من شروط ولي أمر المسلمين
(٢-٢)

محمد بن شاكر الشريف

   تحدثت في الحلقة الأولى من هذا المقال عن شرط إسلام ولي الأمر، وذكرت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على وجوب ذلك، ثم عرجت على أقوال المخالفين في ذلك من العصرانيين الذين يحتكمون لتصوراتهم وأهوائهم، فذكرت شبههم ورددت عليها. ونكمل في هذه الحلقة من المقال الحديث عن شرط الرجولة.
• الرجولة:
الشرط الثاني الذي ينازع فيه بعض المعاصرين هو رجولة ولي الأمر، فهم يجيزون أن تكون المرأة ولي أمر، وهذا القول في الحقيقة لم تدعُ إليه حاجة أو يدل عليه دليل عقلي سواء من نقص الرجال الأكفاء لتولي هذا المنــصب، أو الكفاءة النادرة من المرأة.
 كمـــا لم يــدلَّ على ذلك دليل شــرعي من الكــتاب أو السنة أو إجماع الأمة الذي يجب المصير إليه، وإنما هو من المسارعة التي يقع فيها بعض الناس بجهل أو سوء نية بزعم المساواة بين الجنسين وعدم التمييز ضد المرأة، لمجاراة الكافـــرين والهيئــات والمؤسســات التي تدور في فلكهم لنشــر ثقافــاتهم وتغليبهـــا عــلى ما عُلِـــم من دين الإسلام.
إن الأدلة الشرعية على عدم جواز أن تكون المرأة ولي أمر ووجوب أن يكون ولي الأمر رجلاً، كثيرة، ونحن في هذا المقال لا نحصيها أو نستقصيها، وإنما فقط نعرِّج على بعضها.
إن من يطالع الأدلة المتكاثرة من الكتاب والسنة فيما يتعلق بالأحكام المتعلقة بالمرأة يدرك - لا محالة - أنها كلها تراعي عدم بروز النساء في المجامع العامة أو اختلاطهن بالرجال، ليس لقلة علمهن أو كفاءتهن، وإنما لما يترتب على ذلك من مفاسد ومضار كثيرة للرجال وللنساء على السواء، ومَنْ كانت أحكامه تدور على هذا النحو فلا يقوم في الشرع ولا في العقل أن يكون ولياً على الرجال. ولننظر بعض الأدلة الواردة في ذلك:
• فمن القرآن الكريم:
1 - قوله ـ تعالى ـ: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: ٤٣], فجنس الرجال قوامون على جنس النساء بنص القرآن. قال القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ: «فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله ـ تعالى ـ: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} ابتداءٌ وخبرٌ، أي: يقومون بالنفقة عليهن والذب عنهن، وأيضاً فإن فيهم الحكام والأمراء ومن يغزو، وليس ذلك في النساء. يقال: قوَّام وقيِّم. الثانية: ودلت هذه الآية على تأديب الرجال نساءهم، فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسيء الرجل عشرتها.
و (قوّام): فعّال للمبالغة، من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد.
فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد، وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز، وأن عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية، وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة والعقل والقوة في أمر الجهاد والميراث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»[1].
وقال البغوي: «قوله ـ تعالى ـ: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} أي: مسلّطون على تأديبهن. والقوّام والقيِّم بمعنى واحد، والقوام أبلغ وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب. {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} يعني: فضّل الرجال على النساء بزيادة العقل والدين والولاية»[2]. وقال ابن كثير: «أي: الرجل قَيّم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجَّت {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي: لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة؛ ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال وكذلك المُلْك الأعظم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لن يُفلِح قومٌ وَلَّوْا أمْرَهُم امرأة» رواه البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه[3]، وكذا منصب القضاء وغير ذلك.
{وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} أي: من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهنَّ في كتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قَيِّماً عليها، كما قال الله ـ تعالى ـ: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: ٨٢٢]، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} يعني: أمراء عليها، أي: تطيعه فيما أمرها به من طاعته، وطاعتُه: أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله. وكذا قال مقاتل، والسدي، والضحاك»[4].
