دور العامل الخارجي في تأجيج الفتنة الداخلية الفلسطينية

د. السيد عوض عثمان(*)

  من نافلة القول: إن الحركة الاستعمارية تاريخياً، وعبر تجاربها العديدة والمديدة، قد نجحت في تجسيد سياستها المعروفة بـ «فرِّق تسُد»، بل تفننت في ذلك على صعيد شَق الصف الوطني في الدول والشعوب التي خضعت ورزحت تحت نير الاحتلال، بتعمد استمالة فريق أو قوى اجتماعية ونُخَب اقتصادية وسياسية تتوافق مصالحها مع الاحتلال عبر وسائل ووسائط متعددة، عن طريق محاباتها سياسياً واقتصادياً، والإغداق عليها بالمناصب «الوهمية» في إدارة شؤون الاحتلال، والمزايا والعطايا والهبات والإفساد وغض الطرف عنه، بل وتغذيته، بحيث صار موضوعياً مصيرُ ومستقبلُ هذه القوى، ووجودها ومصالحها مرتهنة بالمطلق بديمومة الاحتلال واستمراريته. وهذه القوى، المؤهلة والمستعدة للقيام والاضطلاع بدور وكلاء الاحتلال على الصعيد المحلي، تصطدم بالضرورة مع القوى الأخرى المناهضة لهذا الاحتلال بكافة تعبيراته السياسية والاقتصادية. وفي الوقت الذي تتمسك القوى الوطنية وتعض بالنواجذ على المحرمات الوطنية، وفي القلب منها تجريم وحرمة الدم، ورفض الانجرار - مهما كانت التحريضات والمنغصات والاستفزازات - إلى الاحتراب والاقتتال الأهلي، الذي يمكن أن يفضي إلى اتساع دائرته وتواتر السلوك عليه إلى حرب أهلية طاحنة وضروس، لا سيما إذا ما تمايز النسيج الوطني بعدم التماسك، وبرزت فيه التباينات والاختلافات، سواء المذهبية والدينية أو العرقية، ويبلغ الأمر ذروته في حال التقاء الإقليمية بالطائفية بتعبيراتها وتجلياتها المختلفة..، في ذلك الوقت تحرِّض القوى العميلة للاحتلال والمنفذة لأجندته على حساب الأجندة الوطنية لعموم الشعب، على خرق وتجاوز هذه المحرمات، وتعمل بدأب ومثابرة على تغذية التناقضات الداخلية، وزرع بذور الفتنة الداخلية وتسعيرها، وتعمُّد إرباك الساحة الوطنية، وصرف البوصلة النضالية عن الوصول إلى غاياتها النهائية؛ وهي دحر الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني والسيادة الكاملة.
تنطبق هذه الحقائق والمعطيات بصورة كاملة على الحالة النضالية الفلسطينية منذ تبلور ملامح وبدايات المشروع الصهيوني في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ومن ثم التحالف مع القوة المهيمنة على المنطقة، وتبلور الحركة الوطنية الفلسطينية منذ بدايات القرن الفائت، وبخاصة بعد توقيع اتفاقات أوسلو في سبتمبر 1993م، حيث تفنن الاحتلال وتفتقت ذهنيته عن بدعة وصيغة «السلطة الوطنية الفلسطينية»، والتي أراد لها أن تُولد من رحم الاحتلال، وأن تكون أداة لتحقيق مصالحه وأهدافه، وذراعَه الأمنية، من خلال العديد من الاستحقاقات والالتزامات والتنسيق الأمني سواء الثنائي أو الثلاثي مع الولايات المتحدة في مواجهة الفصائل الفلسطينية المقاومة، وإضفاء حماية سياسية وقانونية على ظاهرة العملاء والتي تعتبر صداعاً مزمناً في الجسد الفلسطيني السياسي؛ ومنذ بروز إشكالية ثنائية (السلطة – المقاومة)، وتباين وتناقض برنامجهما السياسي، كان الحصاد المر في نبذ المقاومة وإدانة عملياتها المسلحة داخل فلسطين المحتلة، وحرمان هذه المقاومة من الملاذ الآمن والبيئة الحاضنة عبر المطاردة والملاحقة وتوجيه ضربات استباقية للعديد من عملياتها، ورفع اليد عما يقوم به «الطابور الخامس» من مئات العملاء في المساعدة على ملاحقة ومطاردة واغتيال قيادات وكوادر المقاومة الباسلة.
