البدائل الفكرية للإدارة الأمريكية الجديدة

   د. باسم خفاجي

   مقدمة:
تتأثر السياسات الأمريكية الخارجية والداخلية بالعديد من القوى الضاغطة المختلفة، ومن أهمها: المراكز الفكرية الأمريكية التي تساهم في تشكيل الرؤى والسياسات والقناعات من خلال الضغط والتوجيه المباشر وغير المباشر أيضاً. ويميل الرؤساء الأمريكيون إلى الاعتماد على المراكز الفكرية لإيجاد الكفاءات اللازمة لشغر الوظائف الخالية في الإدارة الجديدة، والاستفادة من الخبرات والأفكار والاستراتيجيات التي تطرحها هذه المراكز على صانع القرار الأمريكي.
يذكر (زيبيجنيو بريجنسكي) في مذكراته أن أغلب مناصب الشؤون الخارجية في الإدارة الأمريكية في عهد (كارتر) كانت من نصيب خبراء المراكز الفكرية، فمن بين الشخصيات المعروفة في مركز «الثلاثي الجانبي الفكري Trilateral Commissioners» التي تولت مناصب سياسية مهمة في عصر (كارتر): (سيروس فانس) وزير الخارجية، و (أندرو يانج) سفير الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، و (زيبيجنيو بريجنسكي) مساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي. أما في عهد (ريجان) فقد عمل أكثر من 200 خبير من خبراء المراكز الفكرية الأمريكية في الإدارات المختلفة للحكومة الأمريكية، وكان من بينهم أكثر من 55 خبيراً من «معهد هوفر Hoover Institute» و36 من «مؤسسة التراث Heritage Foundation»، و34 من «المعهد الأمريكي للاستثمار American Enterprise Institute». واستمر الرئيس الأسبق (جورج بوش الأب) في اتِّباع نهج سلفه في الاستفادة من المراكز الفكرية اليمينية نفسها في إدارته، واستخدم عدداً كبيراً منهم في المناصب الرئيسة في تلك الإدارة.
أما في عهد (كلينتون) فقد استمرت الاستفادة من خبراء المراكز الفكرية في عدد من الوزارات والمناصب العليا في الإدارة الأمريكية، ولكن اختلف هذا العهد عن سابقيه بظهور الذراع الفكري الصهيوني في واشنطن، وهو «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، Washington Institute for Near East Policy» بوصفه قوة مؤثرة في السياسة الخارجية الأمريكية، وقامت إدارة (كلينتون) باختيار مدير المعهد السابق (مارتن إنديك) ليشغل منصب مدير شؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي.
ثم قام (جورج بوش الابن) في فترتَيْ رئاسته بالاستفادة من خبراء «معهد الاستثمار الأمريكي AEI»، وساهموا في العمل في تلك الإدارة إضافة إلى كتابة العديد من التقارير والأبحاث التي شاركت في توجيه الإدارة الأمريكية. كما لعبت «مؤسسة رانــد» - وهــي أكبــر مــركــز فكري أمريكي - دوراً مهماً كذلك في توجيه السياسات الخارجية في فترة حكم الرئيس الأمريكي (جورج بوش الابن)، ويضاف إلى ذلك «معهد واشنطن Washington Institute» المعروف بولائه الصهيوني. واهتمت تلك المراكز بشكل رئيس بصياغة الخطط والاستراتيجيات لتلك الإدارة الأمريكية على مدى ثمانية أعوام في مجالات السياسة الخارجية بالعموم، وما يتعلق منها بالشرق الأوسط على وجه الخصوص.
