حـديث النفس بالغـزو

إبراهيم بن صالح الدحيم

   حديثي اليوم لا تجده في مسند الجبناء، ولا في معجم القاعدين، ولا في صحف المنافقين. إنه حديث رواه الثقات الأثبات، وسطّرته يراع أهل الشجاعة والثبات، وضمّته بين جنباتها كتب الصحاح، حديث أخرجه الإمام مسلم عن محمد ابن عبد الرحمن بن سهم الأنطاكي قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك عن وُهَيب المكي عن عمر بن محمد بن المنكدر عن سُمَـيٍّ عن أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من مات ولم يغزُ ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق»[1].
وإذا كان الحديث إلى النفس بالجهاد والغزو لا يعني المجازفة والتهور واستجلاب البلاء واستباق الخطوات؛ فإنه لا يعني أبداً إمرار الحديث على النفس كمر السحاب مرة في العمر؟ وربما كان ذلك في المنام لا اليقظة؛ ثم يركن إلى الدنيا وملذاتها لينسى حديث النفس عند أول غمسة فيها.
إن حـديث النفس بالغزو - الــذي ينجِّي صاحبه من النفاق - يعني أموراً عملية ودلائل حالية تدل عليه، تبقى معها النفس في حالة من التأهب واليقظة والتذكر الدائم، مع استعداد تظهر مقدماته للبذل والتضحية متى لَحِمَ السيف بالقنا، وشبَّت نار الملحمة، واشتعل وطيس المعركة. يقول أحد الدعاة - رحمه الله -: (أستطيع أن أتصور المجاهد: شخصاً قد أعد عُدَّته، وأخذ أهبَّته، وملك عليه الفكرُ فيما هو فيه نواصي نفسه وجوانب قلبه؛ فهو دائم التفكير، عظيم الاهتمام، على قدم الاستعداد أبداً، إن دعي أجاب، أو نودي لبّى، غُدوُّه ورواحه وحديثه وكلامه وجِدُّه ولعبه لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له). ويقول: (المجاهد الذي ينام ملء جفنيه، ويأكل ملء ماضغيه، ويضحك ملء شدقيه، ويقضي وقته لاهياً لاعباً عابــثاً؛ فهيــهات أن يكــون من الفــائزين أو يُكتَب في عِداد المجاهدين)[2].
والدعاوى والأماني الزائفة التي لم تُبنَ على أساس ثابت ولم يسبق لها إعداد كافٍ؛ تتبخر يوم تغلي القدور. ويوم تشب نار الحرب تخف أقدام اللاهيـن اللاعـــبين للهـــرب لا للإقدام. (إن الاستعمار لا يكترث بالمسلم الذي يعتبر العبادة «عادة»، ويكتفي بأداء العبادات وتلاوة الأوراد، ثم ينصرف إلى أهله ليأكل وينام، ولا يغزو ولا يحدث نفسه بالغزو ولا يهمه أمر المسلمين؛ فهذا النوع من المسلمين يهادن الاستعمار ويهادنه الاستعمار، ولا يشكل خطراً على المستعمرين) [3].
