العرب وقضية فلسطين ما بعد أنابوليس!


جـواد الحمـد(*)


 
عاد العرب والفلسطينيون من مؤتمر (أنابوليس) المنعقد في 27/11/2007م بلا خفين، حسبما يرى أكثر الخبراء والسياسيين دراية في شؤون الصراع وسياسات الولايات المتحدة. وعلى الرغم من الإدراك شبه اليقيني المسبق من قِبَل الوفود العربية والوفد الفلسطيني أن المشاركة في المؤتمر لن تعدوَ أن تكون خدمة للإدارة الأمريكية والقيادة الصهيونية، وأنها لن تحقق أي هدف عربي ذي بال، وأن الإدارة الأمريكية قد أخذت قراراً حازماً بعدم الضغط على الدولة الصهيونية لتقديم أي تنازلات لا ترغب هي بها، وأنها في المقابل ستحاول ممارسة ضغوط بديلة على الجانب الفلسطيني من جهة وعلى الجانب العربي من جهة أخرى، غير أن وزراء الخارجية العرب اتخذوا قرار المشاركة. وقد وجدت الوفود ما توقعت قبيل المؤتمر بأيام قليلة، واكتشفت أن تنازُلها بقبول المشاركة بستة عشر وفداً في مؤتمر إلى جانب الدولة الصهيونية وبرعاية وشهادة مجموعة من دول العالم ما كان إلا خدعة أمريكية متكررة، ونَسَقاً صهيونياً معروفاً طوال سنوات الصراع وسنوات المفاوضات السابقة. واكتشف العرب أن المبادرة العربية التي حملتها الوفود بوصفها الحل السحري للصراع، والتي تُقدم للدولة الصهيونية هدية مجانية للأمن والسلام، وجدوا أنها غير ذات صلة، إذ يكتفي الرئيس بوش بالإشارة إليها، بينما ينتقي منها الجانب الصهيوني تطبيع العلاقات، ويستبعد الانسحاب حتى 4 حزيران 1967م، وتطبيق حق عودة اللاجئين. هكذا إذن يصف خبراء مخضرمون المشهد الأول لرحلة العودة الخائبة للوفود العربية من أنابوليس والتي عبّر عنها وزير الخارجية السعودي بعبارات قاسية عندما أعلن أنه (لم يشارك في المؤتمر من أجل مسرحية التقاط صور، وإنما لمفاوضات حقيقية).
 وهو طبعاً ما لم يحدث؛ فقد خدعت الإدارة الأمريكية الجميع، خدعت الوفد الفلسطيني وبقية الوفود العربية. وبطبيعة الحال فإن تداعيات هذا الفشل العربي والفلسطيني في تحصيل شيء يُذكَر في عملية السلام وجّه ضربة قوية لمصداقية هذه الحكومات أمام شعوبها بشأن ثقتها في مصداقية الإدارة الأمريكية، كما شجع الجمهور العربي والفلسطيني على مزيد من التأييد للمقاومة لكونها خياراً واقعياً أكثر مصداقية للضغط على  الدولة الصهيونية لتحقيق الانسحاب ونيل الحقوق، وطفقت مختلف الأطراف تبحث عن مخارج وسبل لتعديل الميزان السياسي المختل لصالح الاحتلال الصهيوني برعاية أمريكية حنونة.
ويتساءل المرء عن طبيعة الاختيارات العربية في التعامل مع الاحتلال الصهيوني والتي مضى عليها أكثر من ستين عاماً دون أن تحقق للشعب الفلسطيني مكاسب حقيقية، وهل يمكن أن يبقى صانع القرار العربي والفلسطيني أسيراً لسياسات فشلت ولبرامج لم تنجح؛ على الرغم من التغيرات التي شهدها العالم والتحولات التي أصابت كل النظام الدولي والإقليمي، والتحولات الاجتماعية الواسعة التي شهدتها المنطقة العربية؟
 إن مثل هذا التساؤل جدير بالتوقف عنده طويلاً؛ حيث إنه يفتح ملف السياسات العربية في التعامل مع الشعب الفلسطيني من جهة، ومع الكيان الصهيوني من جهة أخرى، وخاصة أن هذه السياسات أثبتت فشلها عَقداً بعد عقد، وأنه آن الأوان لإعادة النظر فيها، والأخذ بالحسبان التغيرات في موازين القوى السياسية والاجتماعية، فضلاً عن التحولات في العالم والإقليم.
ويتساءل المرء أيضاً عن طريقة التفكير الأمريكية المغلقة التي تتعامل بها إزاء الصراع العربي - الصهيوني، والتي تنظر إلى مكوناته من خلال السياسة والموقف الصهيوني، وتتعاطى المعلومات عبر التقــارير الصهيونية فقط، وتنظــر إلى العــرب شزراً وإلى مواقفهـم بأنها عبثية، وإلى حقوق الشعب الفلسطيني بأن تحقيقها يخضع للموافقة الصهيونية التي طال انتظارها، والذي قد يطول إن لم تتغير الاستراتيجية العربية في التعــامل مع الصراع.
