نحن الكبار(*) ..

شخصيةً، ونظاماً، ومجتمعاً

ربيع الحافظ(**)

    كان الإسلام والعروبة والوطن شواغل الذهن واللسان والقلم لدى الشخصية العربية السنية حتى وقت قريب؛ الوطن محيطها المحلي، والعروبة محيطها الإقليمي، والإسلام محيطها الأشمل. هيكلية حَلْقية لشخصية محلية وإقليمية وعالمية في آنٍ واحد دونما تعارض. بهذه الهيكلية تمكنت هذه الشخصية من تدبير أطوار متباينة في مسارها السياسي الطويل.
• بداية المسار:
كان إيجاد كيان اجتماعي سياسي متلاحم في المدينة النبوية هو محطتها الأولى، فصهرت بآلية المؤاخاة مكونيِ المجتمع: المهاجرين والأنصار. ثم كانت آلية التراحم السياسي «اذهبوا فأنتم الطـلقاء» التي عززت بها جبهة داخلية إقليمية امتدت من حصنها في المدينة إلى موطنها الأول مكة المكرمة، منهية بذلك جيوب عـدم الاستقرار في محيطها الإقليمي العـربي. بعد ذلك خـرجت هذه الشخصية من المحيط المحلي والإقليمي إلى العالم الخارجي تفتح الأمصار وتبلِّغ رسالتها إلى الشعوبِ، وتُشِيع مفاهيم التراحم السياسي والاجتماعي.
دشَّنت الشخصية الفاتحة أنموذجاً في العلاقات بين الشعوب لم تعرفه العلاقات الدولية يومئذ، وظّفت به كفاءات الشعوب الجديدة في مواقع الدولة المستجدة، وكانت الشعوب الجديدة زخماً مهماً في الاندفاعة التالية: الجغرافية والعمرانية والعلمية، فنجح التمدد العربي الإسلامي في الأراضي الجديدة حيث أخفق غيره، وانصهرت الشعوب الجديدة في بوتقة حضارته، وشهد العالم لأول مرة ولادة مجتمع «السبيكة الحيوية» من رحم الكيانات الدينية والمذهبية الهشة، وولادة أخصب حضارة عرفتها الإنسانية من عقم الفسيفسائيات العرقية، وتحولت الرقعة السياسية لهذه الحضارة إلى مجتمع «الفرص للجميع» بالنسبة لمواطنيه، وإلى واحة لحقوق الإنسان وملاذ لطالبي اللجوء السياسي من ضحايا التمييز المذهبي والديني والعرقي في الأمم الأخرى. كان ذاك الأنموذج هو أنموذج الشراكة بين الغالب والمغلوب.
يقول المفكر والباحث محمد كرد علي ـ وهو كردي عراقي الأصل استوطن الشام ـ: «العرب أكثر الأمم تسامحاً مع المخالفين لهم في المعتقد والجنس واللسان، ولولا تسامحهم أيام عزهم بالإسلام، لم تبقَ بقية من الأمم المغلوبة في بلادها محتفظة بدينها ولسانها ومقدساتها؛ لأن الشريعة السمحاء تقضي بالرفق والرحمة... كَرِه العرب التعصب ولا سيما في الأندلس، وعمدوا إلى كل تسامح معقول، فاستمالوا بسيرتهم من نزلوا بينهم من الإسبانيين والبرتغاليين... فنشأت وحدة وطنية بين الغالب والمغلوب، حتى لم يكد يشعر هذا؛ إلا في النادر؛ أنه مغلوب على أمره فاقد لاستقلاله»[1].
يُحسَب لبني أمية البيت العريق في العلاقات الدولية تدشينه وترسيخه لأنموذج الشراكة في طورَيْه المشرقي والأندلسي رغم كل ما قيل ويقال عن مبالغته في منحاه العروبي في إدارة الدولة، وتطورت سياسة الشراكة في الطور الأندلسي لتصل حداً من التساهل مع أتباع الأديان الأخرى ما جلب معه انتقاد المرابطين الذين كانوا قد عبروا من بر المغرب إلى الأندلس تلبية لاستغاثة الأندلسيين ونجدتهم من النصارى.
