قاعدة الذهبية

أكرم مبارك عصبان الحضرمي

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فللمسلم مسلَّمات وثوابت أخذها من دينه لا يداخله فيها شك أو ارتياب؛ فمهما تداخلت القضايا وادلهمّت الأمور وتأثّرت الأوضاع، يبقى موقف المسلم المستند إلى تلك الثوابت لا يعتريه شك أو ارتياب أو تنازل، ومن خلال هذا يكون عمله منتجاً محققاً للمقصود الذي يحبه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإن لم يحدث ذلك إلا بعد فترة من الزمن قد تطول وقد تقصر حسب تقدير الله تعالى. وانطلاقاً من ذلك؛ فإنه يصر على مواقفه المبنية على الحق الذي جاء في كتاب ربه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - مهما كلفه ذلك من مقابل، ولا يقدم تنازلات يأباها الشرع بحجة أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان.
لنا نحن - معاشرَ المسلمين - في العصر الحاضر عدد من القضايا المهمة، منها قضية فلسطين، البلد المسلم الذي اغتصبه مجموعات من اليهود تحت سمع العالم (المتمدن المحب للعدل والسلام!) وبصره، وبوعد من بريطانيا وبموافقة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي (روسيا حالياً) وغيرهم من البلدان غير المسلمة، وقد بدا لفريق من الناس أنه من الممكن حل هذه المعضلة بعيداً عن سُنة المدافعة بين أهل الحق وأهل الباطل - تلك السُّنّة التي لم تتغير على مر الزمن ولن تتغير - فراحوا يبحثون عن الحلول التفاوضية مع من اغتصبوا الأرض وقتلوا أهلها، وبرعاية مَنْ أعطاهم إياها ومن أمدّهم بأسباب البقاء فيها وشجعهم على ذلك بكل سبيل. وفي كل جولة تفاوضية تبرز المعادلة الواضحة التـي لا يُستراب فيها؛ وهي أن من اغتصب الحقوق لم يكن ليعـطيها أهلها مختــاراً، وأن من أعانهـم على الغصب والظـلم ما يزال على موقفه مدافعاً ومُعيناً بل ومشاركاً، على الرغم مما يطلقه عليه التفاوضيون أنه الشريك والحليف، والراعي الأساس لحل هذه المشكلة ورجوع الحقوق إلى أهلها.
 والذي لا شك فيه أنه لا رجوع للحقوق إلا من خلال ديننا الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبسواعدنا نحن؛ فمهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله، ومهما وضعنا من آمال في غيرنا فلن يكونوا لنا إلا كما قال عنهم ربنا.
وقد اتبع الظَّلَمة والطغاة مع من يفاوضونهم سياسةَ الموافقة على الاقتطاع والهضم خطوة خطوة؛ فتبدأ المفاوضات وتنعقد، ثم تنفضُّ عن الموافقة على التخلي عن بعض الحق أملاً في تحصيل بقيته، وتمضي الأيام وتنعقد الجلسات ولا تنفك هذه الجلسات عن الاتفاق على شيء سوى الإقرار بما تُخُلِّيَ عنه ولا شيء في مقابل ذلك، ثم يُفتعل تعقُّد المسائل، وتحتاج بعد أمد إلى عودة أخرى لطاولة المفاوضات، وفيها يُتخلى عن جزء آخر، وهكذا تمتد المفاوضات ويكثر التخلي عن أجزاء من الحق حتى يصبح الباقي من الحقوق شيئاً هزيلاً لا قيمة له ولا مقدار. وهذا يفسره إصرار العدو على إطالة أمد المفاوضات، وعلى عدم الوصول إلى ما يسمونه (مفاوضات الـــحل النهائي) إلا بعد إنهاك قوى التفاوضيين حتى يقبلوا ويُسلِّموا بما يُنبَذ إليهم من الفتات أو الحطام.
