لقد خرج رسول الله # إلى عالم يتعلق بالشجر، ويسجد للحجر، ويؤلّه التمر واللبن، فوقف على الصفا وأعلن الرحلة من هناك، وواجه بمفرده جيوش الباطل، وظل يناضل عن رسالته، ويجهد في تحقيق أهدافه، ولم يهتف به الموت حتى قلَب موازين التاريخ، وغيّر معالم القيم في حياة تلك المجتمعات التي خاض التجربة فيهم، وأعاد أولئك الأفراد من تيه الطريق إلى غاية الهداية. وفي ثنايا الطريق دميت عقباه، وكسرت رباعيته، وثُلِم وجهه، ووُضِع سلى الجزور على ظهره، وإنما تضعف الهمم حين لا تقوى على تجاوز الصعاب.
وظـل كثير من الناجحين على الطريق نفسه، فتجاوزوا كل ما يمكن أن يحول بينهم وبين النجاح، وليس أوضح على ذلك من ابن الأثير؛ فقد كتب كتابه (جامع الأصول) وهو مقعد، ودوّن ابن القيم كتابه (زاد المعاد) وهو في طريق السفر، وهتفـت بابـن الجوزي حتى طالع عشرين ألف مجلد وهو لا يزال في أيام الطلب، واختار سفَّ الكعك على مضغه لتفاوت ما بينهما، وهكذا يظل النجاح حليف من أقنع نفسه بحياة الناجحين واللحاق بهم. وشاهد التاريخ الحاضر كثير، خاضه حتى من لم يعرف طريق الإسلام بعد، ودوّنت سيرهم أروع التحديات؛ ومن هؤلاء (إبراهام لنكولن)؛ فقد صارع الحياة صراعاً غريباً، وناضل من أجل النجاح نضالاً عجيباً، وركل كل معوقات الفشل بقدميه حتى وصل إلى ما يريد، ناهيك عن أماني المؤمن ورغباته، وعزه الحقيقي وجاهه.
هذا الرجل أراد أن يشارك في صنع القرار على مستوى بلاده؛ فشارك في بدايته في مجال الأعمال، وأخفق وهو في الحادية والعشرين من عمره، ولكنه لم يلبث أن عادة مرة أخرى فقدّم نفسه للانتخابات التشريعية وهو في الثانية والعشرين من عمره وأخفق مرة ثانية، وعاد ثالثة مساهماً في مجال الأعمال وهو في الرابعة والعشرين من عمره ولم يكن التوفيق حليفه، وتعرّض كما يتعرّض من يريد المجد إلى هزات قوية في حياته؛ فأصيب بانهيار عصبي وهو في السابعة والعشرين من عمره. ولم يلبث أن قام مرة أخرى محاولاً في طريق أكبر من سابقه؛ فشارك في انتخابات الكونجرس وهو في الرابعة والثلاثين، فلم يبرح عن محاولاته السابقة، وقام من تلك الكبوة ليعيد المحاولة نفسها مرة أخرى وهو في السادسة والثلاثين من عمره فلم يتحقق له شيء. وفي الخامسة والأربعين شارك في انتخابات مجلس الشيوخ وكانت كسابقتها، وفي التاسعة والأربعين من عمره أعاد الكرَّة في انتخابات مجلس الشيوخ وخسر كذلك. وأخيراً وبعـد ثلاثـين عـاماً من التجربة والإخفاق؛ انتُخب رئيساً للولايات المتحدة وهو في الثانية والخمسين من عمره.
وهكذا يظل النجاح أمنية مستعصية في بدايتها، لكنها سرعان ما تلين لأصحاب الهمم وتذعن لهم من جديد. وخرج (أديسون) من مدرسته يعيّر بالفشل والغباء، فأكبَّ على التجربة بنفسه، وظل يعاصر الحياة بمفرده، وبعد 999 محاولة فاشلة في موضوع الكهرباء أضاء الدنيا بأسرها، وكتب يقول عن العبقرية إنها (1%) إلهام [ونحن نقول: إنها توفيق]، و (99%) عَرَق جبين.