وقال البيضاوي: «{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} يقومون: عليهن قيام الولاة على الرعية، وعلل ذلك بأمرين: وهبي، وكسبي، فقال: {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} بسبب تفضيله ـ تعالى ـ الرجال على النساء بكمال العقل وحسن التدبير، ومزيد القوة في الأعمال والطاعات، ولذلك خُصّوا بالنبوة والإمامة والولاية وإقامة الشعائر، والشهادة في مجامع القضايا، ووجوب الجهاد والجمعة ونحوها»[5].
وقال الألوسي: «{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}، أي: شأنهم القيام عليهن قيام الولاة على الرعية بالأمر والنهي ونحو ذلك. واختيار الجملة الاسمية مع صيغة المبالغة للإيذان بعراقتهم ورسوخهم في الاتصاف بما أسند إليهم»[6]. وقال الطاهر ابن عاشور: «قوله: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} أصل تشريعي كُلِّي تتفرّع عنه الأحكام التي في الآيات بعده، فهو كالمقدّمة... والحكم الذي في هذه الآية حكم عامّ جيء به لتعليل شرع خاصّ... والكلام خبر مستعمل في الأمر كشأن الكثير من الأخبار الشرعية... والقَوَّام: الذي يقوم على شأن شيء ويليه ويصلحه، يقال: قَوَّام وقَيَّام وقَيُّوم وقَيِّم... فموقع {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} موقعُ المقدّمة للحكم بتقديم دليله للاهتمام بالدليل؛ إذ قد يقع فيه سوء تأويل... وقيام الرجال على النساء هو قيام الحفظ والدفاع، وقيام الاكتساب والإنتاج المالي، ولذلك قال: {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}[7]».
 وبنحو ما تقدم قال كثير من المفسرين؛ كالماوردي والنسفي والشوكاني وأبي حيان والرازي والنيسابوري وأبي السعود والخازن، وغيرهم.
فكيف يصح بعدما تقدم نقله القول بجواز أن تكون المرأة ولياً للأمر على جنس الرجال كلهم بما فيهم زوجها؟
2 ـ قوله ـ تعالى ـ: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: ٣٣]، وهو أمر من الله ـ تعالى ـ للنساء بالقرار في بيوتهن. قال ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ في تفسيرها: «اِلْزَمْن بيوتكن فلا تخرجن بغير حاجة». والقرار في البيت منافٍ للخروج منه والاختلاط بالناس والالتقاء بهم، وهو أمر لا بد منه لولي الأمر؛ إذ طبيعة عمله تقتضي خروجه وتنقُّله وتفقُّده للأحوال والرعية، وانتقاله من بلد لبلد أخرى، واختلاطه بالناس والخلوة ببعضهم. والخطاب في الآية ـ وإن كان لنساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ لكن بقية نساء المسلمين داخلات فيه.قال القرطبي: «معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منهـــا إلا لضرورة، على ما تقدم في غير موضع؟»[8]. وقال ابن كثير: «هذه آداب أمر الله ـ تعالى ـ بها نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونساءُ الأمة تَبَعٌ لهن في ذلك»[9].
ولما كان أمر الله ـ تعالى ـ للنساء بالقرار في البيوت كانت كل التشريعات المتعلقة بالمرأة تصب في هذا الجانب، إذ لا تناقض بين أحكام الشريعة ولا تنافر، فلم يفرض الله عليها الخروج للجهاد، كما لم تجب عليها صلاة الجمعـــة أو الجماعة، كما بيّن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن صلاتها في بيتها خير لها من صلاة الجماعة في المسجد، وأنها لا تخرج من البيت إلا بإذن زوجها، وأنها إذا خرجت فعليها بحافة الطـــريق ولا تسلك وسطه، وأن المرأة إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان (أي: تطلع إليها) وزينها في أعين الرجال ليغويها ويغويهم بها، ففي خروجها فتنة كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»[10]، وقال: «فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء»[11]، وقال: «إن المرأة تُقبِل في صورة شيطان وتدبِر في صورة شيطان»[12]. قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ: «قال العلماء: معناه الإشارة إلى الهوى والدعاء إلى الفتنة بها لما جعله الله ـ تعالى ـ في نفوس الرجال من الميل إلى النساء والالتذاذ بنظرهن وما يتعلق بهن؛ فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته وتزيينه له». ثم قال: «ويُستنبَــط من هـــذا أنه ينبغي لهــا أن لا تخرج بين الرجال إلا لضرورة، وأنه ينبغي للرجال الغض عن ثيابها والإعراض عنها مطلقاً»[13].
