هل يقبل الشعب الأمريكي

رئيساً غير أبيض؟


 منذ عام 1619م عندما اكتشف الأوروبيون أمريكا واستوطنوها، ونقلوا معهم العنصرية البغيضة إلى القارة التي لم تعرفها من قبل؛ عانت كل الأقليات من هذه العنصرية ليس فقط في المجال السياسي، ولكن في كل مجالات الحياة العامة، ولكن لم تتعرض أقلية من تلك الأقليات إلى الاضطهاد المستمر على مدى أكثر من 300 عام كما عانى الأمريكيون من أصل إفريقي - كما يشار إليهم اليوم تلطفاً - رغم أنهم كانوا دائماً يسمونهم «السود»[1] في أحسن الأحوال، وغير ذلك من النعوت والألفاظ التي يندى لها الجبين.
واليوم عندما يشار إليهم على أنهم الأمريكيون من أصل أفريقي فلا يعني ذلك: أن العنصرية قد زالت تماماً، رغم أنها قد تقلَّصت بلا شك لدى بعضهم، ولكنها - كما يشير كثيرون - لا تزال هناك وقد تخفُت تحت غلالة رقيقة من اللياقة الاجتماعية المتكلَّفة، أو تخوفاً من القوانين التي استنّت لمحاربتها.
إن العنصرية لا تزال موجودة لدى فئات من المجتمع الأمريكي لا تقبل بالتكيف مع الواقع، أو القبول بحقوق الإنسان الطبيعية، وعنصرية هذه الفئات لا تزال تعيش بقوة تحت سطح المجتمع الأمريكي في القرن الحادي والعشرين الميلادي.
وقد عاش واضعو الدستور الأمريكي في عصر كان فيه الرجال البيض يديرون الحكومات، وكان من الصعب عليهم تصوّر احتمال وصول رجل غير أبيض إلى حكم البلاد، وهم يكتبون الوثيقة التي رسمت معالم نظام الحكم الأمريكي في عام 1787م، ولم يخطر ببالهم أنه سيأتي ذلك اليوم الذي سيخوض فيه أمريكي «أسود»، وامرأة كذلك معركة الانتخابات الرئاسية، بعد انقضاء 221 سنة على وضع ذلك الدستور[2]، وهو ما يحدث في انتخابات عام 2008م، فلأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية - التي عرفت بتاريخ طويل من العنصرية البغيضة تجاه العرق الأسود، قبل أن تقر قوانين المساواة والحريات المدنية في منتصف القرن العشرين الميلادي - يصل مرشح من أصل إفريقي إلى السباق النهائي للرئاسة.
ويقتضي الإنصاف أن نصرح أن هذا الأمر يعبر عن تقدم حقيقي في الحياة الأمريكية من ناحية قبول الأقليات في المناصب الهامة والسياسية، وهو لا ينفي كذلك أن الحياة الاجتماعية الأمريكية لا يزال فيها كثير من تلك العنصرية البغيضة. ويبقى السؤال الهام هنا هو: كيف حدث هــذا؟ وما مبرراته؟ وما فرصة (باراك حسين أوباما)؟
يناقش هذا المقال الفرص التي كانت تدفع لنجاح (أوباما) في الانتخابات القادمة، وماذا يعني ذلك لأمريكا وللعالم العربي والإسلامي.
• (أوباما) قبل (باراك أوباما):
لم يكن (باراك حسين أوباما) هو الأمريكي الأسود الأول الذي يطمح في الوصول إلى منصب الرئاسة، فقد ترشح من قبله طوال العقدين الماضيين عدد من الشخصيات الأمريكية المعروفة من السود، ومن بينهم: القس (جيسي جاكسون)، وعضو الكونجرس الأمريكي (آل شاربتون) وغيرهما، ولكن لم يحدث أن وصل أي منهم إلى أن يصبح منافساً حقيقياً على هذا المنصب الرفيع في الحياة الأمريكية حتى وصل إليه (أوباما).