الحالة التي تؤول إليها أوضاع المجتمعات في أعقاب الحروب هي الحَكَم في هذا السياق، وهذا ما أراده (غوستاف لوبون) بقولته الشهيرة: «لم يرَ التاريخ فاتحاً أرحم من العرب». والمراد هو الفتوح الإسلامية، أما حروب النفط والغاز والطائفية فالحالة الاجتماعية التي تغذيها أمريكا وإيران في العراق اليوم هي حصادها الطبيعي.
يلحظ الناظر إلى السُّلَّم السياسي والاجتماعي لتاريخ الحضارة العربية الإسلامية احتجاب ظاهرة الشراكة في حُزَم زمنية وعودتها من جديد، وتنتظم هذه الحزم انتظاماً زمنياً مع حقب المد السياسي الطائفي، ولها ظواهر مصاحبة كالتضخم أو الضمور المفاجئ للمدن، وإصابة الحياة بالشلل، وتغير التركيبة السكانية. هذه الحزم ودلالاتها الاجتماعية هي أشبه بتأثيرات التغيرات المناخية على السُّلَّم الجيولوجي، فظهور حزم ضيقة من الصخور الرسوبية دلالة على طغيان طارئ للبحر على اليابسة وعلى توقف الحياة البرية، كما أنها سجل لطبيعة الحياة البحرية التي سادت؛ وتكرارها في السُّلَّم دلالة على عودة المتغيرات المناخية من جديد.
«حُزم الاحتجاب» هي السجل السياسي والاجتماعي للأقليات، وهي مطابقة لأعمال الإقصاء والإبادة التي تنفذها تنظيمات الأقلية الشيعية والفارسية في العراق اليوم، ولِـما فعلته وتفعله إيران دولة الأقلية الطائفية في المنطقة مع محيطها العربي والإسلامي، في رعايتها للشعوبية ومعاداتها لكل ما هو غير فارسي، وطمسها المذهبي والعنصري لحقوق الأقوام الأخرى التي تقطن أرض فارس وخراسان. وإذا كانت الفضائيات قد نقلت إلينا اليوم على وجه الدقة والجزم بالصوت والصورة والألوان أهوال بغداد وتوقف الحياة تحت راية أحمدي نجاد، فبالإمكان رسم صورة بالدقة نفسها عن حياة البغداديين تحت راية شاه عباس الصفوي[2] أو أية حقبة أقليات أخرى، والتنبؤ ـ وهو الأهم ـ بما يعنيه ترك الحبل على الغارب لهذه الأقليات.
• تأقلمٌ مع الجديد لحفظ القديم:
الشخصية التي اختارت «التراحم السياسي» في طور الذروة من أجل إيجاد جبهة داخلية تقوى على برامج العمل الثقيلة؛ عادت واختارت «التواضع السياسي» في طور الأزمة للغاية ذاتها، وارتضت مقعداً سياسياً خلفياً تحت لواء الشعوب الإسلامية غير العربية التي أوصلت إليها المشعل بالأمس القريب؛ ومن بينها: السلاجقة والأتراك والشركس والأكراد والألبان، وهيّأ لها علماؤها أجواء إطلاق ثورة ثقافية تصحيحية (المدارس النظامية في الحقبة السلجوقية) انتشلت الواقع السياسي والاجتماعي والفكري للأمة من مستنقع الشعوبية والطائفية والفلسفة الذي وجدت نفسها فيه، لتصبح الثورة الثقافية هذه فيما بعد بوصلتها الأيديولوجية في مسارها السياسي.
هذا السلوك الاجتماعي والرضا بتبادل المقاعد بقصد الحرص على المصلحة العامة هو ظاهرة اجتماعية ينسبها علم الاجتماع إلى سيكيولوجية فئة في المجتمع، في كل مجتمع، وليس حصراً على المسلمين هي فئة «الكبير» الذي تشغله الأغلبية، ليست أغلبية العدد بالضروة، وإنما أغلبية النمط الفكري الذي يحسب ويقدر ويتصرف والمصلحة العليا للمجتمع نصب عينيه.
من خصائص «الكبير» التعفف المذهبي، والعزوف عن ألقابه الذاتية، والاشتراك عوضاً عن ذلك بألقاب مع بقية مكونات المجتمع حرصاً على تماسكه، بل من دواعي استفزازه مناداته بلقبه الحقيقي، وإن أحدنا ليجد الفرد الإنكليزي أحرص على الانتماء إلى بريطانيا وليس إنكلترا التي هي مهد اللغة الإنكليزية وهي الإمبراطورية وشكسبير والثورة الصناعية من الأسكتلندي أو الإيرلندي؛ مداراة منه لأحاسيس الأقليات، وهكذا الروسي إبان حقبة الاتحاد السوفييتي السابق.