ومع انحسار تلك الفترة الرئاسية، وعودة الديمقراطيين إلى سدة الحكم؛ فمن المتوقع أن يظهر تأثير مراكز فكرية أخرى على السياسات الأمريكية. ومن بين المراكز الفكرية التي ستساهم في صياغة الرؤى السياسية للإدارة القادمة: عدد من المراكز المهمة. وعلى رأسها «معهد بروكينجز Brookings Institute»، وهو من أقدم المراكز الفكرية في العالم أجمع. أما المركز الثاني من ناحية الأهمية فهو «مركز التقدم الأمريكي The Center for American Progress»، وهو مركز يميل إلى التيار الديمقراطي الليبرالي، وساهم بقوة في الدفاع الإعلامي والفكري عن التيار الديمقراطي في مواجهة خصومه من المحافظين الجدد. أما المركز الثالث فهو «مركز الأمن الأمريكي الجديد، Center for a New American Security»، ويشار إليه اختصاراً باسم «سناس CNAS»، وهو من أحدث المراكز الفكرية الأمريكية؛ فقد أنشئ في منتصف عام 2007م.
وبين هذه المراكز الفكرية يظهر التأثير الواضح لمزيج من فكر الليبراليين الجدد مع الفكر اليساري المحافظ على الإدارة الأمريكية للرئيس (باراك أوباما). ولعل من المناسب أن نعرِّف بهذه المراكز بشكل مختصر ليتضح علاقة كلٍّ منها وتأثيره المتوقع على الإدارة الأمريكية الجديدة ومؤسسة الرئاسة التي تسلمت إدارة الشأن الأمريكي في مطلع عام 2009م.
معهد بروكــــــينجز
Brookings Institute
ظهر تأثير المراكز الفكرية في أمريكا قبل قرن من الزمن، خلال الحقبة التقدمية، بوصفها جزءاً من حركة تستهدف الاحتراف في العمل الحكومي. وكانت رسالة الكثير من المراكز التي أنشئت في ذلك الوقت في معظمها غير سياسية، وهي: «دفع عجلة المصلحة العامة عن طريق تزويد الرسميين الحكوميين بالنصائح السياسية النزيهة غير المتحيزة». وأحد أهم الأمثلة الأولى لهذه المؤسسات هو «معهد البحوث الحكومي» الذي أعلن عنه في عام 1916م، وتحول لاحقاً ليصبح «معهد بروكينجز Brookings Institute» في عام 1927م. ويعد هذا المركز من المراكز متوسطة الحجم، ويعمل فيه قرابة 200 باحث وخبير متخصص، وميزانيته السنوية تتعدى 48 مليون دولار، وتبلغ حجم إمكانياته المالية أكثر من 374 مليون دولار حسب تقرير عام 2007م.
ويهتم «معهد برو كينجز Brookings Institute» بالأبحاث والدراسات ويرصد لها أكثر من 66% من ميزانيته السنوية، ويصنَّف بأنه أحد أبرز المراكز الفكرية الأمريكية التي تنتمي إلى تيار الوسط سياسياً وفكرياً، وإن كان يُتهم من المحافظين الجدد بأنه يميل إلى التيار الديمقراطي، ويُتهم أحياناً أخرى بأن مواقفه الفكرية والسياسية في القضايا الخارجية كانت تميل إلى تأييد سياسات (جورج بوش).
ويرأس «معهدَ بروكينغز Brookings Institute» حالياً «ستروب تالبوت»، وكان يشغل منصب مساعد وزير الخارجية في إدارة الرئيس الأمريكي الديمقراطي الأسبق (بيل كلينتون)، ويقدم المركز نفسه على أنه أحد أعرق المراكز الفكرية الأمريكية، وأنه ساهم في تطوير فكرة الأمم المتحدة، وبرنامج «مارشال» لتطوير ودعم أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وهو المركز الفكري الأكثر ظهوراً في الإعلام الأمريكي، فقد أشير إلى دراساته وأبحاثه في عام 2004م أكثر من 4700 مرة في الإعلام الأمريكي وحده، وإن كان هذا التأثير قد انخفض إعلامياً إلى أقل من 2400 مرة في عام 2007م، ويرجع ذلك إلى نفور الإعلام الأمريكي من المراكز الفكــرية بالعمــوم؛ بسبب ما أحيط بها من معانٍ سلبية؛ لارتباط كثير منها بالإدارة الأمريكية الجمهورية السابقة. كما احتل «معهد بروكينجز» كذلك المرتبة الثالثة بوصفه أبرز مركز فكري يشير إليه أعضاء مجلسَي الشيوخ والنواب في أمريكا في مواقفهم السياسية وقراراتهم، ويُنظر إليه دائماً على أنه أحد أهم المراكز الفكرية تأثيراً في الحياة الأمريكية.
