قصة العلاقة بين الإسلام والنصرانية

التنصير لم يكن غائباً

إبراهيم محمد الحقيل

أرسل الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم إلى المكلفين كافة : الجن والإنس ، العرب والعجم ، القريب والبعيد ؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور كما قال تعالى : ] وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [ ( سبأ : 28 ) ، وقال تعالى : ] قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ ( الأعراف : 158 ) ، وقال تعالى : ] وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [ ( الأنبياء : 107 ) . فوجب عليه البلاغ ، ووجب على المسلمين من بعده تبليغ رسالته .

فإذا بُلِّغت الدعوة للناس فإن لهم منها موقفين :

الموقف الأول : قبولها والدخول في الإسلام ، ومن اختار ذلك صار أخاً للمسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم تحقيقاً لقوله تعالى : ] إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [ ( الحجرات : 10 ) . ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : « من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين ، وله ما لنا ، وعليه ما علينا » [1] .

الموقف الثاني : رفض الإسلام ، ومن رفض الإسلام خُيّر بين القتال وبين الخضوع لسلطان الإسلام ، وخضوعه لسلطان الإسلام يكون بدفع الجزية عن يد وهو صاغر كما قال تعالى : ] قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [ ( التوبة : 29 ) .

إن خضوع الناس للإسلام وأحكامه واجب على المسلمين تحقيقه عملاً بقول الله تعالى : ] وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [ ( البقرة : 193 ) ، قال جمع من السلف منهم ابن عباس ، و أبو العالية ، و مجاهد ، و الحسن ، و زيد بن أسلم ، وغيرهم : أي : حتى لا يكون شرك بالله تعالى ] وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [ ( البقرة : 193 ) أي : يخلص التوحيد لله عز وجل [2] .

وقال قتادة : ] وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [ ( البقرة : 193 ) حتى يقال : لا إله إلا الله ، عليها قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإليها دعا ، وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : « إن الله أمرني أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ] فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ [ ( البقرة : 193 ) قال : وإنَّ الظالم الذي أبى أن يقول : لا إله إلا الله ، يُقاتَل حتى يقول : لا إله إلا الله » [3] .

لماذا يجب إخضاع الناس لحكم الإسلام ؟

الجواب عن هذا السؤال هو في قوله تعالى : ] إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ [ ( آل عمران : 19 ) فهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده وأمرهم أن يحكموا بشريعته ، وعند التخاصم يرجعون ويتحاكمون إليها : ] وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ [ ( المائدة : 48 ) ، قال ابن كثير رحمه الله تعالى : « أي : فاحكم يا محمد بين الناس : عربهم وعجمهم ، أميهم وكتابيِّهم بما أنزل الله إليك في هذا الكتاب العظيم ، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك » [4] .

وأمر الله تعالى أهل الكتاب بأن يقيموا كتبهم ، وأن يعملوا بما فيها كما قال تعالى : ] قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ [ ( المائدة : 68 ) ، وإقامتهم لكتبهم وعملهم بما جاء فيها يقتضي إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً ، والتزام شرائع الإسلام ؛ لأن كتبهم بشرت به ، ودعتهم إلى اتباعه .

ولقد قضت الحقيقة بأن أهل الكفر ما نعموا بالعدل والأمن إلا تحت حكم المسلمين ؛ بينما النصارى ظلموا المسلمين الذين وقعوا تحت حكمهم ولا زالوا بل ظلموا نصارى مثلهم ممن لا يدينون بمذهبهم ، وحاولوا اجتثاثهم من الأرض ، ومحوهم من الوجود .

وشواهد التاريخ كثيرة جداً على هذه الحقيقة القاضية بأن أهل الكفر ما نعموا بالعدل والأمن إلا تحت حكم المسلمين بينما النصارى ظلموا المسلمين الذين وقعوا تحت حكمهم ولا زالوا بل ظلموا نصارى مثلهم ممن لا يدينون بمذهبهم . وحاولوا اجتثاثهم من الأرض ، ومحوهم من الوجود .

