كيف يتم انتخاب الرئيس الأمريكي؟


 نظام الولايات المتحدة فيدرالي، ويعني هذا: أن الحكومة الفيدرالية لا تتعامل بشكل مباشر مع المواطن الأمريكي، وإنما يجري تعاملها مع الشعب في معظم القضايا الداخلية من خلال الولايات التي تكوِّن بمجموعها الولايات المتحدة الأمريكية؛ لذلك تُجرى الانتخابات الرئاسية الأمريكية على مستوى الولايات وليس على مستوى المواطن، ولكن يحكم الدستور الأمريكي والقوانين الفيدرالية طريقة إجراء هذه الانتخابات واختيار الفائز فيها، وليس قوانين الولايات المختلفة.
والانتخابات الرئاسية الأمريكية هي انتخابات غير مباشرة، ويعني هذا: أن الشخص الأمريكي لا يعد في الحقيقة ناخباً في هذه الانتخابات، وإنما هو يعبر عن موقفه من المرشحين في ولايته بالشكل الذي يمكِّن الولاية من تقديم رأيها المجمل أو تصويتها على من تعتقد أنه أحق بالرئاسة بناء على رأي مواطنيها في أغلب الأحيان، ويجري انتقال هذا الرأي من مستوى الولاية إلى مستوى الحكومة الفيدرالية عبر منتخبين (Electors)، يمثلون رأي الولاية في هذه الانتخابات.
التصويت بين هؤلاء المنتخبين (Electors) هو ما يحسم حقاً نتيجة الانتخابات. هؤلاء المنتخبون في نظر الدستور الأمريكي والقوانين الفيدرالية، وبعض قوانين الولايات الأمريكية كذلك؛ ليسوا مطالبين قانوناً بالالتزام برأي مواطني الولاية فيمن يقترحون لمنصب الرئيس، ويمكن لهم - على الأقل من الناحية النظرية القانونية - مخالفة نتيجة الانتخاب في الولاية والتصويت بشكل مخالف لما أسفرت عنه نتيجة الانتخابات المحلية. وقد حدث هذا من قبل أكثر من مرة في عدد من الانتخابات الرئاسية الأمريكية السابقة.
وحرصاً على فهم هذه الصورة المركبة عن الديمقراطية الأمريكية، وطبيعة التمثيل الانتخابي بها، وتوضيح بعض المفاهيم الخاطئة حول تلك الانتخابات، وهل هي تعني حقاً حكم الشعب بالشعب وللشعب؛ كما يحلو لأنصار الولايات المتحدة الأمريكية تذكير العالم بذلك؟
نقدم للقارئ في هذا المقال صورة أكثر وضوحاً عن طبيعة هذه الانتخابات، وكيف يتم انتخاب الرئيس الأمريكي. وقد تمت الاستفادة في بعض أجزاء هذا المقال من دراسة سابقة لكاتب هذه السطور قدمت عبر مجلة ^ حول الانتخابات الأمريكية لعام 2004م.
• نظام الانتخاب الأمريكي:
ينص الدستور الأمريكي في المادة الثانية والبند الأول منها على أن تُدار الانتخابات الرئاسية لاختيار الرئيس ونائبه عن طريق نظام (Electoral System) أو نظام «المجموع الانتخابي»، وهذا النظام لا يسمح بالانتخاب المباشر للرئيس ونائبه من قِبَل الشعب الأمريكي بطريقة «صوت واحد لكل ناخب»، وإنما يقوم سكان كل ولاية بتكليف مندوبين عنهم بانتخاب الرئيس، ونائبه، وهم من يسمون بـ (المنتخبــين)، أو (Electors).