ويهتم معهد «بروكينجز» بالتحليل والنقد المستقل للأحداث العامة، ويقوم المعهد بنشر نتائج أبحاثه دورياً لتصبح في متناول القراء، كما يهدف في مؤتمراته ونشاطاته المختلفة إلى تقريب المسافة بين السياسات العامة وبين التيار الأكاديمي؛ من خلال توفير الدراسات المتخصصة لصُنَّاع القرار، وإعطاء الأكاديميين فهماً أفضل لقضايا السياسات العامة.
ويعدُّ المعهد نموذجاً للكثير من المراكز الفكرية الأمريكية من ناحية طريقة عمله واهتمامه بالجوانب البحثية، وتركيزه على الاستفادة من الإعلام لنقل الأفكار وتداولها. كما يعمل في المركز العديد من الشخصيات العلمية والأكاديمية البارزة، ومنها: (ريتشارد هاس) الذي يتولى رئاسة برامج الشرق الأوسط.
ويقوم مجلس أمناء المعهد بمسؤولية الإشراف العام على أنشطة المعهد وتوجهاته، واعتماد مجالات الدراسة والبحث وضمان استقلالية عمل المعهد. ويرأس مجلس الأمناء حالياً (جيمس جونسون) ويضم من بين أعضائه (هنري جيتس) رئيس قسم الدراسات الإفريقية والأمريكية في جامعة هارفارد، و (جون زيغليس) رئيس إحدى أكبر شركات الاتصالات العالمية (أي تي آنــد تــي AT@T)، و (روبرت مكنمارا) الرئيس السابق للبنك الدولي، و (جيمس وولفنسون) الرئيس السابق للبنك الدولي. كما يشارك فيه (مارتن إنديك)، مدير مركز (صابان) لسياسة الشرق الأوسط التابع لمؤسسة (بروكينغز)، وقد عمل سابقاً مساعداً لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى (1997 - 2000م)، و (هلموت سوننفلدت)، مدير مجلس الأطلسي للولايات المتحدة، و (لورانس سومرز) الذي شغل منصب وزير المالية في فترة رئاسة (بيل كلينتون)، واختاره (باراك أوباما) ليقود المجلس الاقتصادي الأعلى في إدارته، وغيرهم من الباحثين والمفكرين والسياسيين.
واهتم «معهد بروكينغز Brookings Institute» بالشرق الأوسط اهتماماً كبيراً طوال الأعوام الماضية، وقد أنشأ في عام 2002م مركزاً خاصاً للاهتمام بالشرق الأوسط، وهو مركز (صابان) لدراسات الشرق الأوسط. ويرجع اسم المركز إلى الإعلامي الأمريكي الصهيوني (حاييم صابان) الذي تبرع بمبلغ 13 مليون دولار لدعم فكرة المركز، وهذا الإعلامي ترجع أصوله إلى مصر، فهو يهودي مصري يذكر عنه الكاتب (جبراييل آش) أنه «المنتج الموسيقي الإسرائيلي السابق، وإمبراطور الإعلام في غرب أمريكا حالياً، وأنه يملك من بين أشياء أخرى شركة (تليكوم) الإسرائيلية، وبرامج (باور رينجرز) اليابانية للأطفال، ومحطة البث الألمانية الفضائية. كما أن (صابان) صديق شخصي لكل رؤساء وزراء إسرائيل السابقين والممول الأكبر للحزب الديمقراطي». وعندما سئل (حاييم صابان) عن توجهاته السياسية ذكر أنه «رجل يحمل هم قضية واحدة فقط إنها (إسرائيل)»!