بالطبع شهدت الحياة الأمريكية في العقدين الماضيين كثيراً من التطور، فقد تم اختيار الجنرال (كولين باول) ليكون أول وزير دفاع أسود، وتلاه اختيار (كوندليسا رايس) لتكون أول وزيرة خارجية، وقبلها شغلت منصب مستشار الرئيس للأمن القومي، وجميع تلك المناصب لم يصلها من قبل أي شخص أمريكي غير أبيض، وهذا يعني أن التدرج في الحياة السياسية الأمريكية في العقدين الماضيين أتاح لـ (باراك أوباما) الفرصة السياســية للمنافــسة، فالرحلة إذاً - لم تبدأ - بالنسبة للسود في أمريكا - من عقدين من الزمان فقط.
وصفت صحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية في مقال نشر في السابع من يونيو 2008م المحامي الأمريكي الأسود (جون ميرسر لانغستون) والذي عاش في الولايات المتحدة في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي بأنه «أوباما قبل أوباما». كان (لانغستون) - مثله في ذلك مثل مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة لعام 2008م - محامياً ومنظماً لأهالي المجتمع المحلي. ويعتقد أن (لانغستون) - وهو ابن مزارع أبيض وامرأة من الرقيق الأسود محــررة - كــان أول أمريكي - إفريقي ينتخب لشغل منصب في الولايات المتحدة. وقد بدأ في العام 1855م عمله في منصب كاتب في بلدية براونهلم في أوهايو، وقد ترك إرثاً قوياً - كما يذكر موقع وزارة الخارجية الأمريكية - من خلال مناصرته لحقوق التصويت للأمريكيين الأفارقة، ومساعدته في تأسيس كلية الحقوق في جامعة هوارد في واشنطن، وتمثيله الولايات المتحدة بوصفه دبلوماسياً، كما أنه كان أول شخص أسود ينتخب في مجلس النواب الأمريكي[3].
ومثال آخر من تلك الحقبة، حدث بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية، وانضمام ولاية ميسيسيبي مجدداً للاتحاد، عندما انتخب المشرعون في الولاية زميلهم «الأسود» (حيرام ريفلز)، ليكون أول عضو أمريكي - إفريقي في مجلس الشيوخ الأمريكي، ولم يُرحب مجلس الشيوخ في بادئ الأمر بعضوية الجمهوري (ريفلز)، وقال بعضهم: إنه لم يكن قد أمضى تسع سنوات بوصفه مواطناً أمريكياً، مع أنه ولد في الولايات المتحدة لوالدين من العبيد السود المحررين، ولكنه لم يصبح مواطناً أمريكياً إلاّ قبل أربع سنوات، أي: بعد صدور قانون الحقوق المدنية في عام 1866م، وصوَّت مجلس الشيوخ في ذلك الوقت لصالحه بأغلبية 48 صوتاً مقابل 8 أصوات، وهو ما أتاح له شغل مقعده في ذلك الحين[4].
• السود في أمريكا:
على مدى ما يقارب من 150 عاماً مضت لم ينجح أي مرشح «أسود» في أن يصل إلى المنافسة الحقيقية على منصب الرئاسة الأمريكية؛ رغم أن السود يمثلون أكثر من 40 مليون نسمة من المجتمع الأمريكي، أي: ما يعادل 14% من إجمالي عدد السكان[5]، وعلى مدى أكثر من قرنين من الزمان لم يصل أي منهم إلى منصب الرئاسة أو حتى المنافسة الحقيقية عليه؛ من بين 43 رئيساً أمريكياً حكموا أمريكا طوال القرنين الماضيين. إن العرق الأبيض يمثل حالياً 66% من إجمالي المجتمع الأمريكي، أي: ما يقرب من 200 مليون نسمة، ولكن جميع رؤساء أمريكا عبر تاريخها كانوا من العرق الأبيض نفسه، وكانوا جميعاً من الرجال، وكانوا جميعاً أيضاً من البروتستانت فيما عدا الرئيس الأمريكي (جون إف كنيدي).
إن الولايات المتحدة حتى الآن تعاني من العنصرية في الحياة السياسية العامة، فرغم أن السود تصل نسبتهم في المجتمع إلى أكثر من 14%؛ إلا أنهم لم يحصلوا إلا على أقل من 4% من المناصب السياسية في المجتمع الأمريكي.