يقول محمد كرد علي في هذا السياق: «أهل السنة أحرص الناس على رضا الأقليات التي تعيش في كنفهم؛ لأنهم هم الدولة والدولة هم، وهم رب البيت الحريص على تماسك بيته». يضاف إلى هذا القول أنهم هم التاريخ وهم الجغرافيا واللغة والسياسة والعلوم والاختراعات؛ فعلامَ الخوف؟!
هذا هو سر الاسترخاء النفسي والاجتماعي الذي يلازم «كبير» المجتمع، والذي يصل أحياناً إلى حدود السذاجة، وهو في شعوب هذه الحضارة أكثر ظهوراً عند قطبيها التاريخيين: العرب، والأتراك.
قد لا يشكل الاسترخاء الفكري للنظم السياسية مهلكة في أطوار الاستقرار، لكن الأمر يختلف أوقات الضعف، وقد كان سقوط النظام السياسي العثماني الذي عاد الحديث إليه اليوم نتاج مشاريع وأيديولوجيات، طهتها أقليات الدولة على نار هادئة ليس بعيداً عن قصر الحكم، ومرت أبخرتها النفاذة من فوق أسواره ولم تحمل عنصر المفاجأة. حال تركيا اليوم أصعب من الدولة العثمانية التي ضمت عشرات القوميات، فكل فئة لا تمثل 5% من الشعب تتقدم تحت قبة البرلمان بمطالب تقضم شيئاً إضافياً من الهوية السيادية للدولة، وإذا لم يتحقق لها ما تريد هددت بالذهاب إلى المحكمة الأوروبية أو إلى الأمم المتحدة، ووجدت أقليات العالم إلى جانبها وفي مقدمتها الصهيونية كما في حالة الملف الأرمني.
المشهد العثماني (تآمُرُ الأقليات عليه) الذي أنهى النظام السياسي لهذه الحضارة ودفنه تحت أسوار «القسطنطينية» كانت له مقدمات مبكرة في الحقبة العربية (العباسية) من النظام السياسي، عندما أطبقت الأقليات الشعوبية والطائفية (البويهيون) على رئتي النظام، وهو ما دفع خلفاء بني العباس إلى إيجاد حليف سياسي حقيقي للدولة فقربوا الأتراك وأنقذوا الدولة.
• بين الماضي والحاضر:
لم يكن النظام السياسي لدولة الحضارة العربية الإسلامية في أطواره المبكرة على هذه الشاكلة من الاسترخاء، بل جُعل التأهب الأمني من الطابور الخامس حجر زاوية في نظامه الأمني منذ اليوم الأول، وفاخر رجالاته بالفطنة والحذر مثلما وصف الخليفة الراشد ورجل الدولة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ نفسه: «لست بالخِب ولا الخب يخدعني»، ولم يمضِ وقت طويل حتى كانت الدولة قد ابتكرت لنفسها نظام رقابة أمني صارم اشتمل على قواعد معلومات بأسماء النشطاء السياسيين والمفكرين والمؤرخين، ومدونات لسيرهم الذاتية من المهد إلى اللحد أسموه علم الرجال، وقواعد معلومات عن المدارس السياسية والفكرية والمذاهب التي تختلف مع الدولة في فكرها وتشريعاتها أُدرجت تحت اسم «الملل والنحل».
ليس هذا في حال من الأحوال تخويناً للأقليات، ولكن ليس من الصعب على باغي الأذى توظيف الأجواء الثقافية والبنية الداخلية للأقليات لصالح مشروع ضد المجتمع الكبير الذي آواها وحفظ كيانها وحقوقها. واستغلال القومية الفارسية لعواطف التشيع لبثِّ الكراهية وتعبئة بسطاء الشيعة العرب ضد المجتمع السني أقرب مثال، ولم تتورع إيران لأجل هذه الغاية من تفجير الأسواق والأماكن العامة الشيعية، وسبقتها في ذلك الحركة الصهيونية التي فجرت متاجر اليهود في بغداد في عام 1948م؛ لحملهم على الهجرة إلى فلسطين ليجدوا أنفسهم مواطنين من الدرجة الثانية بعد أن كانوا عمالقة التجارة بين المسلمين، مثلما أن الشيعة العرب مواطنون من الدرجة الثانية أو الثالثة في إقليم الأحواز العربي الذي تحكمه إيران.