كما صار الحديث عن حل هذه المشكلة لدى السياسيين من الدول الكبرى وإسهامهم فيه وسيلةً فجّة لتمرير مشاريعهم التوسعية للسيطرة على أجزاء شاسعة من العالم، ونهب ثروات شعوبه، والنيل من حرياتهم وثقافاتهم؛ فمنذ ما يقارب من سبع سنوات عندما أرادت أمريكا محاربة الإسلام والنيل منه؛ لأنه هو العقبة الرئيسة التي تحول بينهم وبين طموحاتهم في الاستيلاء على البلاد الإسلامية، ونقْلِ خيراتها إلى بلادهم، وتغريب شعوبها وصبغهم بصبغة مخالفة لدينهم - جرى الإعلان عن ذلك تحت مسمى محاربة الإرهاب، والترويج له إعلامياً بصورة قلّ نظيرها. وفي سبيل ذلك ظهر الحديث بقوة عن ضرورة حل المشكلة الفلسطينية؛ لأن وجودها بدون حـلّ يغــــذي - من وجهة نظرهم - الإرهاب، وجرى الكلام بتأكيد شديد لدرجة أنه قد تحدد موعد إعلان الدولة الفلسطينية وهو عام 2005م، وفرح التفاوضيون لذلك، وقدحوا فيمن شكك في نزاهة هذا الإعلان. واليوم وبعد مرور ما يقرب من سبع سنوات، وفي أوائل عام 2008م، أي بعد الموعد المحدد مسبقاً بثلاث سنوات؛ فوجئ الفلسطينيون بأهازيج إعلامية تصاحب زيارة رئيس أمريكا للمنطقة تعيدهم إلى مستويات سفلى أدنى بكثير مما يتخيله أكثر الناس معارضة للمسلك التفاوضي.
فعندما وطئت أقدامه أرض مطار (بن جورين) الأرض المغصوبة من أصحابها والتي ليست ملكاً للضيف، ولا ملكاً لمن استضافه، أُعلِن أنه ينبغي ضمان أمن (إسرائيل) دولةً يهودية. وهذا يعني أمرين: أولاً: إسقاط حق الفلسطينيين الذين أُخرِجوا من ديارهم وأموالهم بقوة البطش والظلم من العودة إلى ديارهم. ثانياً: تهديد العرب الباقين في حدود 48 في بقائهم على أرضهم، مما يحوّلهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية.
وذرّاً للرماد في العيون أعلن أنه ينبغي تعويض اللاجئين عن ديارهم وممتلكاتهم، أي: عليهم أن يبيعوا وطنهم وممتلكاتهم من أجل إقرار الغاصب على غصبه، وكأنه يرى أن الأوطان تباع بالدينار والدولار (ومن أين تأتي هذه التعويضات؟ لعلها تُجمع لهم من بعض الدول العربية، فيدفع العرب أموالهم للعرب ليفوز اليهود بفلسطين!)، وهذا ليس غريباً على أناس قامت دولتهم على أساس إبادة أهل البلد الأصليين.
ويتعجب المرء من ضعف رد بعض المسؤولين الفلسطينيين على ذلك؛ حيث يعلق أحدهم على اقتراح التعويض المادي والرضا بعدم العودة إلى البلاد وابتلاع اليهود لها إلى الأبد؛ بأن الموافقة على هذا العرض قرار فردي يرجع إلى كل لاجئ، وهو الذي يقرر ذلك بنفسه! بينما يقول بعضهم الآخر: إن هذا الاقتراح ربما يرمي لإقناع الصهاينة وجذبهم لمائدة المفاوضات (فبعدما كان العـــرب يرفضـــون التفاوض في عهد اللاءات الشهيرة: لا صــلح، لا تنـــازل، لا تفاوض، لا اعتراف، صار الكثير يهرول للمائدة المستديرة ويصر على التفاوض ويطالب به!).
