اللاجئون العراقيون أسرى المؤامرات


 
محمد مصطفى علوش(*)
 

«نحـن لا يدري بنا إلا الله - عز وجل - وما نطلب الفـرج إلا منـه». بهـذه الكلمات علَّقت لاجئة عراقية في الأردن في حديث لـ «الجزيرة نت» على ما سيقدمه المؤتمر العالمي لمناقشة أزمة اللاجئين العراقيين الذي انعقد في الأردن بتاريخ 26/7/2007م، مختصرة لسان حال ملايين اللاجئين العراقيين الذين غصت بهم دول الجوار العراقي.
فبحـسب وكـالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة فإنـه قـد هُجِّر ما نسبته 15% من الشعب العراقي من مسقط رأسه؛ سواء كان تهجيراً داخلياً من منطقة عراقية إلى أخرى، أو تهـجيـراً إلى خارج العراق. وتؤكد الوكالة المذكورة - بحسب المعطيات المتوفرة لديها حول أعداد اللاجئين العراقيين في العالم - على الأرقام التالية: يوجد في سورية ما يقارب مليوناً ونصف مليون لاجئ عراقي، وفي الأردن قرابة النصف من هذا العدد (750.000)، في حين يتوزع الـباقون على الدول التـاليـة: مصـر (100 ألـف)، إيران (45 ألفاً)، لبنان (40 ألفاً)، تركيا (10 آلاف)، دول أوروبا (10 آلاف)، في حين يُهجَّر حوالي (50.000) عراقي شهرياً من أراضيهم.
الغريب أن أزمة اللاجئين العراقيين، التي تزداد يوماً بعد يوم، وتتفاقم مع تزايد الأحداث في العراق؛ لم تأخذ الاهتمام المطلوب لبحثها؛ سواء من دول الجوار العراقي والجامعة العربية بالشكل المرضيِّ، أو من المنظمات العالمية الناشطة في حقوق الإنسان، لا سيما أن المنظمات الدولية المعـنـية تكـاد تُجـمع على أن مشكلة اللاجئين العراقيين تشبه تماماً من حيث حجمها ومأساتها نكبةَ فلسطين عام 1948م، حيث شُرِّد شعب بكامله من أرضه، ولا يزال يعاني تهجيراً بعد تهـجـير. وإن هذه المشكلة ستشكل أزمة دولية إذا لم يتحرك المجتمع الدولي لحلِّها والحدِّ منها.
• التهجير عملية مدروسة:
والأغرب في المؤتمر المذكور آنفاً أن الـمُسبِّبَيْن الأساسَيْن لمأساة الشعب العراقي واللذين يتحملان القسط الأكبر من اللوم وهما الإدارتان الأمريكية والبريطانية؛ قد حضرا المؤتمر المخصَّص لبحث وضع اللاجئين العراقيين بصـفـة مراقـبَيْن، غـير آبهَيْن بما سبَّبا من مأساة اجتماعية واقتصادية وأخلاقية لهذا الشعب المتعَب من ثقل الأنظمة التي تعاقبت على حكمه.
وإذا كانت أزمة الشعب العراقي تعود إلى ما قبل قدوم صدام للحكم وأثنائه حيث نزح خلال عقدين من حكمه أكثر من مليون عراقي نحو دول الجوار؛ فإن ما فعله الاحتلال الأمريكي والبريطاني منذ بدء الاحتلال عام 2003م وحتى اليوم - أي: خلال خمس سنوات فقط من وجوده - متحكماً بكل صغيرة وكبيرة في البلد؛ ضاعف عدة مرات المأساة التي يعيشها العراقيون وعمَّقها أكثر، بل هدَّد هويتهم ومزَّق تاريخهم الجمعي في ظل الحديث عن تقسيم العراق، ويحاول أن يتنصل من جريمته بعدم مساعدتهم، فضلاً عن دفع التعويضات المستحقة لهم بكل الأعراف والقوانين الدولية.
فالولايات المتحدة لا تفتأ تذكر أنها تعمل على مساعدة اللاجئين العراقيين في سورية والأردن ولبنان وغيرها، متباهية بتخصيصها 37 مليون دولار لجميع اللاجئين العراقيين في دول الجوار، في حين تؤكد السلطات السورية أن اللاجئين العراقيين لديها يحتاجون إلى قريب من هذا المبلغ لتوفير حاجات أساسية من فرش وبطانيات وإسعافات أولية ومياه نظيفة وغير ذلك، وهو الأمر الذي تؤكد على جزء منه المفوضية العليا للاجئين في الأمم المتحدة حين وجهت في 12 يوليو/ تموز 2007م نداء إلى المجتمع الدولي لمضاعفة موازنته المخصصة للاجئين العراقيين لتصبح 123 مليون دولار لعام 2007م.