فكل هذه الأدلة مبنية على قرار المرأة في بيتها وعدم خروجها إلا لحاجة، والقول بجواز ولايتها فيه خرم لكل هذه النصوص المتقدمة.
3 ـ قوله ـ تعالى ـ: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور: ١٣] أي: يكففن ويخفضن من أبصارهن، ولا ينظرن إلى الرجال من غير محارمهن. قال ابن كثير: «أي: عمَّا حَرَّم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن». وكيف يستقيم هذا لشخص يراد منه أن يكون ولياً للأمر يحادث الناس ويستمع إليهم ويتفقد أحوالهم، ويجتمع بمعاونيه ووزرائه ويتباحث معهم في الأمور؟ ولا يعارض هذا قوله ـ تعالى ـ في حق الرجال: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}؛ لأن الأصل أن المرأة قارَّة في بيتها، فإن احتاج الرجل إلى كلامها غضّ بصره عنها، وكذلك إن احتاجت هي للخروج من بيتها غضّ الرجل عنها بصره. والمرأة بمقتضى الأحكام الشرعية قليلة الخروج من بيتها؛ فلا يمثل غض الرجل من بصره عن المرأة حرجاً ومشقة في الاحتراز منه، بينما الأصل في الرجل الخروج والكدح والضرب في الأرض، ففي غض المرأة من نظرها عن الرجل حرج ومشقة؛ لكثرة خروجه ووجوده في الطرقات. لذلك كان الأصل بالنسبة لها ـ لدفع هذا الحرج والمشقة ـ القرارَ في البيت، فلا تخرج منه إلا لحاجة مشروعة، مع مراعاة ضوابط الخروج من التستر، وعدم مزاحمة الرجال أو الاختلاط بهم والنظر إليهم.
4 ـ كما أمر الله ـ تعالى ـ ألا يكون تعامل الرجل الأجنبي مع المرأة إلا من وراء حجاب، كما في قوله ـ تعالى ـ: {وَإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: ٣٥]، وأمر المرأة أن تستر نفسها عند الخروج، وأن تدني عليها من جلبابها كما في قوله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْـمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ} [الأحزاب: ٩٥]. فإذا احتاج الرجل الحــديث إلــى المرأة في حــاجة تَعرِض لــه؛ فلا بد أن يكون ذلك من وراء حجاب. وكيف يمكن لشخص أن يكون ولي أمر يدير بلداً من وراء حجاب فلا يقابل وزراءه، أو مديريه، أو قادة الجيش والشُّرَط، أو القضاة إلا من وراء حجاب؟ أيمكن أن يستقيم هذا؟
وإذا كان هذا غير ممكن فعلاً ـ وهو الواقع ـ فهذا مما يبين أن كون المرأة ولي أمر لا يكون إلا بمخالفة النصوص العديدة التي جاءت في شأن المرأة.
وأنت إذا تدبرت الآيات كلها التي جاءت في كتاب ربنا في شأن النساء بمنطوقها ومفهومها ومعناها؛ لا تجد فيها شيئاً يمكن أن يدل على جواز توليتها الأمر في شريعة الله، بل الرجل قوام على المرأة وهو مفضل عليها، وعليها أن تقر في بيتها، ولا تخرج منه إلا بإذن زوجها. وإذا كانت هناك حاجة لحديث الرجل إليها فعليها أن تحتجب منه، وأن تتكلم معه بطريقة ليس فيها خضوع بالقول وإلانة له، ومثل هذا لا يصلح أن يكون في ولاية الأمر التي تحتاج إلى صفات وخصائص هي على الضد من ذلك.
• ومن السنة:
دلت السُّنَّة على مثل ما دل عليه القرآن، فمنعت المرأة من الاختلاط بالرجال أو الخلوة بهم، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم»؛[14] فمنعَ سفرهن المنفرد أو مع غير المحرم، ونهاهن عن الاختلاط بالرجال في الطرقات، وقال: «استأخرن! فإنه ليس لَكُنَّ أن تحقُقْن الطريق»[15]، أي: تركبن حُقَّها وهو وسطها. كما منع دخول الرجال الأجانب على النساء والخلوة بهن، وقال: «إياكم والدخول على النساء!»[16]، وقال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان»[17]. وكيف يستقيم تطبيق هذه الأحكام الخاصة بالمرأة مع ولي أمر يريد أن يسوس رعيته ويشاور بعض مستشاريه، وقد يحتاج إلى الخلوة بأحدهم في بعض الأمور الهامة والتي تحتاج إلى المسارَّة بها؟
والذي يظهر من ذلك غاية الظهور أن الالتزام بتلك الأحكام والقيام بمهمات ولاية الأمر في حق المرأة هما أمران متناقضان لا يلتقيان أبداً.