سنجد بين النصارى من هو أكثر تأدباً مع التاريخ الإسلامي وعظمائه من آيات إيران ووكالائها في لبنان والعراق، وإذا كان لا بد من مثال فإن الموسوعي النصراني الفلسطيني نقولا زيادة (توفي في 2006م) كان أكثر تأدباً مع الصحابة وأمهات المؤمنين من مرشد الثــورة الإيـــرانية ـ الذي تحتضن بلاده مزار أبي لؤلؤة المجوسي قاتل الفاروق عمر رضي الله عنه ـ وهو يشاطر المجتمع الكبير قلقه من الريح الطائفية الشرقية وتخوفه على الميراث الاجتماعي والسياسي الأموي والعباسي ـ كما قال هو ـ «الذي حفظ لي أنا كمسيحي الكنيسةَ وخصوصياتي»[3]، وتفيض مؤلفاته إعجاباً وإكباراً للتاريخ الإسلامي ولفتات مهمة غفل عنها كُتّاب مسلمون، في مقابل الكتب التي تطبعها إيران التي تشيع الطعن واللعن والفحش والبذاءة بالمجَّان.
في هذا السياق لا يمثل (نقولا زيادة) أقلية؛ لأن الأقلية هم من يختلفون مع الأمة في قراءة تاريخها وفي منزلة قادتها، حتى وإن اندرجوا تحت العنوان العريض للإسلام. ليس كل نصراني عربي هو (نقولا زيادة) ولكن من على شاكلته ـ والقضية اختيارية ـ هو جزء من النسيج العام لمجتمع الحضارة العربية الإسلامية.
بهذه المعايير توافق الأمم على شغل الأقليات لمواقع مهمة في الدولة، وعلى أساسها قَبِلَ الفرنسيون بالهنغاري (ساركوزي) وريثاً لـ (نابيليون) ولا يضيع فرصة لإثبات أنه فرنسي أكثر منهم، ولا خطبة إلا واستعار فيها عبارة من شاعر الثورة الفرنسية (فولتير)، وسبقه الجورجي (ستالين) الذي حكم روسيا، والأسكتلندي (براون) الذي يحكم إنكلترا، والقائمة تطول، وكلهم تأدبوا بأدب الأكثرية، ولم يفرضوا على العواصم أجندات الأطراف، فشرفتهم واستأمنتهم على خدمة مصالح البلاد. بهذه المعايير دخل هؤلاء الإليزيه والكرملين ووستمنستر، وبهذه المعايير تدخل الأقليات ـ إن شاءت ـ بغداد الرشيد ودمشق الأمويين وقاهرة الأيوبيين.
تجدر الإشارة إلى أن مفهوم الأقلية المطروق في هذه السياقات هو أقلية الذهن لا أقلية اللسان، أي: أقلية الفكر والدين والمذهب وليس أقلية العرق التي لا وجود لها في الإسلام، ومن ثَم فالتصنيف الاجتماعي في مجتمع الحضارة العربية الإسلامية ليس تحدياً تعجيزياً أو حكماً نهائياً كما هي الحال في جنوب إفريقيا التي لا سبيل للأسود فيها أن يكون أبيض، وإنما هو من اختيار الفرد أو الجماعة وليس على حساب الحقوق.
رغم صرامة النظام الأمني في الدولة العربية الإسلامية في طورها المبكر فإنه لم ينتقص حقاً عاماً أو خاصاً تحت المجهر الأمني للدولة التي كانت تأخذ الحق من المسلم وتردّه إلى اليهودي والقبطي الذين منهم من صمد بعقيدته أمام عقيدة الإسلام لكنه لم يصمد أمام عدله وكان سبباً في دخوله الإسلام. وإن من السذاجة الاعتقاد أن الفرد في المجتمعات الديمقراطية تضعه حريته خارج دائرة المراقبة، وأن ليس له قيد أمني عند مؤسسات الأمن القومي يحصي حركاته وسكناته وسلوكه بل وهواياته وماذا يحب وماذا يكره، وكل ذلك عن طريق استطلاعات تتم من دون شعوره وتحفظ بياناتها بالتقنية الرقمية إلى حين الحاجة.
