حين يُغرِق المربي في الشكليات

د. محمد بن عبد الله الدويش

  المربي يملك حسّاً مرهفاً، ويحمل رصيداً عالياً من الحرص على من يتربى على يده؛ فيطمع أن يراه في أفضل صورة.
وهذا يقود كثيراً من المربين إلى القلق تجاه المظاهر غير اللائقة لدى المتربين.
يقلَق كثير من الآباء والأمهات حين يرون صوراً من الإهمال لدى أولادهم، ويقلق كثير منهم حين يرون متابعتهم الأحداث الرياضية وشغفهم بها، ويقلق آخرون حين يرون الإغراق في المظهر، أو التخلي عن بعض مظاهر اللباس المتعارف عليها... إلى آخر هذه النماذج.
  بل إن بعض المربين قد يعمد إلى الاستغناء عن بعض العناصر والسعي لإبعادهم عن الأوساط التربوية بحجة وجود هذه المشكلات لديهم.
وهكذا نجد الأمثلة التي يوردها بعض المتحدثين عن مظاهر الخلل التربوي تُكرر فيها هذه النماذج؛ فنحن نرى في الساحة الدعوية نقد المظاهر والشكليات أكثر مما نرى نقد القضايا الجوهرية في بناء الشخصية.
إن بناء النموذج الرائع والمتميز مطلب مهم، والارتقاء بالاهتـمامات الشخصية لا خـلاف فيه، وإشاعة سمت الصالحين لا اعتراض عليه، ولكن ينبغي مراعاة ما يلي:
 لا بد من أن تأخذ الأمور حجمها وقدرها الطبيعيين، ومهما بلغت أهمية أمرٍ ما فإن ذلك لا يبرر التطرف في التعامل معه وإعطاءه أكبر من حجمه.
 الإغراق في الاهتمام بالشكليات والجزئيات يولِّد خللاً في تفكير الأشخاص؛ فهو يقود إلى تسطيح الشخصية، وضعف العمق في التعامل مع الأشياء، والانبهار بالمظاهر أكثر من الحقائق. كما أن ذلك يقود الأفراد إلى التطرف في الأفكار وفقدان الاعتدال نتيجة اعتيادهم على سماع المواقف المبالَغ فيها، وتكرار لغة التهويل والتضخيم.
 انشغال المربي المبالَغ فيه بهذه الأمور يزيد من مساحتها في اهتمامه، وتكون على حساب جوانب ضرورية ومهمة في بناء الشخصية؛ كالاعتناء ببناء الإيمان في النفس والأعمال القلبية وربط القلوب بالله عز وجل، والاعتناء بتنمية الإرادة والقدرة على إدارة الذات، وتنمية القدرة على التفكير وتوظيفه بصورة فاعلة، ومهارات التواصل مع الآخرين، وقيم الإنجاز، والمبادرة، والمسؤولية.. وغيرها من الجوانب المهمة والمحورية في بناء الشخصية. وكثيراً ما نرى نماذج يُقاس تقدمها التربوي وإنجازها بالمظاهر والشكليات، وهي تعاني من خلل جذري في بناء الشخصية يقودها إلى الفشل في كثير من مواقف الحياة، ويعوقها عن العطاء الإيجابي الفاعل، ويؤثر في أدائها.
وقد لا يكون الأمر ذا صلة بمظاهر وشكليات، لكن الخلل يكمن في تضخيم الفروع على حساب الأصول، والتعامل مع النوافل على أنها كالفرائض، والشُّبَه على أنها كالمحرمات القطعية والكبائر.
وعلى الرغم من أهمية الاعتناء بالنوافل والبعد عن الشبهات؛ إلا أن المربي ينبغي له أن يتوازن في التعامل معها؛ فكثيراً ما نرى من يحرص على النوافل بينما هو يقصِّر في الفرائض، أو يبالغ في البعد عن الشبهات ويقع في المحرمـات القطـعية. وإذا كان الأمـر نتـيجة ضعف بشري أو غلبة شهوة؛ فهذا أمر قلّما يخلو منه بشر، لكن حين يكون خللاً في التربية والتعامل مع الأولويات؛ فهذا مما ينبغي تصحيح مساره.
وحتى يحقق المربي التوازن في ذلك؛ ينبغي له أن يضع خريطة متكاملة بجوانب بناء الشخصية، ثم يعطي كل جانب القدر الملائم له من دون غلو أو شطط.

 

 

للعودة للصفحة الرئيسة