• مسار أنابوليس بداية ونهاية:
منذ البداية أوضح الأمريكيون أن هدف المؤتمر هو تحريك عملية السلام، وإضفاء الشرعية على مفاوضات (عباس - أولمرت) الفاشلة، وتطبيق خريطة الطريق التي أفشلتها الدولة الصهيونية عملياً، حتى يمكن النظر في مسألة إقامة دولة فلسطينية غير معرَّفة قانونياً، بل يلفها غموض إضافي بمصطلحين جديدين غامضين: قابلة للحياة، ومتواصلة جغرافياً، لكنها مشروطة في الوقت نفسه بنزع السلاح، وقبول العيش تحت رحمة الدولة الصهيونية النووية المدججة بالسلاح، ولذلك لم يكن وارداً إحداث اختراق محدد حسبما كان يروِّج الإعلام العربي والفلسطيني الرسمي قبيل المؤتمر، بل كان الهدف الأمريكي واضحاً جلياً؛ حيث هدف الرئيس بوش منه إلى تحقيق جملة من الأهداف، من بينها: التغطية على فشله في العراق وأفغانستان، وتحميل الدول العربية مسسؤولية محاربة المقاومة الفلسطينية، ودعم الأطراف الفلسطينية المتعاونة مع الدولة الصهيونية أمنياً. وهدفَ كذلك إلى حشد الدول العربية وإمكاناتها في معركته الخرافية بين المعتدلين والمتطرفين التي تمثل أيديولوجية التخلف الحضاري بأبشع صوره؛ حيث تَعدُّ هذه النظرية غير الإنسانية استخدامَ كل الأسلحة مشروعاً ضد الأطفال والنساء بحجة هذه المعركة الوهمية، فيما تَعدُّ مقاومة الاحتلال والدفاع عن النفس تطرُّفاً وإرهاباً!
وليس من بين الأهداف - كما أعلن مسبقاً، وكما تبين واقعاً بعد انفضاض مهرجان المؤتمر - إقامة دولة فلسطينية، ولا عودة اللاجئين، ولا مساعدة الشعب الفلسطيني على الاستقلال!
وقد نجح الرئيس بوش في افتتاح المؤتمر وإنهائه في خطابه الافتتاحي وفق هذه الأجندة. وبمراجعة نصَّي الخطابين الأمريكي والصهيوني تتضح معالم هذا التصميم الخاص بالمؤتمر وأهدافه.
إن أهم ما تمخض عنه هذا المؤتمر توفير قشة جديدة يتعلق بها الفلسطينيون والعرب لتشغلهم عن الإعداد السياسي أو القانوني أو العسكري لمواجهة الاحتلال والعدوان الصهيوني، وتوفير الوقت للمحتلين لمصادرة المزيد من الأراضي وبناء المستوطنات وهدم البيوت والاعتقال والاغتيال (كما يتابع العالم على شاشات التلفاز بعد أنابوليس)، والدخول في مناقشات عبثية حول البديهيات التي أقرتها الشرعية الدولية التي يطالبون الفلسطينيين بالتزامها، مثل قرار (242)؛ الذي يؤكد على انسحاب الصهاينة إلى حدود 1967م، والقرارات التي اعتبرت الاستيطان غير شرعي، وتلك التي دعت إلى عودة اللاجئين والنازحين، والتي أقرت إقامة دولة فلسطينية، وعلى حد تعبير مساعد وزير الخارجية الصيني لشؤون غرب آسيا (في حديث خاص مع الكاتب في مدينة الرياض في 3/12/2007م) «فإن المسائل محطَّ البحث (أي ما يسمى بقضايا الحل النهائي: القدس، واللاجئين، والدولة، والحدود، والمياه، والمستوطنات) واضحةٌ وضوح الشمس، وإثارة الغموض حولها إنما تثير التساؤل حول جدية هذه المفاوضات». 
إذن لم يشكل المؤتمر مساراً سياسياً مهماً، ولا أسَّس لانعطافة جادة في عملية السلام، ولم يضع قواعد جديدة من واقع الخبرة السابقة لتفعيل آليات حل الصراع، بل شجع ما كان قائماً قبله على الرغم من الفشل السابق، وأكد تعهداته للجانب الصهيوني بخصوص مواقفه المتعنتة فيما يخص القدس والاستيطان واللاجئين، فيما لم يقدم أي تعهدات للجانب الفلسطيني، وطالب العرب بالتطبيع مع الصهاينة لمساعدة عملية السلام دون أن يطالبها بالانسحاب، ولم يقدم الأمريكيون في المؤتمر أي ضمانات جديدة للوصول إلى حل عادل ودائم عبر هذه المفاوضات.ولذلك فإن لقاء أنابوليس لم يتمكن من تشكيل مسار جديد ولا وفّر ديناميكيات جديدة كما حصل من قبل في مؤتمر مدريد لعام 1990م أو مفاوضات أوسلو لعام 1993م، بل ولا حتى (واي ريفر) لعام 1998م، ولا خريطة الطـريق لعام 2004م.