لقد جاء بنو إسرائيل إلى نبيهم وقد خرجوا في مظاهرة حاشدة، وارتفعت منهم الأصوات بالتنديدات شديدة اللهجة، مطالبين بالجهاد ومدافعة الظلم: {أَلَمْ تَرَ إلَى الْـمَلأِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: ٦٤٢]، فأجابهم نبيهم: {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا} [البقرة: ٦٤٢] فجاء الرد منهم تملؤه الحرقة ويشعله الألم: {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} [البقرة: ٦٤٢]؟ لقد أخرجتهم الحماسة الثائرة، والعواطف الجياشة التي لم تخضع يوماً ما لاختبارٍ، ولم تكن نتاج تربية جادة؛ فخرجت نبرات الصوت المنددة غير المتناغمة مع نبضات القلب المتردد وخلجات الضمير الوجل: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بَالظَّالِـمِينَ} [البقرة: ٦٤٢]، أين الحماسة؟ أين الأصوات الثائرة والخطابات النارية؟ لقد ذهبت كلها أدراج الرياح حين لم يكن لها رصيد يدعمها في الداخل. ومن ضعُف قلبه أعياه المسير، فإنما السير سير القلب؛ كما يوصي الكيلاني - رحمه الله - بذلك فيقول: «يا غلام! فِقْهُ اللسان بلا عمل القلب لا يخطيك إلى الحق خطوة، إنما السير سير القلب»[4]، هذا مع فقه اللسان؛ فكيف بصياح الجاهل دون فقه؟
وحتـى نسلَم من النفاق ويصِحَّ فينا الحديث إلى النفس بالغزو؛ لا بد من الإعداد المسبق وخوض المعركة الداخلية - معركة التغيير في النفس - قبل أن نخوض معركتنا مع العدو الخارجي. قال بعض الصحابة لمن سأله عن الغزو: (ابدأ بنفسك فاغزُها، وابدأ بنفسك فجاهدها)[5]. ونحن هنا نعرض لبعض جوانب الإعداد الذي يجب أن تؤسَّس علـيه النفـس المؤمـنة وتُبـنى علـيه الأمـة المسلمة؛ حتى تكون قـادرة على الجــهـاد ومـدافـعة الأعداء، وجـمـلة منها قد أشار الله إلـيـها بقـولـه: {إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْـجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْـحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْـمُنكَرِ وَالْـحَافِظُونَ لِـحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْـمُؤْمِنِينَ} [التوبة: ١١١ - ٢١١]، ونأتي بشيء من البيان على جوانب الإعداد:
أولاً: التوبة ومفارقة الذنب:
هذه أول صفة لجيل النصر (التَّائِبُونَ). إن النفوس المحمّلة بالذنوب لا تستطيع رفع السلاح ولا الصمود في الساح. لَـمَّا وجَّه عمرُ بن الخطاب سعدَ بن أبـــي وقاص - رضي الله عنهما - إلى الفرس لحقه يودعه ويوصيه، فكان مما قال له: «فإن الله - عز وجل - لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكنه يمحو السيئ بالحسن؛ فإن الله ليس بينه وبين أحدٍ إلا طاعته»[6]. وقدِم وفد على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بالفتح، فقال: متى لقيتم عدوكم؟ قالوا: أول النهار. قال: فمتـى انهـزمـوا؟ قـالـوا: آخـر النـهـار، فقال: إنا لله! أوَ قام الشرك للإيمان من أول النهار إلى آخره؟ واللهِ إنْ كان هذا إلا عن ذنب أحدثتـمــوه بعـــــدي، أو أحـدثته بعـــدكـم[7]. ولا يكون ترك الذنب إلا بمجاهدة النفس والهوى ومدافعتها عن شهواتها. يقول ابن القيم - رحمه الله -: وسمعت شيخنا - يعني ابن تيمية - روَّح الله روحه يقول: (جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين؛ فـإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولاً حتى يخرج إليهم، فمن قهر هواه عزّ وساد، ومن قهره هواه ذلَّ وهان وهلك وباد) [8] اهـ.
وفي قمعِ أهواء النفوس اعتزازُها
وفي نَيْلها ما تشتهي ذلُّ سرمدِ
إن الجيل الذي يعِبُّ من الشهوات والمنكرات جيلٌ محطَّمٌ من الداخل، (بالله عليك: هل ترى مثل هذا الجيل الذي وقع في الدنس فلم يستطع انتشال نفسه منه؛ هل يستطيع أن يقف أمام العدو للدفاع عن نفسه فضلاً عن قيامه بالدعوة إلى الله وإبلاغ العالم هذا الدين والجهاد لرفع راية الإسلام؟ كلاَّ، وألف كلاَّ!)[9]. ورحم الله اللواء الركن محمود شيت خطاب، حين تكلم بصراحة الناصح لأمته وهو يتحدث عن تجربة عقود أمضاها في الجيش؛ فيقول: (إني لأعلم علم اليقين أن القائد الملوَّث جنسياً أو الملوث جيبياً؛ لا يمكن أن يقود إلى النصر. وأعلم علم اليقين أن الجندي الملوث جنسياً أو الملوث جيبياً؛ لا يمكن أن يقاتل كما تقاتل الرجال)[10].