وعقب إنشاء مركز (صابان)، تم اختيار (مارتن إنديك) لرئاسة هذا المركز، وهو المعروف بأنه كان مدير إدارة الأبحاث باللوبي الصهيوني «إيباك» قبل أن ينتقل إلى إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق (بيل كلينتون). ويوصف مركز (صابان) بأنه «موالٍ لإسرائيل حتى النخاع» حتى داخل أروقة الإدارة الأمريكية نفسها. ويقيم هذا المركز «منتدى صابان»، وهو اجتماع (الحوار الأميركي - الإسرائيلي) ويعقد سنوياً في الكيان الصهيوني.
وفي أكتوبر من عام 2007م أعلن «معهد بروكينجز Brookings Institute» عن افتتاح فرع له في دولة قطر، ليكون المركز الفكري الثاني الذي ينقل أنشطته بشكل مباشر إلى العالم العربي والمسلم بعد مؤسسة «راند الفكرية»، وهو ما يؤكد على أن «معهد بروكينجز» سيكون مؤثراً بشكل كبير في الإدارة الأمريكية الحالية ذات الميول الديمقراطية، وكذلك المهتمة بدعم الكيان الصهيوني بشكل مختلف عن اللوبي الصهيوني الأمريكي، ولكنه في النهاية يصب أيضاً في خدمة ذلك الكيان.
ومن أبرز أنشطة هذا المعهد المرتبطة بالفترة الانتخابية لعام 2008م: تنظيم المنتدى السنوي الذي تقيمه وزارة الخارجية القطرية بالتعاون مع مركز (صابان)، والذي عقدت دورته الخامسة في فبراير من عام 2008م في العاصمة القطرية تحت عنوان (منتدى أمريكا والعالم الإسلامي).
وكان لافتاً في ذلك العام التأكيد على أن (باراك أوباما) هو الشخصية الأفضل لصالح العالم الإسلامي والعربي، وتخصيص جلستين لـ «ما يتوقعه العالم الإسلامي من الإدارة الأمريكية الجديدة»، و«الآثار المتوقعة للانتخابات الرئاسية الأمريكية على السياسة الخارجية تجاه العالم الإسلامي».
وقد شارك في هذه الدورة 283 شخصية من 32 دولة، من أبرزهم: الرئيس الأفغاني حامد كرزاي، ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي ألفا عمر كوناري، وسفير الولايات المتحدة السابق بالأمم المتحدة زلماي خليل زاده، ووزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق مادلين أولبرايت، ووزير الخارجية التركي علي باباجان، وكبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات، والباحث الأمريكي من أصل ياباني فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية (نهاية التاريخ)، إضافة إلى شخصيات عربية وإسلامية بارزة.
وعقد المركز دورته لهذا العام (2009م) في منتصف شهر فبراير، ومن المقرر أن تشهد عقد اجتماع المجلس الاستشاري الدولي للعلاقات بين أمريكا والعالم الإسلامي بمشاركة أكثر من 20 شخصية دولية. ويضم جدول الاجتماع في اليوم الأول عقد جلسات تواصل غير رسمية، ثم التطرق لموضوع قيادات المرأة، فموضوع القادة الدينيين، ثم قادة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى قادة الفنون والثقافة، وتعقد بعدها جلسة خاصة حول جيل المستقبل. أما اليوم الثاني فيركز على مناقشة الإدارة الأمريكية الجديدة والعالم الإسلامي، ثم الحوار الأمني والعلاقات الأجنبية، ثم التنمية البشرية وحوار التغيرات الاجتماعية والنزوح والأمن، بينما تضم الفترة المسائية لليوم نفسه مناقشة التقارب الجديد والآليات الجديدة. ويهتم المركز بوضوح بفكرة التقارب الأمريكي - الإسلامي، ويحشد لها الطاقات والخبراء والمفكرين من العالم المسلم ومن خارجه أيضاً.