وفي هذا السياق، بلغ الدور الخارجي على الساحة السياسية الفلسطينية ذروته بعد فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية بصورة ديمقراطية حرة ونزيهة، وحصولها على الأغلبية البرلمانية بما يؤهلها طِبقاً للأعراف والتقاليد البرلمانية، لتولِّي مهمة تشكيل حكومة فلسطينية جديدة. ومنذ البداية، برز جلياً التلاقي الموضوعي، محلياً وإقليمياً ودولياً، لإجهاض هذه التجربة، رغم أنها تمثل انحيازاً شعبياً واضحاً لخيار المقاومة. وتحت وطأة الضغوط الأمريكية والدولية والصهيونية، ولأسباب ذاتية؛ رفضت حركة «فتح»، وخاصة تيار ورموز السلطة (الأعلى صوتاً والأكثر بروزاً) المشاركةَ في حكومة ائتلاف وطني. ولم تفلح حركة «حماس» بدورها، ولأسباب وربما أخطاء من جانبها، في استقطاب قوى أخرى للدخول في ائتلاف حكومي معها، وخاصة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. والنتيجة أن الحكومة التي أبصرت النور وحازت ثقة المجلس التشريعي برئاسة إسماعيل هنية، كانت حمساوية الأشخاص والتوجهات السياسية بصورة كاملة. وطوال الشهور التالية، ونتيجةً للرفض الدولي الاعتراف بها على خلفية موقف سابق باعتبارها «منظمة إرهابية»؛ تعرضت الحركة لحالة حصار مالي واقتصادي خانق، انعكست آثاره الكارثية على الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، ما لم تعترف الحكومة الحمساوية بشروط اللجنة الرباعية الدولية المتمثلة في ضرورة الاعتراف واحترام الاتفاقات والتعهدات التي أبرمتها منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة مع المحتل، ونبذ العنف والإرهاب، والاعتراف بشرعية المحتل وحقها في الوجود، وهو ما يعني موضوعياً التأثير المباشر على هوية حركة «حماس»، والتعارض مع برنامجها الذي انتُخِبت على أساسه. ونتيجةً للموقف العربي الخانع والمستجيب للإملاءات الخارجية، أُحكِم الحصار المضروب بهدف تأليب الرأي العام الفلسطيني ضد الحركة، توطئةً لإسقاط حكومتها. وفي السياق ذاته، أُحبِط مسعى تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية وفقاً لوثيقة الوفاق الوطني (وثيقة الأسرى) التي انقلبت عليها السلطة تحت الإملاءات الخارجية، بدعوى أنها غيـر قابلة للتسويق إقليمياً ودولياً؛ لأنها لم تتضمن - صراحةً - الاستجابة لشروط الرباعية الدولية رغم ما قدمته حركة «حماس» من تنازلات، وتهديدات رئيس السلطة باللجوء إلى خيار الاستفتاء الشعبي إذا لم توافق حركة «حماس» على «وثيقة الأسرى». وعندما أبطلت الحركة مفعول هذه القنبلة الموقوتة ووافقت عليها، بعد بعض التعديلات والملاحظات، وقبيل الشروع عملياً في تجسيد تشكيلة هذه الحكومة وفقاً لأجندة وطنية؛ تراجعت السُّلطة لصالح الأجندة الصهيونية – الأمريكية، وكان الحال مماثلاً بعد توقيع اتفاق مكة المكرمة.
