الرئيس القادم

 

للولايات المتحدة الأمريكية

 

 تختلف الانتخابات الرئاسية لهذا العام في الولايات المتحدة عن أية انتخابات في تاريخ أمريكا من قبل من جوانب متعددة؛ فهي انتخابات تجري في ظل أزمة مالية عالمية تعدّ الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة والعالم أيضاً. والمرشحون في هذه الانتخابات يختلفون عن كل الانتخابات السابقة أيضاً؛ فـ (باراك أوباما) من الحزب الديمقراطي هو أول مرشح رئاسي ليس من العرق الأبيض، وهي قضية حساسة وهامة في أمريكا، ونائبه هو المرشح (جوزيف بايدن)، وهو كاثوليكي، وهذا أيضاً أمر غير معتاد في الرؤساء ونوابهم في أمريكا، فهم دائماً من البروتستانت، عدا استثناء واحد، وهو (جون كنيدي) في ستينيات القرن الماضي. ومن ناحية التيار الجمهوري اختار المرشح الرئاسي (جون ماكين) سيدة لأول مرة في تاريخ الحزب الجمهوري لتكون المرشحة لمنصب نائب الرئيس، وهي حاكمة ولاية ألاسكا (سارة بالين).

تأتي هذه الانتخابات أيضاً ليتم من خلالها اختيار من سيخلف (جورج بوش) و (ديك تشيني)، وهما يعدّان بشهادة معظم وسائل الإعلام الغربية من الشخصيات التي تتمتع بأدنى درجات الشعبية بين الناخبين الأمريكيين، وعلى مستوى معظم بلاد العالم أيضاً، وساهم ذلك بالإضافة إلى سلسلة من مشروعات الهيمنة الفاشلة والمخجلة التي تبنّياها؛ في تدنِّي سمعة الولايات المتحدة بوصفها قوة عظمى إلى أدنى المستويات في تاريخها، وانحسار موجة التعاطف معها سواء كان في أوروبا، أو منطقة نفوذ روسيا والدول المحيطة بها، أو أمريكا الجنوبية واللاتينية، وبالتأكيد في الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي.

هذه الأزمات المتنوعة والمتعددة جعلت الانتخابات الأمريكية القادمة محور اهتمام كثير من المراقبين في دول العالم أجمع، فنتيجة الانتخابات تحدد من سيشغل البيت الأبيض في الأعوام القادمة، وكما تحدد هوية من سيتعامل مع هذه المشكلات التي تلقي بظلالها القاتمة على اقتصاديات العالم، والتوازنات الدولية، والاستقرار العالمي كذلك.

من الرئيس القادم لأمريكا؟ وما فرصة كلا المرشحين في الفوز بمنصب الرئاسة؟ وما شكل السياسة المتوقعة للإدارة الأمريكية عند نجاح أي منهما، هو موضوع هذه الدراسة.

قدَّم الإعلام العربي طوال العام الحالي والماضي صورة كافية وشاملة للمرشحين وأهدافهم وخلفياتهم؛ لذلك ستبتعد هذه الدراسة عن تكرار هذه المعلومات، وستحاول بإيجاز التعريف بفرصة كلا المرشحين في الفوز بالمنصب، والعوامل التي ساهمت في ترجيح كفة أحدهما على الآخر، على ضوء الواقع الداخلي الأمريكي، والتفاعلات الإقليمية والدولية المؤثرة على الانتخابات الأمريكية.

أهمية انتخابات عام 2008م:

الخيار بين المرشحين للرئاسة الأمريكية لا يحسمه رأي المراقبين في العالم العربي والإسلامي، ولا حتى رأي المحللين أو الإعلاميين في الولايات المتحدة الأمريكية.. الخيار يُحسم من قِبَل الاقتراع العام الذي يكون في الأسبوع الأول من نوفمبر بين من يملكون حق التصويت، ومن يقفون أمام صناديق الاقتراع ليقرروا من سيحكمهم في الأعوام القادمة، ومن سيتعامل معه العالم أجمع من أجل إنقاذ الكون من الكوارث الأمريكية التي توالت في الأعوام الثمانية الماضية على كثير من شعوب الأرض؛ بسبب حماقات المحافظين الجدد، وعلوية الرئيس الأمريكي (جورج بوش) وسذاجته، ومكر (ديك تشيني) وخبثه.

يشعر العالم بالقلق لذلك، فالناخب الأمريكي هو الذي أعاد اختيار (جورج بوش) إلى منصب الرئيس، رغم أن العالم أجمع قد اكتشف منذ سنوات خطورة هذا الرجل ونائبه، ولكنهما نجحا في إقناع الناخب الأمريكي بأنهما الخيار الأفضل للمرحلة، وأنهما كذلك صِمَام الأمان ضد تكرار الهجوم على أمريكا؛ كما حدث صباح الحادي عشر من سبتمبر 2001م.