• لماذا نجح (أوباما) في الوصول إلى هذه المرحلة؟
لا يشك أحد في قدرات (باراك أوباما) السياسية والفكرية، وذكائه الحاد، ومهارته في إدارة الحملة الانتخابية. إن (باراك أوباما) ليس فقط شخصاً أسود، بل إنه سياسي أمريكي محترف، وقد نجح في الوصول إلى هذه المرحلة من السباق لوجود مجموعة من العوامل التي ساهمت في نجاحه، ومن أهمها وأبرزها: قدراته الخطابية ومهارته البالغة في جمع المال، وإحاطته نفسه بمجموعة متميزة من الخبراء والمتخصصين في إدارة الحملات الانتخابية، ومعرفة الحياة السياسية لمعارك الرئاسة.
وعندما وصلت المنافسة في المراحل النهائية للانتخابات التمهيدية إلى سباق بينه وبين المرشحة الديمقراطية (هيلاري كلينتون)، كان من الممكن الفوز عليها؛ لأنها - بالعموم - لم تكن يوماً محبوبة لدى الشارع الأمريكي العام، وكان ينظر إليها دائماً على أنها نفعية بدرجة كبيرة، وأنها ليست صاحبة مواقف مبدئية، وأنها تتطلع بشغف شديد ومبالغ فيه إلى العودة إلى البيت الأبيض لإتمام معارك شخصية لها لم تنتهِ بعد.
لم تنجح كذلك (هيلاري كلينتون) في التركيز على عناصر قوة حملتها، بقدر ما حاولت أن تهاجم شخص (باراك أوباما)، وأن تحاول أن تلصق به تهمة أنه «مسلم»، وأنه لا يحب «أمريكا»، وأنه كذلك عديم الخبرة السياسية والعملية.
لم تكن (هيلاري كلينتون) موفَّقة في هذا الهجوم؛ لأنه كان من السهل على (أوباما) أن ينفي عنه تهمة «الإسلام»؛ وهكذا جرى تصوير الإسلام في الحملات الانتخابية للأسف الشديد على أنه تهمة، كما أن موضوع محبة أمريكا لم يكن يوماً قضية محورية في حياة التيار الديمقراطي الذي لم يعرف عنه الولع بهذا الموضوع مقارنة بالحزب الجمهوري، وسارع (أوباما) وزوجته إلى نفيه بشكل قاطع على أية حال. وأخيراً: فإن مسألة انعدام الخبرة كانت مشكلة يعاني منها الجميع، فلم يكن لدى (هيلاري كلينتون) أي خبرة سياسية عميقة تؤهلها لشغل منصب الرئيس، وتركزت خبراتها في أنها عضو مجلس شيوخ، ومن ثم لم يكن مقنعاً أن تهاجم (أوباما) حول موضوع الخبرة، فهو كذلك عضو مجلس شيوخ، وخبراته محدودة في الممارسة السياسية العامة كخبراتها هي أيضاً.
كما نجح (أوباما) في الوصول إلى هذه المرحلة من مراحل السباق الرئاسي؛ لأنه جعل من قضية «التغيير» شعاراً له، وقد سئم المجتمع الأمريكي من السياسات الحالية للإدارة الأمريكية طوال الأعوام الثمانية الماضية، وهو شعب يميل بطبيعته نحو التغيير؛ فما بالك عندما يكون الواقع مؤلماً، والمشكلات تتعاظم، وصورة أمريكا لدى العالم في انهيار متسارع، والاقتصاد الأمريكي يمر بأزمات خانقة، والمغامرات العسكرية أرهقت كاهل الشعب الأمريكي.
شعار «التغيير» كان أهم عنصر في نجاح رسالة (أوباما) إلى الشعب الأمريكي، وبدا بشخصيته الجادة، وشكله المختلف، وحداثة خبرته معبِّراً بحق عن احتمالية «التغيير». لهذه الأسباب مجتمعة التفَّ حوله كثير مــن الأمــريكيين. ولا يمكن إغفال أن الأقليات في أمريكا والتي تمثل اليوم أكثر من 34% من الشعب الأمريكي وجدت فيه أيضاً ضالتها، والتعبير عن نجاحها، ووجدت فيه كذلك الأمل في تمثيل أفضل لهموم الأقليات في المجتمع الأمريكي ومشاعرهم وقضاياهم، فهو بالنسبة للأقليات الأمريكية مختلف في كل شيء وليس فقط في لون البشرة؛ فاسمه مختلف عن الأسماء المعتادة للسياسيين الأمريكين، وحياته كذلك؛ فهو قد ولد لأب مسلم، وتربى في طفولته في أندونيسيا، وعرف حياة العالم الثالث، ودخل المساجد وهو طفل، ولم يتربَّ على كراهيتها، وبقى دائماً يشعر أنه من الأقليات، وأنه معبِّر عن طموحاتها وفرصها كذلك في النجاح.