فكأن المؤتمر انعقد لينتهي كما انعقد؛ لتحقيق الأهداف السياسية الأمريكية والصهيونية، وربما لتحقيق بعض فُتات من المكاسب العامة للعرب، والتي لم نتمكن من تمييزها خلال متابعات واسعة لفعاليات المؤتمر ونتائجه وتداعياته اللاحقة.
ويثير هذا الاستنتاج الكثير من التساؤلات حول مستقبل السياسة الأمريكية تجاه الصراع، ومستقبل عملية السلام ذاتها، وكذلك يثير التساؤل عن الزمن الممكن للشعب الفلسطيني أن ينتظره لتتمخض المفاوضات عن حل، كما تثير الطريقة التي انعقد فيها المؤتمر وأُدير من قِبَل الإدارة الأمريكية التساؤلَ عن الأوراق التي يملكها العرب والفلسطينيون في المفاوضات مع الولايات المتحدة أو مع  الدولة الصهيونية بشأن القضية الفلسطينية. فإذا كانت القوة الفلسطينية الضاربة شعبياً وعسكرياً تخضع لحصار فلسطيني عربي صهيوني مشترك، وإذا كانت القوى المفاوضة تبدي ثقة عالية في مصداقية الولايات المتحدة وحُسْن نوايا الصهاينة على طاولات المفاوضات، وعلى حد تعبير بعض المفاوضين (الاشتباك التفاوضي بالحجة)؛ فما الذي يخلقه مسارٌ مغلق بدأ بالضغط على الفلسطينيين، ويُحرِج الوفد المفاوض أمام شعبه في كل اجتماع بإجراءات تتناقض أساساً مع الاتفاقات الموقعة سابقاً، فضلاً عن حسن النوايا المفترضة أو مرجعيات التفاوض الجاري، بما في ذلك خريطة الطريق وتقرير ميتشل؟
•  الدولة الصهيونية ومنطق القوة محدد المرحلة القادمة:
على مدى سنوات الصراع المسلح وخلال عمليات التفاوض؛ أثبتت الدولة الصهيونية أنها لا تؤمن بالسلام، ولا تستطيع قياداتها توقيع اتفاق سلام دائم معقول مع الفلسطينيين، وأنها تؤمن بالقوة والإعداد العسكري والحرب. ولذلك فإن اللحظات التاريخية التي خضــعت فيها الدولة الصهيونية لحظياً كانــت تحت الهزائم العسكــرية أو تهــديد الأمــن الداخلي أو الحدود؛ بدءاً بالعمل الفدائي في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، مروراً بحرب رمضان 1973م واستخدام العرب لسلاح النفط عام 1974م، وانتهاءً بالانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987م والانتفاضة الثانية عام 2000م، وعمليات المقاومة المتواصلة بأشكالها المختلفة في فلسطين ولبنان. ولذلك فإن دروس أنابوليس تفرض على المخطط العربي وصانع القرار العمل على إعادة حساباته جيداً، لاستعادة بعض الأوراق التي ألقاها بعضهم جانباً؛ ظناً منهم أن عهد السلام قد ساد وأن الدولة الصهيونية قد تعقّلت!
 ولعل أبرز عناصر القوة المطلوبة في مثل هذه الحال هي وحدة الصفوف الداخلية لأبناء الشعب الفلسطيني، وتقوية صمود الشعب الفلسطيني، وتطبيق القرارات العربية بفك الحصار عنه من جانب واحد، وتوفير الدعم المالي والسياسي والإعلامي والدبلوماسي لحقوقه الأساسية. كما يفرض ذلك أيضاً توحيد جهود جميع القوى في خدمة القضية بغض النظر عن بعض خلافاتها الداخلية، وهو بالطبع يفرض على الأطراف الفلسطينية سرعة التلاقي على الحد الأدنى الممكن داخلياً لتشكيل وحدة وطنية معقولة.
 ولعل اتفاق مكة الذي تُوُصِّل إليه في 8 فبراير 2007م لا يزال يصلح إطاراً ناظماً لمثل هذه التوجهات، مع الأخذ بالحسبان أهمية عزل القوى التي حاولت تعطيل تطبيقه بدافع مصالح أنانية فردية، وحزبية، وتنافسية، وغيرها.
 ومن هنا فإن مسؤولية ما بعد أنابوليس تفترض أن يتحمل الكبار والقادة العظام مسؤولياتهم لإعادة الحساب وتعديل المسار العربي والفلسطيني لتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأهمها التحرير والعودة.

رجوع

 

الصفحة الرئيسية للمجلة