تحقيقات
حصار شعب فلسطين في شِعب غزَّة


إعداد:
مكتب مجلَّة البيان في الرياض
مكتب الجيل للصحافة (غزة) (مصطفى الصواف ومحمد الصواف وفادي الحسني وآخرون).
مكتب مجلة البيان في الضفة الغربية.
مكتب مجلة البيان في مصر: (عمرو توفيق ـ أسامة الهيتمي).


يتفق معظم المراقبين على أن الحصار الذي فُرِض على قطاع غزة قد فشل فشلاً ذريعاً، من خلال التطورات التي شهدتها ساحة القطاع قبل عدَّة أيام.
فمع خروج مئات الآلاف من سكان قطاع غزة إلى معبر رفح وهدم الجدار الحديدي الذي يبلغ ارتفاعه 12 م وسُمك 5 سم، والذي يفصل بين الأراضي الفلسطينية والمصرية، والذي شبهه بعض المحللين بأنَّه أشبه بهدم جدار برلين، بل أشد؛ فلم تكن الوفود التي جاءت لاكتشاف ما وراء جدران برلين بعددها وكثرتها خلال أربعة أيام كما كانت الوفود التي خرجت حين انكسر الجدار الحديدي؛ حيث بلغ أكثر من 800 ألف مواطن في غزة بشكل عفوي وعشـــوائـــي، وهو ما يدل على على  فظاعة السجن الكبير الذي كان يعيشه أهالي القطاع في الشهور السبعة السابقة!
كان تدفُّق هذه السيول البشرية الفلسطينية على مدن مصرية حدودية بهذا الشكل العفوي نتيجةَ آلام وعذابات حصار دام طويلاً، فأراد الأحرار أن يستنشقوا نسيم الحريَّة، كما يؤكد أن الحصار الاقتصادي الخانق الذي فُرِض على قطاع غزة باتت أوصاله تتقطَّع، باعتراف العدو الصهيوني!
وعودة إلى الوراء، فما زال الكثير من الشعب الفلسطيني (بالآلاف) في غزة لم يستلموا رواتبهم منذ شهور، وما زالت الحكومة الفلسطينية في غزة محاصَرة، وما زال مئات المرضى في المستشفيات بلا دواء. كل هذا يدعونا للتطرق لكيفية بداية الحصار، وآثاره، والصور المتعددة له ولأوجهه، وكيفية كسر هذا الحصار. في هذا التحقيق الموسع الذي شارك فيه مكتب مجلة البيان في الرياض، وعدد من مراسلينا في الضفة الغربيَّة وقطاع غزة، ومصر الكنانة، لوضع القارئ الكريم أمام الصورة والحدث الذي لازم الفلسطينيين في شهور الحصار، ولا زال هذا الحصار يضغط بكلْكلِه على جموع المحاصَرين في قطاع غزة الصمود.
• حكاية الحصار منذ البدايات:
غـزة هادئة، والأمـن يطرق بابها ويُزيِّن شوارعها، وليلها غادرته الفـوضى، وصباحها يُودع تباريح ألـم الاقتتال، غيـر أن هذا المشـهد الذي استيقظت على وقع تفاصيله المدينة بعد أشهـرٍ من المعاناة وأصوات الرصاص ودويِّ الانفجـار؛ كان ثمـنه غالياً وضريبته كبيـرة؛ إذ داهم الحُلمَ كابوس هدد بقاءه وجماله.
وبدت مقدمات كارثة إنسانية تطل برأسها على القطـاع، وامتدت ألسنـة اللاءات: «لا لفتح المعابر، لا لإمدادات الوقـود، والغـذاء بالقطّارة، الماء والكهرباء بالتقسيط..».
16 يونيو /حزيـران من العام الماضي، هذا اليـوم خطَّته ذاكـرة التاريـخ بدايةً للحصار الخانق المفروض على القطـاع، وإن كان الحصـار بثقل حـروفه وتبِعاته قد طارد غـزة وسكانها منذ سنوات وسنـوات؛ فلا حياتهم حيـاة ولا أيامهم أيـام.
ومنذ ذلك التاريخ، وسكان غزة يدفعون فاتورة باهظة بدأت مع هطول (أمطار الحصار) من أكثر من جهة، لتغرس أنيابها بقسـوة وتُحيـل الـورود إلى أشـواك.