 لن يتعامل الرئيس القادم لأمريكا مع قضايا محلية وداخلية فقط، وإلا لهان الأمر، ولقلَّ الاهتمام بمن سيكون ساكن البيت الأبيض في الأسبوع الثالث من شهر يناير 2009م. الرئيس القادم للولايات المتحدة سيجد نفسه محاطاً بعدد من القضايا الخارجية المؤثرة على كثير من دول العالم، وعلى رأسها شعوب العالم العربي والإسلامي.

سيحتاج الرئيس الأمريكي القادم إلى تحديد موقف أمريكا من احتلال العراق وأفغانستان، وكيف ستلعب أمريكا دوراً مؤثراً في القضية الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني؟ وهل ستستمر أمريكا في محاولة صياغة وتشكيل الواقع العربي والإسلامي ليلائم نظرتها هي إلى المستقبل؟ وماذا عن الميل الأمريكي طوال الأعوام الماضية إلى الكيل بمكيالين عند الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ وهل ستقبل أمريكا بتعدد الأقطاب، وعودة روسيا إلى ساحات التأثير الدولي، وظهور الصين قوة عظمى منافسة؟ وكيف سيضع العالم نهاية لحماقة الحرب على الإرهاب ووصم الإسلام بأبشع الصفات؟ وما دور القوة والسلاح في علاقة أمريكا بشعوب الأرض؟ وهل سيعود الاستقرار إلى الأسواق المالية العالمية؟ ومن سيحاسب الاحتياطي الفيدرالي أو البنك المركزي الأمريكي على تسبّبه في الكارثة التي شملت كل أركان الأرض، وجميع دول العالم، وتسببت في خسائر خيالية لرجال الأعمال والمستثمرين في كل بقعة من أنحاء عالم اليوم؟ من أجل ذلك كله يصبح انتخاب الرئيس الأمريكي القادم شأناً داخلياً وهاماً لكثير من أبناء العالم العربي والإسلامي، وغيرهم من شعوب الأرض.

وليس الهدف فقط من استشراف نتائج الانتخابات القادمة فهم نوعية التحديات التي ستقابل الأمة العربية والإسلامية في السنوات الأربع القادمة من خلال التعامل مع إدارة أمريكية جديدة، ولكن من المهم كذلك التعرف على الفرص المتاحة لخدمة مصالح الشعوب العربية والإسلامية عندما تتغير الإدارة الحالية. ستختلف التحديات التي ستواجهها الأمة تبعاً لنتيجة هذه الانتخابات، وستختلف كذلك الفرص الإيجابية الممكن استثمارها.

 

الجدول 1: تعريف بالمرشحين:

 

باراك حسين أوباما

 

مرشح لمنصب الرئيس

 

www.barackobama.com

 

الحزب

 

الديمقراطي.

 

الإقامة

 

شيكاغو ـ إلينوي.

 

الحالة الاجتماعية

 

متزوج (ميشال أوباما).

 

الوظيفة السابقة

 

محام.

 

المنصب السياسي

 

سيناتور (عضو مجلس شيوخ) منذ عام 2004م عن ولاية إلينوي.

 

التعليم

 

جامعة هارفارد – شهادة محاماة من كلية القانون.

 

الميلاد

 

4 أغسطس 1961م.

 

مكان الميلاد

 

ولايه هاواي لأب مسلم.

 

الديانة

 

الكنيسة الموحدة للمسيح

(بروتستانت).

 

 

الجدول 2: تعريف بالمرشحين:

 

جون ماكين

 

مرشح لمنصب الرئيس

 

الحزب

 

الجمهوري.

 

الإقامة

 

أريزونا.

 

الحالة الاجتماعية

 

متزوج (سيندي ماكين).

 

الوظيفة السابقة

 

ضابط بحربية.

 

المنصب السياسي

 

سيناتور عن ولاية أريزونا.

 

التعليم

 

كلية البحرية الأمريكية.

 

الميلاد

 

29 أغسطس 1936م.

 

مكان الميلاد

 

قطاع قناة بنما ــ الإدارة الأمريكية.

 

الديانة

 

الكنيسة الأسقفية البروتستانتية.

 

 

 

الجدول 3: تعريف بالمرشحين:

 

جوزيف بايدن

 

مرشح لمنصب نائب الرئيس

 

www.barackobama.com

 

الحزب

 

الديمقراطي.

 

الإقامة

 

ديلاوير.

