كلمة وزير الشؤون الإسلامية في ندوة الأسرة المسلمة والتحديات المعاصرة

صاحب المعالي الشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز آل الشيخ


بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله حق حمده, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أخي الكريم الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الصويان رئيس تحرير مجلة البيان، أصحاب الفضيلة المشايخ والدعاة، أيها الإخوة الكرام حضور هذه الندوة..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. إن هذا المقام مقام يدعونا إلى تذكر الماضي وإلى إستشراف المستقبل ألا وهو أن هذا الدين حين نريد خدمته نحتاج إلى عمل جاد صالح ونحتاج إلى وعي وفهم للشرع ولما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ولحال الناس وواقعهم وأحوالهم وفهمهم.
 إن مدركات الشرع من حيث هي بحاجة إلى تربية علمية، والتربية العلمية كما أنها تبنى في المؤسسات العلمية كذلك تبنى بناءً تربوياً شخصياً في المساجد وفي الدور المتخصصة، ونحتاج إلى بناءٍ تربوي للمسلم في نفسه بحيث يستطيع أن يواجه هذه الحياة بفعالية وإيجابية وتعاون على البر والتقوى ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) وبحاجة إلى تربية للأسرة التي يعيش فيها الفرد المسلم وتنطلق منها القوة الخفية للدعوة ولمواجهة تحديات الحياة للأب وللأم وللنشء الصالح، لذلك نرى الماضي حين نشأ الإسلام وحين بدأ غريباً نرى أنه إجتمعت فيه هذه الأنواع من البناء والتربية، بناء الذات بتزكيتها والعلم رائد التزكية ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) وبناؤها بالعلم حتى لا يلتبس عليه الطريق في مصالح متوهمة وفي اجتهادات قد تعود على أصل الشرع بالإبطال. ونتذكر الماضي حين بنى السلف الصالح جيلهم على تقوى من الله عز وجل وعلى حرص على العلم والسلوك والدعوة؛ وأستحضر هنا قول الحسن البصري رحمه الله تعالى حين قال: ( عاملنا القلوب بالتدبر فأورثها التذكر، فرجعنا بالتذكر على التدبر وحركنا القلوب بهما؛ فإذا القلوب لها أسماع وأبصار). إن السلف الصالح رضوان الله عليهم حين بنو الشخصية المسلمة بنوها في تكامل ومرجع الجميع تقوى الله عز وجل واتباع السنة والحرص على مقتضى الشريعة. وبناء الداعية يحتاج إلى أنواع من البناء ومنها بناء أسرته؛ كما أن من حق الأسرة على راعيها أن يبنيها بناءً صالحاً؛ فمن أحسن مع الناس في دعوة وإرشادٍ وصبر وأساء في أسرته فقد فرط في قوله تعالى: ( قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة ) ولذلك قسم النبي صلى الله عليه وقته بين الناس وهموم الرسالة والقيام بمقتضى حق الله وبين أسرته ( إن لنفسك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً وإن لربك عليك حقاً فأعطِ كل ذي حقاً حقه).
واليوم نشهد تحدياً كبيراً، وليس من فراغ أن جرى اختيار هذا الموضوع ((الأسرة المسلمة والتحديات المعاصرة))عنواناً لهذا الملتقى الذي تنظمه مجلة البيان بالتعاون مع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد؛ لماذا؟ لأننا نشهد اليوم أن الدعوة قد توجهت إلى العقل ونسيت القلب. توجهت إلى تحدٍ تياري وتحدٍ توجهي بين التوجه الإسلامي والتوجه الآخر، ونسيت أو ضعف الأداء في بناء الذات المسلمة والأسرة المسلمة للمستقبل؛ لذلك جاء اختيار هذا الموضوع يلمس الحقيقة التي نتذكرها وهي أنه لا بد من مخاطبة القلب ورعاية التربية الصالحة قبل مخاطبة العقول إنه من السهل أن نذهب هنا وهناك في جدل فكري وفي عطاءات عقلية لا نهاية لها؛ لأن العقل كالموارد المائية المختلفة إذا نزحت زادت، والقلب مع العقل في صراع ومن أخذ بالعقل والقلب جميعاً فقد أخذ بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال علماؤنا: ( إن العقل الصريح متفق مع النقل الصحيح) يعني أيضاً أن مقتضى العقل الصريح يوافق السنة ومقتضى الشرع.
أيها الإخوة: إننا في هذا الزمن نرى تغيراً كبيراً في المسارات الدعوية، ونرى تغيراً كبيراً في القناعات الشرعية، ونرى أيضاً تقديماً لاجتهاداتٍ ومصالح هي في الحقيقة ليست اجتهادات مرضية ولا مصالح مرعية.
نرى في هذا الزمن تغيراً في رعاية الاجتهاد الجماعي من أهل العلم والتشاور والدعوة واتجاهاً إلى الفكر الشخصي والبناء الفكري بحسب اجتهاد قائله.
لذلك تنوعت الأقوال وتنوعت الأفكار وتنوعت الأطروحات، وهذا في الحقيقة يقود إلى عثرةٍ ليست بالهينة؛ عثرة تؤدي إلى غياب النظرة إلى المستقبل، وعثرة تؤدي إلى فرح الأعداء وفرح الاتجاهات غير الإسلامية بهذا الخلل، وأيضاً يؤدي هذا في النهاية -أعني تعدد الاتجاهات الفردية- دون نظرٍ عميق جماعي إلى غياب المشروع، وإذا غاب المشروع عن الخاصة وعن العلماء وعن الدعاة في زمن فيه التحديات فإن الدعوة ستنحسر، وإن قوة الإسلام ستضعف، وإن قوة أهله سيصيبها. ما يصيبها لذلك ينبغي لنا أن ندور دائماً حول المشروع الإسلامي الدعوي الحضاري الذي لا يتنكر للواقع ولحاجة الناس، ويستطلع مرادات الشارع ويستطلع المستقبل.
علمتنا التجربة أن الأفكار التي قامت على التشدد لا تستمر، وعلمتنا التجربة أن الأفكار التي قامت على غلو تفرز الغلو ولا يلبث الفكر أن يندثر مع الزمن؛ ولذلك فإن استمرار الإسلام وقوة الإسلام التي نشهدها إلى هذا القرن ناتجة عن تيار كبير في الأمة لا تمثله فئة ولا تمثله طائفة ولا يمثله أناس بأعيانهم هذا التيار الكبير في الأمة منذ قرون إلى الآن هو الذي يتسم بخصلتين:
الخصلة الأولى: الوسطية: والوسطية تعني عدم التشدد وعدم الجفاء والتنازلات غير المحمودة.
والخصلة الثانية: هي التجديد، فإذا ما نظرنا في مشروعنا القادم إلى ضرورة الاعتدال وضرورة التجديد فإننا نحفظ للتيار العام دينه وهيبته وقوته.
 