أما عموم الشعب الأمريكي الذي يذهب إلى صناديق الاقتراع يوم الانتخاب فهو لا يسمَّـى ناخباً، وإنما هو يختار من سيفوز على مستوى الولاية فقط من بين المرشحين للرئاسة. وهذا الاختيار يقدَّم للمنتخبين لنقله إلى مستوى الحكومة الفيدرالية في التصويت على منصبَيِ الرئيس ونائبه. ولكل ولاية عدد من المنتخبين (Electors) يساوي المجموع الإجمالي لكل من أعضاء مجلس الشيوخ وأعضاء مجلس النواب لهذه الولاية، ويحصل الفائز في كل ولاية على جميع أصوات الولاية فيما يعرف بنظام «الفائز يحصد الكل»، وليس فقط نسبة ما حصل عليه من أصوات.
• 538 شخصاً فقط ينتخبون الرئيس!
عدد المنتخبين في انتخابات الرئاسة الأمريكية هو مجموع عدد ممثلي الشعب الأمريكي في الكونجرس (وهو الكيان التشريعي أو السلطة التشريعية الأمريكية التي تجمع بين مجلسَيْ الشيوخ والنواب). ولتحديد عدد المنتخبين (Electors) لا بد من معرفة العدد الإجمالي لأعضاء الكونجرس.
يمنح نظام الولايات المتحدة عضوين عــن كـل ولايـة - بصرف النظر عن مساحتها أو عدد سكانها - في مجلس الشيوخ (The Senate)؛ لذلك فــإن إجمالي عدد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي هو 100 عضو (من خمسين ولاية)، ويسمى كل عضو في مجلس الشيوخ سيناتور (Senator).
أما عدد أعضاء مجلس النواب (The House of Representatives)؛ فإنه يتناسب مع عدد سكان كل ولاية. ويسمى عضو هذا المجلس نائباً (Representative)، ويتم اختيار نائب في هذا المجلس ليمثل كل نصف مليون شخص تقريباً في كل الولايات الخمسين، فإذا كانت في الولاية مليون نسمة مثلاً فيكون لها عضوان في مجلس النواب، وإن كان عدد السكان في الولاية عشرة ملايين يرتفع عدد النواب إلى عشرين نائباً، وهكذا. أما إجمالي عدد النواب الأمريكيين في مجلس النواب فهو - بالطبع - يتناسب مع إجمالي عدد سكان الولايات المتحدة المقسمة إلى الولايات الخمسين، وهو في هذه المرحلة من تاريخ أمريكا 435 نائباً عن الولايات، وقد أضيف إليهم ثلاثة نواب ليمثلوا العاصمة الفيدرالية واشنطن التي تعدّ مقاطعة فيدرالية لها وضع استثنائي خاص؛ فهي ليست ولاية، وإنما تسمى مقاطعة كولومبيا (District of Columbia)، ويشار إليها بالاختصار (D.C)، وهي بهذا لا تندرج ضمن أي ولاية تبعاً للتنظيم الداخلي للولايات المتحدة، وبذلك يصبح مجموع أعضاء مجلس النواب الأمريكي هو 438 نائباً.
ويتبع ذلك أن يكون إجمالي ممثلي الشعب في مجلسَيْ الشيوخ والنواب هو 538 عضواً، ويعني هذا أيضاً: أن عدد المنتخبين (Electors) الذين يقومون بانتخاب الرئيس الأمريكي هو 538 منتخباً، أي: أن من يقومون بانتخاب الرئيس الأمريكي بشكل فعلي هم 538 منتخباً يمثلون إرادة الشعب الأمريكي بأكمله في حال التزامهم بالتعبير عن هذا الرأي بشكل كامل، وهو ما لا يعد ضرورياً من الناحية الدستورية الأمريكية، وكذلك في قوانين بعض الولايات كما سيأتي شرحه لاحقاً.
أما كيف يتم اختيار هؤلاء المنتخبين، وشروط ذلك؛ فهو أمر يقوم به الحزبان الرئيسان في أمريكا؛ الحزب الديمقراطي والجمهوري كما سنوضح فيما يلي.
• دور المنتخبين (Electors)، وآلية اختيارهم:
يقوم كل حزب من الأحزاب المرشحة قبل الانتخابات باختيار عدد المنتخبين (Electors) المطلوب في كل ولاية، وهو عدد أعضاء الكونجرس بمجلسَيْه (الشيوخ والنواب) نفسه عن هذه الولاية، أي: أن كل حزب يختار من بين أعضائه عدد 538 شخصاً على مستوى جميع الولايات، ويتم الإعلان عن أسماء هؤلاء المنتخبين (Electors) قبل الانتخابات الأمريكية، كما يتم تسجيل هؤلاء المنتخبين (Electors) في السجلات الرسمية للولاية.