• منطقــة كــوارث:
غيـوم الحصـار لم يقذفها الاحتـلال في وجـه غـزة وحسب، بل فاجأتها غيـوم أشـد مضاضةً؛ فبمُجرد اكتمال الحقائب الوزاريَّة الجديدة قامت حكومة (فياض) بقطع رواتب آلاف الموظفين الذين قرروا التعامل مع حكومة (هنية)، بذريعة عدم قانونية عقودهم، وقامت بتهديد كل عسكري يتجه إلى الدوام في موقعه؛ مما اضطر المئات إلى الجلوس في منازلهم خوفاً من ذلك، لتخرج بعد أيام التحذيرات من حكومة فياض لكافة العاملين في الدوائر والوزارات الحكومية بعدم التعاطي والتعامل مع حكومة هنية!
ويوماً بعد يوم، وشهراً بعد آخـر؛ ازدادت المعاناة وألـوان الحصار على غـزة وأهلها، وغُلّقت أمامهم كل الأبواب. وبعـد سبعة أشهـر من اشتداد الحصار الصهيوني الشامل أُغلقت كافة المعابر التجارية والبـرية. وقد أصـدرت اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار تقريراً مُفصلاً (وصل البيان نسخةٌ منه)، واستعرضت اللجنة ما خلّفه الحصار على كافة النواحي والقطاعات لـ «مليون ونصف مليون فلسطيني» يقطنون القطاع. 
فالخسائر الشهرية المباشرة تقدر بحوالي 45 مليون دولار شهرياً، و تتوزع على قطاع الصناعة بنسبة 33%، وعلى قطاع الزراعة بنسبة 22 %، وعلى القطاعات الأخرى (التجارة، والإنشاءات، والخدمات، والصيد) بمعدل 20 مليون دولار شهرياً بنسبة 45%. كما بلغت نسبة البطالة في القطاع 60%، في حين أن خسائر الزراعة تقدَّر بـ (150) ألف دولار يومياً، إلى جانب ستة آلاف مواطن عالق بسبب إغلاق المعابر البرية، كما أدى الحصار إلى ارتفاع نسبة المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 85٪ من سكان القطاع؛ وهو الأمر الذي حدَّ من قدرة المواطنين الغزاويين على تلبية احتياجاتهم الإنسانية الأساسية، إلى جانب انخفاض حاد في مستوى دخل المواطن ليصل إلى ما دون 650 دولاراً سنوياً. وحذّر التقرير الذي أصدره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية من أن استمرار عزل غزة عن العالم الخارجي «سيؤدي إلى نقص خطير في إمدادات حليب الأطفال والأدوية وزيت الطبخ، وإفلاس مئات المشاريع التجارية بسبب منع الاستيراد والتصـــدير، ولا سيما أن آلاف العمال فقدوا عملهم بسبب انهيار قطاع البناء وتعليق تنفيذ مشاريع بناء بقيمة 370 مليون دولار أمريكي».
وأكد التقرير الأممي أن 17% من المرضى الذين يحملون تحويلاً للعلاج في الخارج؛ مُنِعوا من مغادرة غزة للعلاج في القدس المحتلة أو في الخارج.
وتوقع تقرير الأمم المتحدة أنه في حال عدم تخفيف الإغلاق والحصار عن قطاع غزة؛ فإنه سيكون هناك ارتفاع كبير في الحاجة إلى الغذاء والمساعدات المباشرة بنسَبٍ تفوق النسبة الحالية التي وصلت إلى 80% من السكان.
• تحريك القضية رغم الألم:
على الرغم من الصعاب والحصار المؤلم وتدهور الأوضاع المعيشية إلى درجـة خطيـرة في غزة؛ غير أن حكومة هنية استطاعت تحقيق مجموعة من الإنجازات، أهمها: تعزيز ثقافة التكافل بين أفراد المجتمع الفلسطيني من خلال اقتطاع 5% من رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين لصالح المتعطلين، إلى جانب  البدء بزراعة المحررات واستغلالها للمساهمة في رفع الحصار.
وأفاد (زياد الظاظا) وزير الاقتصاد في حكومة هنية في حديث لـ «البيان» أن الحصار ولّد أفكاراً إبداعية لمواجهته، من خلال عملية التفكير في الابتكارات عبر معامل الجامعة الإسلامية في غزة، من أجل الاستفادة من الطاقات العقلية والإمكانيات والخبرات، وفقاً لمقتضى الحال الذي يعيش فيه قطاع غزة في ظل الحصار.