كما دلت النصوص الشرعية على أن المرأة عليها أن تخفض صوتها ولا ترفعه في وجود الرجال، فليس لها أن تؤذن للصلاة أو تقيمها، ولا أن ترفع صوتها في الإهلال بالحج أو العمرة. قال ابن عبد البر: «وأجمع العلماء أن السُّنَّة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تُسمِع نفسها»[18]، وقال الجصاص الحنفي في تفسير قوله ـ تعالى ـ: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} [النور: ١٣]: «وفيه دلالة على أن المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب؛ إذ كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها؛ ولذلك كرِه أصحابنا أذان النساء؛ لأنه يُحتاج فيه إلى رفع الصوت والمرأة منهية عن ذلك». كما أن المرأة عند خطأ الإمام في الصلاة لا تسبِّح كالرجال بل تصفق بيدها. والإسرار بالصوت أو خفضه مما ينافي عمل ولي الأمر؛ فهو محتاج للحديث مع كثير من الناس في مهمات كثيرة في شكل دوري أو يومي بصوت قوي مرات كثيرة، إذ عمله قائم على الأمر والنهي والتوجيه والإرشاد.
وفيما توارد عليه القرآن والسنة وما اتفق عليه جمهور الفقهاء من أن المرأة لا تُنكح نفسها وأنها لا بد لها من ولي في ذلك؛ ما يدل على عدم جواز ولايتها للأمر؛ فإذا كانت الشريعة لم تملِّكها أمرَ نفسها، فكيف تملِّكها أمر عشرات الملايين من الرجال والنساء؟ قال القرطبــي ـ رحمه الله تعالى ـ: «قد تعاضد الكتاب والسنة على أن لا نكاح إلا بولي، ونقل عن الطبري قوله: في حديث حفصة حين تأيَّمت وعقد عمر عليها النكاح ولم تعقده هي، إبطالُ قول من قال: إن للمرأة البالغة المالكة لنفسها تزويج نفسها وعقد النكاح دون وليها، ولو كان ذلك لها لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع خطبة حفصة لنفسها إذا كانت أَوْلى بنفسها من أبيها، وخطبها إلى من لا يملك أمرها ولا العقد عليها»[19].
ولو لم يرد في السنة من الأدلة غير ما تقدم لكفى، لكنه يوجد مع ذلك دليل خاص في المسألة؛ فعندما جعل الفُرس ابنة ملكهم ملكة عليهم وبلغ ذلك رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة»[20]. وهذا الحديث قد استدل به أهل العلم على عدم جواز أن تكون المرأة ولي أمر، وهو فهم الصحابة ومَنْ بعدَهم من أهل العلم، ولم يفرق أهل العلم في ذلـــك بيـــن قوم وقوم أو امرأة وامرأة، بــل النساء كلــهــن لا يصلحن لولاية الأمر ولو كانت من خيرة النساء عِلماً وفقهاً وتقــــى وورعــاً. ولذلك عندما خرجت عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ للإصلاح بين المسلمين في القتال الدائر بين معسكري علي ومعاوية ـ رضي الله تعالى عنهما ـ قال أبو بكرة صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيام الجمل، بعدما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم» وذكر هذا الحديث.
وحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا ورد بصيغة العموم التي تعني عدم جواز قصره على حادثة ابنة كسرى؛ إذ لو كان المراد قصرَه عليها لجاء مثلاً بلفظ: «لن يفلحوا»، فيكون ذلك خاصاً بهم؛ فلما عدل عن لفظ وجيز مكوَّن من كلمتين «لن يفلحوا» وهو الذي أوتي جوامع الكلم إلى جملة من ست كلمات «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، واستعمل لفظاً عاماً فقال: «لقوم» يعني: أي قوم، وقال: «امرأة» يعني: أي امرأة؛ كان العموم مراداً؛ فإن لفظي «قوم»، و «امرأة» جاءا نكرتين في سياق النفي، والنكرةُ في سياق النفي تعم، كما يقوله أهل الأصول.