هل يكفي كل ما سبق لاجتياز العقبة الأخيرة، والفوز بنتيجة الانتخابات الرئاسية؟ يبقى هذا الأمر يحيطه الشك لأسباب وعوامل عديدة قد لا ترتبط بقوة الحملة، أو صحة المواقف، أو ذكاء المرشحين، ولعل من أبرزها ما اصطلح على تسميته بـ (عامل برادلي).
• ما هو (عامل برادلي)؟
كَثُرَ الحديث في الآونة الأخيرة مع زيادة فرصة (باراك أوباما) في الفوز عن عامل يمكن أن يؤثر في نتيجة الانتخابات، وهو ما يسمى بـ (عامل برادلي). إنهم يتحدثون عن ظاهرة أن يقول الناخب الأمريكي: إنه سيصوت من أجل شخص من الأقليات حرصاً على أن يظهر بوصفه مواطناً صالحاً في المجتمع، وغير عنصري، بينما يكون رأيه مختلفاً عن ذلك، ويظهر هذا الرأي بشكل فجائي مخالف لكل استطلاعات الرأي عندما يذهب هذا الشخص للإدلاء بصوته في صناديق الاقتراع بشكل فعلي.
يخشى عدد من الخبراء من «عدم تجرؤ» الناخب الأمريكي على التصويت لصالح مرشح «أسود»؛ ليكون أول رئيس أسود لبلاده. أما سبب تلك التسمية فيرجع إلى أنه سبق أن شهدت الولايات المتحدة تجربة مماثلة، عندما ترشح (توم برادلي) وهو سياسي أمريكي من أصل إفريقي - مثل (أوباما) - لمنصب حاكم كاليفورنيا عام 1982م، وذلك بعد أن قضى سنوات طويلة عمدة لمدينة لوس أنجلوس. كانت معظم استطلاعات الرأي في ذلك الوقت تشير إلى تفوق (توم برادلي) على منافسه الأبيض، إلى درجة أن بعض وسائل الإعلام أكدت أنه الفائز في الانتخابات، ولكن المفاجأة حدثت عندما أُعلن عن النتائج النهائية وكانت صادمة للجميع، إذ مُني (برادلي) بخسارة كبيرة لم يكن يتوقعها أحد.
وما حصل أن كثيراً ممن أجريت عليهم استطلاعات الرأي قالوا: إنهم يعتزمون التصويــت لـ (بــرادلي)؛ حتــى لا يوصفون بالعنصرية، ولكن رأيهم يوم الانتخاب كان مغايراً لذلك، ويخشى بعض الخبراء أن يعيد التاريخ نفــسه بعــد 22 عاماً وأن يتحول (عامل برادلي) إلى (عامل أوباما).
وأظهرت دراسة أجرتها جامعة واشنطن مؤخراً في فترة الانتخابات التمهيدية أن (عامل برادلي) كان مؤثراً وموجوداً بالفعل في 3 ولايات، خلال المنافسة التي خاضها (أوباما) ضد منافسته (هيلاري كلينتون) للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لخوض الانتخابات الرئاسية، وكشفت الدراسة أن (أوباما) قد خسر أمام كلينتون في ثلاث ولايات هامة وهي: كاليفورنيا ونيوهامبشر ورود أيلاند، رغم أن استطلاعات الرأي تكهنت بعكس ذلك تماماً.
فهل يمكن أن يتكرر هذا الأمر على المستوى الرئاسي؟ الإجابة هي بالقطع «نعم!»، ولكنها قد لا تكون كافية لتحويل نتيجة الانتخابات في حال استمر تقدُّم (أوباما) على منافسه (جون ماكين) بفارق كبير من النقاط.