أما كيف يتم اختيار هؤلاء المنتخبين فهي تختلف من ولاية لأخرى، ومن حزب لآخر أيضاً. ففي كثير من الأحيان يتم اختيار المنتخبين (Electors) تعبيراً عن التقدير والامتنان لهم لولائهم للحزب، أو لتفانيهم في خدمة المجتمع من خلال الحزب، أو لأية أسباب أخرى لا علاقة لها حقيقة بالدور الحاسم الذي يلعبه هؤلاء المنتخبون خصوصاً في الولايات التي يحق لهم فيها الانفراد برأيهم في التصويت ومخالفة إجماع سكان الولاية، وما أسفر عنه الاقتراع العام فيها كما سيظهر لاحقاً، وعادة ما يتم اختيار هؤلاء المنتخبين في مؤتمر الحزب على مستوى الولاية، ويشترط في هؤلاء المنتخبين (Electors) ألا يكونوا من أعضاء الكونجــرس، أو ممن يعملون في مناصب عليا في الحكومة الفيدرالية، وألا يعرف عنهم العداء للولايات المتحدة[1].
ومهمة هؤلاء المنتخبين (Electors) أن يقوموا بعد إعلان نتيجة الاقتراع على مستوى الولاية بانتخاب الرئيس الأمريكي ونائبه، في حال فوز حزبهم في هذه الولاية، ومن ثم فهم يعدون ممثلين عن الحزب في الإدلاء بأصواتهم المعبرة عن موقف الحزب في هذه الولاية التي فاز بها الحزب من خلال الاقتراع العام.
وفي موعد الاقتراع العام - وهو الثلاثاء الذي يعقب أول يوم اثنين في شهر نوفمبر من السنة التي تعقد فيها الانتخابات الرئاسية - يذهب سكان كل ولاية ممن لهم حق التصويت للاقتراع على منصبَيْ الرئيس ونائبه، وبعد صدور النتائج تحدد كل ولاية من الولايات المرشح الفائز في الاقتراع في هذه الولاية، وفور إعلان هذه النتيجة يصبح مندوبو الحزب الذي فاز بهذه الولاية هم المكلفون بانتخاب الرئيس بالإدلاء بأصواتهم عن تلك الولاية، ويحصل الحزب الفائز على الحق في إرسال ممثليه من المنتخبين (Electors) للتصويت في انتخابات الرئاسة بين المنتخبين (Electors)، والتي تجرى بعد الاقتراع العام بشهر، أي: في شهر ديسمبر.
وفي شهر ديسمبر وفي يوم الإثنين الذي يعقب الأربعاء الأول من الشهر وعقب الاقتراع الرئاسي يجتمع المنتخبون (أعضاء المجموع الانتخابي) في عواصم ولاياتهم، في مبنى العاصمة لكل ولاية، ويدلون بأصواتهم، باقتراع سري، لاختيار رئيس الجمهورية ونائب الرئيس.
ولكي يُنتخب رئيس الجمهورية فإنه يحتاج إلى 270 صوتاً من أصوات المجموع الانتخابي، ثم تجمع نتائج هذا التصويت، وترسل مغلقة وسرية إلى رئيس الكونجرس الأمريكي، والذي يقوم بدوره في اليوم السادس من شهر يناير من العام المقبل، بفتح المظاريف الخاصة بالتصويت، والإعلان الرسمي عن الرئيس القادم للولايات المتحدة الأمريكية، في وجود مجلسَيِ الشيوخ والنواب في جلسة مشتركة، ومن ثم يحق للرئيس المنتخب ونائبه تولِّي المنصب رسمياً، والإدلاء بقَسَم القبول في ظهر يوم 20 يناير.