مسلمٌ يا جبال لن تقهريني
صارمي قاطعٌ وعزمي حديد
لا أبالي ولو أقيمت بدربي
وطريقي حواجزٌ وسدود
يقول محمد أحمد الراشد: كن حمّالاً في السوق، لكن قرّر مـع أول خطـوة لك فيـه أن تصـير تـاجراً أو عقـارياً أو مدير شركة فستصل بإذن الله، المهم تصميمك. وقال في موضع آخر، وهو يتحدث عن زرع الأمل في النفس: وفي هذا المنعطف يجفل الراهب فيدعي عجزاً، ويقول: تريد مني أن أكون فقيهاً وليس جدي مالك ولا الشافعي؟ وتطلبون أن أتغنى بالشعر وما ولدني المتنبي ولا البحتري؟ وتتمنون أن ألوك الفلسفة وليس جاري سقراط؟ فمن أين يأتي لي الإبداع، وقد قال النبي #: «الناس كإبل مئة لا تكاد تجد فيها راحلة»؟ فنقول: نعم! نريد، ونطلب، ونتمنى، ونظن، ونجزم، ولا وجه لا ستضعافك نفسك، وقد أعطاك الله ذكاءً ونسباً، فلِم لا تتعلّم السهر وتطلب الفصاحة؟ ا هـ.
ورحم الله محمد إقبال حين قال: لقد هبّت عليّ نفحة من نسيم السحر في الصباح الباكر، وناجتني وقالت لي: إن الذي عرف نفسه وعرف قيمته ومركزه لا يليق به إلا عروش المجد. وقال في موضع آخر، وهو يناديك أنت من بين كل الناس: فيا رجل البادية، ويا سيد الصحراء، عُد إلى قوتك وعزتك، وامتلك ناصية الأيام، وخذ بعنان التاريخ، وقُد قافلة البشرية إلى الغاية العظمى.
إن تنمية الذات مفهوم غائب عن أوساط الكثير منا، وحين نحسن الحديث فيه أو الدندنة حوله يمكن لنا أن نجترّ كثيراً ممن لم يزل لم يحلم بعد. وهذه الأسطر نفثة في عالم ذواتنا الفسيح.
2 - المعتقدات الإيجابية وأثرها في النجاح:
النجاح أمنية تلهث في قلوب أصحابها، وحادٍ يشدو بالأرواح إلى أمنياتها. النجاح كلمة ما أحببت مثلها شيئاً، ولا أجد كلمة في الدنيا تدير رقبتي إلى الخلف غيرها. النجاح أمنية وشرف وزكاء على وجه الأرض، وهو فرح، وفوز، وانتصار في عرصات القيامة. النجاح تاريخ بعيد لكنه غير مستحيل، وأرض تبدو صلبة لكنها قابلة للحرث، وحياة حافلة بالمخاطر لكنها مليئة بالعواقب الحميدة. والله لأركبنّ في سبيلها المخاطر مهما كانت، والله لئن طال بي الزمن لأعتنقن ركابها، وأخوض غمارها مهما كانت صعبة أو مخيفة.
كثيرون هم أولئك الذين ترنو أعينهم لهذه الأمنية، وكثيرون مع هذه المعاني يقعدون عنها مغلوبين مأسوفين، كم هم الذين قعدوا على مقاعد الحياة الطويلة يتمنون هذه الفرصـة لكنـهم لم يجدوها! فيا صُنَّاع المجد في أي موقع من مواقع الحياة، ويا أصحاب الهمم العالية، ويا أيها الذين تاقت أنفسـهم لبـلوغ المعـالي، ويا أيها الجادون في زمن التواني، ويا كل باحث عن النجاح متطلع إليه: اعذرني فقد هتفتُ بك في عالم يحتاج إلى تضحيات، وحياة تهتف لها الأمم.