يأتي تنصُّل أمريكا المتمثِّل في شحِّ الأموال المصروفة للاجئين العراقيين منسجماً مع سياستها بعدم استقبال لاجئين عراقيين على أراضيها بحجة حماية البلد من الإرهاب وسط تزايد الجدل بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري حول الموضوع، وتكثر الأصوات المنادية بفتح خجول ومحدود للحدود الأمريكية أمام اللاجئين العراقيين؛ ليس حباً بالعراقيين أو حرصاً عليهم، وإنما لإقناع المزيد من المترجمين وغيرهم داخل العراق للتعاون مع المحتل الأمريكي على أمل الحصول على تأشيرة دخول يوماً ما إلى أمريكا. رغم ذلك فإن الولايات المتحدة لم تستقبل حتى اليوم سوى بضع مئات من المهاجرين العراقيين، جلُّهم ممن تواطأ مع المحتل أو خدمه أثناء الاحتلال سواء كان مترجماً أو دليلاً. ولذرِّ الرماد في العيون فقد زعمت الإدارة الأمريكية أنها تعد خطة لاستقبال سبعة آلاف عراقي على أراضيها، وأنها قابلت عبر مكاتبها المنتشرة في دول الجوار العراقي قرابة ألفي شخص حتى الآن، لكن يبقى السؤال: إلى أيِّ مدى سيصل هذا الاستهتار والتهكم بمصير هؤلاء اللاجئين؟ وما ذنبهم حتى يدفعوا ضريبة هذا العهر السياسي القائم الذي تسببت به الولايات المتحدة الأمريكية، في الوقت الذي نجد فيه الحكومة الدنماركية - التي لم يكن لها في حرب العراق لا ناقة ولا جمل - كيف أجلت العراقيين وعوائلهم ممن تعاونوا مع قواتها خلال وجودهم في العراق؟
أما الحكومة العراقية التي تطالب دول الجوار العراقي بالإحسان إلى اللاجئين العراقيين على أراضيها، وعدم إجبارهم على الرجوع إلى بلادهم، والتعامل معهم وَفْق معايـير اللجوء المعمول بها عالمياً؛ فإن شكوكاً تحوم حول جدية مطالبها، وما إذا كانت عملية التهجير سياسة منظمة متَّبعة لديها لتغيُّرٍ مطلوبٍ في التركيبة الديمغرافية (السكانية) للعراق يتفق والمتغيرات الجيوسياسية الموضوعة لعـراق ما بعد صدام؟ وإلا فلماذا لم تضغط الحكومة العراقية على المسبِّبَيْن للأزمة العراقية الإدارتين الأمريكية والبريطانية اللتين أغلقتا حدودهما في وجه اللاجئين؟! وما صحة ما سرَّبه وزير التجارة العراقي في حكومة «إياد علاوي» السابقة «محمد الجبوري» خلال حديثه لـ «الجزيرة نت» أن «الغالبية العظمى من اللاجئين هربوا بسبب العنف والقتل الذي تسببت به الميليشيات الطائفية التابعة للحكومة العراقية التي لم تتخذ أي إجراءات للحدِّ من معاناتهم في الأردن وسورية وهو ما جعل أوضاعهم تزداد سوءاً»؟!
وإذا كنا نتفهم ضياع مليارات الدولارات العراقية التي كانت تحت سلطة «بريمر» القادم من وراء البحار؛ فإنـنا لا نستطيع أن نفهم لماذا لم تتكفل الحكومة العراقية التي يدخل خزينتها سنوياً 36 مليار دولار - بحسب إحصاءات الوزير «محمد الجبوري» - إذا كانت بالفعل حريصة على عودة اللاجئين العراقيين؟! ثم أين ذهبت مخصصات البرلمان العراقي للاجئين العراقيين البالغة نسبتها 3 % من الموازنة العامة؟!
أسئلة كثيرة تثير حقيقةً القلق حول ما إذا كانت الحكومة العراقية تنسق مع الاحتلال الأمريكي الذي طالما أراد أن يعيد رسم خريطة المنطقة وَفْق المعايير التي تتفق وسياسة المستعمر الجديد.
• اللاجئ العراقي وأجندة دول الجوار:
إذا جئنا إلى دول الجوار نرى أن ما يعانيه اللاجئ العراقـي من تهـمـيش وعــزل وتـدقيـق وتضـييـق على حريته في العـمـل أو التجـول تحت ستار الحفاظ على الأمن القومـي، أو خشية تسلُّل الإرهابيين، أو اندساس الناشطين السياسيين المتآمرين على البلد المضيف وغير ذلك من الأعذار والمبررات التي تعـطي الشرعية الأخلاقية والقانونية لدول الجوار بعد أن أعطت الشرعية نفسها للولايات المتحدة وبريطانيا الحقَّ نفسه بإغلاق حدودها مع العراق والحدِّ من استقبال تدفُّق اللاجئين؛ كل ذلك يكاد يغطي على ما يقدمه بعضهم من مساعدات وتسهيلات لهم، خصوصاً بعدما لُوحظ بشكل جليٍّ أن ما تستقبله كثير من دول الجوار من اللاجئين العراقيين يصبُّ في أجندة سياسية ضمن لعبة العصا والجزرة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، ففي الأردن يتم انتقاء اللاجئين بحسب المعايير المقبولة أردنياً، وتتأسس الأحزاب والجبهات والجمعيات المناهضة والمعادية للنـفـوذ الإيـراني ومعسكره ومحوره في العراق والمنطـقة، لا سيما العلماء والمرجعيات الشيعية التي لا تربطها بإيران علاقات ودِّية.
الأمر نفسه في إيران؛ فهي الملاذ الآمن لـ «مقتدى الصدر» ومؤيديه غير المرغوب بهم عربياً والمتهمين بتنفيذ أجندة إيرانية في العراق.
وهكذا كل دولة مجاورة أو غير مجاورة تستقبل من اللاجئين العراقيين من يصب في دهاليز مصالحها السياسية في المرتبة الأولى دون إعطاء القضية الإنسانية الأولوية.
وقريـب مـنه فـي سورية حيـث تم عرقلة اجتماع فيـها لـ «الجبهة الوطنية والقومية والإسلامية لتحرير العراق» بناءً على طلب من الحكومة السورية أكثر من مرة بأعذار واهية، وقد رُدِّد في حينها أن عرقلة الحكومة السورية للاجتماع إنما جاء بناءً على رغبة إيرانية.
• واقع اللاجئين العراقيين:
هذا على الصعيد السياسي؛ أما على الصعيد الاجتماعي والمعيشي اليومي للاجئ العراقي فإلقاء نظرة على وضعه في سورية - على سبيل المثال - يكشف لك ما يعانيه هذا الشعب المنكوب في سائر دول المنطقة. وسبب اختيار سورية مثالاً للاطِّلاع على وضع اللاجئين العراقيين يعود إلى عدة أمور، هي:
- احتواء سورية أعلى نسبة من اللاجئين العراقيين في العالم (1.500.000)، ولا يزال يتدفق عليها شهرياً عشرات الآلاف من العراقيين عبر الحدود المشتركة بين البلدين.
- إطراء «فيوليت داغر» من الجمعية العالمية لحقوق الإنسان الحكومةَ السورية التي لم تألُ جهداً في التخفيف من معاناة اللاجئين العراقيين، وهذا ولا شك يحسب في رصيد الحكومة السورية.
إلا أن هذا الثناء من قِبَل جمعية دولية على الجهود السورية لا يمكن أن يحجب الواقع المرير للاجئ العراقي؛ ففـي تقـرير نشـرتـه صحـيفة «نيـويورك تايمز» العام الماضي، بعنوان «اللاجئون العراقيون يتحولون إلى تجارة الجنس في سورية» سلطت فيه الكاتبة «كاثرين زوبف» الضوء على وضع اللاجئين العراقيين في سورية، حيث نقلت صـوراً مـأساوية يندى لها الجبين، قال أحدهم: لقد كنا - نحن العراقيين - وما زلنا أصحاب عزة، لكن بعضنا فقد كل شيء، فقد حتى شرفه.
بعد هذه المآسي والآلام لما يعانيه اللاجئ العراقي نقول: إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة العراقية حريصتين حقاً على حماية اللاجئين العراقيين وتخفيف معاناتهم وتسهيل عودتهم؛ فإن أفضل ما يمكن تقديمه هو تسريع خروج المحتل الأمريكي وترك العراق للعراقيين يعيدون بناءه وَفْـق معـيار المواطـنة لا وَفْق أيديولوجيات ثيوقراطية أو نازية، بدل أن نتحدث عن ضرورة معاملة دول الجوار لهم بوصفهم لاجئين؛ لأن ذلك وإن كان مطلوباً فإنه لن يسهل عودة العراقيين إلى بلادهم يوماً؛ فهل ننتظر أن يحدث لهم ما حدث لإخوانهم الفلسطينيين؟!


(*) كاتب لبناني.

رجوع

الصفحة الرئيسية للمجلة