وذكر بأن الحكومة استطاعت أن تتغلب على صعوبات الحصار من خلال تعزيز العلاقة والتواصل مع رجال الأعمال والتجار والمستوردين والصناع داخل قطاع غزة، لتصبح الحكومة والقطاع الخاص وحدة واحدة، مشيراً إلى أن هذه التحديات حققت نجاحاً ملموساً على الأرض.
وبيّن أن الحكومة استطاعت أن تتعامل مع بعض أسعار السلع الأساسية، مثل: الطحين والخبز والأرز والسكر في اتجاهات معينة؛ حتى تكون في متناول المواطن الفلسطيني، مؤكداً أن وزارة الاقتصاد أعدت خطة إستراتيجية للتعامل مع هذه القضية.
مناشـدة العالم وحثـه على التحرك كان من أبرز الخطوات التي اتخذتها غـزة لجلب مزيد من الهواء لفضائها؛ لكي تنعم بالهـواء النقي. ولأن المعابر مغلقة ولا يمكن لأحـد الدخول إليها أو الخـروج منها؛ قامت عـدة جهات فلسطينية بتبني حمـلات عبر الإنترنت.
(جمال الخضري) الذي يرأس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار؛ أكد في حديثٍ للبيان أن على أهالي قطاع غـزة التحرك في اتجاه إنشاء حملات إعلامية لمخاطبة العالم بأسْـرِه، وإطلاعهم على خطورة الوضع الإنساني في القطاع وعواقب ما يجري، ودعوتهم لاتخاذ خطوات عاجلة لوقف التدهور الحاد.
وللَّجنة موقع على الإنترنت، وتفتح المجال أمام شرائح المجتمع الفلسطيني للانضمام إليها. وإلى جانب اللجنة؛ نظمت العديد من المواقع والمنتديات الفلسطينية والعربية وحتى الدولية، موجات تضامن وصفحات لإبراز معاناة غـزة والعمـل على تخفيف ألمها.
وأعلنت اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار استعدادَها للقيام بدور الوسيط بين الأطراف المعنية من خلال بذل كل الجهود في الاتصال بالأطراف ذات العلاقة بما يضمن الوصول إلى صيغة توافقية؛ تضمن إعادة تشغيل معابر قطاع غزة وضمان استمرارية عملها بما في ذلك معبر رفح الحدودي.
• مشاهد من قلب الحصار:
البيان رصدت صُوَراً من معاناة أهالي قطاع غزة؛ فللدواء عندهم حكاية مغموسة بالقهر والوجع،  وللموت حكاية مكسوّة بالفقد واليُتم، وللقبر ألف حكاية وحكاية مغلّفة بالعجز والآهات. أما السفر فهو سيد المعاناة؛ فالبحر من خلفهم، وغربان الاحتلال من أمامهم!
الدواء ســـؤال بلا إجــابة لمــرضى غـــزة: «للأســـف.. لا يوجد!».. هذه هي الإجابة الوحيدة التي يتلقاها المرضى في قطاع غزة من الصيدليات ومخازن الأدوية في المستشفيات؛ إذا سألوا عن الأدوية والعقاقير اللازمة لعلاجهم.
و يقول (أبو أحمد) المُصاب بفشلٍ كلوي: كلما توجهت من أجل الحصول على الأدوية الخاصة بعلاجي أصطدِم بعبارة «للأسف.. لا يوجد دواء!».
مصير أبي أحمد يشابه مصير آلاف المرضــى الذين لم تشفع صرخات ألمهم لرفع حصارٍ مفروض على القطاع، وإغلاقٍ مُحكم لمعابره؛ لا يسمح للدواء بالدخول.
الشاب الغزاوي نائل الكردي الذي رحل بهدوء بعد أن ملّ مناشدة العرب والمسلمين وأصحاب الضمائر السماحَ له بمغادرة القطاع المحاصَر لكي يتمكن من تلقِّي علاج مرض السرطان الذي كان يعاني منه؛ حيث استطاعت روحه أن تفكّ الحصار وتصعد إلى بارئها لتشكو ظلم الظالمين وتقاعس المتقاعسين!
الشاب أُعلِن عن وفاته جرّاءَ عدم السماح له من قِبَل (العدو) بالسفر لتلقي العلاج، وانضم إلى قافلة مَنْ توفي خلال الأيام العشرة بسبب الحصار المفروض على القطاع.