أما عن المواقف الفكرية لهذا المركز، والمتعلقة بالشرق الأوسط‏، والتي يمكن استقراؤها من أوراق العمل المقدمة من التخصصين في هذا الفريق البحثي المرتبط بالمركز كما ينقل الباحث عبد العظيم رمضان؛ فيمكن أن تلخص في أن الولايات المتحدة تعرضت في عهد إدارة الرئيس السابق (جورج بوش) لكثير من عدم الاحترام الذي وصل إلى حد الإهانة‏،‏ وأن السياسة الأمريكية في المنطقة تعاني من انعدام كامل للمصداقية‏؛‏ بسبب الفشل في العراق والأكاذيب التي بررت بها هذه الإدارة خطتها لغزوه‏، وبسبب تخليها عمداً عن متابعة إنجازات إدارة (كلينتون) لتسوية النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، فضلاً عن دخولها حرباً باردة ضد إيران‏، في الوقت الذي صبت فيه كل سياسات هذه الإدارة لمصلحة إيران نفسها؛ لذا سيتحتم على الرئيس الأمريكي أن يعيد بناء دور أمريكي محترم وفعال في الشرق الأوسط‏،‏ ويوصي خبراء المعهد (باراك أوباما) بأن تستعيد الدبلوماسية الأمريكية دورها القيادي في عملية سلام فلسطينية - إسرائيلية ناجحة، بحيث تبادر بطرح الأفكار‏، وتحريك التفاعل بين الأطراف، على أن يقود الرئيس بنفسه هذه العملية، ولا يتركها لوزير خارجيته أو مستشاره للأمن القومي‏؛ لأن السوابق كلها تؤكد على أن تدخل الرئيس الأمريكي شخصياً هو الذي يحقق الإنجازات في الشرق الأوسط‏.
ولعله من المفيد أن نلاحظ أن الرئيس الأمريكي قد قام بزيارة مفاجئة وغير معتادة إلى وزارة الخارجية الأمريكية فور تعيين (هيلاري كلينتون) وزيرة لها؛ ليشير بوضوح إلى أن الرئيس الأمريكي سيدير السياسة الخارجية الأمريكية، وليست وزيرة الخارجية التي ستعمل على تنفيذ سياساته، وهي استجابة واضحة للفكرة التي طرحها مركز «بروكينجز» وأكد عليها.
مركز التقدم الأمريكي
The Center
for American Progress
أنشئ هذا المركز الفكري الديمقراطي، والذي يشار إليه اختصاراً باسم «كاب CAP»؛ عام 2003م على يد مجموعة ممن عملوا في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق (بيل كلينتون)، وكان هدف إنشائه الرئيس هو مواجهة المراكز الفكرية اليمينية المرتبطة بتيار المحافظين الجدد. وقام هذا المركز بدعم (هيلاري كلينتون) في الأعوام التي سبقت الانتخابات الأمريكية إلى أن انسحبت من السباق، ثم بدأ يوجه اهتمامه بشكل أكبر نحو (باراك أوباما)، في محاولة لدعم استعادة الديمقراطيين لسدة الحكم الأمريكي.
وفي هذا السياق أعدَّ المركز دراسة مكونة من 50 فصلاً تتعلق بكيفية قيام الديمقراطيين بإدارة شؤون الحكم في الفترة القادمة، كما أنه أصدر عقب الانتخابات مباشرة دليلاً من 26 صفحة فقط يلخص ما قام به الرؤساء الخمسة السابقون يوماً بيوم خلال الفترة الانتقالية بعد الانتخابات وحتى يوم تولي الحكم في مطلع العام، وأصبح هذا الكتيب دليلاً في يد عدد من مساعدي (باراك أوباما) خلال المدة الانتقالية له.