الدعوات إذا قامت فإنما تقوم للإصلاح لا تقوم لخدمة شخص قادها أو لفئة تحمست لتلك الفكرة في فترة ما؛ فالدعوات في التاريخ الإسلامي إنما تقوم في حقيقيتها وصوابها على حرصها على هذا الدين وعلى الإسلام دون عصبية ودون محدودية ودون إطارية لذلك كلما انفتح الخاصة على العامة كلما كانت الدعوة أشمل وكلما كان المشروع الدعوي الإسلامي الحضاري أنجح؛ وكلما إبتعدنا عن الفردية وذهبنا إلى النظرة التشاورية الجماعية بين مؤسسات مختلفة نتجاوز فيها ما يكون قد قيل إننا نعمل في معزل عن الدولة، أو يعمل الدعاة في معزل عن دعاة آخرين، أو يعمل التيار الإسلامي في معزل عن الحكومة، أو تعمل الحكومة في معزلٍ والدولة في معزلٍ عن المؤثرين. إن الذي يريد حقيقة المصلحة وحقيقة نشر هذه الديانة والاستمساك بذلك متخلصاً من حظوظ النفس التي يحضرها الشيطان للإنسان كل حين لا يجد أمامه إلا حتمية الحرص على وجود مشروع يقوم به العلماء والدعاة في هذه الأمة.
 إن البرامج الدعوية المختلفة إعلامية, أو تربوية, أو تعليمية إلى آخر ما هنالك، مهمة؛ ولكن من المهم أن تكون جهودنا جميعاً ضمن مشروع ننظر فيه إلى مستقبل مملوء بالتحديات.
أشكر لأخي الشيخ أحمد الصويان دعوته الكريمة لي لحضور هذه الندوة، ولجميع الإخوة في مجلة البيان ولجميع أصحاب الفضيلة المشايخ والدعاة والمهتمين اللذين حضروا هذه الندوة. نرجو من الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لما فيه الرضا والسداد وما يرضيه عنا في الدنيا والآخرة.
اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحبه وترضاه واجعلنا وإياهم من المتعاونين على البر والتقوى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.   

 

  رجوع

الصفحة الرئيسية للمجلة