وقبل موته ظهر نائل على شاشات التلفزيون المحلية والعربية يناشد العالم كله ولا سيما الدول العربية، بالضغط على الصهاينة بهدف فتح المعابر، لكي يتمكن من السفر للعلاج من مرض السرطان الذي كان يعاني منه.
قال حينها قبل أسبوع من وفاته: «أنا أعاني من مرض السرطان، وأناشد العالم التدخُّلَ لفتح المعابر؛ فأنا حصلت على تحويلة ثلاث مرات وكانوا يمنعونني من مغادرة معبر إيريز (بيت حانون)، أريد الذهاب للعلاج، لا لأحارب».
وجلست والدة نائل بجواره في حينها، وقد بدا عليها علامات الحزن والأسى وهي تشاهد فِلْذة كبدها وهو يموت على فراشه دون أدنى بصيص أملٍ يخرجه من غزة إلى أي مكان آخر للعلاج من مرضه العضال.
وقالت أم نائل في حديثها لوسائل الإعلام وهي تذرف الدموع بحسرة ومرارة: «أناشد العالم وزعماء الدول العربية أن يأتوا لمشاهدة المريض في غزة وهــو يموت على فـــراشه ولا يجــد العـلاج ولا متنفَّــساً للخروج من غزة لكي يعالج».
وهو يحمل الرقم (62) - حتى كتابة هذه السطور - من الذين توفّوا بسبب الحصار ومنعهم من السفر وعدم توفر الدواء. ويهدد خطر الموت قائمةً كبيرة من المرضى من أصحاب الأمراض الخطيرة والمزمنة جرّاءَ عدم تلقِّيهم العلاج؛ بسبب عدم توفر الأدوية، وبسبب منعهم من مغادرة القطاع للحصار المطبق.
وشرح (جون جينج) مدير الأونروا بقطاع غزة، الوضعَ بقوله: «لقد اضطررنا إلى وقف مشروعاتنا الإنشائية التي يبلغ إجمالي قيمتها حوالي 93 مليون دولار؛ لعدم توفر الإسمنت وغيره من مواد البناء».
• المنع من الزيارة:
«أهالي غـزة محرومون من زيارة أسْراهم حتى إشعارٍ آخر»؛ تلك اللافتة رفعتها الحكومة الصهيونية في وجه أهالي الأسرى في قطاع غزة لتضعهم على أجندة الحصار المفروض على قطاع غزة.
«ممنــوعــون من الــزيــارة، أخبار ولــدي مقطــوعة عنا، لا اتصال ولا حديث، الخـوف يقتلنا، وقلق الانتظار أصابنا بالإعياء والألـم». بصـوت مخنوق وبعيون باكية؛ اشتكت والدة الأسير الفلسطيني لدى الصهــاينة (أحمــد أبو عودة) استمرارَ تعليق الدولة العبرية برنامج الزيارات لأهالي وذوي أسرى قطاع غـزة منذ نحو شهرين.
وتساءلت الأم بحرقة: «ألا تكفي عذابات المعتقلين داخل السجون وموتهم هناك في اليوم ألف مرة؟ لماذا نُمنع من رؤية أولادنا؟ أين منظمات حقوق الإنسان والضمائر الحية؟!».
رائحة الحزن الذي خلّفته أم أحمد بتساؤلها ارتسمَ على شفاه العشرات من أهالي وذوي أسرى القطاع الذين أعربوا عن بالغ ألمهم لتعليق برنامج الزيارات.
وتتذرّع السلطات الصهيونيَّة بعدم وجود تنسيق بين الفلسطينيين من أجل الزيارة والإشراف على المعابر وتأمين دخول الأهالي.
وبصوت مخنوق استنكرت والدة الأسير (عبد الحليم عبد الله) وقفَ برنامج الزيارات، داعيةً (الصليب الأحمر) الدولي إلى الضغط بجدية لاستئناف الــزيارة. وأردفـــت تـــقول: «لا نسمع عنهم خبراً ولا ندري ما أحوالهم؛ فإلى متى سنبقى على هذا الحال؟!».
والد الأسير (موسى بدوي) طالَب هو الآخر (الصليب الأحمر) باستخدام صلاحياته الدولية للضغط على الجانب الصهيوني لاستئناف برنامج الزيارات لأهالي الأسرى.