يا أيها الحبيب: النجاح مفهوم ينطلق تحقيقه من حديث النفس أولاً، ويظل يهيم بنفسك في عالم الأماني حتى يركب بها المستحيل في عالم الأرض. إن حياة الناجحين لا يوجد في قاموسها شيء اسمه الفشل، كلا..، وما رأيت في حياتي مشهداً أكثر حزناً من مشهد ذلك الإنسان المتشائم.
قم - يا أيها القاعد - واركل عراقيـل الفـشل بقدميك وامضِ قُدماً؛ فالأرض فاسحة وسيعة وإنما تضيق على أصحاب الهمم الدنيئة.
يا أيها القاعد: أصحاب الإرادة لا يعترفون في قاموسهم بالدُّون، وإنما يظلون يهتفون حتى يصلوا إلى سلّم المجد. لله در ذلك القائل حين قال: إذا لم تعتقد أنك تصنع عالمك بنجاحاته وإخفاقاته؛ فأنت واقع تحت رحمة الظروف. نعم! إذا لم تعش هذا الاعتقاد فأنت مجرد شيء لا أثر لك في واقعك، فقال الآخر: دعني أخبرك أنه لو توفّر لدي ذلك الاعتـقاد، فسوف أرحـل باحـثاً عن ثـقـافـة أخـرى، عن عالم آخر، عن كوكب آخر؛ إذاً لماذا تبقى هنا إن كنت مجرد نتيجة لقوى عشوائية؟ وصدق: لماذا تبقى هناك..؟ لقد ثبت في الواقع بمـا لا يـدعو للنـقاش أنـك إذا لم ترضَ إلا بالأفضل فسوف تحصـل عليه. تُرى ما الفرق بين من يملكون ومـن لا يملكون؟ ما الفرق بين من يستطيعون ومن لا يستطيعون؟ لماذا يتغلّب كثيرون على المحن الهائلة ويحولون حياتهم إلى انتصارات رغم ظروفهم وأحوالهم، وآخرون على الرغم من كل ما يملكون من مزايا هم ضحايا ظروف بسيطة وعادية؟ إن النجاح قبل أن يكون انتصاراً على النفس؛ هو قناعة سكنت القلب فأشعلت فيه المصابيح، يموت أناس وهم على أسِرَّتهم في أجواء العافية والسكينة والطمأنينة، ويموت آخرون وهم يكتبون تاريخ أمتهم بمداد من ذهب. هل تريد أن تكون ناجحاً؟ هل تريد أن تكون علَماً بارزاً؟ هل تريد أن تكتب تاريخك بخط يدك؟ إذاً تعالَ، هيا معي أعلّمك درساً لا تنساه:
إذا اعتقدت أنك ناجح، وجزمت بأنك قادر على تخطِّي عراقيل المستحيل، وجعلت ذلك معتقَداً إيجابياً في حياتك، وظللت تنافح عن مبدئك.. دعني أقول لك حين تكون كذلك: لا تملك ظروفُ الزمان والمكان تغييرَ وِجهتك مهما كانت، ولا يملك بشر مهما أعطاه الله من قوة أن يدير رقبتك إلى طريق آخر، ويسعدني حين أراك كذلك أن أبارك لك بدايتك في طريق النجاح، ولا يضيرك بعد ذلك من يعترض سيرك؛ فإنما هو هباء لا يملك مقاومة الرياح. 