ومما له صلة، ونتيجة الفشل في تحقيق هدف ضرب المقاومة وخفض سقف حقوق الشعب الفلسطيني بواسطة القوة العسكرية، خاصة عملية «أمطار الصيف»، والإخفاق في الوصول إلى الجندي الأسير لدى ثلاثة فصائل فلسطينية مسلحة دون قيد أو شرط وبصورة فورية منذ يونيو 2006، ومن ثـم العـجـز عن تطويع المقاومة المسلحة وتصفيتها، بل إن عُود المقاومة قد اشتد وازداد قوة، وباتـت خطـراً كـبيراً على المشروع الاستعماري في المنطقة، ولا سيما في ضوء الإخفاق (الأمريكي – الصهيوني) الكبير في استئصال مقاومة «حزب الله» ووجوده في لبنان بعد عدوان 12 يوليو ولمدة 33 يوماً، لتنفيذ الأهداف الحقيقية لمضمون القرار 1559 بواسطة آلة الحرب الصهيونية.. في ضوء ذلك كله؛ أخرجت الولايات المتحدة والعدو الصهيوني من جعبتهما آخر الأسلحة الاحتياطية التي يستخدمها المستعمر، وهي أسلحة إثارة الفتن والفرقة والانقسامات والحروب الأهلية، التي تتولى إنهاك المقاومة وإشغالها في صراعات جانبية تنال من سمعتها وتقوّض شعبيتها، وفي الوقت نفسه تريح المحتل والمستعمر الذي يتخلص من حالة الاستنزاف التي يتعرض لها بفـعل عمليات المقاومة المتصاعدة والفشل في وقفها أو إخمادها، الأمر الذي يخرجه من مأزقه ويجعله قادراً على إطالة أمد احتلاله. وتشعر الحكومة الصهيونية، ومعها الولايات المتحدة، أن مصلحتها في تفجير الحرب الأهلية؛ لأنها باتت سبيلها لإجهاض الإنجازات التي حققتها المقاومة من جهة؛ ولأجل التخلص من شبح توازن الرعب على غرار جنوب لبنان، والذي بدأ يطل من قطاع غزة؛ حيث أصبحت المقاومة بفضل صواريخها محلية الصنع قادرةً يوماً بعد يوم على بلوغ مناطق أبعد في جنوب فلسطين، ومن ثم برزت ضرورة زجِّ الساحة الفلسطينية في صراع داخلي يفضي إلى الفوضى والحرب الأهلية، بعد أن فشلت أساليب الحصار والضغط الخارجي في تحقيق هذا الهدف (الأمريكي - الصهيوني – الغربي) والنيل من حكومة هنية التي تمكنت من الصمود رغم كل المصاعب، وهو ما أزعج كثيراً الولايات المتحدة والعدو الصهيوني وبعض رموز وقيادات السلطة الحاليين والسابقين. وعملياً، حُرِّك عملاء الموساد وشبكاته المتغلغلة في الضفة الغربية وقطاع غزة من أجل البدء بمسلسل الاغتيالات المتنقلة، ليعقبها مسلسل الاتهامات المتبادلة بين «حماس» و«فتح»، ومن ثم شحْن الأجواء وتعبئة القوى والقواعد والجمهور. في هذا الجو المشحون، وصولاً إلى أحداث غزة الأخيرة.. كانت المحصلة الرهان على إبعاد حكومة «حماس» التي ترفض الاعتراف بالمحتل، أو القبول بالتفريط بالثوابت الفلسطينية ودعم خيار المقاومة لصالح الإتيان بحكومة موالية لمحمود عباس تؤيد شروط اللجنة الرباعية. ومن المفارقات الصارخة أن ذات القوى المؤيدة لهذا الخيار الأسوأ على الساحة الفلسطينية، هي القوى ذاتها التي تقف مع حكومة السنيورة في لبنان في مواجهة مطلب المعارضة اللبنانية، التي تحظى بدعم الغالبية الشعبية لتشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات مبكرة.
ودون الإبحار بعيداً في خضم التفاصيل، يمكن القول أن الإدارة الأمريكية الحالية، نتيجة الإخفاق في فلسطين ولبنان، والبحث عن مخارج لأزمة تورطها في مستنقع الحرب في العراق ورماله المتحركة وفي أفغانستان، ورغبةً في التفرغ لِـما تجسده الطموحات النووية الإيرانية والكورية الشمالية، وفي ضوء توصيات تقرير بيكر هاملتون؛ فإن الولايات المتحدة بصدد التوافق مع العدو حول أهمية التوصل إلى حل سياسي للمسألة الفلسطينية، والتي تمثل القضية المركزية ولب الصراع في المنطقة، والتي بدون حلها سيكون من الصعوبة بمكان اصطفاف قوى «الاعتدال» العربـية وراء الولايـات المتـحدة في دعـم استراتيجيـة بوش في العراق، أو بالنسبة لإيـران. ولا عجب في أن تبدأ ترجمة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لإدارة جورج بوش عبر إثارة الفتن والحروب الأهلية في المناطق الساخنة في المنطقة؛ من دارفور والصومال، ومروراً بالعراق وفلسطين، وانتهاء بلبنان.
