|
الأدب
الذي نريده
د. حلمي محمد القاعود
(1)
طـوال القــرن العشريـن
كـان السـؤال المـطـروح مــن خلال المهـمـومـين بالأدب
العربي: ما الأدب الذي نريـد؟ وأخـذ هـذا السـؤال أشـكالاً
متنـوعة ارتبطت بعملـية الاحتـكـاك بالأدب الأجنبي عموماً،
والغربي خصوصاً. تراوحت الإجابات وأخذت صوراً عديدة ما بين
أدب رومانتيكي، وأدب واقعي، وأدب وجودي، وأدب رمزي، وأدب
سيريالي، وأدب... وبقدر تنوع النظريات الأدبية وتعددها
كانت الإجابات التي طالعها القارئ العربي على مدى قرن من
الزمان أو أكثر.
وواضح أن الإجابات على
تنوعها وتعددها لم تلبِّ حاجة القارئ العربي، بل القارئ
الإسلامي على امتداد البلاد الإسلامية في لغاتها المختلفة.
ويبدو أن الإجابات
المطروحة أخفقت في الوصـول إلى ما يريده القارئ العربي
خصوصاً، والإسلامي عموماً، لـسبب بسيط؛ وهو عدم تعبيرها عن
طبيعة الأدب الذي تحتاجه الأمة؛ فالأدب كما يُقال بحق:
مرآة الأمة، ليس بمعنى الانعكاس فحسب، لكن الانعكاس مضافاً
إليه التصوّر الذي يجعل الوجود الإنساني أكثر فطرية وحرية
وعدالة ورقياً وجمالاً؛ وهو ما لم يره العربي المسلم في
كثير من النصوص الأدبية التي أُتخِمت بها الكتب وصفحات
الدوريات والصحف، وتم تشخيصها عبر وسائل الفنون المرئية
والمسموعة.
على مدى التاريخ جعلت
الأمم الأدب ميداناً لموضوعين رئيسيين:
أولهما:
المفاخرة بين الأمم بما تنتجه من أدب، وما
تملكه من أدباء وشعراء وكتاب. ويُقال: إن بريطانيا العظمى
في عزّ سطوتها الاستعمارية لم تفاخر بممتلكاتها التي لم
تكن تغرب عنها الشمس؛ ولكنها كانت تفاخر بشاعرها المسرحي
الأشهر (وليام شكسبير).
الآخر:
هو استخدام الأدب بوصفه وسيلة غير مباشرة للتعبير عن هوية
الأمة وأمجادها وتاريخها ورؤاها وتصوّراتها، ويمكن أن نجد
ذلك عند الإغريق والرومان وقدماء المصريين والصينيين
والهنود والعرب وغيرهم، بل إن القبائل العربية بعد الإسلام
نظرت إلى ماضيها الجاهلي لتكتشف مقدار ما تملكه من شعر
مقارناً بغيرها من القبائل، وهنا نشأت ظاهرة ما يُسمى
بالانتحال في الشعر العربي؛ لتكثير موروث القبيلة من الشعر
بوصفه مصدر عز وفخار ومجد.
الأدب إذاً عنـصر رئيس
في النظام الحضــاري للأمة، لا تستطيــع أن تستغني عنه، أو
تعده أمراً هامشياً، حتى لو مرت عليها فترات خمول وانحدار.
(2)
مرّ الأدب العربي
بفترات ازدهار واضمحلال، وتوهج وركود، وحيوية وجمود،
وعُرِف كبار الشعراء والأدباء الذين تجاوزت شهرتهم العالم
العربي والإسلامي إلى العالم كله، ولكن هذا لم يمنع أن
يعيش الأدب العربي فترة من الركود والجمود بلغت الحضيض في
أواخر العهد العثماني، لأسباب مختلفة لا مجال لتناولها في
هذا السياق؛ ولكن أبرز معالم الأدب العربي في هذه الفترة
تمثلت في سطحية الموضوعات وهامشيتها بالنسبة للواقع
الاجتماعي والإنساني، وركاكة التعبير وانحطاط اللغة التي
جمعت بين العامية المبتذلة والفصحى المهجورة، ولعل أبرز
الأمثلة على ذلك ما نراه في كتابي ابن إياس والجبرتي، مع
أنهما يحملان تأريخاً لفترة مهمّة في حياة أمتنا، ولكن
صياغتهما جاءت ضعيفة للغاية.