 

الحالة الاجتماعية

 

متزوج (جيل بايدن).

 

الوظيفة السابقة

 

محام.

 

المنصب السياسي

 

سيناتور – عضو مجلس الشيوخ

منذ  1972م.

التعليم

 

جامعة سيراكيوز بولاية نيويورك

شهادة في المحاماة.

الميلاد

 

20 نوفمبر 1942م.

 

مكان الميلاد

 

سكرانتون بولاية بنسلفانيا.

 

الديانة

 

الكنيسة الكاثوليكية الرومانية.

 

 

الجدول 4: تعريف بالمرشحين:

 

سارة بالين

 

مرشح لمنصب نائب الرئيس

 

الحزب

 

الجمهوري.

 

الإقامة

 

ويسلي – ألاسكا.

 

الحالة الاجتماعية

 

متزوجة (تود بالين).

 

الوظيفة السابقة

 

رئيسة بلدية.

 

المنصب السياسي

 

حاكمة ولاية آلاسكا.

 

التعليم

 

كلية الصحافة والإعلام – جامعة ولاية أيداهو.

 

الميلاد

 

11 فبراير 1964م.

 

مكان الميلاد

 

ساند بوينت، أيداهو.

 

الديانة

 

مسيحية بروتستانت دون انتماء إلى المذهب.

 

 

(أوباما) أم (ماكين)؟

ظل السؤال الأكثر إلحاحاً خلال الأشهر الماضية هو: من سيكون الرئيس القادم للولايات المتحدة؟ هل هو السيناتور (باراك أوباما) الديمقراطي ومعه السيناتور (جوزيف بايدن)؟ أم أنه سيكون السيناتور (جون ماكين)، ومعه حاكمة ولاية ألاسكا (سارة بالين)؟ هل سيكون رئيس أمريكا شاباً أسمر اللون، وُلد لأب مسلم، وعاش في العالم الثالث فترة من عمره، وعرف معنى الفقر والعنصرية في حياته، ويحيط نفسه بأفضل الخبراء والمستشارين، ولكنه يُتهم أنه صاحب خبرة بسيطة في الحياة السياسية، ويتبع حزبه الديمقراطي في كل صغيرة وكبيرة، وليس قوياً بالدرجة الكافية لمواجهة أزمات الحرب على الإرهاب والانهيار الاقتصادي، وليس محباً للدولة الصهيونية بدرجة كافية؛ كما يزعم خصومه؟ أم أن الرئيس القادم لأمريكا سيكون رجلاً مسناً دخل العقد السابع من عمره، ويحمل معه خبرات عشرات السنين من العمل السياسي والخبرة القتالية والقدرة على الاختلاف عن حزبه إذا اقتضى الأمر، وعرف معاناة الحروب من واقع تجربته الشخصية، ومحب للدولة الصهيونية بلا نزاع، ومحب كذلك لأمريكا - بدرجة تقترب من الهوس – ويرى مكانها الوحيد أن تكون فوق الجميع، ولكنه لم يهتم أبداً بالاقتصاد، ومن ثم لا يجيد التعامل مع كارثة 2008م المالية، وهو كذلك شخص عنيد عنيف لا يجيد تكوين الصداقات، ولا الحفاظ عليها، ولا يحسن اختيار من يسانده كما ظهر من اختياره لـ (سارة بالين)، وقد يعيقه كبر السن عن المرونة اللازمة لإدارة أزمات أمريكا الطاحنة؛ كما يتهمه منافسوه؟

الخياران مختلفان كثيراً بعضهما عن بعض، وستتغير أمريكا بشكل كبير تحت رئاسة أي منهما، في اتجاه مختلف تماماً عن الاتجاه الذي من الممكن أن تسير فيه في حال نجح الآخر.

يرى بعض المراقبين أن السياسات الأمريكية لا تتغير كثيراً بتغير الرؤساء؛ لأنها دولة تقوم على المؤسسات، ولكن السنوات الماضية أثبتت مقدار خطأ هذا التصور، فالرئيس يستطيع من خلال الإدارة الكاملة الجديدة التي يقوم هو باختيارها فرداً فرداً أن يعيد تشكيل السياسة الخارجية والداخلية للولايات المتحدة بصورة أكبر بكثير مما كان يُعتقد في السابق.