ومؤسس هذا المركز الفكري ومديره العام هو (جون بوديستا)، وقد اختاره الرئيس الأمريكي (باراك أوباما) فور انتخابه رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية ليتولى رئاسة الفريق الانتقالي. وقد قام هذا المركز البحثي العام الماضي باستكتاب ما يزيد عن 60 باحثاً من أجل القيام بإعداد خارطة الطريق لعودة الديمقراطيين إلى الحكم. ويباهي هذا المركز بأنه يهتم بتوفير الأفكار والاستراتيجيات والخبرات اللازمة للتيار الديمقراطي من أجل حكم أفضل.
وبدأ هذا المركز الفكري عمله بمنحة من أحد أكبر رجال الأعمال الأمريكيين والمعروف بارتباطه بالحزب الديمقراطي، وهو (جورج سورس)، الذي قدم للمركز في عام 2003م مبلغ 10 ملايين دولار بدأ بها المركز عمله، وارتفع عدد العاملين فيه من 75 إلى أكثر من 150 باحثاً وموظفاً في نهاية عام 2008م، ولديه ميزانية سنوية تزيد عن 25 مليون دولار.
ويحاول هذا المركز الفكري أن يقدم نفسه بأنه الذراع الفكري الحالي للإدارة الأمريكية، ويقدم لها العديد من الأفكار والاستراتيجيات. وتتوافق الكثير من خطط الإدارة الأمريكية الجديدة مع دراسات هذا المركز التي صدرت خلال العام الماضي وهو ما يؤكد على فكرة أن هذا المركز سيكون أحد المراكز الفكرية المهمة في المرحلة القادمة.
وفي دراسة أعدتها مجلة (التايم) الأمريكية مؤخراً ذكرت حول «مركز التقدم الأمريكي» أنه «لا يوجد في واشنطن مجموعة ضاغطة لها مثل هذه القوة والتأثير في هذه اللحظة من التاريخ». ويوفر المركز ما يسميه قدرات «الرد السريع»، وهي مجموعة من الخبراء والمتخصصين يعملون بشكل دائم على سرعة الردِّ الإعلامي على أيِّ هجوم فكري أو سياسي أو إعلامي يتعرَّض له التيار الديمقراطي في وسائل الإعلام الأمريكية من منافسيه الجمهوريين أو المحافظين الجدد.
وقد أنشأ المركز في عام 2004م مشروعاً يسمى «الإعلام يؤثر في أمريكا Media Matters for America»، وهو مشروع إعلامي يهدف إلى مواجهة الميول المحافظة والجمهورية في الإعلام الأمريكي، وبيان التحيز أو عدم الدقة في نقل الأخبار أو التحليلات في وسائل الإعلام المرتبطة بالتيار الجمهوري المحافظ.
كما أن هذا المركز يرسل يومياً نشرة بريد إلكتروني إلى المهتمين والباحثين والمفكرين تسمى «تقرير التقدم Progress Report»، وقد وصفت مجلة (ناشيونال ريفيو) الأمريكية هذه الرسالة الإلكترونية اليومية بأنها «أقوى نشرة هجومية فاعلة في مجال الدراسات السياسية من تيار معارض في الحياة الأمريكية».
 
مركز الأمن الأمريكي الجديد
Center for
a New American Security
يعدُّ هذا المركز الفكري - والذي يشار إليه اختصاراً باسم «سناس CNAS» - من المراكز الفكرية صغيرة الحجم، ويعمل فيه ما يقرب من 30 باحثاً وموظفاً، وميزانيته السنوية لا تتعدى 6 ملايين دولار؛ حسب أحدث تقرير مالي صدر عن المركز الذي لا يزيد عمره عن عام واحد؛ فقد أنشئ في عام 2007م.