مع بـدايات القـرن
التـاسع عـشـر المـيلادي، وتولـي محمد علي الحكم في مصر
والشام، وإرساله المبعوثين إلى بعض الدول الأوروبية لدراسة
العلوم والآداب واللغات؛ بدأ عصر جديد بالنسبة للأدب
العربي، حيث اطّلع العرب على نماذج من الأدب الغربي في
لغاتها الأصلية أو في ترجمة عربية، تختلف في السياق
والمضمون والصياغة اللغوية والأجناس الأدبية.
مرحلة الاتصال بالأدب
الغربي كانت حاسمة، وكانت لها مضاعفاتها ونتائجها، وتأكدت
هذه النتائج والمضاعفات بعد وصول طلائع الاستعمار المزمن
إلى البلاد العربية؛ فسادت الفرنسية الجزائر وبلاد الشام
بوجود القوات العسكرية، ومصر بحكم المبــعوثــين
والقــادمـين من أجــل التـدريس أو الأعمال المصرفية أو
التجارة أو غير ذلك. ودخلت إنجلترا باحتلال مصر مجال
التنافس مع الثقافة الفرنسية. ويُمكن القول بإيجاز: إن
حركة التعليم في مصر والشام والمغرب العربي قد خضعت لثقافة
جديدة غازية، زحزحت الثقافة الإسلامية عن مكانها؛ إن لم
يكن بالإزاحة الكاملة فبالتصورات والرؤى، وهو ما صنع على
امتداد القرن العشرين حتى اليوم نخباً تتحرك بالتصوّر
الثقافي الغربي بطريقة غير إرادية؛ لأن هذا التصوّر صار
حاكماً في مجالات التعليم والإعلام والثقافة والسلوك
والأزياء والعادات والتقاليد.. صحيح أن هناك مقاومة لهذا
التصور، وهناك حركات إصلاحية إسلامية حاولت وتحاول - مع كل
المعوقات والعقبات - أن تستعيد التصوّر الإسلامي، وترسخه
في الأذهان والعقول والنفوس، ولكن التصوّر الغربي يبدو
صاحب الغلبة حتى اليوم، وخاصة في المجال الثقافي، والمجال
الأدبي على وجه أخص.
للإنصاف فالاحتكاك بالتصوّر الغربي أعطى
نتائج إيجابية وأخرى سلبية:
النتائج الإيجابية
تتمثل في التعرف على أجناس أدبية جديدة نشأت مع حركة
النهضة الأوروبية الحديثة أو تطورت في سياقها، وتتمثل في:
الرواية، والقصة القصيرة، والمسرحية النثرية والشعرية،
والمقالة، والسيرة الذاتية، وأدب الأطفال، والأدب المقارن.
وقد استفاد الأدباء
العرب من القرن العشرين بهذه الأجناس الأدبية من خلال
التعريب أولاً، ثم من خلال التأصيل، وتوالت أجيال المؤسسين
الرواد، والبناة الناضجين، والمجددين المتطورين. ويمكن
القول: إن الأدب العربي في القرن العشرين امتلك تراثاً
هائلاً في هذه الأجناس به نصوص كثيرة تتوفر فيها شروط
الجودة الفنية والموضوعية.
ولا ريب أن كتابة
الأجناس الجديدة التي تأصلت في تربة الأدب العربي الحديث
قد أعطت مجالاً عريضاً للدخول إلى قضايا كبرى وموضوعات
مهمّة، كان من النادر أن يتطرق إليها الأدب العربي قبلاً
وخاصة في العصر العثماني؛ فعالج الكُتَّاب قضايا الفقر
والجهل والمرض، ذلك الثالوث الذي ألح عليه الكُتَّاب
طويلاً في قصصهم ومقالاتهم ومسرحياتهم، كما عالجوا قضايا
الاستعمار والعلاقات مع الغرب، والحرية والشورى والعدل،
والاهتمام بالعمل والزراعة والصناعة والحرف، والعلاقات
البشرية بين الرجل والمرأة داخل الأسرة وداخل المجتمع...
إلخ.
في الوقت ذاته كانت
حركة أخرى موازية تدعو للاهتمام باللغة وتصويبها واستخدام
الأساليب العربية السليمة، والتركيز على تأدية المعنى،
والبعد عن التقعر والركاكة والزخرفة التي تثقل الكلام،
لدرجة أن الإمام محمد عبده، وكان مشرفاً على قلم الصحافة،
أنذر أصحاب الصحف وكتّابها بالإغلاق وعدم ممارسة الكتابة
إلا إذا أتقن الصحفيون والكتاب اللغة العربية نحواً وصرفاً
وأسلوباً!