• كيف يحدَّد الفائز؟
يحصل الحزب الممثل للمرشح الفائز في أي ولاية على حق إرسال مندوبيه للإدلاء بكل الأصوات الانتخابية عن الولاية، وليس فقط نسبة ما حصل عليه المرشح من الأصوات. وجميع الولايات الأمريكية تتبع هذا النظام عدا ولايتي ماين ونبراسكا، وهو مبدأ أن «الفائز بأغلبية الأصوات الشعبية يكسب جميع أصوات الولاية في المجموع الانتخابي»، والفائز في الانتخابات الرئاسية هو من يحصل على أصوات أكثر من نصف عدد المنتخبين (Electors)، أي: أكثر من 270 صوتاً انتخابياً، ولا بد أن يحصل المرشح الرئاسي على 270 صوتاً أو أكثر لكي يعد فائزاً في الانتخابات، ولا تكفي الأغلبية فقط، ويتم ذلك بصرف النظر عن نتيجة الاختيار الشعبي إن خالفت المجموع الانتخابي.
وكان هذا هو سبب حصول جورج بوش على منصب الرئاسة في انتخابات عام 2000م، رغم أنه لم يحصل على أغلب أصوات الشعب، فقد حصل (جورج بوش) على 271 صوتاً انتخابياً (Electors)، بينما لم يحصل (آل جور) في تلك الانتخابات إلا على 266 صوتاً، رغم أنه فاز بأغلب أصوات الشعب، أي: أن الشعب الأمريكي قد اختار بالأغلبية في عام 2000م أن يكون (آل جور) رئيساً له، ولكن نظراً لآلية الانتخاب غير المباشر، وأن من يفوز في ولاية يحصد كل أصواتها الانتخابية، وليس فقط نسبة ما حصل عليه، فقد تم إعلان جورج بوش رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية في تلك السنة رغم أن الشعب الأمريكي لم يختره تبعاً لنتيجة التصويت الشعبي.
• ماذا عن التعادل، أو عدم الحصول على 270 صوتاً؟
ينص الدستور الأمريكي أنه في حال تعادل الأصوات الانتخابية (Electoral Votes)، أو في حال عدم حصول أي من المرشحين على الأغلبية اللازمة للفوز، وهي 270 صوتاً من أصوات المجموع الانتخابي؛ فإن الأمر يُحال بأكمله إلى مجلس النواب الأمريكي بناء على التعديل 12 من الدستور، ويقوم مجلس النواب باختيار رئيس الولايات المتحدة من بين المرشحين، وذلك بإعطاء صوت واحد لممثلي كل ولاية من الولايات، ويتم التصويت بين المرشحين الثلاثة الذين حصلوا على أعلى نسبة في الانتخابات التي لم تحسم.
ولا يلتفت في هذه الحالة إلى رأي الشعب الأمريكي الذي تم التعبير عنه من خلال الاقتراع العام، فحتى لو أكد الاقتراع العام موافقة الشعب الأمريكي على اختيار مرشح بعينه بإعطائه عدداً أكبر من الأصوات؛ فإن الأمر في حال تعادل الأصوات الانتخابية (Electoral Votes) ينقل إلى مجلس النواب لاختيار من يراه المجلس رئيساً للدولة، وهذا خلل واضح في العملية الديمقراطية؛ فلا تعاد الانتخابات مثلاً، أو يتم اختيار الرئيس بشكل ديمقراطي مباشر، ولكن يستعاض عن انتخابات غير مباشرة باختيار غير مباشر أيضاً.
وقد حدث ذلك في تاريخ الولايات المتحدة مرتين من قبل، إحداهما: أسفرت عن اختيار (توماس جيفرسون) رئيساً في عام 1801م، والأخرى: أسفرت عن اختيار (جون كوينسي آدامز) في عام 1825م.
أما إذا تعادلت الأصوات الانتخابية لنائب الرئيس فيقوم مجلس الشيوخ - وليس مجلس النواب - باختيار نائب الرئيس.