وقد انطلقت إشارة البدء بتنفيذ هذه الاستراتيجية مع زيارة الرئيس الأمريكي بوش للمنطقة؛ حيث لوحظ أن قدومه كان بداية تفجير الاتفاق الفلسطيني - الفلسطيني على تشكيل حكومة وحدة وطنية. وبالطبع كان الموقف قد جرى ترتيبه فلسطينياً لحساب تيار رفض العسكرة وعموم القادة الذين عارضوا انتفاضة الأقصى أو «عسكرتها» وينسجمون مع الدوائر الأمريكية والغربية بشكل من الأشكال، بل تجاوز الأمر ذلك نحو تثبيت الوضع (فتحاوياً) لحساب ذلك التيار، أي المجموعة المتنفذة في السلطة التي هيمنت على حـركـة «فتـح». ولتـحقـيق هـذه التـسوية، تـماهـت الولايات المتـحـدة مع الصـهايـنـة في ضـرورة أن تكـون خـريـطة الطريق الدوليـة والمؤيَّـدة مـن قـبل الرباعية الدولية، الأساسَ لأي عملية سياسية، ولقطع الطريق على أي مبادرة دولية أو إقلـيمية لعقد مؤتمر دولي في شأن الصراع الفلسطيني – الصهيوني، عبر استفراد الكيان المحتل وفي ضوء خلل موازين القوى الصارخ لصالح العدو المحتل. وتعلن الدولة الصهيونية صراحة تفضيلها لرئيس السلطة والجهات الفلسطينية «المعتدلة» على «حماس» أو أي فصيل مقاوم آخر، ومن ثم ترفض محاولات عباس تشكيل حكومة وحدة فلسطينية للالتفاف على خريطة الطريق الدولية، وتهددها بأنها ستعيد النظر في علاقاتها مع عباس وفي قرارها اتخاذ خطوات لتعزيز مكانته.
ولا تزال دولة العدو ترى في الاستحقاقات الفلسطينية الواردة في المرحلة الأولى من «خريطة الطريق»، وفي مقدمتها تجريد الفصائل الفلسطينية من السلاح، شرطاً لأي تقدُّم في العملية السياسية. وكانت وزيرة الخارجية الأمريكية قالت، في لقاء خصت به القناة العاشرة في التلفزيون الصهيوني، إنه يجب تطبيق «خريطة الطريق» بحذافيرها من دون القفز على مراحلها، وأنها تحدثت عن ذلك مع عباس، والذي كرر استعداده لتنفيذ الاستحقاقات الفلسطينية الواردة في هذه الخريطة.
ومن الأهمية إعادة التذكير بأنه منذ إطلاق خريطة الطريق لسلام الشرق الأوسط في أبريل 2003، اشترطت أن يصبح لدى الشعب الفلسطيني «قيادة ديمقراطية» تتصرف بحسم ضد الإرهاب والعنف، وتتعهد بصورة فورية بوقف غير مشروط لهذا العنف والإرهاب والتحريض من خلال أجهزة أمنية فلسطينية فعالة يعاد تنظيمها، وأن تُصدِر هذه القيادة في بداية المرحلة الأولى من هذه الخطة بياناً جلياً لا لبس فيه يعيد تأكيد حق العدو في الوجود بسلام وأمن، ويدعو إلى وقف غير مشروط لإطلاق النار لإنهاء النشاط المسلح وجميع أعمال العنف ضد الصهاينة في أي مكان، وتُنهي جميع المؤسسات الفلسطينية التحريض ضد المحتلين، يعقب ذلك إعلان نهاية واضحة لا لبس فيها للعنف والإرهاب، ومباشرة جهود واضحة على الأرض لاعتقال وتعطيل وتقييد نشاط الأشخاص والمجموعات التي تقوم بتنفيذ أو التخطيط لهجمات عنيفة ضد الصهاينة في أي مكان، ثم تبدأ أجهزة أمن السلطة الفلسطينية بعد أن يعاد تشكيلها وتركيزها، عملياتٍ مستديمة ومستهدفة وفعالة تهدف إلى مواجهة كل الذين يتعاطون الإرهاب، وتفكيك القدرات والبنية التحتية الإرهابية. ويشمل هذا الشروع مصادرة الأسلحة غير المشروعة، وتعزيز سلطة أمنية خالية من أي علاقة بالإرهاب والفساد، على أن تقطع الدول العربية التمويل الحكومي والخاص وكل أنواع الدعم الأخرى عن الجماعات التي تدعم العنف والإرهاب وتقوم بهما.