ولما كان إسقاط حق اللاجئين في العودة لديارهم التي أُخرِجوا منها بغير حق مخالفاً للقرارات الدولية[1]؛ كالقرار رقم (194) الصادر عن الأمم المتحدة في 11/12/1948م، الذي ينص على حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم - نجد أن الضيف الزائر يصرح قائلاً: إن الأمم المتحدة أخفقت في إيجاد حل[2]، كما أن هذه القرارات قديمة وينبغي الاعتراف بما هو على الأرض[3]. وهذا الكلام يمثل استهانة كبرى بما يقال عنه: (المجتمع الدولي والقرارات الدولية)، بل إن مثل هذا الكلام هو من السخرية بمكان؛ إذ كيف يقول ذلك وهو يعلن أنه جاء لتحقيق اتفاق سلامٍ - قبل انتهاء ولايته - يتيح إقامة الدولة الفلسطينية؟ كما أنه في الوقت نفسه استهانة بالعرب كافة وبحقوق الفلسطينيين خاصة؛ إذ كيف يطلق هذه التصريحات وهو قادم لزيارة كثير من البلاد العربية؟ فكأنه يقول: أُعلِنها وأنا في عقر داركم! وهذا مدعاة حقيقية لعدم الثقة في كل ما يصدر عن هؤلاء؛ فهم كما قال الله - تعالى - عنهم: {لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران: ٨١١]، ويعقب الله - تعالى - بعد هذا البيان بقوله: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}
[آل عمران: ٨١١].
ومما يبين أنه ماضٍ في طريقه، وأنه يعي ما يقول ويقصده، وأنه ليس مجرد سقطة كلام - كما حاول بعض النـــاس الاعتذار له بذلك عندما أعلن أنه سيشن حرباً صليبية - ما يبين ذلك أنه لا يُتوقع من (إسرائيل) أن تتخلى عن الأراضي التي احتلتها عام 1967م كلها، وأن على الجانبين (اليهودي والفلسطيني) تقديم حلول وسط تعكس الواقع الحالي، بما في ذلك تعديل الحدود وعدم الالتزام بخط الهدنة. ويجعل ذلك التنازل والتغيير في خطوط الهدنة والإقرار بعدم أحقية اللاجئين في العودة إلى ديارهم هو المهر المقدم لإقامة الدولة الفلسطينية (الدولة الكرتونية التي لا حقيقة لها إلا في الأوراق)، وهو ما يعني الموافقة على ابتلاع اليهود لأجزاء أخرى من فلسطين، والتنكر لحقوق الفلسطينيين الثابتة أصلاً بامتلاكهم لأرضهم وديارهم والمؤكدة بالقرارات الدولية المؤيدة لذلك الحق.
فالرئيس يقول: إنه يجب اتخاذ قرارات صعبة وتقديم تنازلات مؤلمة من الجانبين. أما القرار الصعب والتنازل المؤلم من جانب اليهود - إن حدث في الواقع - فهـــو لا يعدو أن يكون تنازل السارق عن بعض ما سرقه. وأما القرار الصعب والتنازل المؤلم من جانب الفلسطينيين[4]؛ فهو التسليم للسارق بسرقته وللغاصب بما اغتصب.
وهو يطالب[5] في مقابل اللا شيء الذي يقدمه للفلسطينيين بالالتزام الصارم بمنع المقاومة، ومواجهة من سماهم (الإرهابيين) وتفكيك البنية التحتية لهم، ويدخل في كل هذه التعبيرات الفصائل الفلسطينية الرافضة للاستسلام، وعلى رأسها الفصائل الإسلامية. والالتزام الصارم معناه في هذه الحالة: قيام الاقتتال الداخلي بين الفلسطينيين.
والكل يعلم بما فيهم الأمريكان واليهود أن الإدارة الأمريكية أضعف من أن تكون قادرة على تحريك شيء على الأرض، فكأن الزيارة فيما يخص اليهود لم تكن إلا لتأكيد وتثبيت الأوضاع القائمة والبناء عليها فيما بعد، فكيف برئيس أمضى سبع سنوات في الحكم لم يتقدم خطوة في الاتجاه الصحيح، بينما هرول وقطع مسافات بعيدة في الاتجاه الخاطئ.. كيف به يزعم أن في الإمكان أن يحقق في السنة الباقية (والتي يطلق فيها على الرئيس بطة عرجاء لضعفه وعدم قدرته) ما لم يمكن تحقيقه في سبع سنوات؟!