أهمية هذا المركز الفكري أنه يمثل التيار الفكري نفسه للرئيس (باراك أوباما)، ويشمل ضمن أعضائه عدداً من المستشارين والخبراء والمفكرين الذين ساندوا حملته الانتخابية الرئاسية. كما أن الدوائر الفكرية في واشنطن ترى منذ بدء إنشاء هذا المركز أنه يقوم بإعداد «حكومة الظل» للإدارة الأمريكية الديمقراطية في حال فوز الديمقراطيين بسباق الرئاسة، وهو ما حدث بالفعل في نوفمبر 2008م.
وأنشأ المركزَ كلٌّ من (كيرت كامبل)، وهو أحد أعضاء مجلس الأمن القومي في الفترة الرئاسية للرئيس الأسبق (بيل كلينتون)، وكذلك (ميشال فلاورنوي) التي كانت تعمل مساعداً لوزير الدفاع الأمريكي لشؤون الإستراتيجية في رئاسة (بيل كلينتون) أيضاً. وترأس (ميشال فلاورنوي) المركز حالياً إضافة إلى وجودها ضمن فريق الانتقال الرئاسي لإدارة (باراك أوباما) المختص بشؤون الدفاع والأمن القومي، وقد تم إسناد منصب مساعد وزير الدفاع للسياسات إليها في الإدارة الجديدة.
أما المجلس الاستشاري لهذا المركز الفكري فيرأسه (وليام بيري) وزير الدفاع الأسبق، ويشارك في عضويته (مادلين أولبرايت) وزيرة الخارجية السابقة، و (ريتشارد أرميتاج) أحد قيادات البنتاجون في عصر (كلينتون) أيضاً، و (جون بوديستا) رئيس الفريق الانتقالي للرئيس (باراك أوباما). ويشارك في المجلس الاستشاري للمركز (ويندي شيرمان) التي شاركت في رئاسة فريق اختيار العاملين في وزارة الخارجية الأمريكية القادمة. كما يشارك في هذا المجلس أيضاً (ريتشارد دانزيج) الذي كان يشغل منصب وزير البحرية سابقاً، وهو من ضمن المرشحين لمجلس الأمن القومي في رئاسة (باراك أوباما)، إضافة إلى كل من (سوزان رايس) و (جايمس ستاينبرج) وكلاهما أيضاً ضمن المجلس الاستشاري لـ «مركز الأمن الأمريكي الجديد Center for a New American Security».
وأما عن سياسات المركز والأبحاث التي يتبناها، وخاصة المتعلقة بالشرق الأوسط؛ فهي تميل إلى تخفيض عدد الجنود الأمريكيين في العراق بشكل تدريجي يسمح بالحفاظ على انتصار شكلي هناك، ويحفظ درجة من درجات التأثير على الواقع في الشرق الأوسط دون التزامات أمريكية عسكرية مكلفة. وترفض إحدى الأوراق البحثية المهمة التي قدمها المركز وشاركت (ميشال فلاورنوي) في كتابتها فكرةَ الانسحاب السريع من العراق، أو الالتزام بجدول زمني ثابت محدد مسبقاً لهذا الانسحاب، وهو الموقف نفسه الذي اتخذه (باراك أوباما) خلال حملته الرئاسية.
ورغم صغر حجم المركز مقارنة بالمراكز الفكرية الأخرى في الولايات المتحدة الأمريكية؛ إلا أن تأثيره الإعلامي واضح في الآونة الأخيرة؛ بسبب قدرته على دعوة شخصيات مهمة للمشاركة في برامجه. ومن أهم تلك البرامج: الحلقة النقاشية المهمة التي أجراها المركز في سبتمبر 2008م، وتم فيها استضافة خمسة من وزراء الخارجية السابقين، وهم: كولن باول، ومادلين أولبرايت، وهنري كسينجر، وجيمس بيكر، ووارن كريستوفر؛ للحديث عن التحديات التي ستواجه السياسة الخارجية الأمريكية في الأعوام القادمة. وقد نقلت وكالة الأخبار الأمريكية الشهيرة «سي إن إن CNN» هذه الحلقة على الهواء مباشرة، وكان من أهم ما اتفق عليه جميع المشاركين في تلك الندوة هو ضرورة الحوار مع إيران، وهو الموقف الذي تبناه الرئيس (باراك أوباما) أيضاً، مع معارضة شديدة من منافسه الجمهوري في ذلك الوقت.