• الإجماع:
ليس في قول أحد من أهل العلم الذين يؤخذ بقولهم أنه يجوز للمرأة أن تلي رئاسة الدولة الإسلامية. حتى بعض من نازع في تولي المرأة القضاء أو بعض الوظائف العامة التي تكون المرأة صالحة لها ومؤهلة للقيام بها؛ لم ينازع في عدم جواز ولايتها لرئاسة الدولة. قال الماوردي في وزارة التنفيذ وهي أقل شأناً من وزارة التفويض: «ولا يجوز أن تقوم بذلك امرأة وإن كان خبرها مقبولاً، لما تضمنه معنى الولايات المصروفة عن النساء لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة»[21]؛  ولأن فيها من طلب الرأي وثبات العزم ما تضعف عنه النساء، ومن الظهور فــي مباشــرة الأمــور ما هو عليهن محظور»[22]. وقال القلقشندي: «الفصل الثاني في شروط الإمامة: وقد اعتبر أصحابنا الشافعية ـ رضي الله عنهم ـ لصحة عقدها أربعة عشر شرطاً في الإمام: الأول: الذكورة، فلا تنعقد إمامة المرأة، واحتجَّ له بما رواه البخاري من حديث أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: «نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيام الجمل، بعدما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم» قال: «لما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أهل فارس ملّكوا بنت كسرى قال: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة»، زاد الترمذي والنسائي: «فلما قدمت عـــائشة البصـــرة؛ ذكرتُ قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعصمني الله ـ تعالى ـ به». والمعنى في ذلك أن الإمام لا يستغني عن الاختلاط بالرجال والمشاورة معهم في الأمور، والمرأة ممنوعة من ذلــك؛ ولأن المــرأة ناقصة في أمر نفسها حتى لا تملك النكاح فلا تُجعل إليها الولاية على غيرها»[23].
وقال الغزالي في بيان شــروط الإمامــة: «الــذكــورية: فلا تنعقد الإمامة لامرأة وإن اتصفت بجميع خلال الكمال وصفات الاستقلال، وكيف تترشح امرأة لمنصب الإمامة وليس لها منصب القضاء ولا منصب الشهادة في أكثر الحكومات؟»[24]. وقد ذكر هذا الشرط كثير من أهل العلم، والنقولاتُ عنهم في ذلك كثيرة لا يتسع المقال لإيرادها جميعاً، وقد حكى الإجماع على ذلك كثير من أهل العلم، فقال ابن حزم: «وجميع فِرَق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة امرأة»، وقال البغوي: «اتفقوا على أن المرأة لا تصلح أن تكون إماماً ولا قاضياً؛ لأن الإمام يحتاج إلى الخروج لإقامة أمر الجهاد والقيام بأمور المسلمين، والقاضي يحتاج إلى البروز لفصل الخصومات؛ والمــرأة عورة لا تصلح للبروز، وتعجز لضعفها عند القيام بأكثر الأمور؛ ولأن المرأة ناقصة والإمامة والقضاء من كمال الولايات؛ فلا يصلح لها إلا الكامل من الرجال»[25].
وقال القرطبي: «وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إماماً وإن اختلفوا في جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها فيه»[26]، وقال الشنقيطي في أضواء البيان: «الثاني من شروط الإمام الأعظم: كونُه ذكراً، ولا خلاف في ذلك بين العلماء، ويدل له ما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: لما بلغه أن فارساً ملّكوا ابنة كسرى قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة »[27]. ويقول د. محمد بلتاجي حسن ـ رحمه الله ـ: «اتفق العلماء في عصورهم المتتابعة على أن رئاسة الدولة الإسلامية مخصوصة بالرجل دون المرأة»[28]. وهذه النقولات يوافقها ما درج عليه المسلمون زمن رسول - صلى الله عليه وسلم - وزمن العصور المفضلة بعده وما تلاها من عصور على عدم تولية المرأة؛ فقد وُجدت أفضل النساء بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهن أزواجه والصحابيات فما تطلعت منهن واحدة لذلك الأمر، ولا جرى على لسان أحد من الصحابة إمكان توليتهن، مع إقرارهم بفضلهن وعلمهن وجَوْدة رأيهن.