3 - الأهداف.. السر الكبير في تحقيق النجاح:
النجاح أمنية ينتظرها كل إنسان على وجه هذه الأرض، غير أنها تتوقف على أسباب كثيرة، لعل من أهمها وأكثرها أثراً: الثقة بالنفس، بعد عون الله - تعالى - وتوفيقه وسداده. وفي الجزئين السابقين تحدثت عن هذا الموضوع، ودونت لك هناك أهمية هذا الجانب. وفي هذا الجزء أكتب عن الخطوة الثالثة في هذه السلسلة ، وأرسم لك - بإذن الله تعالى - معالم النجاح، وأضيء لك شمعة المجد، وأفتح لك طريقاً إلى المعالي، وأهيئ لك أرضاً خصبة للتفوق، وإذا كنت صادق العزم - بإذن الله - أضمن لك - إن شاء الله تعالى - فواتح الخير، وغايات المجد، وحياة الناجحين. فقط أشترط عليك أن تعيد قراءة الجزئين السابقين. وقبل أن تلج هذا الجزء الذي بين يديك؛ تفضّل بكسر حواجز الوهن والكسل التي يعيشها كثير من الناس، وحين تكون مستعداً للبدء حقيقة في مشروع النجاح الكبير الذي ينتظرك، تفضَّل مشكوراً بقراءة هذا الجزء، سائلاً الله لك التوفيق والنجاح:
إن أول خطوة بعد توثيق الصلة بالله - تعالى - وتوثيق الصلة بنفسك، أن تكتب لك أهدافاً في الحياة تسجّل بها تاريخك من جديد، وتكتب بها رسالتك في الحياة، وتُعظِم بها ذكرك في عالم الناجحين.
إن الهدف - كما يقرر الناجحون - أمنية يسعى الإنسان لتحقيقها على وجه الأرض، ويستشرف الأيام القادمة لكتابة تاريخ نفسه فيها من جديد. الهدف أمنية تستعر في قلب صاحبها فيدوِّنها بيده، ويكتبها على جدار غرفته، ويضعها في سجلّه الشخصي، ثم يرحل يجوب الأرض لنــيلها والحصول عليها، آْهٍ لحياة ضائعة بدون أهداف! آْهٍ لعمـر طويل لا يستطيع أن يجدد تراثاً أو يكتب تاريخاً أو يسوّد صحـائف أعـمال صالحة! آْهٍ أيتها الحياة بسنينك الطوال! آْهٍ ممّن يرضى أن يحيا فيك حياة المجاهيل!
أما علمت - أيها الحبيب - أن الحياة بغير أهداف حياة لا تستحق أن يعاش لها أو يهنأ فيها؟ ألم تدرك بعدُ أن الأهداف ليست ضرورية لتحفيز الإنسان فحسب، لكنها شيء يبقيه حياً ماثلاً في أعين الأجيال، وعبر آثار التاريخ الطويل؟ فهيا - أيها الحبيب - نكتب حياتنا، ندوِّن تاريخنا، نبيِّن عن آثارنا للأجيال القادمة!
أما أيقنت - أيها الحبيب - أن العالم بأسْرِه يفسح الطريق للشخص الذي يعرف اتجاهه، والذين لا يعرفون لحياتهم أهدافَها يتعثرون في ثنايا الطريق، ويسقطون على جنباته؟
أيها الحبيب: الأهداف هي المعنى الحقيقي في حياة الواحد منا، هي الأماني التي نحيا لها، فيا ليت شعري كيف يرضى الإنسان أن يعيش حياته بلا رسالة، وتمضي الأيام به قُدماً بلا أهداف؟! فقط دعني أقول لك: مع عظمة الأهداف وضرورتها في حياة المتطلّب للنجاح؛ لا بد أن تخضع لشروط وتتصف بمواصفات، وإلا كانت أماني فارغة تهتف بالنفس دون تحقيق غاياتها وأمنياتها. إنه لا بد أن تكون تلك الأهداف التي تختطها لحياتك أهدافاً تبعث على التحدي، وواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، ومحددة بزمن يمكن الوصـول إليـه، ويمـكن مع كل ذلك قياسها، وقبل ذلك وبعـده لا بد أن تكون أهـدافك صادرة عن إرادة واقتناع، ثم لا تنسى أن تدوِّنها على الورق. وكتابة الأهداف وتدوينها على الورق هو مكمن الفرق بين كثير من أصحابا البدايات الجادة وبين أصحاب الأماني المقعدين.