يعجز المنافقون أن يخرجوا للجهاد؛ لأن نفوسهم قد أقعدتها الذنوب والمعاصي، إذ كانوا في الرخاء لا يقومون إلى الصلاة إلا وهم كسالى، ولا يذكرون الله إلا قليلاً، فتوطّنت نفوسهم على الكسل وارتضت القعود، فكرِه الله جهادهم، وسلبهم الرغبة في الخروج: {وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة: ٦٤]. وحين تقرأ سورة التوبة بتمعن ترى الأعذار المقعِدة عن الغزو، والتي تنبئ عن عدم تحديث النفس بالغزو - أصلاً - عند المنافقين، وضعف ذلك عند بعض المسلمين.
ثانياً: العبادة والعمل الصالح:
بوّب البخاري - رحمه الله - في كتاب الجهاد (باب: عمل صالح قبل القتال)، وقال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم[11]. لقد وصف الله عباده المجاهدين الذين عقد معهم صفقة الشراء بأنهم: {الْعَابِدُونَ الْـحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ} [التوبة: ٢١١]، والعبادة والعمل الصالح يصنعان شيئاً عظيماً في صياغة النفس وإعدادها لتحمُّل المشاق والمصاعب؛ فإن الله لما ابتدأ تكليف نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة كان من أول ما أمره به أن يتزود بزاد الليل: {يَا أَيُّهَا الْـمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل: ١ - ٤]، لماذا هذا الجهد الكبير في قيام الليل؟ يأتي الجواب من الله: {إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً} [المزمل: ٥ - ٦]. إنه إعداد النبي - صلى الله عليه وسلم - ليتهيأ للدعوة والجهاد وتحمُّل الأعباء. إن الذي لا يكون في الصف الأول في الصلاة لن يكون في الصف الأول في الجهاد، والذي لا يصلي الفجر مع الجماعة لن يحمل راية النصر يوم الملحمة، ومن صام جوفه عن الحرام صمدت جوارحه.
من قال: حيَّ على الصلاةِ
يقول: حيَّ على الكفاح
إن (الذين تربوا على الذكر الحكيم لم ينهزموا أمام اليهود وأعوانهم في كل زمان. وفي الوقت الذي يتربى فيه العرب على القرآن؛ فحظُّ اليهود أمامَهم الذلة. ولكنْ حاربهم الذين استووا في جنديّة الشيطان مع عدوهم؛ فكانت الغلبة للقوة المادية والمكر السياسي أو الحربي)[12].
ثالثاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
من صفات المؤمنين الذين اشترى الله نفوسهم أنهم: {الآمِرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْـمُنكَرِ} [التوبة: ٢١١]. إن الفســاد إذا ظهر واستـشرى في المجـتمع أحـدث من الآفات ما أقـعـد عـن الصـالحات، وأُخِذ عقاباً لذلك الصـالح والطالح، ووقع البلاء، وعمت اللعنة، ونُزِعت منا الهيبة، ولحقنا الذل والهوان، وصرنا فريسة للذئاب العاوية العادية. قال أبو عبد الرحمن العمري الزاهد: (من ترك الأمر بالمعروف خوف المخلوقين؛ نُزِعت منه الهيبة، فلو أمر ولده لاستخف به) [13].
وإذا كان من يمد طرفه إلى الحرام يصاب بالعجز والجبن عن الصدع بالحق وإنكار المنكر عقوبةً له على فعله؛ فكيف به في وجه العدو؟!
مَن مدَّ طَرْفاً لفرْطِ الجهل نحو هوىً
أغضى على الحق يوماً وهو خزيانُ
 (وكيف يقف الصف المخلخل الذي يبتعد أفراده عن الله بترك طاعته والولوغ في مستنقع معاصيه، ولا يوجد فيه من يغضب لله؛ فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كيف يقف هذا الصف في وجه عدوه مجاهداً في سبيل ربه؟)[14].