نعود ونقول: استرخاء «الكبير» هو الذي نعمت به أقليات مجتمعات الحضارة العربية الإسلامية، واستمرت في ظله مذاهبها وأديانها ودُور عباداتها وأحوالها الشخصية وخصائصها الأخرى، وفتحت فيه للجميع أبواب النجاح، فكان الطبيب والمهندس والأديب والوزير الطبيب والمهندس والأديب والتاجر، المسلم والسني والشيعي والنصراني والدرزي     والأرمني.
 على الرغم من أن الحقبة السياسية العربية لم تتجاوز القرنين من مجموع قرون السلم السياسي للحضارة العربية الإسلامية الأربعة عشر إلا قليلاً، إلا أن كراريس أدبيات هذه الشخصية عدَّت القرون السياسية غير العربية متممة لما سبقها وامتداداً لسلوك «الكبير»، فالعبرة هي بوصول الرسالة لا بحاملها.
• سبقٌ مبكر:
المفهوم الإداري الذي أدارت به هذه الحضارة «متعددة الجنسيات» شؤونها وصاغت به أيديولوجيتها، والذي تداخلت فيه ملكيتها بين المسلم العربي والتركي والكردي والهندي، هذا المفهوم لا سابق له في حضارات الأمم، ولا يدنو منه فن من فنون الإدارة سوى النظم الاقتصادية الحديثة المسماة (Franchise) التي تنهض عليها الشركات متعددة الجنسيات، التي تجعل من رفع شعار (الشركة الأم) حقاً لكل شركة تعيد إنتاج البضاعة بالمواصفات المنصوصة، فنمت هذه الشركات وغطّت وجه المعمورة.
ولم يعد يضير مدينة شتوتغارت الألمانية العريقة ومسقط رأس سيارة المرسيدس الفارهة أن تُصنَع هذه السيارة في ريف مدينة تيرانا الألبانية، أو في زاوية معزولة في أمريكا اللاتينية، ولا أن يظهر على بعض أجزاء المرسيدس أسماء أمكنة غير ألمانية، ما دام أن البضاعة قد استوفت شروطها، فتكمل بذلك تيرانا مشوار شتوتغارت، وتصطف إلى جانبها في المحافل العالمية، وتتكرر العملية عشرات المرات ويتراكم المجد الذي لكلٍّ دور فيه، لكنه مجد ينتظم في النهاية تحت راية الهندسة الألمانية وينضبط بضوابطها.
الأمثلة على تطبيقات هذا النظام لا تكاد تحصى، وهي تتراوح بين شبكات مطاعم الوجبات السريعة إلى إمبراطوريات أجهزة الحاسوب، ووصل هذا النظام الذي شرع الأبواب أمام إبداعات صغار المهندسين إلى أقاصي الصين وقرى الهند النائية، وصار يشكل عصب الاقتصاد العالمي ويُقصي عاماً تِلْوَ عام الاقتصادياتِ الحكوميةَ الموجَّهة إلى أطراف حلبة الاقتصاد العالمي.
 كان من الطبيعي للمجتمع الذي أسسته هذه الشخصية، وقايض الكفاءات الجديدة بالمكافأة، كان طبيعياً أن ينمو، وأن يكون ملتقى العقول ومهوى الأفئدة، وأن تتعاظم رقعته العلمية والجغرافية، وأن يكون هو سواد الأمة الأمين على مصالحها والقادر على إدارة شؤونها وإصلاح العطب وتقويم المسيرة كلما دعت الحاجة.
وكان من الطبيعي في المقابل أن تنحسر الشخصيات الأخرى (غير السنية) إلى مساحات ضيقة على أطراف المجتمع، بعيداً عن مواضع النبض، مما يعجزها عن التطور الفكري والتكامل مع محيطها، وعن الإمساك بمكتسبات جغرافية تحرزها إبان حقب المد الطائفي من دون أن يكون لها حراسة (بوليسية) يوفرها نظام سياسي طائفي، فهي أشبه ما تكون بأنظمة أوروبا الشيوعية في القرن الماضي التي اختفت لحظة زوال أنظمتها السياسية، وكان من الطبيعي أن يصل المسار بهذه الشخصيات إلى العيش بموازاة المجتمع الكبير، بطقوس وفكر وأدبيات لإدارة مجتمع منغلق، وأن تستحق حكم التاريخ في أن تكون أقليات أبدية، حتى وإن جعلتها تقسيمات (سايكس ـ بيكو) أكثــرية عــددية هــنا أو هناك.