• شبهة واعتراض: 
لا يعني عدم جواز تولية النساء التقليل من شأنها أو ازدراءها كما يروِّج لذلك العلمانيون وأضرابهم، وإنما هو من قبيل توزيع التخصصات وتكليف كل امرئ بما هو أنسب له وأليق به.
وكان الذي ينبغــي صدوره ممن يزعمون تقدير التخصصات وتقديم المتخصص في فن أو علم على غير المتخصص فيه، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب له؛ أن يُقِروا بذلك ويقبلوه حتى يكونوا منطقيين مع أنفسهم؛ لأن هذا الحكم ليس من تصورات الرجال ورغباتهم، وإنما هو ما دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة وأرشدت إليه، وربُّ العباد وخالقهم هو أعلم بهم، وليست بينه ـ سبحانه ـ وبين الناس نسب حتى يميّز به بعضهم عن بعض، إنما ميزهم بما خلقهم له وطلبه منهم، سبحانه هو الواحد القهار.
ومن غريب ما يقف عليه المرء من كلام المخالفين أن يزعم بعضهم أن حديث: «لن يفلح قوم ...» هو واقعة عين خاصة بأهل فارس ولا يتعدى الحكم غيرهم. وهذا القول لا تدل عليه لغة ولا جاء به نقل؛ فأما النقل فإن هذا الحمل للحديث لم يقل به أحد من أهل العلم على مدى قرون عديدة من قرون الإسلام، فالقول به مخالف لإجماع أهل العلم في تفسير ذلك الحديث. وأما قواعد اللغة؛ فإنها تأبى أن يكون الحديث خاصاً بواقعة معينة؛ فإن ألفاظه التي جاء بها هي من ألفاظ العموم، وما كان مخالِفاً لقواعد اللغة ولفهم العلماء السابقين فلا يجوز قبوله ولا الالتفات إليه؛ ولا كرامة.
ولولي الأمر صفات أخرى يجب أن تتحقق فيه، وليس المراد من المقال ذكر الصفات جميعها، وإنما المقصود الرد على من يحاول أن يغير في أحكام الشريعة لتوافق أهواء ورغبات الكارهين لدين الله. قال الله ـ تعالى ـ لرسوله - صلى الله عليه وسلم - {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإنَّ الظَّالِـمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْـمُتَّقِينَ} [الجاثية: ٨١ - ٩١].


[1]  الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 5/168 ـ 169.
[2]  معالم التنزيل للبغوي، 2/207.
[3]  أخرجه البخاري، رقم 4425.
[4]  تفسير ابن كثير 2/292 - 293.
[5]  أنوار التنزيل للبيضاوي.
[6]  روح المعاني لمحمود الألوسي .
[7]  التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور.
[8]  تفسير القرطبي14/189.
[9]  تفسير ابن كثير 6/408.
[10] أخرجه البخاري رقم 5096، ومسلم رقم2740.
[11] أخرجه مسلم رقم 2742 .
[12] أخرجه مسلم رقم 1403.
[13] المنهاج شرح النووي على صحيح مسلم 9/254.
[14] أخرجه البخاري رقم1862، ومسلم رقم 1341.
[15] أخرجه أبو داود رقم 5272، وقال الألباني: حسن.
[16] أخرجه البخاري رقم 5232، ومسلم رقم 2172.
[17] أخرجه الترمذي رقم 2165، وقال: حديث حسن صحيح غريب.
[18] التمهيد لابن عبد البر17/242.
[19] تفسير القرطبي 3/73.
[20] أخرجه البخاري رقم 4425.
[21] أخرجه البخاري وغيره واللفظ لأحمد، رقم 20474.
[22] الأحكام السلطانية للماوردي.
[23] مآثر الإنافة للقلقشندي، 1/16.
[24] فضائح الباطنية، ص180.
[25] شرح السنة 10/77. وكأنه لم يعتدَّ بخلاف من خالف في ولاية القضاء، فجعله كالقول الشاذ الذي لا يُخرم به الاتفاق.
[26] تفسير القرطبي، 1/270.
[27] أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن، 1/27.
[28] مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، ص245.

 

للعودة للصفحة الرئيسة