وما يتخوف منه بعضهم بشكل أكبر هو أن ينتقل (عامل برادلي) من الناخبين في صناديق الاقتراع، إلى المنتخبين في المجموع الانتخابي، ونعني بذلك الـ 538 شخصية المكلفة بالتصويت باسم الأحزاب عن الولايات، وهي غير ملزمة في حقيقة الأمر على المستوى الدستوري باتباع نتيجة الانتخابات؛ كما أوضحنا في مقال سابق من هذا الملف.
ويتخوف بعض المراقبين من أنصار (أوباما) أن يقوم هؤلاء المنتخبون من بعض الولايات بعدم التصويت لـ (أوباما) رغم فوزه في تلك الولايات، وهو ما سيكون بالتأكيد مفاجأة غير متوقعة في الحياة السياسية الأمريكية، وقد تتسبب في خسارة (أوباما) لهذه الانتخابات، وقد تساهم أيضاً في نحت مصطلح جديد يمكن أن يطلق عليه حينها (عامل أوباما).
وهناك رأي آخر يرى أننا قد نشاهد ما يمكن أن يسمى بـ (انعكاس عامل برادلي)، والمقصود هنا أن عدداً من الناخبين قد يصرحون أنهم سيصوتون للمرشح الأبيض وهو (جون ماكين)؛ لأن هذا هو ما يتوقعه منهم جيرانهم ومن حولهم، ونظراً أيضاً لما عرف عنهم من ميل نحو التصويت للمرشح الأبيض، ولكنهم في قرارة أنفسهم ينوون التصويت لـ (باراك أوباما)؛ لأنه الخيار الأفضل، ولكنهم لن يعلنوا ذلك أبداً، ولكنهم سيمارسونه عند الوصول إلى صناديق الاقتراع. ويحتج هذا الفريق بأنه رغم أن (عامل برادلي) قد ظهر في 3 ولايات أمريكية في الانتخابات التمهيدية؛ إلا أن عكس هذا العامل بالضبط قد ظهر في 12 ولاية أمريكية في تلك الانتخابات نفسها، حيث فاز (أوباما) بولايات كانت استطلاعات الرأي تشير إلى أن الناخبين فيها لن ينتخبوه لأنه «أسود». المسألة محيرة، وللفريقين حجج قوية، وأسانيد من الواقع كذلك.
• فرصة (أوباما) في الوصول إلى الرئاسة:
العنصرية لا تزال قائمة وحية في المجتمع الأمريكي، وحول هذه المسألة في الولايات المتحدة، قال (تيد ستريكلاند) حاكم أوهايو السابق مؤخراً: «هذه قضية تشغل الجميع، ولكن لا يحب أحد الحديث عنها». وعن الموضوع نفسه قال الإعلامي الشهير (تيد كوبل) - وهو أحد أشهر الصحفيين في الولايات المتحدة -: «لا يزال هناك قدر كبير من العنصرية في هذا البلد»[6].
لا تزال أمريكا تميل إلى العنصرية، وحتى (باراك أوباما) نفسه قد لا يجد نفسه بريئاً تماماً من العنصرية للعرق الأسود كذلك، رغم أنه يحاول جاهداً نفي ذلك عن نفسه وعن أسرته؛ لأنه متزوج من امرأة «سوداء» (ميشال أوباما) كانت قد قالت في وقت سابق من هذا العام: إنها «ظلت تخجل من أمريكا إلى أن ترشح زوجها للانتخابات الرئاسية». وقد أثارت مجلة (نيويوركر) الأمريكيــة بلبــلة - كما يروي الكاتب الغربي (ألكسندر كوكبر) - عندما نشرت على غلافها رسماً كاريكاتورياً يظهر فيه (أوباما) مرتدياً ثوباً يشبه الثوب العربي، وهو يحك قبضته بقبضة زوجته ميشيل، التي سرحت شعرها بطريقة إفريقية، وعلى كتفها بندقية، وخلفه على الجدار صورة أسامة بن لادن، بينما العلم الأمريكي يحترق في الموقد.
العرق ولون البشرة يلعبان دوراً حقيقياً في اختيارات الشعب الأمريكي للمناصب السياسية، وهذه حقيقة مؤسفة ولكنها حقيقة لا تخفى على المراقبين والمحللين.