• ارتداد إلى الحلقة الأولى:
في مطلع القرن العشرين الميلادي شكلت الأحداث الكبرى وانهيار النظام السياسي للحضارة العربية الإسلامية في صورته الختامية (العثمانية) وقيام «الثورة العربية»، شكلت هزة عنيفة لتكوين الشخصية العربية السنية، وأحدثت تقسيمات (سايكس ـ بيكو) الجغرافية إرباكاً لهيكليتها الحَلْقية. أما «الثقافة الوطنية» التي أوجدتها الدولة الحديثة فقد كانت بمثابة التأطير الأيديولوجي لذاك الإرباك الذي أعطب آليتها الثقافية والفكرية في النهوض، فانكمش الفكر انكماشاً تناسبياً مع جغرافيا التقسيم، واختزلت الحِلَق الهيكلية في مفهوم العربي السني المعاصر إلى حلقة واحدة فقط هي الحلقة المحلية (الدولة) لتصبح هي الحدود النهائية للأيديولوجية عند هذه الشخصية، وهو ما شكل ولادة الشخصية القُطرية أو القومية في أحسن الأحوال.
 على الرغم من الإرباك الهيكلي والعطب الفكري لم تتوقف الشخصية العربية السنية عن العطاء، واستمرت بأدوارها السابقة؛ وحالها الجديد أشبه بطرفٍ بُتِرَ عن جسده، يديم الحراك ويصارع الموت رغم انقطاع إمدادات الدم والأوكسجين، ويدرك أن هذا الحراك هو فعاليته الأخيرة والمسافة التي تفصله بين الموت وبين عملية جراحية تعيده إلى الجسد.
يُعزى للشخصية العربية السنية في مرحلتها الجديدة (الحراك) فضل نشوء كيانات مدنية تعد طارئة على السُّلَّم السياسي من ناحية تكوينها الأيديولوجي، آوت في حقبة من الاضطراب السياسي والعوز المعيشي التي أعقبت انهيار نظامها السياسي وقيام الحرب العالمية الأولى؛ رعاياها من الأقليات التي عاشت في كنفها قروناً طويلة، هذه الكيانات هي التي ستُعرف فيما بعد بـ «الدولة الوطنية الحديثة» التي صار لها علم وسفارات ومقعد في الأمم المتحدة.
كانت مفاهيم الشخصية العربية السنية، حتى بعد تفكك نظامها السياسي  هيكلاً إدارياً ومادة لاصقة لأجرام ونيازك مذهبية ودينية وعرقية انفلتت من مدارها السياسي السابق، تفتقر تجاه بعضها إلى أدنى القواسم المشتركة التي يتطلبها تماسك المجتمع فضلاً عن بناء مجتمع جديد، ولا تضمر الواحدة للأخرى سوى الشكوك والمكائد والضغائن، ولا رؤية لها للعيش على أرض مشتركة سوى الكانتونات والفــدراليات، ولا ثقافة إلا ثقافة التنافر، وعراق اليوم خير شاهد على ذلك.
لا جدال في أن الكيانات المدنية الطارئة (الدولة الحديثة) انطوت على العديد من جوانب الظلم والفساد والانحرافات الفكرية والثقافية، لكن التركيب الفكري والخزين الاجتماعي «للكبير» المهندس والباني، أمدَّ هذه الكيانات بشريان الحياة وأضفى عليها الطبيعة المدنية التي حفظت الأمن والحقوق والتعليم والخدمات للجميع دون تمييز، ولم يتحول إلى كيان طائفي فاقد لصفات المجتمع يقايض المراكز بالانتماء الطائفي والعرقي ويفر منه الإنسان بدينه ونفسه وماله.
كانت الشخصية العربية السنية هي من تحمل فاتورة قيام الدولة الحديثة التي عاش فيها الجميع، وكان الثمن هو مفاهيمها الفكرية والتاريخية، عندما قبلت بالعيش على قدم المساواة الثقافية والتاريخية مع شركاء الكيان الجديد (رعايا الأمس)، والقبول باقتسام أوسمة التاريخ مع أقليات لم تضع لبنة واحدة في صرح الحضارة، ولم يكن لها شرف إيصال مشعل الرسالة إلى شبر مربع من المعمورة يرفع فيها اليوم اسم الله، أو أضافت شبراً مربعاً على خريطة العالم الإسلامي، فضلاً عن أن تحرر شبراً مغتصباً منه، بل على العكس كانت عوناً لكل عادٍ.