وسأدعم ذلك ببعض الأمثلة من التاريخ ؛ وبأقوال بعض الغربيين من باب :

( وشهد شاهد من أهلها ) ومن شواهد ذلك :

أن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه لما انسحب من حمص بعد أن فرض عليها الجزية إلى اليرموك بكى النصارى في حمص وقالوا : يا معشر المسلمين ! أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا ، أنتم أوفى لنا وأرأف بنا ، وأكف عن ظلمنا ، وأحسن ولاية علينا ولكنهم أي الروم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا [5] .

وكتب الإمام الأوزاعي إلى صالح بن علي بن عبد الله بن العباس لما قتل مقاتِلة لبنان ، وأجلى بعضهم لما خرجوا على الخليفة : « وقد كان من إجلاء أهل الذمة من جبل لبنان ممن لم يكن ممالئاً لمن خرج على خروجه ممن قتلت بعضهم ورددت باقيهم إلى قراهم ما قد علمت ، فكيف تؤخَذ عامةٌ بذنوب خاصةٍ حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم وحكم الله تعالى ألاَّ تزر وازرة وزر أخرى ، وهو أحق ما وقف عنده واقتدي به ، وأحق الوصايا أن تُحفَظ وترعى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال : « من ظلم معاهداً وكلفه فوق طاقته فأنا حجيجه » [6] .

وسيمر بك في هذا البحث المختصر بعض ممارسات النصارى الكثيرة ضد المسلمين سواء في الأندلس لما انتزعوها من المسلمين وفرضوا عليهم الدين النصراني وعذبوهم في سبيل محو الإسلام عذاباً أليماً ، أو أيام الحروب الصليبية التي يعترف الأوروبيون بوحشية أجدادهم فيها ضد المسلمين . أو أيام الاستعمار الذي أعقب الحروب الصليبية ؛ لتثبت هذه الحوادث التاريخية مع ما سبق ذكره أنه لا عدل للبشرية إلا في ظل الإسلام فقط ، وأن الفساد والظلم يعم أرجاء الأرض إذا حكمت بغيره .

ومن شواهد ذلك مما كتبه نصارى غربيون : قول المؤرخ الغربي ( أرنولد ) عن فتح مصر : « يرجع النجاح السريع الذي أحرزه غزاة العرب قبل كل شيء إلى ما لقوه من ترحيب الأهالي المسيحيين الذين كرهوا الحكم البيزنطي لما عرف به من الإرادة الظالمة ، ولما أضمروه من حقد مرير على علماء اللاهوت » [7] .

ويقول أيضاً : « إن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة ، وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح » [8] .

ويقول الفرنسي ليوتي : « وإذا كان فريق من ذوي الأغراض الملتوية يزعم أن الإسلام يبعث على التدمير والفوضى والتعصب فإني بصفتي رجلاً قضيت بين المسلمين مدة من الزمان في الشرق والغرب ولم أكتفِ بما قرأته عن الإسلام في الكتب أقول : إن جميع تلك المزاعم لا نصيب لها من الصحة » [9] .

إن المسلمين في فتوحهم ما كانوا يجبرون الأمم الأخرى على اعتناق الإسلام بل يتركون لهم حرية التعبد ما داموا خاضعين لحكم الإسلام باعتراف الغربيين :

يقول جوستاف لبون : « إن العرب كانوا أكثر حكمة من كثير من رجال السياسة الحديثة ، عرفوا حق المعرفة أن أوضاع شعب لا تتناسب مع أوضاع شعب آخر ؛ فكان من قواعدهم أن يطلقوا للأمم المغلوبة حريتها ، ويتركوا لها الاحتفاظ بقوانينها وعاداتها ومعتقداتها » [10] . ونقول : ليس ذلك حكمة فحسب بل دين يدينون لله به امتثالاً لقوله تعالى : ] لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [ ( البقرة : 256 ) .