وفي عصر يسوده الإعلام، وسرعة انتشار الخبر، وقدرة الكلمة على تغيير السياسات والاقتصاديات بشكل مباشر وسريع في أنحاء مختلفة من العالم؛ فإن منصب الرئيس الأمريكي لا يزال يمثل قوة دولية حقيقية لا يمكن الاستهانة بها، أو التقليل من شأنها، على الأقل في المرحلة القصيرة القادمة من واقع العالم. لا يجب أن تجعلنا أمنيات تحديد التفرد الأمريكي بالقرار الدولي أن نغفل عن المقدار الحقيقي للقوة التي لا تزال أمريكا تتمتع بها على الساحة الدولية، حتى مع تكاثر الأزمات عليها في الآونة الأخيرة. إن فهم الخصم وعدم التقليل من قوته يعد من الناحية الإستراتيجية المرتبطة بخدمة الأمة العربية والإسلامية؛ على قدر أهمية عدم تضخيم الخصم، أو الوقوع في التصور المبالغ فيه لقدراته أو إمكانات دولته.

من الذي يدعم المرشحين؟

هناك مثل أمريكي شائع يقول: «تتبع مصدر المال لكي تعرف الجهات المؤثرة». وتظهر صحة هذا المثل الأمريكي بشكل كبير في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. إن الإنفاق على الانتخابات الأمريكية بلغ أرقاماً كبيرة، ومتزايدة بشكل لافت للنظر أيضاً، فبينما كان إجمالي ما أنفق على انتخابات عام 2004م بين جميع المرشحين هو 616 مليون دولار أمريكي؛ فإن الرقم المقابل في هذا العام قد وصل إلى أكثر من 1.2 مليار دولار، أي: أن الزيادة مقارنة بالانتخابات السابقة تقترب من 100%؛ فلماذا يتزايد الإنفاق بهذا الشكل الكبير؟ وما مصدر هذه الأموال؟

أظهرت الأرقام الصادرة عن «لجنة الانتخابات الفيدرالية» (Federal Election Commission) - وهي الجهة الرقابية المخولة بجمع البيانات عن التبرعات التي يحصل عليها المرشحون - أن هناك اختلافاً في نوع المتبرعين لكلٍّ من المرشحين. والجدول المرفق يبين أكبر مصادر التبرعات لكل من (باراك أوباما) و (جون ماكين) حتى نهاية شهر أغسطس من هذا العام.

ويلاحظ من الجدول أن (باراك أوباما) لديه من المال لخدمة حملته الانتخابية ضعف المبلغ المتاح لخصمه (جون ماكين)، كما يلاحظ أن المرشحَيْن لم يضعا من جيوبهما أي مال لدعم حملاتهما الانتخابية، ومن اللافت للنظر أن تبرعات الأفراد شكلت أغلب المال الذي جمع للمرشحين، وليس لـ (أوباما) وحده، كما يتهم الإعلام في كثير من الأحيان (جون ماكين) أنه يتلقى الدعم المباشر من القوى الضاغطة والشركات الكبرى، كما يشير الجدول إلى أن حملة (ماكين) أضعف مالياً من حملة (أوباما)، وهو ما يؤثر سلباً على قدرة (ماكين) في توصيل رسالته من خلال الإعلانات المكثفة في الأيام الأخيرة للانتخابات، بينما لا يعاني (أوباما) من هذه المشكلة؛ لأن حملته قوية من الناحية المالية.

موقف العرب والمسلمين في الولايات المتحدة:

ليس موقف العرب والمسلمين في الولايات المتحدة في هذه الانتخابات الرئاسية بقدر الصعوبة التي واجهتهم في الانتخابات الماضية، أو التي قبلها. ففي انتخابات عام 2000م غامر المسلمون بتأييد (جورج بوش) في الانتخابات، وهناك من يرون أنهم كانوا سبب نجاحه عندما حسمت الانتخابات في النهاية في ولاية فلوريدا، وكان فارق الأصوات لا يزيد عن 500 صوت بين المتنافسين، وكان المسلمون في تلك الولاية يساندون (جورج بوش) بقوة، ورغم كل ذلك فإنه بعد انتخابه لم يفِ بأي وعد من وعوده التي قطعها على نفسه.

لذلك كان من غير المقبول التصويت له مرة أخرى في عام 2004م، وكان الخيار الآخر غير مقبول أيضاً في ذلك الوقت؛ لأن المرشح الديموقراطي (جون كيري) لم يبدِ أي اهتمام أو تعاطف مع قضايا العرب والمسلمين في القارة الأمريكية، بل إنه تعمَّد في أكثر من حديث صحفي له استثارة مشاعرهم من خلال الهجوم على الدول الإسلامية، وإعلان التأييد غير المشروط للكيان الإسرائيلي. وانقسمت أصوات العرب والمسلمين في عام 2004م بين الخيارين، وكلاهما لم يكن خياراً مقبولاً.