ويبين آخر استطلاع أجرته صحيفة (نيويورك تايمز) وشبكة (سي بي إس) أن البيض يحترمون (أوباما) أقل مما يحترمه السود، وأن العديد منهم لا يحبون زوجته (ميشال). ولكن الاستطلاع ذاته يبين أن (أوباما) يتقدم على (ماكين) بين الأمريكيين من أصل إسباني بأكثر من 62 ٪ في مقابل 23 ٪، وأنه يتقدم على ماكين بست نقاط على الإجمال. إن الأقليات تلعب بورقة العنصرية كما تلعب بها الأغلبية البيضاء[7].
ومن ناحية أخرى يقلِّل العديد من الخبراء والمحللين من تأثير هذا العامل بالنسبة للأغلبية البيضاء تحديداً في انتخابات هذا العام؛ لعدة أسباب، منها: أننا في عام 2008م ولسنا في عام 1982م، وأن المجتمع الأمريكي الأبيض قد تحسنت درجة قبوله لأن يتولى أقليات مناصب رسمية أو سياسية عليا. كما أن الأزمات الاقتصادية والسياسية الطاحنة قد تقلِّل من تأثير لون بشرة الناخب على نتيجة الانتخابات. كما أن ضعف البديل بشكل كبير - وهو (جون ماكين)، ومعه السيدة (سارة بالين) التي أصحبت مثار تهكُّم وسخرية معظم فئات المجتمــع الأمريكــي - تجـــعل من قبول (باراك أوباما) خيراً لا مفرَّ منه لبعض الناخبين، مـــمن لا يرحبون باختيار شخص «أسود» لرئاسة أمريكا، ولكنهــم لا يجدون لذلك بديلاً مقبولاً.
وسبب آخر يمكن أن يحسِّن فرصة (أوباما) في الوصول إلى المنصب الرئاسي هو أنه يحيط نفسه بنخبة ثقافية واجتماعية مؤثرة من التيار العام الأبيض من السياسيين الأمريكيين، ويعرف وسطهم بأنه ليس «أسود»، بمعنى: أنه لا يتحزَّب بشدة لقضايا الأقلية السوداء، أو بالدرجة التي تسبب انزعاج الآخرين منه.
العوامل السابقة في مجملها تحسن من فرصة (أوباما) في هذه الانتخابات، ولكنها قد لا تكون كافية - رغــم وجاهتها - لمقاومة تراكم الفكر العنصري لدى بعضهم، والذي ترسخ عبر عقود متتالية من اضطهاد الآخر.
يتذكر كاتب هذه السطور في أيامه الأولى في الحياة في الولايات المتحدة الأمريكية أن قالت له موظفة أمريكية بصراحة: «أنا لا أتخيل مطلقاً أن أجلس على طاولة طعام واحدة مع شخص (أسود)، لن يحدث هذا في عمري أبداً».
الصورة ليست واضحة، وهذه الانتخابات تاريخية بحق؛ سواء فاز بها (باراك أوباما) أو لم يفز.
ولا يوجد شك في هذه المرحلة من مراحل السباق أن (باراك أوباما) مؤهَّل لحكم أمريكا، وأنه قد يكون الخيار الأمثل والأفضل لها، على الأقل من وجهة نظر الغالبية من سكان هذا العالم، لكن مواطني العالم لا يصوتون في الانتخابات الأمريكية، والمواطن الأمريكي قد صوَّت منذ أربعة أعوام لاستمرار جورج بوش في الحكم رغم كل المصائب التي منيت بها أمريكا في فترة رئاسته الأولى. ولكن من السهل القول: إن (باراك أوباما) قد حقق فوزاً تاريخياً للأقليات في أمريكا في عام 2008م؛ سواء فاز بالرئاسة أو لم يفز.