رابعاً: الدعوة والتعليم والتربية الجادة:
{وَالْـحَافِظُونَ لِـحُدُودِ اللَّهِ} [التوبة: ٢١١]. إن من أعظم ما تُحفَظ به حدود الله تعلُّمَ الدين وتعليمه، والدعوة إليه، والتربية على منهاجه، وإلا غابت معالمه واندرست حدوده. إن الدعوة والتعليم والتربية الجادة هي خط الإمداد الأول للجهاد؛ إذ (إن من أعظم أصول الإصلاح والجهاد التربيةَ الدينية، والاهتمامَ التام والاعتناء الكامل بشباب الأمة؛ فإنهم محل رجائها، وموضع أملها، ومادة قوتها وعزها، وبإصلاح تربيتهم تصلح الأحوال، ويكون المستقبل خيراً مما قبله. فعليهم أن يربوهم تربية عالية، ويبثوا فيهم روح الدين وأخلاقه الجميلة، والحزم والعزم، وجميع مبادئ الرجولة والفتوة والمروءة، وأن يدرّبوهم على الصبر وتحمُّل المشاق الذي يفضي إلى النجاح والمثابرة في كل عمل نافع، ويحذروهم من الجبن والكسل، والسير وراء الطمع والمادة، والانطلاق في المجون والهزل والدَّعة؛ فإن ذلك مدعاة للتأخر الخطير)[15].
 إن المناهج الهشة والتربية الرخوة لا يمكن أن تخرج من بين أروقتها شخصيات جادة ذات مواقف قوية، فالحياة المترفة لا تلد إلا الأجِنَّة الرخوة. يقول أفلاطون: «الشدائد تُصلِح من النفس بمقدار ما تُفسده من العيش، والتترف - أي الترف والرفاهية - يفسد من النفس بمقدار ما يصلح من العيش»[16]. لقد امتنع بنو إسرائيل عن دخول الأرض المقدسة؛ لأن نفوسهم قد ألفت الذل والهوان، فكتب الله عليهم التيه في الصحراء وحرَّم دخول بيت المقدس (على هذا الجيل منهم؛ حتى تنبت نابتة جديدة، وحتى ينشأ جيل غير هذا الجيل؛ جيل يعتبر بالدرس، وينشأ في خشونة الصحراء وحريتها؛ صلب العود، جيل غير هذا الجيل الذي أفسده الذل والاستعباد والطغيان في مصر، فلم يعد يصلح لهذا الأمر الجليل)[17].
لقد تفطّن نور الدين، ثم من بعده صلاح الدين - رحمهما الله - لضرورة إصلاح التعليم، وتقوية التربية في النفوس، ونقل الأمة من حياة الترف والدعة إلى حياة الجد والعزم والتصميم، فكان لجهودهم المباركة أكبر الأثر في قوة دين الأمة وصحة عقيدتها، حتى كان ذلك بمثابة الإعداد والتهيئة للنصر القادم والفتح المبين، لقد استبدلت مناهج التصوف[18] (المقعدة) والمواعظ (الباردة) [19] بمناهج تزيد من حرارة الأمة وحركتها؛ فأقيمت المدارس، وانتشرت دروس أهل العلم تغرس في الناس عقيدة التوحيد الصافية، وارتفع سوق الدليل، وانزوى التقليد جانباً، وعاد ثوب الاجتهاد للأمة.
واليوم كم هو اللَّوْث في العلوم والمعارف، وكم لانتشار الخرافة في البلدان الإسلامية من أثر في ركود سوق الجهاد! وكم هو التقصير في بيان أصول الدين انشغالاً بالجزئيات، حتى لتجد من أهل العلم من يتجاوز (كتاب الجهاد) إذا مرَّ به بحجة عدم الحاجة إليه، وأنه من فضول العلوم حتى يأتي وقته[20]، ونسي أنه لا يراد من دراسته معرفة أحكامه فحسب؛ بل يراد مع ذلك بعث الروح الجهادية في الأمة وتحديث النفس بالغزو على أقل تقدير.