أما في عام 2008م فيبدو أن العرب والمسلمين قد اختاروا بوضوح تأييد المرشح الديمقراطي (باراك أوباما)، ليس لأن (أوباما) ستكون مواقفه مفيدة للجالية، ولكن لأن منافسه سيكون خياراً سيئاً للغاية للعرب والمسلمين في أمريكا وخارجها. وفي كل الأحوال فمن المهم أن نبين ماذا يعني تحديداً أن يفوز (أوباما)، وماذا يعني أن يفوز (ماكين).. وما الأثر المتوقع على العالم العربي والإسلامي من نجاح أي منهما.

ماذا يعني أن يصبح (أوباما) رئيساً لأمريكا؟

إن النجاح الذي حققه (باراك أوباما) في الوصول إلى المنافسة على أعلى منصب في الحياة السياسية الأمريكية هو وليد لحظة وظروف أمريكية معينة قد لا يستطيع بسهولة التخلص من تبعاتها الظاهرة والكامنة؛ كما يرى أحد المحللين، وقد ينتج عن هذا ألا يتماثل (أوباما) المرشح الرئاسي والمحامي المدافع عن حقوق الأقليات والمستضعفين في أحياء شيكاغو الفقيرة، مع الرئيس (باراك أوباما) في حال فوزه بمنصب الرئاسة؛ لأن «ماكينة الانتخابات الأمريكية الطاحنة قد تدفع (أوباما) الحديث العهد بالسياسة وضغوطها بعيداً عن مواقفه السابقة»؛ كما يرى هذا الباحث. وقد لا يكون من أولويات القارئ العربي معرفة مواقف الرئيس (أوباما) في حال انتخابه من القضايا الداخلية الأمريكية، ولكن يمكن أن نجمل التوقعات العامة لرئاسة (باراك أوباما) في الملفات الخارجية ضمن مجموعة من العناصر الأساسية المرتبطة بقضايا العالم العربي والإسلامي.

في مجال السياسات الخارجية سترتبط رئاسة (باراك أوباما) بالإعلان عن زوال تأثير المحافظين الجدد إلى حدٍّ بعيد في مقابل استدعاء صورة أمريكا المسالمة مرة أخرى على الساحات الدولية، والسعي إلى التحالف مع أوروبا سياسياً واقتصادياً، وإظهار القوة الناعمة في السياسة الخارجية، والتأكيد على قدرة أمريكا على التعاون مع العالم. وستهتم أمريكا بمناطق صاعدة في العالم من ناحية التأثير السياسي ومنها: إفريقيا ودول العالم الثالث.

وفي مجال السياسات الداخلية سيلاحظ العالم أن الإدارة الأمريكية الجديدة في حال فوز (أوباما) ستسعى إلى إبعاد الدِّين عن التأثير السياسي، وإلى استقطاب العرب والمسلمين في أمريكا لخدمة الإدارة الأمريكية ضمن اهتمامات هذه الإدارة بالعلاقة مع العالم العربي والإسلامي. ومن المتوقع في ذلك الوقت إنهاء مشروعات الشرق الأوسط الكبير والموسع وأمثالهما، والرغبة في تقوية العلاقات مع الدول العربية والإسلامية، مع التركيز على دعم باكستان اقتصادياً وثقافياً لتقليل مخاطر عودة طالبان، والسعي إلى حل مشكلة دارفور.

وستشغل القضية الفلسطينية والعلاقة مع الكيان الصهيوني حيزاً هاماً من السياسة الخارجية الأمريكية في حال فوز التيار الديمقراطي بالحكم. سيظهر في الحال قلق صهيوني من السياسات الأمريكية، وتخوف من استعادة المفاوضات الجادة، ومن رغبة (باراك أوباما) واستعداده للسماع لوجهة النظر الفلسطينية، وميله إلى الضغط على الدولة الصهيونية لتحقيق السلام، وكذلك تشجيع قيام دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي، وستتوتر العلاقة مع الكيان الصهيوني نسبياً، وإن كان من المتوقع أن يحافظ (أوباما) على علاقة متوازنة مع ذلك الكيان حرصاً على زيادة فرصته في إعادة انتخابه بعد الفترة الرئاسية الأولى.

وستشهد العلاقات الدولية في ظل رئاسة (باراك أوباما) المزيد من الانفتاح الدولي، ومع التركيز على عدد من الملفات الشائكة، ومنها: مواجهة تمدد روسيا ثقافياً وإعلامياً، مع السماح  لها بنفوذ إقليمي، والسعي إلى تحسين صورة أمريكا بين شعوب العالم، وبدء درجة من الحوار مع إيران، مع التركيز على عدم السماح لها بأن تتحوَّل إلى قوة نووية من خلال الضغوط الاقتصادية والسياسية. ومن المتوقع أن تستعيد الولايات المتحدة نشاطها في المنظمات الدولية، وأن يتم تطوير مشروع الحرب على الإرهاب ليتم من خلال تعاون دولي دون تجريم لدين أو منطقة.