مواجهة التغيرات الفكرية الأمريكية:
عندما تتغير الإدارة الأمريكية من جناحها الجمهوري إلى جناحها الديمقراطي أو العكس من خلال الانتخابات الرئاسية؛ يحدث بعض التغيير في التوجهات الفكرية العامة الموجهة للإدارة، رغم أن السياسات قد تبقى في توجهاتها العامة ثابتة تجاه بعض القضايا المهمة في الحياة الأمريكية.
إن المراكز الفكرية الأمريكية تمثل إحدى القوى الضاغطة والمؤثرة على السياسة الأمريكية سواء في القضــايا المحــلية أو الخارجية، وسوف يحدث تغيُّر كبير في نوع المراكز الفكرية المؤثرة على الإدارة الأمريكية الجديدة، وهو ما سيؤثر أيضاً على المواقف الأمريكية من القضايا المهمة، وهنا تكمن أهمية التعرف إلى تلك المراكز وتوجهاتها واهتماماتها. وستساهم تلك المراكز الفكرية أيضاً في تقديم البدائل الفكرية لتيار المحافظين الجدد الذي شكل الخط الفكري الأبرز لإدارة الرئيس الأمريكي (جورج بوش الابن).
توصيات للتعامل مع الليبراليين الجدد:
نتيجة للانتخابات الأخيرة التي تحولت فيها دفة الحكم بقوة بعيداً عن المحافظين الجدد، من المتوقع أن تبدأ المجموعة السابقة من المراكز الفكرية الليبرالية واليسارية في التأثير على الإدارة الأمريكية الجديدة، إضافة إلى غيرها من المراكز التي ستكون أقل تأثيراً وظهوراً على الساحة، وهذا لا ينفي أو يقلل من شأن تأثير المراكز الفكرية الكبرى على الساحة الأمريكية؛ كمــركز «رانــد»، أو معهد واشنطن، أو مؤسسة التراث، ولكن هدف هذا البحث كان يتركز في الإشارة إلى ظهور قوى أخرى جديدة ومؤثرة على الساحة الفكرية الأمريكية في المرحلة القادمة.
ولكي يمكن فهم التعامل مع هذا التغيير وإجادته؛ يمكن التوصية بعدد من الخطوات العملية في هذا الشأن، من أهمها:
1
  إعداد دراسة متخصصة حول التيارات الفكرية اليسارية والليبرالية في الولايات المتحدة وأثرها على الرئاسة الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموماً.
2
  من المهم أن تُعدَّ أبحاث حول «الليبراليين الجدد» وكذلك «تيار الوسط الليبرالي» وتيار «اليسار المحافظ»، وكلها تساهم في التأثير على الإدارة الأمريكية الحالية، وعلى الكونجرس الأمريكي كذلك.
3
  التواصل الفكري مع المراكز الفكرية المؤثرة في المرحلة القادمة، ودعوة بعض الباحثين من تلك المراكز إلى لقاءات مع الباحثين والمفكرين من العالم العربي والمسلم وهو ما سيساهم في أن تكون المواقف الصادرة عن هذه المراكز أكثر تعبيراً عن مصالح أمتنا.
4
  الحاجة الماسة إلى إنشاء مركز فكري متخصص في متابعة التيارات الفكرية الغربية وتأثيرها على القرار الأمريكي، وتوثيق أهم ما يصدر عنها من أبحاث مهمة لصانع القرار في العالم العربي.
 

 

 

للعودة للصفحة الرئيسة