ويتضح هنا أن التعادل في الأصوات الانتخابية (Electoral Votes) - وهو أمر وارد - يحول الانتخابات الرئاسية بعيداً تماماً عن اختيار الشعب الأمريكي.
ويقول كثير من المحللين وخبراء الانتخابات إن هذا النظام غير المباشر بأكمله لا يعبِّر في الحقيقة عن ديمقراطية كاملة، وإنما هي ديمقراطية غير مباشرة ومنقوصة كذلك. كما يرى آخرون أن ثغرات هذا النظام يمكن أن تتسبِّب في أزمات دستورية وعملية حقيقية في حال انقسام الشعب الأمريكي بشكل حادٍّ حول من يجب أن يحكمه، وأن انتخابات عام 2008م قد تكون بداية لظهور هذه المشكلات في النظام الانتخابي الحالي.
• ثغرة انتخابية:
الانتخابات الأمريكية الرئاسية تجري وَفْق الدستور الأمريكي والقانون الفيدرالي، وليــس قوانين الولايــات. ولا يوجد في القانون الفيدرالـي الأمريكــي للانتخــابات أو الدستور الأمريكي ما يطالب أي منتخب (Elector) أن يلتزم برأي ولايته أو حزبه أو نتيجة الاقتراع العام، ويعني هذا: أن الدستور يسمح لهذا الشخص بأن يصوت برأيه الشخصي فقط.
المتعارف عليه اصطلاحاً وليس قانوناً أو دستورياً أن يصوت المنتخبون (Electors) الذين يمثلون كل حزب فاز في ولاية ما برأي سكان الولاية نفسه والذي تَعبِّــر عنه نتيجة الاقتراع العام في هذه الولاية في يوم الاقتراع العام (الثلاثاء الأول من شهر نوفمبر). ولكن هذا لم يحدث دائماً، وظهر ما يسمَّى بـ (المنتخب الخائن) أو (المنتخب عديم الإيمان)، أو (Faithless Elector)، وهو المنتخب الذي يصوت بخلاف المتوقع منه.
من أجل ذلك سعت بعض الولايات إلى إلزام المنتخبين (Electors) بنتيجة الاقتراع في الولاية، وذهبت ولايات أخرى إلى حدِّ تجريم ذلك. وبما أن القوانين التي تحكم الولايات الأمريكية مختلفة، وكل ولاية لها قوانينها الخاصة في مختلف جوانب الحياة السياسية والعامة؛ فإن هذه القوانين تختلف أيضاً في دور المنتخبين (Electors) ودرجة التزامهم بنتيجة الاقتراع في الولاية. كما أن فقهاء القانون الدستوري الأمريكي يرون أنه من غير الممكن لقانون ولاية أن يعلو فوق قانون فيدرالي أو الدستور نفسه، ومن ثم فإن الأصل الدستوري أن المنتخب له الحق الكامل في التصويت بالشكل الذي يراه هو، ولا يوجد أي إلزام دستوري له باتِّباع نتيجة التصويت العام، أو رأي حزبه أو ولايته.
واستقر الأمر في هذه الانتخابات على وجود 24 ولاية أمريكية من الولايات الخمسين لا تلزم قوانينها المنتخبين (Electors) بضرورة التصويت في الانتخابات الرئاسية بشكل مطابق لنتيجة الاقتراع المعبر عن رأي الشعب، وإن كان المتوقع منهم أن يفعلوا. ويلزم المنتخبون (Electors) في الولايات الـ 26 الأخرى بالتصويت وفقاً لنتيجة الاقتراع العام في كل ولاية، وذلك تبعاً لقوانين على مســتوى الــولاية قــد لا يكون لها صفة حقيقية على المستوى الدستوري الفيدرالي.