أما السياسات العسكرية للإدارة القادمة فستجمع بين الحد من سباق التسلح الدولي، ومحاولة تقليص فرص المواجهات المسلحة، والتخطيط لسرعة الانسحاب من العراق، في مقابل زيادة الوجود العسكري في أفغانستان. وستتميز الإدارة الأمريكية في ظل رئاسة (باراك أوباما) بتقليص الإنفاق العسكري من أجل إصلاح الواقع الاقتصادي خاصة في ظل الأزمة المالية العالمية.

ماذا يعني أن يصبح (ماكين) رئيساً لأمريكا؟

تلقى (ماكين) قدراً كبيراً من التبرعات من قبل المسؤولين عن صناعة النفط، بعد أن غيَّر رأيه وأصبح مؤيداً للتنقيب عن النفط في البحار. وأشار أحد العناوين في صحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية إلى أن «صناعة البترول أمطرت الأموال على (جون ماكين) بعد تغيير رأيه بشأن عمليات التنقيب»؛ والمقصود هنا بالطبع عمليات التنقيب عن النفط في البحار. (جون ماكين) بنى حملته الرئاسية على أساس التعامل مع الشركات الكبرى، ودعمها في حال نجاحه بوصفه رئيساً، وتقليل الضرائب المفروضة عليها من أجل المزيد من الهيمنة الأمريكية على العالم. ستتميز الإدارة الأمريكية في عهد (جون ماكين) في محاولة تقديم أمريكا بوصفها قوة فريدة من نوعها، ولها استثنائية خاصة في التعامل معها، وسيلقي هذا بظلال من الريبة والترقب في العالم العربي والإسلامي عند التعامل مع هذه الإدارة.

ويمكن أن نجمل مواقف الرئيس (جون ماكين) في عدد من الأفكار الرئيسة التالية:

- في مجال السياسات الخارجية يتوقع استمرار تأثير المحافظين الجدد بدرجة أقل من الإدارة الأمريكية الحالية، ولكنهم سيحتفظون بقدر هام من التأثير على القرار الأمريكي، وخاصة ما يتعلق باستمرار مشروع الهيمنة الأمريكيــة. وستميل إدارة (جون ماكين) إلى الابتعاد التدريجي عن أوروبــا، وإلى التركيز على القوة الصلبة في السياسة الخارجية، وكذلك إلى تأكيد الغطرسة الأمريكية والدور القيادي لأمريكا. ولن تهتم تلك الإدارة بالمناطق المهمشة في العالم كإفريقيا إلا من خلال تأكيد مصالح أمريكا فقط.

- وفي مجال السياسات الداخلية المؤثرة على العالم العربي والإسلامي؛ فإننا سنشهد استمرار استغلال الدين لمصالح سياسية، واستمرار تجريم العرب والمسلمين داخل أمريكا ووَصْمهم بالتطرف وبدعم الإرهاب، وستكون العلاقة مع العالم العربي والإسلامي متوترة في ظل سعي الإدارة الجديدة إلى استمرار سياسة مشروعات التدخل في تشكيل واقع الشرق الأوسط، وتجاهل العلاقات مع الدول العربية والإسلامية. وعلى ساحات الصراعات الدولية سيظهر التركيز على تقوية القبضة العسكرية الباكستانية في مواجهة الطالبان، وعلى مواجهة السودان والتخطيط لتغيير النظام فيها بوصف ذلك إحدى أولويات الإدارة الجمهورية في حال فوزها.

لن تحظى القضية الفلسطينية والعلاقة مع الكيان الصهيوني بفرصة طيبة من وجهة النظر العربية والمسلمة في ظل رئاسة (جون ماكين) الذي سيحظى بارتياح صهيوني فوري للسياسيات الأمريكية، وستعمل أمريكا على أن تكون المفاوضات فقط لخدمة الكيان الصهيوني، مع تجاهل وجهة النظر الفلسطينية، والتسامح مع المواقف الصهيونية بالمجمل. سيستمر في هذه الإدارة الحديث عن الدولة الفلسطينية فقط إن وافقت الدولة الصهيونية عليها بالشكل الذي يخدم مصالح الكيان الصهيوني بالدرجة الأولى.