وأضاف: «مهما يكن حجم الأحداث الدائرة في غزة؛ فإن الزيارات يجب ألا تُعَلَّق، وعلى الصليب تحمُّل مسؤولياته تجاه الأسرى وذويهم».
زوجة الأسير (أيمن الشوا) انتقدت (هذا الدور)، واصفةً إياه بالسلبي، وقالت: «إن سيطرة حماس ليست حجــة أو مبرراً، وتحت أي ظرف كان يجب ألا تتوقف زياراتنا للأسرى».
(موفّق حميد) مدير جمعية (حسام) لشؤون الأسرى والمحرَّرين؛ أكد في تصريح لـ «البيان» أن الجمعية، وبحضور عدد من أعضاء لجنة أهالي الأسرى؛ زارت مقر اللجنة الدولية (للصليب الأحمر) للمطالبة باستئناف برنامج الزيارات المتوقف بذرائع أمنية.
وأشار حميد إلى أن (الصليب الأحمر) من جهته أكد محاولته الحثيثة للضغط على الجانب الصهيوني لاستئناف البرنامج؛ حيث بعث برسالة احتجاج إلى إدارة السجون، لكن الصهاينة لم يردّوا على الرسالة.
واعتبر أن ربط الجانب الصهيوني برنامجَ الزيارات بالأحداث الجارية في غزة بمثابة «عقاب جماعي لا منطقي، ويجب إعادة برنامج الزيارات لأسرى غزة؛ فلا دخل للبرنامج بالخلافات السياسية».
• مجلة «البيان» تعيش الساعات الأخيرة للعالقين الفلسطينيين في مصر:
شاء الله - عز وجل - أن تكون رحلة مجلة «البيان» إلى مدينة العريش المصرية للقاء الفلسطينيين العالقين منذ شهر مايو من العام الماضي - متزامنةً مع تكثيف الاحتلال الصهيوني لقصفه الصاروخي لأهالي قطاع غزة، والتصعيد ضدهم عبر قطعه الكهرباء والغاز؛ مما صعّب من حياة أهل القطاع الذين توقفت حياتهم تماماً وأضحت ضرباً من المستحيل، مما دَفَعهم إلى البحث عن منفَذٍ لكسر الحصار المفروض عليهم، فالتجؤوا إلى معبر رفح الحدودي للدخول إلى مصر من أجل التزود بالغذاء والأدوية والوقود، وسط رفض أمني مصري لاعتبارات سياسية؛ استشعر الفلسطينيون تهافتها أمام مأساة أكثر من مليون ونصف المليون من سكان غزة الذين يعانون الظلام والجوع والموت.
وكان لتوتر الأحداث على المعابر بين مصر وقطاع غزة؛ أثرُه على حركة الانتقال من القاهرة إلى مدينة العريش؛ حيث قامت الأجهزة الأمنية بتشديد إجراءاتها بحثاً عن أي من الفلسطينيين العالقين المقيمين في القاهرة أو غيرها من المدن والذين يعتزمون التوجه إلى مدينة رفح؛ سعياً وراء الدخول إلى غزة لإنهاء أزمتهم التي تجاهلتها أغلب الجهات الرسمية، وأضحى مئات الفلسطينيين من العالقين في عالم النسيان يعيشون مأساة أخرى، غير أنها هذه المرة على أرض مصرية.
بعد أربع نقاط تفتيش، تمكنّا من الوصول إلى رياض المصري (أبو نضال) رئيس لجنة العالقين في المدينة، الذي يتخذ (شاليهاً) على البحر مقراً للجنته، بالقرب من مكان إقامة أغلب العالقين الذين فضلوا الإقامة في هذه الشاليهات على الرغم من انخفاض درجات الحرارة فيها لوقوعها على البحر مباشرة ولحلول فصل الشتاء، غير أنها تتميز بانخفاض أسعارها التي يمكن أن تتناسب مع العالقين أو الجهات الداعمة لهم.
حفاوة كبيرة وابتسامة عريضة على الوجوه استقبلنا بها (أبو نضال) ومن معه من أعضاء اللجنة الناشطين وغيرهم من الرجال الفلسطينيين؛ الذين يجدون في لقاءاتهم بمقر اللجنة فرصةً للتنفيس عمّا بهم، ومحاولةً للتخفيف من آلام الاغتراب عن الأهل والوطن، بعد أن قست عليهم أقدارهم وجنى عليهم العدو والحبيب. سهلت علينا هذه الحفاوة مهمتنا في أن نستنطق العالقين لوصف معاناتهم، وأن نحاول الكشف عن مكنوناتهم وتقييمهم للمواقف المتباينة من قِبَل الحكومات، أو الشعوب، أو المنظمات الإغاثية العربية والإسلامية.