ومن غريب ما تمخضت عنه الزيارة أن الرئيس الأمريكي قفز على كل مجهودات العرب؛ فبعد عقود من التحركات الحربية أو السلمية توصَّل العرب إلى ما يعدونه خياراً إستراتيجياً بالنسبة لهم، وأجمعوا عليه إجماعاً قلّ لهم نظيره، وهو المبادرة العربية التي انطلقت منذ ما يقارب عقدين من الزمان والتي ما يــــزال الـــعرب يلــــتزمون بها، ومع ذلك لا نجد لها ذِكراً أيَّ ذكر في خطابات وتصريحات الرئيس الأمريكي، مما يعد تجاهلاً تاماً لأمة كاملة، فلا يعيرها اهتماماً ولا يلتفت إلى إجماعها ولو من باب المجاملة!
والشيء اللافت للنظر أن هذا المشهد سبق إخراجه أواخر أيام حكم (كلينتون) بحيث يصح أن يقال إنه (سيناريو) مكرر ومعاد. ولا اختلاف في المضمون، وإنما الاختلاف في أشخاص القائمين بالأدوار. 
واليهود بدورهــــم ماضون في خططــهم وسياساتهم لا يعتدُّون بما يقال هنا أو هناك، وليس عندهم أكثر من الكلام والتصريح الذي لا يؤخذ منه فائدة، بينما لا يوجد تغيير على الأرض؛ فبناء المستوطنات لم يتوقف، وهناك مناقصات تُطرح لبناء مستوطنات جديدة وتوسيع أخرى قائمة، وانتزاعُ الأراضي من أيدي أهلها الفلسطينيين مستمر، بل حتى المستوطنات التي قامت بالمخالفة لقانونهم (وهي التي يدعونها بالمستوطنات العشوائية) ما زالت قائمة لم تُزل.   
هذا الكلام قد لا يكون جديداً، بل قد قيل من قِبَل  كثير من الناس منذ زمن وأمد، لكن الذي ينبغي قوله والتأكيد عليه أن الحقوق المغتصبة لا يمكن أن يأتي بها مَنْ هو عون الظالمين وملاذهم والمدافع عنهم، والمتبني لكل تصرفاتهم وأقوالهم، ولن تعود هذه الديار إلا كما عادت يوم أن استعادها صلاح الدين ممن اغتصبوها منذ قرون مضت، والسبيل هو السبيل، والعمل هو العمل: الإيمان بالله والاستعانة به، والالتزام بشرعه، واجتماع الكلمة، وتوحّد الصفوف، وإعداد العدة اللازمة، وبناء القوة التي ينفع الله بها يوم النزال، وحفظ الأموال وإنفاقها في ذلك، فلا ينبغي إضاعة الزمان والأعمار والأولاد وإهدار الأموال في التعلق بسراب لا حقيقة له، وترك العمل على تحقيق ما وعد الله به؛ فوعد الله حق وتحقيقه حــق. قال الله - تعالى -: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: ٠٤]، وقال - تعالى -: {إن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: ٠٦١].
اللهم اجمع كلمة المسلمين على طاعتك وطاعة رسولك، والانتصار لدينك ولعبادك المستضعفين!      


[1]    التي يتشدق هؤلاء بالتمسك بها عندما تكون في صالحهم.
[2]  وهو يعلم أن الإخفاق راجع لِـما تُولِيه دولتهم لليهود من حماية في هذه المؤسسة الدولية، حتى إنها احتاجت لاستخدام حقها في نقض القرارات الدولية (فيتو) لحماية اليهود عشرات المرات.
[3]  وهذا الكلام يفضح أهداف التسويف المتتالي في الوصول إلى اتفاق حتى يكون ما على الأرض بمرور الزمن كله لليهود، ولا يبقى منه إلا الفتات.
[4]  وهو ما يحدث بالفعل؛ فمنذ بدأت المفاوضات والفلسطينيون يتخذون القرارات الصعبة ويقدمون التنازلات المؤلمة، ولكنها في الواقع بدون مقابل.
[5]  وكل ما يقدمه للفلسطينين في حقيقته هو طلبات وواجبات عليهم أن يفعلوها.

 

للعودة للصفحة الرئيسة