ويعني ذلك: أن من الممكن أن يفوز مثلاً (باراك أوباما) في الاقتراع في ولاية ما، ويحصل الحزب الديمقراطي بذلك على جميع الأصوات الانتخابية في تلك الولاية، ومن ثم يحق له إرسال منتخبيه للتصويت على اختيار الرئيس، ومن المتوقع حينها أن يصوت كل منتخب من هؤلاء المنتخبين باختيار (باراك أوباما)؛ لأن هذا ما نتج عنه الاقتراع العام في تلك الولاية. ولكن الحقيقة مؤيدة بالقانون أن هذا المنتخب من حقه في 24 ولاية أمريكية أن يدلي بالرأي الذي يراه هو بصفته ممثلاً للحزب، ويمكنه - بقرار شخصي محض - أن يمتنع عن التصويت ابتداء، ومن ثم يخسر الحزب صوته، أو أن يصوت لمرشح حزبه كما هو متوقع منه، أو أن يصوت لمرشح أي حزب آخر إن رأى ذلك، أي: أنه في الولايات التي لا تلزم المنتخبين (Electors) بنتيجة الاقتراع؛ إذا اختار أحد المنتخبين أن يدلي بصوته بخلاف ما اختار سكان الولاية، وبخلاف توجه حزبه الذي يمثله؛ فإن رأي هذا الشخص يقدم على رأي الجماهير، ويصبح صوت هذا المنتخب (Elector)، هو الفيصل النهائي فيمن ستنتخبه الولاية عنها، ولا يتعرض المنتخب (Elector) في هذه الحالة إلى أيِّ مساءلة قانونية؛ لذلك فمن حق المنتخبين (Electors) الممثلين لمواطني 24 ولاية أمريكية أن يختاروا بأنفسهم، ووَفْق رأيهم الشخصي المرشح الذي يروق لهم بصرف النظر عن رأي مواطني الولاية، أو أن يمتنعوا عن التصويت إن رأوا ذلك.
كيف يمكن أن يكون ذلك ديمقراطياً؟ هذا المنتخب لم ينتخبه عموم الشعب، بل تم اختياره على مستوى الحزب في الولاية فقط، وكان هذا الاختيار وَفْق آليات داخلية في الحزب نفسه، وهي شروط متغيرة أيضاً من ولاية لأخرى، وهي بالعموم شروط بسيطة، منها: ألا يكون قد أدين بجريمة مخلة، وألا يكون من العاملين في الحكومة الفيدرالية. ويحق لهذا المنتخب أن يضرب برأي سكان الولاية عرض الحائط، وأن يجعل رأيه الشخصي هو فوق رأي جميع سكان الولاية حتى لو كانوا يقدّرون بعشرات الملايين من الأشخاص، كما هي الحال في العديد من الولايات الأمريكية.
وفي تاريخ الولايات المتحدة العديد من المواقف التي قام فيها المنتخبون (Electors) بالتصويت خلافاً لما اختاره الشعب في الاقتراع العام. ففي عام 1836م قام جميع المنتخبين الديمقراطيين وعددهم 23 منتخباً (Electors) برفض التصويت لـ (ريتشارد جونسون) المرشح الديمقراطي لمنصب نائب الرئيس رغم فوزه في الولاية؛ لأنه أنجب من امرأة أمريكية سوداء طفلين أسودين[2]. 
وفي الانتخابات الرئاسية لعام 2000م قام مواطنو العاصمة واشنطن بالتصويت لصالح (جورج بوش)، وفاز في هذا الاختيار، وأهَّله ذلك للحصول على جميع الأصوات الانتخابية للمقاطعة، وهي ثلاثة أصوات يمثلها ثلاثة منتخبين (Electors) عن الحزب الجمهوري، ولكن في يوم التصويت على الرئيس من قِبَل المنتخبين؛ قرر أحد هؤلاء الثلاثة الامتناع عن التصويت لصالح (جورج بوش) تعبيراً عن سخطه من قضية محلية، وبذلك لم يحصل (جورج بوش) إلا على صوتين فقط من أصوات العاصمة، بينما كان يتوقع وَفْق النظام الانتخابي أن يحصل على جميع الأصوات عن المقاطعة وهي ثلاثة أصوات.