هناك من يرون أن أمريكا والشعب الأمريكي من الممكن أن يتقبَّل رئيساً أمريكياً أسود؛ بشرط أن يكون بمواصفات خاصة، هذه المواصفات يعبِّر عنها أحد الكتّاب الأمريكيين، وهو (جو كلاين) في مجلة (التايم) الأمريكية في عبارة بليغة عندما يقول: «إن ظاهرة الولع بـ (أوباما) هي امتداد لظاهرة الولع بـ (كولين باول) في عام 1995م، عندما تحدث المراقبون عن احتمال أن يدخل (كولين باول) سباق البيت الأبيض في ذلك الوقت. هناك شيء مشترك بين (كولين باول) و (أوباما): إنهما شخصان من «السود» مثلهما في ذلك مثل (تايجر وود) لاعب الجولف الشهير، و (أوبرا وينفري) المذيعة المعروفة، و (مايكل جوردان) أشهر لاعبي كرة السلة؛ في أنهم جميعاً يُعدّون قدوة في المخيلة الأمريكية؛ لأنهم تجاوزوا حاجز النمطية العنصرية». «إن الأمر برُمّته مرتبط باللياقة» كما يذكر (شيلبي ستيل) الذي يكتب كثيراً عن «نفسية الأعراق»، وهو الذي يقول: «إن الأشخاص البيض مولعون عندما يــرون شخــصاً ناجــحاً مــن السود، ولكنــه لا يضايقهم بإشعاره إياهم بعقدة الذنب العرقي. البيض يهيمون بالإعجاب عندما يقابلون شخصيات من هذا النوع». ولا شك أن (باراك) قد نجح في تقديم نفسه للشعب الأمريكي على أنه من هذا النوع من «السود» الناجحين.
وهناك بالمقابل من يتخوفون من أن مصير (باراك أوباما) لن يكون أفضل من مصير الرئيس الأمريكي الكاثوليكي (جون إف كنيدي) الذي اغتيل في منتصف مدة رئاسته، ويعبر عن هذا الخوف أحد مطربي المجتمع الأمريكي الأسود، وهو (وايكليف جين)، قائلاً في مطلع أغنية بعنوان «لو كنت رئيساً»: «لو كنت رئيساً.. لانتُخبت يوم الجمعة.. ولقُتلت يوم السبت.. ولدفنوني يوم الأحد.. لو كنت رئيساً»: ليس لنا أن نعرف من سيكون الرئيس (أوباما) وكيف ستمضي فترة رئاسته؟ أو هل سيكملها أم تغتاله حياً أو ميتاً قوى العنصرية البغيضة؟ ولكننا يمكن أن نقطع أن (باراك أوباما) قد تحول إلى ظاهرة هامة في التاريخ الأمريكي المعاصر، وأن الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2008م ستُعرف دوماً بأنها (انتخابات أوباما).


[1] يجد كاتب هذه الدراسة حرجاً في الحديث عن أي شخص بالإشارة إلى لون بشرته فقط، وهو ما حاربه الإسلام الذي نهى عن التمايز بين البشر على أساس لون البشرة، ولكن من الصعب نقاش موضوع هذه الدراسة دون استخدام هذا المصطلح «أسود»، ولكنه لا يعني سوى الإشارة لمشكلة عرقية في الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يعني بأي شكل من الأشكال قبول هذا المصطلح أو قبول استخدامه في الحكم على الناس، أو التفاضل بينهم.
[2] ألبوم صور، موقع يحكي قصة أمريكا، وزارة الخارجية الأمريكية، موقع America.gov، كما نقل عنه في يوم 15 أكتوبر 2008م.
[3]  The <Obama before Obama>, Pioneering native son of Louisa, Va., blazed trails under history>s radar, By Kevin Merida, Washington Post, June 7, 2008.
[4]  ألبوم صور، موقع يحكي قصة أمريكا، وزارة الخارجية الأمريكية، موقع America.gov، كما نقل عنه في يوم 15 أكتوبر 2008م.
[5]  The <Obama before Obama>, Pioneering native son of Louisa, Va., blazed trails under history>s radar, By Kevin Merida, Washington Post, June 7, 2008.
[6] وسط مخاوف من «عدم تجرؤ» الناخبين على التصويت لمرشح أسمر، سود أمريكا يرصون صفوفهم لدعم (أوباما) للتغلب على «عامل اللون»، العربية، 13 أكتوبر 2008م.
[7] حكايات الانتخابات الأمريكية، (ألكسندر كوكبر)ن، نشرة كاونتر بانش، 26/07/2008م.