خامساً: الزهد في الدنيا ومتعها: 
 إن من تعلّقت نفسه بالدنيا وزخرفها واستحوذت عليه بحديثها؛ عجز عن مفارقتها، وصار أسيراً لها يصعب عليه الفكاك منها. ولا يصلح للغزو رجلٌ قد تعلقت نفسه بدنيا. في الصحيح أن نبياً من الأنبياء غــزا بقــومــه فقال لهم: (لا يتبعني رجـل مَلك بُضْعَ امرأة وهو يريد أن يبني بها ولمَّا يبنِ بها، ولا أحد بنى بيوتاً ولم يرفع سقفها، ولا أحد اشترى غنماً أو خَـلِفات وهو ينتظر وِلادها. فغزوا؛ فدنا من القرية التي يريد وقتَ صلاة العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا! فحُبِست حتى فتح الله عليه)[21]. فحين يكون عند الأمة استعداد للتخلي عن الدنيا وزخارفها وملذاتها، والتضحية بذلك كله في سبيل الله، عندها نكون قادرين على أن نواجه عدونا ونستعيد أمجادنا وعزتنا وتاريخنا.
 ولما كانت الدنيا تشكل شيئاً كبيراً عند اليهود كان الموت من أكره الأمور وأشدها عندهم: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة: ٦٩].
إن من يعمر قصراً فينشغل بتزويقه وتجميله ليس كمن يبني بيتاً يستره ويكنُّه عن حر الشمس ويحميه من برد الشتاء. وواقع الحال شاهد على ما نقول؛ فكم رأينا ممن فتح الله عليهم في الدنيا انشغلوا بها عن جهاد الدعوة والبلاغ! فالزاهد في الدنيا الآخذ منها بنصيب هو الذي يتركها متى أحْوَجَ الأمرُ. والزهد لا يعني اعتزال الناس والقعود في البيت، وإنما يعني مزيد الجهد والعمل، وهكذا كان - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد كان أزهد الناس، ومع ذلك كان أحرصهم على الدعوة والبر والجهاد. علّق الإمام الذهبي على قول شقيق البلخي في الزهد، فقال: (وقد ذُكِر عن شقيق مع انقطاعه وزهده أنه من كبار المجاهدين في سبيل الله، وكذلك فليكن زهد الأولياء)[22].
 ومن الزهد في الدنيا أن تبذلها رخيصة في الرخاء؛ فإن الذي يعجز عن ديناره في الرخاء سيعجز عن دمه في الشدة، والذي يعجز عن بذل وقته للدعوة سيعجز عن بذله في ساح الجهاد، (فالشح يبذر الهلع في القلب بحيث يجعل صاحبه فقير القلب مهما كان عنده من الغنى والثروة) [23]. قال أحمد ابن خالد الأحول الكاتب: (من لم يقدِر على نفسه بالبذل لم يقدِر على عدوه بالقتل)، علّق الذهبي فقال: الشجاعة والسخاء أَخَوان؛ فمن لم يجُد بماله فلن يجود بنفسه[24].
وحُب المال كما أنه يُقعِد عن الجهاد فإنه يوقِف استمرار مشروعه المبارك؛ فحين أكثرَ المسلمون الغلولَ بعد فتح الأندلس[25] تراجع الفتح الإسلامي؛ فإنه (من سنة مئة الهجرية حتى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الذي استُعمرت فيه أكثر البلاد العربية، جرت معارك دفاعية عدا فتح «صقلية» وفتح «القسطنطينية» وبعض الأقطار الأوروبية)[26].
 لقد هُزم المسلمون في أُحد لَـمَّا مالت نفوسهم إلى الغنائم فأنزل الله قوله: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ} [آل عمران: ٢٥١]، كنوعٍ من العتب وبيان سبب الضعف والهزيمة.
والله - تعالى - أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.


[1]  مسلم، 1910.
[2]  الفتور، جاسم الياسين، ص 40 - 41.
[3]  الوسيط في رسالة المسجد العسكرية، محمود شيت خطاب، ص 154.