• مَنِ العالقون؟
تعود أزمة العالقين الفلسطينيين إلى قبيل منتصف عام 2007م، عندما تجمّع ما يزيد على ستة آلاف من الفلسطينيين المُحتجَزين على (بوابة) رفح بعد منع جنود الاحتلال الصهيوني أبناءَ غزة من الوصول إلى مدنهم وقراهم، وهو ما عرّضهم للكثير من المخاطر أسفرت عن وفاة العشرات منهم؛ نتيجةَ عدم تلقيهم العناية الطبية اللازمة، فضلاً عن تشردهم في شوارع وطرقات مدينة رفح المصرية، وسط حالةٍ من التجاهل الإعلامي والصمت العربي والدولي الذي لم يتحرك لوقف هذه المأساة.
أما عن مصطلح (العالقين)؛ فقد قُصِد به هؤلاء الذين مُنِعوا من دخول بلادهم ولم يُمنَحوا تأشيرات الإقامة في غيرها، وذلك بفعل الكيان الصهيوني الذي لم يكتفِ بممارساته وانتهاكاته اليومية بحق الفلسطينيين، وأراد الإمعان في استذلالهم وحرمانهم من أوطانهم. غير أنه، ووسط ضغوط متزايدة من قِبَل الفلسطينيين والحركات الشعبية العربية؛ تمكّنت أعداد كبيرة من هؤلاء العالقين من دخول غزة عبر منفذي (العوجا) و (كرْم أبو سالم) اللذين تسيطر عليهما قوات الاحتلال الصهيوني، بينما بقيت أعداد أخرى أصرّت على عبور منفذ رفح الذي يخضع لسلطة حكومة حماس، فضلاً عن خشية الكثير من العالقين التعرضَ للاعتقال من قِبَل الاحتلال باعتبارهم مطلوبين أمنياً لديه.
• العمل الإغاثي:
بالنسبة للعمل الإغاثي المقدَّم للعالقين؛ فقد اقتصر بحسب ما أكد رئيس اللجنة رياض المصري على جهتين فقط هما اللتان تكفلتا بتقديم الدعم والإعانة للعالقين الفلسطينيين، وهما: اتحاد الأطباء العرب ومعه نقابة الأطباء المصريين عبر ممثلهما في العريش حسام الشوربجي، ولجنة أخرى تابعة للجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنة في مصر ويمثلها الشيخ حمدي عبد العزيز.
قال أبو نضال: لقد حمل اتحاد الأطباء العرب ونقابة أطباء مصر على عاتقهما، ومنذ تصاعدت حدة مأساة العالقين في شهر سبتمبر الماضي؛ تقديمَ التموين اللازم للعالقين بشكل أسبوعي حتى يمكــن التخفـــيف من حــدة ما يتعرضون له خلال إقامتهم في مصر، دون أن يتوفر لديهم مصدر مالي للنفقات أو المعيشة؛ فحرصت اللجنة الخاصة بهما على تقديم تموين أسبوعي لكل فرد من العالقين (رجل، امرأة، طفل) والتي تمثلت في إعطاء كل فرد ما مقداره كيلو جرام من اللحم والسكر والأرز والمكرونة والشعيرية فضلاً عن (باكيت صلصة) و (باكيت شاي)، وهو التموين الذي وفّر الكثير من احتياجات العالقين.
وأضاف (أبو نضال): أما اللجنة التابعة للجمعية الشرعية؛ فقد تحملت ومنذ بداية شهر يناير الجاري، دفعَ إيجارات الشاليهات التي يسكنها العالقون بعد أن انتقلوا إليها من مخيمات «النُزَّل» التي ظلوا بها لعدة شهور قبل الانتقال «للشاليهات»؛ حيث يبلغ إيجار «الشاليه» في الليلة الواحدة ما مقداره 25 جنيهاً، أي تصل قيمة الإيجار الشهري إلى ما يقرب من 750 جنيهاً مصرياً، وهو ما لا يمكن أن يتحمله العالقون. مشيراً إلى أن لجنة الجمعية الشرعية قامت بتقديم غطاءين شتويين (بطانيتين) لكل عالق مع بدء  فصل الشتاء، كما تقدِّم في بعض الأوقات أيضاً وجبة إفطار يومية.