- أما في مجال العلاقات الدولية فمن المتوقع أن تميل أمريكا في ظل رئاسة (جون ماكين) إلى الانعزال والانكفاء الداخلي من ناحية، وإلى التركيز على قضايا خارجية محددة، منها: مواجهة روسيا بشكل حاد سياسياً واستراتيجياً؛ إقليمياً ودولياً، واستبعادها من التحالفات الغربية، والاستمرار في نهج الإدارة الحالية من ناحية عدم الاكتراث برأي العالم في أمريكا، وتصعيد المواجهة مع إيران، والتأكيد الدائم على خصوصية أمريكا وحقها في التصرف بمعزل عن المنظمات الدولية. وسيتحول الحديث عن الحرب على الإرهاب إلى مشروع عسكري أمني موجه في الأساس ضد الإسلام والعالم العربي والإسلامي.

من المتوقع أن تتطور السياسات العسكرية الأمريكية مع فوز (جون ماكين) في اتجاه تشجيع عودة سباق التسلح، وعدم الممانعة من المزيد من المواجهات المسلحة، والتأكيد على البقاء في العراق دون وجود وقت زمني للانسحاب حتى يتم تحقيق انتصار ترضى عنه الإدارة الأمريكية مهما زادت التكاليف على الشعب العراقي أو على الجيش الأمريكي، مع تأكيد الذراع العسكرية في أفغانستان، ومحاولة منع طالبان من العودة إلى السلطة. ويمكن تلخيص ومقارنة مواقف كِلا المرشحين من القضايا الهامة للعالم العربي والإسلامي من خلال الجدول التالي:

 

ماذا يعنــي نجاح (أوبــاما) أو (ماكــين) في الوصول

إلى  منصب الرئاسة؟

 

المجال

 

(أوباما) رئيساً

 

(ماكين) رئيساً

 

السياسات الخارجية

 

-  زوال تأثير المحافظين الجدد.

-  استدعاء صورة أمريكا المسالمة.

-  التحالف مع أوروبا سياسياً واقتصادياً.

-  إظهار القوة الناعمة في السياسة الخارجية.

-  تأكيد قدرة أمريكا على التعاون مع العالم.

-  الاهتمام بإفريقيا ودول العالم الثالث .

-  استمرار تأثير المحافظين الجدد بدرجة أقل.

-  استمرار مشروع الهيمنة الأمريكية.

-  الابتعاد التدريجي عن أوروبا.

-  التركيز على القوة الصلبة في السياسة الخارجية.

-  تأكيد الغطرسة الأمريكية والدور القيادي لأمريكا.

-  عدم الاهتمام بإفريقيا.

السياسات الداخلية

 

-  إبعاد الدين عن التأثير السياسي.

-  استقطاب العرب والمسلمين في أمريكا لخدمة الإدارة الأمريكية.

-  استغلال الدين لمصالح سياسية.

-  تجريم العرب والمسلمين داخل أمريكا ووَصْمهم بالتطرف وبدعم الإرهاب.

العلاقة مع العالم العربي والإسلامي

 

-  إنهاء مشروعات الشرق الأوسط الكبير والموسع وأمثالهما.

-  تقوية العلاقات مع الدول العربية والإسلامية.

-  التركيز على دعم باكستان اقتصادياً وثقافياً لتقليل مخاطر عودة طالبان.

-  السعي إلى حل مشكلة دارفور.

-  استمرار سياسة مشروعات التدخل في تشكيل واقع الشرق الأوسط.

-  تجاهل العلاقات مع الدول العربية والإسلامية.

-  التركيز على تقوية القبضة العسكرية الباكستانية في مواجهة طالبان.

-  مواجهة السودان والتخطيط لتغيير النظام فيه.

القضية الفلسطينية والكيان الصهيوني

 

-  قلق الدولة الصهيونية من السياسات الأمريكية.

-  استعادة المفاوضات الجادة.

-  استعداد للسماع لوجهة النظر الفلسطينية.

-  الضغط على الدولة الصهيونية لتحقيق السلام.

-  تشجيع قيام دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي.

-  ارتياح صهيوني للسياسات الأمريكية.

-  المفاوضات فقط لخدمة الكيان الصهيوني.

-  تجاهل وجهة النظر الفلسطينية.

-  التسامح مع مواقف الدولة الصهيونية بالمجمل.

-  الدولة الفلسطينية فقط إن وافقت الدولة الصهيونية.

العلاقات الدولية

 

-  الانفتاح الدولي.

-  مواجهة تمدد روسيا ثقافياً وإعلامياً، مع السماح  لها بنفوذ إقليمي.

-  تحسين صورة أمريكا بين شعوب العالم.

-  الحوار مع إيران.

-  استعادة نشاط الولايات المتحدة في المنظمات الدولية.

-  الحرب على الإرهاب تتم من خلال تعاون دولي دون تجريم لدين أو منطقة.