• بين الانتخاب المباشر والمجموع الانتخابي (Electoral College):
يدافع أنصار النظام الانتخابي الحالي بأن الانتخاب المباشر لا يطبق في أمريكا في الانتخابات الرئاسية لعدد من الأسباب، من بينها: ضمان تمثيل الولايات الصغيرة مساحةً أو سكاناً في انتخاب الرئيس ونائبه، كما أن هذا الأسلوب الانتخابي يجعل من الصعب على الأقليات أن تحول الانتخابات الرئاسية عن مسارها، ومن ثم فإن هذا النظام يمثل في النهاية مصالح الأغلبية.
أما المعادون لنظام المجموع الانتخابي (Electoral College) فمبرارتهم في عدم كفاءة هذا النظام الانتخابي أو نزاهته تتركز في أنه غير عادل للمرشحين من خارج الحزبين الرئيسيين في أمريكا (الديمقراطي والجمهوري)، كما أن هذا النظام يعطي الفائز في ولاية ما كل الأصوات الانتخابية في تلك الولاية رغم أنه لم يحصل عليها من خلال رأي الشعب، وإنما من خلال الدستور، وهو ما يطعن في أصل فكرة الانتخاب.
• نسبة من يشاركون في الاقتراع العام:
عانت الولايات المتحدة في العقود الأخيرة من مشكلة تقاعس مَنْ لهم حق التصويت عن الإدلاء بأصواتهم في الانتخاباب الرئاسية، وتقاعس كثير ممن يحق لهم التصويت في الحصول على بطاقة التصويت، أو التسجيل ليكون لهم حق التصويت، ففي الولايات المتحدة لا بد أن يسجل الشخص نفسه ضمن سجلات المصوتين قبل أن يسمح له بالمشاركة في الإدلاء بصوته في أية انتخابات. ولذلك فإن الفئات المهمَّشة والفقيرة وغير المهتمة بالحياة السياسية تبتعد عن المشاركة، ومن ثم فإن رأيها يكون غير ممثل في الانتخابات؛ لأنها لا تشارك فيها.
ولكن مع فشل الحرب على العراق، وتراجع الاقتصاد الأمريكي؛ عاد الناخبون إلى صناديق الانتخاب من أجل التعبير عن اهتمامهم بمن يشغل منصب الرئيس في الإدارة الأمريكية، فقد شهدت الخمسون عاماً الماضية تراجعاً واضحاً في نسبة من يذهبون إلى صناديق الاقتراع في يوم الانتخابات عن الأعوام التي قبلها، فقد كانت نسبة من يشاركون في الإدلاء بأصواتهم في عام 1960م أكثر من 63% من إجمالي عدد المنتخبين، بينما انخفضت تلك النسبة إلى 49% في انتخابات عام 1996م، ولكنها عادت لتسجل ارتفاعاً إلى نسبة 55% مع انتخابات عام 2004م.
ويوضح الرسم البياني أن هذا التراجع قد توقف في العقد الماضي بسبب المنافسة بين المرشحين، ولكن المراقبين يُجمِعون على أن المنتخبين قد فقدوا الثقة في جدوى التصويت بسبب الخدع الإعلامية، وتدخُّل قوى الضغط السياسي في العملية الانتخابية، وغير ذلك من الحيل التي أفقدت الانتخابات الأمريكية بريقها الديمقراطي.
تفاعل المجتمع الأمريكي مع انتخابات عام 2008م بصورة كبيرة؛ نظراً للأزمات الخانقة التي تعاني منها الولايات المتحدة من ناحية، ولأنها انتخابات تاريخية أيضاً بوجود مرشح من أصل إفريقي ونائب له كاثوليكي من ناحية، ووجود مرشحة لنائب الرئيس من الناحية الأخرى، وكلها أمور تعد جديدة على الحياة الأمريكية، ولم يحدث أن تنافس أسود - رغم اعتراضنا على تصنيف البشر بحسب لون بشرتهم - مع كاثوليكي وامرأة في الانتخابات الأمريكية الرئاسية من قبل.


[1] How the Electoral College Works, by Kevin Bonsor, How stuff works, 13 October, 2008.
[2] «How one Elector Could Yet Tilt U.S. Election», Josh Gerstein, Te New York Sun, 14 September, 2004.