وأوضح أبو نضال أن العمل الإغاثي يتم بالتنسيق مع لجنة العالقين التي شُكِّلـــت في مدينة العريش، وتضم ثــلاثة من العالقين؛ حيث اتخذت اللجنة مقراً لها بالقرب من إقامتهم لتوزيع ما تقدمه اللجان الإغاثية عبر «كشوفات» أُعِدَّت من واقع الــحال، مع تحديثها كلما أُلحِق بالعالقين فرد أو أسرة جــديدة. مضيفـــاً أن اللجنة أيضاً تجتهد في توفيـــر العـــلاج الــلازم للمرضى العالقين من خلال الاتصال بالجمعية الشرعية واتحاد الأطباء؛ الذين يحرصون على توفير الاحتياجات كاملة؛ حيث يأتي إلى اللجنة يومياً ولمدة ثلاث ساعات طبيب مصري متطوع وصيدلي مصري أيضاً؛ للكشف على المرضى وإعطائهـــم الـــدواء الـــلازم، أو توفيره من الجهات الداعمة في حالة عدم وجوده لديهما، فضلاً عن تحويل الحالات الحرجة أو المستعصية - إذا لزم الأمر - إلى المستشفيات الحكومية التي تقبل العالقين لديها.
كما كشف «أبو نضال» أن هناك حالات صحية تحتاج إلى رعاية طبية؛ حيث يوجد بين العالقين مرضى بالسرطان والقلب والكبد وهشاشة العظام والسكر والضغط، وأن هناك عدة حالات اضطررنا إلى تحويلها للقاهرة لتلقي العلاج، مثل حالتي: «دينا عطا الله عابد» المصابة بالسرطان وهشاشة العظام وتُعالج في معهد ناصر، وحالة الحاج «نظمي يوسف فياض» الذي يعاني من آلام الظهر والمرارة والكبد، وهي الأمراض التي أصيب بها خلال وجوده في مصر ويعالَج في إحدى مستشفيات القاهرة.
• أيام سوداء:
لا ينسى «أبو نضال» يومي الثاني والثالث من يناير الجاري عندما أُخبر العالقون بأن معبر رفح سيُفتح لدخول الحجاج الفلسطينيين القادمين من المملكة العربية السعودية، وهو ما دفع العالقين إلى ترْكِ مساكنهم بعد أن جهزوا أمتعتهم وحملوها في سيارات خاصة للتوجه إلى رفح المصرية، غير أن السلطات المصرية لم تسمح لغير الحجاج بالعبور، سواء للنساء منهم أو الرجال، حتى إن الكثير من أمتعة العالقين ضاعت وسط الفوضى التي كانت أمام المعبر.
وأمام تلك المعاناة والمتاعب التي لا تطاق؛ عاد العالقون مجدّداً إلى العريش وإلى أماكن إقامتهم، غير أنهم لم يستطيعوا الدخول مرة أخرى إلى «الشاليهات» بعد أن تركوها لأصحابها، فاضطروا إلى الإقامة في أحد شوارع العريش وسط طقس شديد البرودة دون أغطية؛ وهو المشهد الذي كان كفيلاً بأن يحرِّك هذا العالم الصامت. وظل الأمر هكذا حتى تدخلت الجمعية الشرعية التي أعادت تسكينهم بعد دفع إيجارات «الشاليهات» وعودة العالقين إليها، فجزاهم الله خير الجزاء.
• الوحدة والاغتراب:
أما العالق سلامة خليل محمد (55 عاماً من سكان غزة) وكان يعمل مديراً لأحد البنوك؛ فيقول: لقد كنت في زيارة أنا وزوجتي لأبنائي في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم عدنا إلى مصر في شهر أكتوبر الماضي من أجل العبور إلى غزة، لكننا لم نستطع العبور. ومنذ ذلك الوقت وأنا وزوجتي من العالقين، غير أنها استطاعت العبور عبر معبر (كرْم أبو سالم) خلال حل أزمة الحجاج في الثالث من يناير، فأصبحت وحيداً بعد ذلك، محروماً من الزوجة والأولاد والأهل؛ فكل منهم في مكان، وهو ما دفعني إلى أن أقيم في مقر لجنة العالقين، وأن أعطي كل جهدي لخدمتهم تطوُّعاً وتعاوناً مع الإخوة المسؤولين عن اللجنة، على الرغم من أنني لا أرى إلا بعين واحدة؛ نتيجةَ إصابة في رأسي وأحتاج إلى عناية طبية خاصة.
