|
حدث
وحديث/حصاد الهشيم واللاءات الثلاث
د. يوسف بن صالح
الصغير(*)
في إحدى زيارات وزيرة الخارجية
الأمريكية لفلسطين المحتلة، اعترفت أنها لم تأتِ بمشروع حل؛
لأنه محكوم عليه بالفشل. وهذا تصريح نادر قد يكون نتيجة إحباط
من مظاهر الفشل الإستراتيجي الأمريكي في المنطقة، وارتباطه
بالموقف من قضية فلسطين.
والشعورُ بتعقُّد الموقف وعدم إمكانية الجمع بين تبنِّي
السياسة والممارسات الصهيونية وتسويق المشروعات الأمريكية في
المنطقة؛ يتضح من وجود منصِب في الإدارة الأمريكية يُعنى
بتحسين صورة الولايات المتحدة في المنطقة.
إنه اعتراف بأن الصورة سيئة، ولا أظن أن زيارة بوش تُعنى
بتحسين صورة الولايات المتحدة بقدر ما تصب في تأكيد ثبات سياسةِ
تبنِّي كل ما يصدر عن الدولة الصهيونية والدفاع عنها على كل
الجبهات؛ فلم تخرج تصريحاته العلنية عن أمن الدولة الصهيونية
ومحاربة التنظيمات الإرهابية في المنطقة، وبخاصة حماس والجهاد
وحزب الله، ومنع إطلاق الصواريخ على المدنيين الصهاينة، ولم
يتطرق لعمليات اغتيال الناشطين الفلسطينيين وتصفيتهم، بل لم
يتطرق للقصف الصهيوني شبه اليومي للأهداف المدنية الفلسطينية.
إنه يرى ويحس بقذيفة بدائية وزنها بضعة كيلو جرامات؛ لأنها
صناعة فلسطينية وهدفهـــا الصهاينـــة، ولكـــنه لا يـــرى ولا
يحس بقذائف موجّهة تزن نصف طن؛ لأنها صناعة أمريكية مُطلِقها
صهيوني والهدف فلسطيني!
ويتحدث المراقبون أنه أعطى الضوء الأخضر لتصعيد العمليات ضد
محضن الإرهاب الفلسطيني. لذا يلاحَظ أنه بينما يُعطي أولمرت ما
يريد؛ فإنه يطلب من عباس ما يريد. والمحصلة أن كل ما يجري هو
لتحقيق رضا اليهود عن الإدارة الحالية والحــزب الجمهــوري.
وممـــا لا شك فيه أن كــل ما قيل عن تحقيق السلام وإقامة دولة
فلسطينية لا يدخل في الشق العملي القابل للتطبيق من الزيارة،
وهو محاربة الجميع للإرهاب الفلسطيني.
إنها حرب تحت راية السلام، ولم يختلف المشهد كثيراً في بقية
الجولة؛ فهو يتحدث عن أمن دول الخليج، وفي الوقت نفسه يدعوها
لشن الحرب على الخطر الأكبر على دول المنطقة، ألا وهو إيران.
وهو يتحدث كثيراً عن حقوق الإنسان والديمقراطية، بينما يعلن
البنتاجون عن صفقات عسكرية بعشرات المليارات مع دول المنطقة.
إنها صفقات عجيبة يؤخذ فيها المال، ثم تقرر أمريكا المقابل
الذي يتراوح بين أحدث وسائل التدمير، إذا قررت هذه الدولُ
المشارَكَةَ في ضرب إيران، وبين تجميد الصفقة والاحتفاظ بالمال!
إنه يريد منا أن ندفع فاتورة حربه الجديدة مع إيران التي تدعم
الإرهاب في العالم، ولا سيما حماساً والجهاد وحزب الله. ومن
العجيب أنه لم يتحدث عن دعم إيران للميليشيات الإرهابية
المجرمة في العراق! وذلك ببساطة؛ لأنه عمل مشترك. كما لم يتطرق
لخوف دول الخليج من تكرار أمريكا لممارساتها الميكيافيلية؛ فقد
خاض العراق حربه مع إيران بتشجيع ودعم أمريكي - إن لم يكن بطلب
وإلحاح أمريكي - لمواجهة تمدد النفوذ الإيراني وتصدير الثورة،
وفي النهاية يُقسَّم العراق حالياً بين نظام الثورة الإسلامية
وإدارة الشيطان الأكبر. ومن يضمن أن الهدف من إثارة الحرب لن
يكون تدميرَ الكيانات السُّنّية في المنطقة وتقاسمها مع إيران؟
ويبدو أن غريزة حب البقاء العالية هي التي تجعل دول المنطقة
تستقبل (داعية الحرب) من أجل السلام والديمقراطية وحقوق
الإنسان! وتتباحث معه حول مستقبله المهني بعد تركه الرئاسة، مع
تكرار التصريحات الرسمية والإعلامية أن إيران جارة وصديقة ولا
تشكل أي خطر! فبالأمس سلَّمت القوات الأمريكية (صدّاماً)
لحلفاء إيران ليعدمـــوه، وما زالت دماء القوات المشتركة تسيل
في العراق. إنها وحدة الدم بين أمريكا وإيران؛ والأغبياءُ (فقط)
هم الذين يستبعدون اتفاق الضواري على الفرائس.
لقد عاد بوش إلى أمريكا معلِناً من طرف واحد نجاحَ الزيارة،
ونحن بدورنا نعلن نجاح الزيارة؛ فقد وُضِعنا في الزاوية، ولم
يعد لنا مجال إلا أن نقول: لا، لا لتدمير الذات، ولا للمشاركة
في قتل القضية الفلسطينية...
وأخيراً: لا إله إلا الله.
|