حين تدوّن أهدافك على دفترك وفي سجلك الخاص، وتحتفظ بجزء منها في محفظتك؛ فأنت حينئذٍ بدأت أول خطوة في الطريق، وستصل بإذن الله تعالى، فقط حاول أن تقطع جزءاً من الهدف كل يوم، ولا تسمح لنفسك مهما كانت الظروف التي تعترضها أن تتجاوز يوماً أو تؤجل إلى يوم آخر؛ فإن هذا هو البلاء الذي يبدأ يسيراً في عقل صاحبه ثم ما يلبث أن ينتشر ويصعب تلافيه أو علاجه. حاول أن تتقدّم خطوة؛ فالأعمال الكبيرة في أول بداياتها صغيرة بسيطة، وقد قال رسول الله # في وصية جامعة: «أدومه وإن قلّ». وأثبتت التجارب العملية الميدانية على كافة المستويات اليوم، أن العاملين بهذه الوصية هم أكثر الناس نجاحاً، وأقدرهم على الاستمرار.
ثم إياك إياك أن تلتفت لصيحة ناعق، أو حديث شامت، أو هذيان مخذّل! واعلم أن أعداء النجاح كثيرون؛ فحين يرونك بدأت في تجاوزهم سرعان ما يلبسون جلباب النصـيحة يهـوِّنون عليك سيْرَك، ويعرقلون خطوك، وتذكّر ما قاله ابن القيم - رحمه الله تعالى - حين ذكر هذا الصنف وأوصى السائر على الطريق بقوله: «وإذا صاحوا بك في طريق سيرك، فلا تلتفت إليهم؛ فإنك متى التفت أخذوك وأعاقوك». وضرب لذلك مثلاً رائعاً حين قال: «الظبي أشد سعياً من الكلب، ولكنه إذا أحس به التفت فيضعف سعيه؛ فيدركه الكلب ويأخذه» ا هـ.
لا أود أن أفارقك حتى أعلمك بحقيقة تعترض كل ناجح خاض طريقك: لا بد أن تجد في ثنايا الطريق إخفاقات تتفاوت في آثارها، ولا بد كذلك أن تجد في نفسك بعضاً من الوهن والضعف والعجز في بعض الأحيان، وليس أنفع لعلاج ذلك كله من صدق التوكل والإقبال على الله تعالى، وكثرة النوافل؛ فإنها الشموع التي توقد ضِرام الأنفس لتحقيق غاياتها مهما كانت كبـيرة أو طـويلة المـدى، ولا تنسَ انطراحك بين يدي الله - تعالى - داعياً متبتلاً خاشعاً منيباً؛ فإن مثل هذه الأحـوال تتنزّل بها الكرامات من السماء. ومع ذلك كله لا تنسَ معـينات الطريق من حضور الدورات التدريبية وخاصـة ما يعنـى بالتنمية الشخصية، ومثل ذلك كتب أهل الشأن في ذلك؛ فإنها من معينات الطريق. واعلم أن من لا يمشي لا يمكن أن يتعثّر، ومن لا يخوض غمار الحياة بجرأة لا يمكن أن يصل ألبتة. وإذا وُجِد التصميم والإصرار على تحقيق هذه الأهداف، لم تمت - بإذن الله تعالى - حتى تذوق بعض معانيها العظام.
وأخيراً: دعني أودعك، وأقول لك: تذكّر قول القائل: فراغ الأنفس من الأهداف العظيمة؛ طريق إلى فراغها من الأعمال الجميلة. واقرأ في (صيد الخاطر) لابن الجوزي؛ فقد قال: «ينبغي للعاقل أن يصل إلى غاية ما يمكنه؛ فلو كان يُتصوّر للآدمي صعود السموات لرأيت من النقائص بقاءه بالأرض، ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد لرأيت المقصّر في تحصيلها في حضيض» اهـ. وكن على يقين تام لا يقبل الشك: أن بإمكانك فعل شيء آخر لم تفعله إلى اليوم، وطاقتك لم تُسنفَذ بعدُ في مطلوبك الحقيقي، وقد تكون بعد قراءة هذه الأسطر شيئاً كبيراً. كل ما أتمناه ألا تضيع هذه الفرصة التي تستعر في قلبك مرة أخرى.

 

للعودة للصفحة الرئيسة