• بلادي العزيزة:
عدنان محمد الباز (60 عاماً من سكان غزة الرمال) يقول: كنت أعمل في ليبيا منذ عام 1976م بعد أن أنهيت دراستي للحقوق مباشرة؛ حيث عملت كاتباً في النيابة العامة الليبية. وبعد أن أنهيت تعاقدي مع ليبيا؛ قررت العودة لغزة، وبالفعل جئت إلى العريش في سبتمبر الماضي لألحق أنا وأسرتي المكونة من زوجتي وثلاث أولاد بالعالقين.
أضاف قائلاً: إن لديَّ ابنتين (راما وهبة) أنهيا دراستهما الجامعية، وقد كان من أهداف عودتي هو زواجهما حيث الأهل والأقارب ومن يعرفوننا ونعرفهم؛ فعملية ارتباط بناتي في ليبيا شيء صعب، لكنني اليوم أصبحت أنا وأسرتي عالقين، فضلاً عن فقدان ولدي أحمد (الصف الأول الإعدادي) العام الدراسي، والذي تحاول معه أخته هبة استذكار بعض الدروس السابقة، وتعيش في حالةٍ لا تُحسد عليها، مردِّداً قول الشاعر:
بلادي وإنْ جارت عليَّ، عزيزةٌ
وأهلي وإن ضنّوا عليَّ، كرامُ
• زعيمة «الشاليه»:
الحديث إلى الفلسطينيات العالقات حزين إلى حد أن الألم له طعم الجرح؛ فالكلمات مثخنة، والزفرات تغلفها الدموع.
روحية عليوة فياض (أم مصعب، 54 عاماً) فلسطينية؛ نموذج آخر للمرأة المجاهدة، تحاول بكل جهدها التخفيف من معاناة أسرتها الكبيرة التي تتكون من 13 فرداً. تقول: عدنا من السعودية في شهر أغسطس الماضي، والتحقنا بالعالقين بعد فشلنا في العبور لغزة. وكما ترى؛ فإن الأسرة كبيرة؛ إذ إن لزوجي زوجة أخرى، ومعنا أربعة من أولادها وأربعة من أولادي، فضلاً عن زوجة يوسف أخي زوجــي وابنتهـــا رنا (4 أعوام)، ومع ذلك نعيش جميعاً في «شاليه» واحد مكون من غرفتين، على الرغم من أن الأسرة تضم أولاداً من البنين والبنات. كما أن الزوج (نظمي يوسف فياض) يعاني من عدة أمراض شديدة اضطرته للسفر إلى القاهرة للعلاج، وعاشت الأسرة الكبيرة معاناة لا توصف.
تؤكد «أم مصعب» أن مما يحزنها حالة أولادها النفسية؛ حيث ضاع عليهم العام الدراسي؛ فأغلبهم في سنوات دراسية مختلفة، حيث يبكي الأولاد عندما يرون أندادهم المصريين صباح كل يوم وهم متجهون إلى مدارسهم، وأقصى ما يمكننا فعله معهم وهم محرومون من ذلك هو مراجعة ما يحفظونه من القرآن الكريم. فالحمد لله على كل حال.
• الألم المكتوم:
فتاة فلسطينية، تبلغ من العمر خمسة عشر عاماً؛ تبدو حزينة صامتة منكسرة. عندما سألت عنها؛ أجابني أهلها أنها متألمة بعض الشيء؛ لأنها بحاجة إلى العلاج، وتحدث الجميع عن مشكلاته وأحزانه إلا (هناء)؛ فقد ظلت صامتة، وعلى وجهها تبدو جميع مشاعر الأسى، وفي عينيها تبدو جميع أحزان الحياة. وأخيراً سألتها: من أي الأمراض تعانين يا هناء؟ حاولتْ التهرب من الرد. وبعد إلحاح في السؤال أجابت أختها بدلاً عنها قائلة: إن (هناء) تستحي من الحديث عن مرضها؛ لأن الماء المغلِيَّ انسكب عليها فشوّهَ جسدها، وهي تحمل بجانب مشاعِر ألم الاحتراق مشاعرَ الألم النفسي؛ لأنها أصبحت أنثى مشوهة. الطبيب قال: إنه من الممكن &#