وظهرت مدرسة من
الموهوبين في الأساليب والصياغة سمّيت (مدرسة البيان) وكان
أصحابها يقتربون في صياغتهم من الشعر، وكان على رأسها
المنفلوطي والرافعي والبِشري والزيات، وقد أحدثت هذه
المدرسة إضافة عظيمة للأساليب انعكست على كبار الكتاب
والشعراء في القرن العشرين، وقد تناولتها تفصيلاً في أحد
كتبي.
في مقابل هذه
الإيجابيات فإن فريقاً لا يُستهان به من النخب التي انحازت
للثقافة الغربية استباح لنفسه أن يُعبّر عن القضايا
القومية والوطنية والاجتماعية والفكرية من خلال منظور
غربي، غريب بصفة عامة عن ثقافتنا وطبيعتنا وظروفنا، وراح
نفر منه ينقل النظريات الأجنبية نقلاً حرفياً لا يتناسب مع
واقعنا ولا ينسجم معه، فبدا ما يكتبونه دعوة لواقع آخر
وتعبيراً عنه، وانطلاقاً منه، وهو ما جعل كثيراً من نصوصهم
لا تلقى تجاوباً من الجمهور، بل أخذت تبعده عن الأدب
والأدبـاء، وبـدا ما يقـدمونـه للنـاس (جيـتو) معـزولاً لا
يقربه أحد - اللهم - إلا من يكتبونه ومن على شاكلتهم.
في الإطار ذاته رأينا
من يروِّج من خلال الأدب العربي إلى نظرية الصراع الطبقي،
وقد لقيت هذه النظرية رواجاً كبيراً في فترة الخمسينيات
والستينيات من القرن الماضي بسبب وجود أحزاب وهيئات حاكمة
تبنتها وسيطرت على وسائل النشر والتوصيل الأدبي، وصار
الأدب في أغلبه مجرد منشورات زاعقة تهتف للنظرية وأصحابها
ومستورديها، ولذلك تراجع الأدب المعبر تعبيراً حقيقياً عن
هموم الأمة وهويتها، وخفت الصوت الإسلامي في الأدب،
تصوّراً وتحققاً، خفوتاً ملحوظاً؛ فالشعراء والكتاب في
معظمهم وقفوا من الرؤية الإسلامية الصافية موقفاً غريباً
وعجيباً، انتهى إلى العداء في كثير من الأحيان.
رافق كل ذلك استهانته
بالقيم الفنية في الأدب العربي؛ فقد راح فرقاء عديدون
يروِّجون للعاميات المحلية ويبعثون اللغات العرقية
القديمة، التي صهرها الإسلام في إطار اللغة العربية، تحت
دعاوى الواقعية والوطنية، وكان بعضهم صريحاً في الإعلان عن
عدائه للغة العربية بوصفها لغة مستعمرين غزاة! بالإضافة
إلى أن عدداً لا يُستهان به من أدباء المغرب العربي، الذي
وقع تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي، آثر الكتابة بالفرنسية
بوصفها اللغة السائدة والأكثر انتشاراً بين المواطنين، وما
زالت الصحف الرئيسية في الجزائر والمغرب وتونس تصدر باللغة
الفرنسية؛ حيث يتعامل بها الناس في المدارس والجامعات
والبنوك والمؤسسات والهيئات والوزارات والشوارع!
وقد تطرف بعض الموالين
للتصوّر الغربي ثقافياً في الاستهانة بقواعد الشعر العربي
الذي يعدّ فن العربية الأول، وبعد أن بدا لفريق إلغاء
القافية وعدم الاعتداد بالشطرين، جـاء فريق آخـر رفـض
الوزن والـقافيـة جمـيـعاً، وأنشــأ ما يُسمى بـ (قصيدة
النثر). وقد وقفت جهات عديدة وراء هذا التطور الخطير الذي
لم يلقَ استجابة من كثير من النقاد الجادين بسبب غموضه
وسيرياليته، ومعالجته لقضايا تافهة، وتعبيره عن رؤى غير
مقبولة في كثير من الأحايين، وابتعاده عن واقع الأمة بصفة
عامة.
(3)
ولعلنا من هذا العرض
عرفنا حقّاً ما الأدب الذي نريده.
إن الأدب الذي نريده هو
الأدب الراقي الجميل الذي يحمل الإنسان عامة، والعربي
والمسلم خاصة، في حناياه ويدافع عنه ويسمو به في إطار من
الأداء الفني المتقن الشائق الذي يُحبب الأدب إلى قارئه.
