دعوة إلى التركيز (٢-٢)

د. عبد الكريم بكار

    كل المعارف والفنون والمؤسسات والمهن وكثير من الأشياء تبدأ عامة وشاملة، ثم تتجه نحو التخصص والتركيز. وذلك يعود إلى اتساع دوائر الحياة وتراكم وتضخم المعارف والخبرات، وتكاثر أعداد الناس وتنوع احتياجاتهم، وأسباب أخرى... لكن هذا الميل إلى التفريع مع أنه شيء طبيعي وبدهي؛ إلا أنه في شدته ونوعيته مرتبط بالتقدم الحضاري لكل أمة. وعلى سبيل المثال: فإنك لو ذهبت إلى بعض الدول الفقيرة والمتخلِّفة، فستجد القليل من الأطباء العامِّين، وستجد عدداً محدوداً جداً من الأطباء المتخصصين. أما الأطباء الاستشاريون والممتازون جداً، فقد لا تجد منهم أحداً. ومن هنا يمكن القول: إننا إذا أردنا النهوض بأي جانب من جوانب الحياة فإن علينا أن نوفر له عدداً كبيراً من الباحثين والمهتمين؛ فالشيء في الغالب يرتقي إذا كثر المهتمون والمشتغلون به، ويتراجع ويذبل إذا أعرض الناس عنه.
 
وهذه بعض الملاحظات في مسألة التركيز:
1 ـ لا بد لمن يريد أن يختار تخصصاً من التخصصات أن يفكِّر ملياً قبل الإقدام على ذلك في مدى حاجة بلاده وجماعته إلى ما يريد أن يكرِّس حياته من أجله، وذلك لأن الحاجة إلى شيء من الأشياء تولّد طاقة كبيرة محفِّزة على العمل. كما أن المجتمع حين يحتاج حاجة فعليَّة إلى تخصص من التخصصات أو مهارة من المهارات أو مهنة من المهن، يوفر له الوظائف والأموال. وهذا يعني تمكُّن الباحثين والمتخصصين من الاستمرار بعملهم؛ لأنه صار مرتبطاً برزقهم ومعيشتهم، وأعتقد أن هذا المفهوم يشكل أهمية بالغة لنا جميعاً. وقد كان الارتباط بين العلم والرزق واهياً في الماضي، وكان الغالب على طلاب العلم والباحثين في معظم التخصصات هو الفقر والقلة، وقد كانوا يقولون: فلان أدركته حرفة الأدب؛ حيث كانوا ينظرون إلى الاشتغال بالآداب على أنه مظنة للعدم والمسكنة.
ومما يلاحظ في هذا الإطار أن كثيراً من الشباب ركّزوا جهدهم في تخصصات قد تكون جيدة ومفيدة، لكن مجتمعاتهم ليست بحاجة إليها. وقد رأينا مَنْ تخصص في الفيزياء النووية وليس في بلاده أي منشآت أو برامج نووية، وهناك من تخصص في برمجة الألعاب الإلكترونية في إحدى الجامعات الغربية، وحين عاد إلى بلاده لم يجد أي شــركة أو مؤسسة متخصصة في ذلك، ونجد من الشباب من تخصص في إدارة تقنية المعلومات وبلده متخلف يحتاج إلى عشر سنوات على الأقل حتى يوظّف متخصصين في هذا الفرع من المعرفة.
إن جميع هؤلاء يجدون أنفسهم مضطرين للعمل في غير ما يُحسنونه، وبذلك لا يجدون كفايتهم، ولا ينفعون بلادهم على النحو المطلوب والمأمول.
2 ـ لا يكفي للتركيز على تخصص أو مشروع أو عمل معين أن يكون الناس في حاجة إليه، بل لا بد أن يكون من يريد القيام بذلك مؤهلاً له، أو نقول: أن يملك الرغبة القوية في الاهتمام به، وأن يملك الموهبة والقدرة على إنجازه. وأعتقد أن كثيراً من الشباب لديهم مشكلة كبيرة في التعامل مع هذا الشرط؛ فقد وجدت أن منهم من يدرس تخصصاً على غير دراية بمضامينه وبمدى ملاءمته له أو قدرته على النجاح فيه، والذي دفعه إلى ذلك هو وجود عدد من الأعلام الكبار المعروفين بدراسته والاهتمام به، فيظن أنه إذا درسه صار مثلهم.
 ومن الشباب من يفعل ذلك لأنه قرأ كتاباً جميلاً فيه، أو سمع من يتحدث حديثاً بارعاً في بعض قضاياه، فينجذب إليه، فإذا بدأ بالدراسة (الأكاديمية) وجد ما لا يجذب وما لا يسر، وقد حدث هذا في كثير من التخصصات، ولا سيما تخصصات علم النفس وأصول التربية وإدارة الأعمال.
حين تتوفر الرغبة والقدرة في تخصصٍ ما، ويبذل الإنسان جهداً فائقاً على مدار خمس عشرة سنة أو عشرين سنة، فإنه يستطيع بحول الله أن يخدم الأمة من خلاله على نحو ممتاز، مهما يكن التصنيف الشعبي لذلك التخصص وأصحابه؛ إذ إن المـــرء حين يكـــون واحداً من الـــثلاثة أو الخمســة الأوائل في علم من العلوم على مستوى القُطر أو الإقليم، فإنه يكون قد تجاوز قنطرة نوعية التخصص؛ لأن الأمة ستظل بحاجة إلى المبرِّزين والمبدعين الأفذاذ في كل جانب من جوانب الحيـاة، فالمقــاعــد في الصــف الأمامي لا تمتلئ حتى تَفرَغ من جديد!
3 ـ نحن لا نريد متخصصين وحَمَلة شهادات فحسب، فالحقيقة أن لدينا عشرات الألوف منهم، وهم يشكلون القاعدة الأساسية لتطوير العلوم والمعارف لدينا، لكن الأمة تعاني من علة قديمة ربما مسَّت كل جوانب حياتها، وتلك العلة هي أنه ربما كانت لا تفعل الأسوأ ولا ترتكب الأشنع، لكنها أيضاً لا تفعل الأفضل والأعظم. وهذا واضح جداً فيما نحن فيه بصدده؛ فمع أن الأمة تشكل نحواً من (20٪) من سكان الأرض؛ إلا أنها لا تحتل في التعليم الجامعي المتفوق وفي مجال الفكر والبحث العلمي والإبداع في التخصصات كافة من المقاعد الأمامية ما يقارب (1٪)، وهذا شيء يدعو إلى الأسى!
نحن نريد نماذج عالمية؛ نريد المؤلف الذي تترجم كتبه إلى عشرين لغة، ونريد الجراح الذي يسهم في تطوير أدوات الجراحة، ونريد الداعية الذي يتابعه عشرات الملايين. نريد هؤلاء وأمثالهم؛ لأنهم هم الذين يرفعون السقف الحضاري، ويستطيع كثيرون منا أن يكونوا منهم بشرط النظر إلى كــل ما سوى التقدم فــي التخصــص علــى أنه شـــيء هامشي لا يستحق أن نتوقف عنده.
والله المستعان.

 

للعودة للصفحة الرئيسة