[4]  العوائق للراشد، 123.
[5]  لطائف المعارف، ص 403.
[6]    تاريخ الطبري، 2/382.
[7]  بهجة المجالس، لابن عبد البر، القسم الأول ص468.
[8]  غذاء الألباب شرح منظومة الآداب، للسفاريني، 2/358.
[9]  الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته، للقادري، 1/301، نقله عن كتاب: حصوننا مهددة من الداخل، ص 81.
[10] بين العقيدة والقيادة، محمود شيت خطاب، ص 551.
[11] الفتح 6/31، ط دار السلام.
[12] تربية الإسلام وادعاءات التحرر، عبد الرحمن الدوسري، ص 188.
[13] صفحات مضيئة من حياة السابقين، للعلي، 1/83.
[14] الجهاد في سبيل الله: حقيقته وغايته، للقادري، 1/344.
[15] وجـوب التـعاون بين المسـلمين وموضـوع الجـهاد الديني، عبد الرحمن السعدي، ص 17.
[16] لا تحزن، د. عائض القرني، ص 171.
[17] الظلال، 2/871.
[18] لم يكن التصوف الذي اجتاح العالم الإسلامي على موقف واحد من الجهاد ومجابهة المستعمر؛ فإن الطوائف التي تبنت جهاد المستعمر لم تكن قادرة على الدفاع عن الأمة لاختلاط المنهج عندها. أما الطوائف التي مالأت المستعمر ومكّنته من بلاد المسلمين؛ فشيءٌ يندى له الجبين من الإعاقة للجهاد؛ فقد كان شيوخ الطُرق الخائنون في الجزائر - في الوقت الذي ارتفعت فيه رايات الجهاد لمقاومة الاستعمار - يقومون بكتابة عرائض بتوقيعاتهم يملؤونها بالشكر والثناء لفرنسا بوصفهم ممثلين للشعب، حتى قال الحاكم الفرنسي في الجزائر: إن الحكومة الفرنسية تعظِّم زاوية من زوايا الطرق، أكثر من تعظيمها لثكنة جنودها وقوادها، وأن الذي يحارب الطرق إنما يحارب فرنسا!
               انظر لمزيد من التفصيل: كتاب الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين 13-14 الهجري، لعلي الزهراني، 1/537 - 546.
[19] والتي تجعل اهتمام المسلم محصوراً بما فوق الأرض ( الجنة) وما تحتها (القبر)، دون أن يكون له شغل بما فوق الأرض، لتبقى الخلافة في الأرض وكأنها ليس شغلاً للمسلم. وإنما أوتي هؤلاء من نقص الفهم لشمول هذا الدين لجميع جوانب الحياة.
[20] هذا إن صح التعليل، وإلا فالواقع يشهد انتشار الجهاد في المعمورة، مما يُحتم على أهل العلم والحكمة أن يكون لهم دور في توجيه الجهاد، ونشر ثقافته المستمدة من الكتاب والسنة وتحرير المسائل في ذلك؛ وإلا قام به ناقص العلم قليل الدراية. يقول ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ : كنا نستهون كتاب الجهاد، فكنا نتساءل: أين الجهاد؟ وما حاجتنا في أن نبحث في الجهاد؟ وسبب ذلك أنه لا يوجد جهاد، ثم لمّا حصل الجهاد في الوقت الأخير عرفنا أننا مفرِّطون، وأنه كان ينبغي أن نعرف أحكام الجهاد تماماً!
                  شرح العقيدة السفَّارينية، ص 661، ط مدار الوطن.
[21] البخاري (3124) ومسلم (1747).
[22] تاريخ الإسلام وفيات (191-200هـ)، ص 229.
[23] تربية الإسلام وادعاءات التحرر، عبد الرحمن الدوسري، ص 214.
[24] سير أعلام النبلاء، 10/256.
[25] انظر: تاريخ ابن الأثير: أحداث سنة اثنتين وتسعين للهجرة.
[26] الوسيط في رسالة المسجد العسكرية، محمد شيت خطاب، ص146.

 

للعودة للصفحة الرئيسة