ولعل هذا ما جعل الدعوة
إلى (الأدب الإسلامي) تأتي ردّة فعل طبيعية على سلبيات
الأدب الراهن في البلاد العربية والإسلامية؛ فهي دعوة
للانطلاق نحو آفاق إنسانية أرحب تتجاوز السلبيات القائمة
في الحقل الأدبي، سواء أكانت موضوعية أو فنية، وفي الوقت
ذاته تعيد للتصور الإسلامي أو الهوية الإسلامية وجودها
الفاعل والمبدع في محيط البناء الثقافي للأمة.
لقد شهدت العقود
الأخيرة نماذج أدبية لا تكتفي بالتصـورات الأجنـبية
المعـاديـة للأمـة وقيـمها وأخـلاقها، بل تدخل إلى المناطق
التي تجرح مشاعر المسلمين وعواطفهم، فضلاً عن عقائدهم،
وصارت هناك جماعات تملك الهيمنة على وسائط النشر والتعبير،
لا تجد غضاضة، بل تُحبذ التجديف في حق الذات الإلهـية
والإلحاح على المسائل الإباحية، وتزعم بعدئذٍ أن ذلك
إبـداع أو فن له منطق وله موضعاته التي يجب أن (يحترمها)
الناس ولا يتدخلوا فيها! بل إن القوم أمعنوا في فرض
إرادتهم العدوانية بنشر نصوص صادمـة للمجـتمع بأموال
المجتمع ومؤسسات المجتمع الثقافية، في ظل ظروف استثنائية
تعيشها بعض العواصم العربية!
ولا شك أن الأدب الذي
نريده يرفض التجديف والإباحية، كما يرفض القضـايا
الهامشــية التافــهة التـي لا تسمو بالإنسان ولا ترقى به.
إن الإنسان العربي في طور مرحلة حرجة؛ حيث يعيش تحت مطرقة
الأطماع الاستعمارية الخارجية، وسندان الأمية والتخلف
والبطالة، والفساد الاقتصادي والإداري والاجتماعي، والضعف
العسكري والسياسي، والخواء الثقافي والمعرفي... وكل هذا
وغيره يفرض على الأديب العربي المسلم أن يفرغ لمواجهته
ومعالجته وكشف السبل التي تجعل أفراد الأمة قادرين على
العمل الإيجابي الذي يُضيء الواقع، ويصنع المستقبل، ويبني
أمة تملك إرادتها وتحقق العدل والمساواة والكرامة والشورى
والحرية بين أبنائها.
إن الأديب العربي
المسلم أمامه المجال مفتوح ليتناول كل الموضوعات
الإنسانية، شريطة أن تأتي في إطار التصوّر الإسلامي الذي
ينتصر للخير ويرفض الشرّ، ويدعم القدرة على مقاومة هذا
الشرّ داخل الإنسان. ولا يعتقدن أحد أننا نريد من الأديب
أن يصور العربي المسلم (سوبر مان) قاهراً لا يُغلب، لكن
إنساناً يتعثر ويقوم، يضعف ويقوى، يُخطئ ويتوب...
ثمة أمر آخر لا بد أن
يتوفر في الأدب؛ وهو أن يتمتع الأديب بالموهبة الحقيقية
المدعومة بالتجربة الإنسانية العميقة. الأدب ليس مجرد لعبة
لفظية للتسلية التي يزول أثرها بعد قراءتها أو سماعها..
إنها تركيب فني معقد يُعبّر عن تجربة ذات أبعاد إنسانية
عميقة، تستحق البقاء والخلود في وجدان الناس؛ لذا فإن
أصحاب المواهب الضحلة والتجارب السطحية لا يمكنهم أن
يقدموا أدباً ذا قيمة أو فناً ذا منفعة؛ لأن الأدب أو الفن
في أيامنا - مع كل الدعاوى الفارغة التي تحاول أن تفصله عن
الحياة - يحمل رسالة تعبّر عن أصحابها ورؤاهم وتصوّراتهم،
شاؤوا أم أبوا.
إن الأدب الذي نريده
ينبغي أن يأتي في سياق متقن لغوياً وفنّياً، والذين
يتصوّرون أن النوايا الطيبة تكفي في هذا السياق واهمون؛
لأن النوايــا الطيبــة لا تصنـــع أدباً أو فناً.
والإتقان اللغوي والفني
يقتضي المعرفة الجيدة باللغة الفصحى ودلالاتها وتركيباتها،
والتعرف على أساليبها وصياغتها، كما يقتضي التعرف على طرق
البناء الفني للأجناس الأدبية المختلفة شعراً ونثراً،
وتقديم النص الأدبي في صورة شائقة جاذبة تعطيه الحيوية
والاستمرار.
|