وفي هذا السياق، استهدفت هذه الاستحقاقات لتجسيدها عملياً تهميشَ دور الرئيس الراحل ياسر عرفات لصالح رئيس الوزراء محمود عباس، وضرورة تمتعه بصلاحيات حقيقية وكاملة؛ خصماً من عرفات، والذي وقف حجر عثرة أمام هذه الاستحقاقات، ومن ثم ضرورة التخلص منه، وعندما جاءت حكومة «حماس» انقلب الحال وإزداد صعوبة. ولا نبالغ في القول: إن ما تشهده الساحة الفلسطينية من أحداث وملاسنات كلامية وتهديدات، ليست بمنأى عن الإعلان من جانب السلطة في الشروع بتنفيذ هذه الاستحقاقات؛ حيث إن موازين القوى الداخلية، كما تدلل الحقائق والتسريبات، تميل لصالح قوى المقاومة، وخاصة حركة «حماس»، حيث تلعب الجغرافيا دوراً مهماً في الصراع الدائر بين حركتي «فتح» و«حماس»؛ فعندما تتعرض «فتح» للضرب في قطاع غزة الذي يعد معقلاً لحركة «حماس»، تسارع إلى الرد عليها في الضفة الغربية حيث تتمتع بقوة عسكرية تفوق كثيراً قوة حركة الخصم.
وبهذا الخصوص، تتمتع حركة «حماس» في قطاع غزة بقوة عسكرية كبيرة تفوق قوة «فتح»، وتتألف هذه القوة من ما يزيد على 15 ألف مسلح، وعتاد عسكري يضم صواريخ مضادة للدروع وألغاماً أرضية. وفي الضفة التي يعمل فيها الجهاز العسكري لحركة «حماس» تحت الارض خشيةَ ملاحقة السلطات الصهيونية؛ تتمتع «فتح» بقوة عسكرية يبلغ عدادها زهاء أربعة آلاف مسلح، بينهم حوالي 400 من أعضاء النواة الصلبة لمجموعات «كتائب شهداء الأقصى»، في حين تقتصر قوة «حماس» العسكرية في الضفة على بضع عشرات من المسلحين بأسلحة فردية محدودة.
وقد أكدت الأحداث الأخيرة وحوادث الاقتتال بين حركتي «حماس» و«فتح» أن ميزان القوى ما زال يميل في كفته لصالح حركة «حماس»، حيث كانت هذه الأحداث تؤشر إلى اعتزام السلطة اعتماد سيناريو الإطاحة بحكومة «حماس» والتخلص منها ولو بالقوة في سياقات محلية وإقليمـية ودولية مواتية، وهو الأمر الذي أخفـقت في تحقـيقـه. ومن هـنا، تتـبدى دلالـة ما أظهرته وثائق أمريكية، مع مطلع العام الحالي، عن أن الإدارة الأمريكية الحالية ستقدم 86 مليون دولار، كانت مخصصة في البداية لبرامج مساعدات أمريكية في قطاع غزة والضفة الغربية، ثم عُلِّقت أو ألغيت بعد تولي «حماس» السلطة؛ لدعم قوات الأمن الموالية للرئاسة الفلسطينية في الوفاء بالتزامات السلطة الفلسطينية بموجب خريطة الطريق، لتفكيك البنية الأساسية للإرهاب وإقرار القانون والنظام في الضفة الغربية وغزة. وأنيط بالجنرال (كيث دايتون) منسق الأمن الأمريكي بين الصهاينة والسلطة، تنفيذَ برنامج لدعم وإصلاح عناصر قوات الأمن الفلسطيني التي تسيطر عليها الرئاسة. ومن المعروف، حسب المصادر، أن حرس الرئاسة يضم حالياً 3700 فرد، وبمساعدة الولايات المتحدة وحلفائها، يأمل رئيس السلطة في زيادته وفق برنامج زمني محدد وعاجل إلى 4700، وإمكانية زيادته بعد ذلك إلى عشرة آلاف فرد.