لم تكتفِ هذه الشخصية بهذا القدر من إطلاق النار على نفسها، فراحت تشرعن بالثقافة الجديدة لهذه القسمة الضيزى، وتضفي عليها القداسة الوطنية لتصبح (الثقافة) ماءً ملأ فمها هي وحدها دون سواها أعجزها عن النطق وهي ترى عياناً خنجر الطائفية والشعوبية يذبحها من الوريد إلى الوريد، وأعجزها وهي ترى الأقلام الشعوبية تشوِّه تاريخها الماضي والمعاصر، وتسرق أوسمته وتجعله مناهج تربوية تنشأ عليها الأجيال الجديدة، وأعجزها مرة ثالثة وهي ترى دولاً تسقط بكاملها في شراك الأقليات الطائفية كما في سورية التي قبضت فيها الأقلية النصيرية (10%) على الحكم تحت لافتة البعث والقومية العربية، والتي تختلف مع الجمهور العربي المسلم في الدين والعروبة والتاريخ الماضي والحاضر، وأعجزها وهي ترى دخول الأقلية النصيرية طوراً إقليمياً وإسقاطها لبنان بيد إيران تحت لافتة الجامعة العربية، وأعجزها عن النطق مرة رابعة وخامسة وعاشرة.
أُريدَ للثقافة الوطنية أن تكون كساءً سميكاً يستر السوءات التاريخية المغلَّظة والشذوذات الفكرية والمذهبية للأقليات أملاً في مجتمع يتساوى فيه الجميع كأسنان المشط، لكن الأقليات أصرت على تمزيق الكساء ورميه، وعلى كشف السوءات، وعلى رقصة التعري مع أول قدم أمريكية تطأ تراب الوطن (بالنسبة للعراق)، ومزقته أقلية بلاد الشام مع نجاح الثورة الإيرانية التي تحالفت معها ضد عرب العراق وأخرجت سورية من المدار العربي السني وربطتها بالمدار الفارسي الطائفي وغيرت من بعدها هوية لبنان المجاور.
هكذا ابتدأ مسار بناء الدول وصياغة المجتمعات عند هذه الشخصية، وكان آخر محطاتها «الدولة الوطنية الحديثة» التي تعددت على كامل رقعة نظامها السياسي الزائل، وهي تتفكك اليوم عروة عروة، ويتفكك معها مفهوم الوطن والمواطنة وتتفلت المجتمعات من أيدي بناتها ورعاتها على نحو غير مسبوق.
بقيت نقطتان:
أما الأولى: فهي أن هذه الملفات والحقائق ظلت حبيسة الصدور ـ مكانها الطبيعي عند هذه الشخصية ما ضمنت الحد الأدنى للمصلحة العامة ـ. أمَّا وقد بيعت هذه المصلحة في المزاد العلني فقد آن لها أن تخرج.
والأخرى: هي أنها ـ الملفات ـ معنيٌّ بها أهل السنة، رغم أنها ستجد بين العقلاء والمؤرخين والمفكرين في أوســاط الأقليــات ـ شيعة ونصارى وموارنة وأقباطاً ودروزاً ـ من ينصفها وقد فعلــوا، وإخــراجها ليس تضميداً نفسياً (Psychotherapy) للنفوس بطريقة (استحضِرْ ساعة النجاح عند ساعة الكرب)، وإنما هو جرس للخاسر الأكبر في هذه الأزمة الذين هم أهل السنة لمراجعة المسار وإنقاذ مجتمعاتهم ومن أوى إلى خيمتهم؛ فالأزمات محطات مهمة في تاريخ الشعوب لا تفوّت، فيها تراجع القناعات، وتصنع المعجزات، وفيها يُعاد رسم الشخصية الجماعية للمجتمع، وهي فرصة نادرة الحدوث.


[1]       محمد كرد علي، غرائب الغرب، 2 / 133.
[2]       خامس ملوك الدولة الصفوية التي استولت على حكم إيران في 1501م وفرضت التشيع بحد السيف بعد أن كانت مجتمعاً سنياً. احتل الصفوي بغداد في سنة 1623م وأغرقها بالدماء ونشر الذبح في أهل السنة.
[3]       مقابلة مع قناة الجزيرة.

 

للعودة للصفحة الرئيسة