-  الانعزال والانكفاء الداخلي.

-  مواجهة روسيا بشكل حاد سياسياً واستراتيجياً؛ إقليمياً ودولياً واستبعادها من التحالفات الغربية.

-  عدم الاكتراث برأي العالم في أمريكا.

-  تصعيد المواجهة مع إيران.

-  التأكيد على خصوصية أمريكا وحقها في التصرف بمعزل عن المنظمات الدولية.

- تحول  الحديث عن الحرب على الإرهاب  إلى مشروع عسكري أمني موجه في الأساس ضد الإسلام والعالم العربي والإسلامي.

السياسات العسكرية

 

-  الحد من سباق التسلح الدولي.

-  تقلص فرص المواجهات المسلحة.

-  الانسحاب من العراق.

-  زيادة الوجود العسكري في أفغانستان.

-  تشجيع عودة سباق التسلح.

-  المزيد من المواجهات المسلحة.

-  البقاء في العراق لتحقيق انتصار.

-  تأكيد الذراع العسكرية في أفغانستان.

 

التوقعات الانتخابية، واحتمالات الفوز:

من الصعوبة استشراف نتائج هذه الانتخابات في ضوء احتمال حدوث هجمات جديدة مفاجئة على الولايات المتحدة الأمريكية، وهو أمر لا توجد بوادر حقيقية له. وفي حال استمرار الأوضاع الأمنية كما هي عليه وقت كتابة هذا التقرير؛ فمن المرجح أن ينجح (باراك أوباما) في الفوز بمنصب الرئيس، ولن يكون ذلك بفارق ضخم من الأصوات، ولكنه سيكون فوزاً واضحاً للتيار الديمقراطي في مواجهة التيار الجمهوري الذي نجح طوال الأعوام الثمانية الماضية في الاحتفاظ بمقعد الرئاسة. أما أهم أسباب ذلك الفوز في حال حدوثه؛ فسيكون مرجعه إلى أن الشعب الأمريكي لا يثق في قدرات (جون ماكين)، وأن اختياره غير الموفق لـ (سارة بالين) لتكون نائبة للرئيس الأمريكي المقبل سيكون عائقاً في نظر كثيرين لانتخابه هو؛ لعدم ثقتهم على الإطلاق في قدراتها أو خبراتها.

كما أن (باراك أوباما) قد أظهر قدراً عالياً من رباطة الجأش والحكمة في التعامل مع الهجمات المتتالية التي تعرَّض لها طوال الحملة الانتخابية، والتي مست شخصه بشكل مباشر، ومع ذلك فقد نجح في أن يهمش من قدر هذه الهجمات وقيمتها، وأن يركز حديثه على الطبقة الوسطى من المجتمع، وعلى الحاجة إلى استنهاض الهمم الأمريكية مرة أخــرى من أجــل حــل المشكلات والمعضلات الاقتصادية والاجتماعــية التي تواجه المجتمع الأمريكي بأكمله، وليس فئة بعينها. كمــا أن (أوبــاما) قد نجــح في تصوير نفسه على أنه قادر على اختيار أفضل المستشارين والمساعدين، وظهرت دلائل ذلك في اختياره نائب الرئيس، وفي اجتماعاته المتكررة مع مثل هذه الشخصيات البارزة خلال الحملة الانتخابية.

أما في حال تدهور الحرب في العراق بشكل مفاجئ وكبير فقد يسبِّب هذا الأمــر إربــاكــاً للحملــة الانتخابــية لـ (باراك أوباما) يمكن أن يستغله (جون ماكين) لرفع أسهمه بوصفه بديلاً مناسباً قادراً على الدفاع عن أمريكا وعن جنودها وعن مصالحها الخارجية. أما في حال حدوث ضربة موجعة للمصالح الأمريكية على غرار أحداث سبتمبر؛ فإن من المؤكد عندها أن ترتفع أسهم (جون ماكين) الانتخابية بقوة وبسرعة كبيرة في مقابل منافسه.

على المستوى الخــارجي؛ فإن الأمر الذي يمكن استخلاصه من مراقبة الحملة الانتخابية لكلا المرشحين؛ هو أنهما سيختلفان بشدة في سياساتهما المتعلقة بالشرق الأوســط والعالــم الإسلامي، وأن المكاسب الكبرى يمكن أن تجنيهــا الأمــة العــربية والإسلامية مع فوز (باراك أوباما). ولذلك فنحــن على مــشارف سنوات جديدة من التحديات التي تحتــاج إلى مــواجهة، كذلك الفرص التي يمكن اقتناصها في التعامل مع الولايات المتحدة تبعاً لنتيجة الانتخابات.