واسـتهدفـت الولايـات المتـحدة والعدو الصهيوني من دعـم حـرس الرئـاسة تغـييرَ مـوازيـن القـوى فـي قـطـاع غـزة لصـالح التـيار المؤيـد لرئيـس السلـطة. وبتوافق أمريكي – صهيوني، رُتِّب شحن بنادق وذخائر لحرس الرئاسة من مصر والأردن، وبدورها قدمت الدولة الصهيونية دعماً لرئيس السلطة في سعيها لإسقاط حكومة «حماس»؛ حيث اتخذت العديد من الإجراءات، أهمها: سماح رئيس الوزراء إيهود أولمرت بتعجيل عودة المئات من عناصر قوات لواء «بدر» المتواجد حالياً في الأردن إلى قطاع غزة؛ من أجل تعزيز قوة الأجهزة الأمنية التابعة للرئيس الفلسطيني. كما أمر أولمرت القيادات العسكرية والأجهزة الاستخباراتية بدراسة إمكانية السماح بوصول المزيد من الأسلحة والذخائر للأجهزة الأمنية التابعة لأبي مازن من الأردن تحديداً. وكانت مصادر صهيونية قد كشفت النقاب عن قيام ضباط في وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية (السي آي إيه) بتدشين معسكر لتدريب عـناصر جهاز أمن الرئاسة التابع لأبي مازن، والمعـروف بـ «القوة 17»، وذلك بالقرب من مدينة أريحا شمال شرق الضفة الغربية، إضافة إلى تحويل مبلغ 100 مليون دولار من إيرادات الضرائب والرسوم الجمركية التي تحتجزها الصهاينة لصالح السلطة الفلسطينية. ومن البديهي أن ترفض «حماس» هذه السياسة الأمريكية التي تغذي ثقافة الانقسام بين الشعب الفلسطيني، لا سيما في ضوء محاولة العدو بمعونة أطراف عديدة تصديرَ الصراع الخارجي إلى الساحة الداخلية الفلسطينية عبر توتير الأجواء، وجرِّ الفلسطينيين إلى الحرب الأهلية والصدام الدموي.
وفي التحليل الأخير، ثمة ضرورة موضوعية لتعرية وفضح أبعاد هذا المخطط ورموزه وأدواته المحلية، وأن تنصب الأولويات للشعب الفلسطيني في هذه المرحلة المفصلية على تغليب مصلحة هذا الشعب على كل الاعتبارات؛ من خلال تقوية الجبهة الداخلية ووحدة الصف، وأن يأخذ الصراع طابعاً وطنياً بين من يؤيد المشروع الوطني الفلسطيني القائم على أساس حفظ الثوابت الوطنية والتمسك بخيار المقاومة ضد الاحتلال، وبين من يرفض ذلك ويدعم خيار التفاوض على قاعدة الاشتراطات (الأمريكية - الصهيونية) سبيلاً وحيداً ثبت عقمه وفشله. وثمة مسؤولية كبرى على القيادات والكوادر الوطنية داخل حركة «فتح» والتي تشارك بفعالية في مقاومة الاحتلال؛ في اتخاذ مواقف حاسمة من التيار المتصهين والمتأمرك داخل السلطة وفي بعض القيادات؛ لأن اتخاذ مثل هذا الموقف من قِبلها الآن يقطع الطريق، ليس فقط على الحرب الأهلية التي سيدفع كل الشعب الفلسطيني وقضيته ثمنها، بل يحمي مشروع المقاومة وينقذ الجميع، ويعزل الاتجاه المرتبط بالمشروع الأمريكي أو الذي يرتكز إليه.


(*) خبير في الشؤون العربية.

للعودة للصفحة الرئيسة