ويقول أيضاً : « وما كانت انتصارات العرب لتعمي أبصارهم لأول أمرهم وتحملهم على الإفراط المألوف عند الفاتحين في العادة ، ولا اشتدوا في إرهاق المغلوبين على أمرهم ، ولا فرضوا عليهم بالقوة دينهم الجديد الذي كانوا يريدون بثه في أقطار العالم ، ولو عملوا ذلك لأهاجوا عليهم جميع الشعوب التي لم تخضع لهم ، فاتقوا حق التقاة هذه التهلكة التي لم ينج منها الصليبيون الذين دخلوا الشام في القرون اللاحقة ، بل رأيناهم حيث دخلوا في الشام ومصر و أسبانيا يعاملون الشعوب بمنتهى الرفق تاركين لهم أنظمتهم وأوضاعهم ومعتقداتهم ، غير ضاربين عليهم في مقابل السلام الذي ضمنوه هم إلا جزية ضئيلة كانت على الأغلب أقل من الضرائب التي كان عليهم أداؤها من قبل . وما عرفت الشعوب فاتحاً بلغ هذا القدر من المسامحة ولا ديناً حوى في مطاويه هذه الرقة واللطف » [11] .

بينما كان النصارى يُكرِهون الناس على التنصر كما فعل الأسبان بعد أن خضع مسلمو الأندلس لسلطانهم ؛ فإنهم لم يرضوا إلا تنصيرهم أو إجلاءهم عن بلادهم ، مع أن المسلمين أخذوا منهم عهداً قبل تسليم غرناطة أن لهم أن يدينوا بدينهم ولهم البقاء في أملاكهم ، فنكثوا عهدهم ، وأوقعوا بالمسلمين أشد العذاب وقد انتقدهم مؤرخوهم ومفكروهم قبل انتقاد المسلمين لهم ؛ وفي هذا يقول فولتير : لما فتح العرب أسبانيا لم يرغموا قطُّ النصارى الوطنيين على انتحال الإسلام ، ولما استولى الأسبان على غرناطة أراد الكردينال خمنيس أن ينصِّر كل العرب مدفوعاً إلى ذلك بغيرة دينية أو طموح إلى إنشاء شعب جديد يخضع لصولته ، وأرغم خمسين ألف عربي على أن يحملوا رمز دين لا يؤمنون به .

وذكر فاريتي وهو من كبار مؤرخي أسبانيا أنه تم نفي ثلاثة ملايين من العرب والعرب المتنصرين ، وبلغ من هلك أثناء عملية النفي أو استرق زهاء مائة ألف [12] .

موقف النصارى من الإسلام :

انقسم النصارى تجاه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى قسمين :

القسم الأول : آمنوا به ، وصدقوه ، وعرفوا أن ما جاءهم به هو الحق من عند الله تعالى ، قد بشرت به كتبهم كما قال الله تعالى على لسان عيسى عليه السلام إنه قال لقومه : ] وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ ( الصف : 6 ) ، وعلى رأس هذا القسم النجاشي رحمه الله تعالى الذي آوى المسلمين المهاجرين ونصرهم ومنعهم من ظلم قريش وبطشها وقهرها . وفيه ومن معه وأمثاله ممن آمنوا بنبيهم ثم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم نزلت آيات كثيرة في مدحهم ، والثناء عليهم وبيان عظيم ثوابهم قال الله تعالى :

] وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ [ ( آل عمران : 199 ) .

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ثلاثة يؤتَوْن أجرهم مرتين .. » وذكر منهم : « ومؤمن أهل الكتاب الذي كان مؤمناً ، ثم آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم فله أجران » [13] .

القسم الثاني : لم يؤمنوا به وهم فريقان :

1 - فريق خضعوا لسلطان الإسلام قبل القتال ، وصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم ودفعوا الجزية ، فكانوا من أهل الذمة ؛ ومن هذا الفريق : نصارى نجران ، ونصارى دومة الجندل .

2 - الفريق الثاني : لم يخضعوا لسلطان الإسلام ، وقاتلوا المسلمين ، وهؤلاء خرج النبي صلى الله عليه وسلم لقتالهم ، وأرسل السرايا إليهم ؛ ومن هؤلاء : نصارى مؤتة ، ونصارى تبوك .

الحرب بين المسلمين والنصارى :

إن أول مواجهة قتالية بين المسلمين والنصارى كانت في مؤتة ، ثم عزم النبي صلى الله عليه وسلم على مواجهتهم في تبوك لكن الله تعالى لم يقدِّر قتالاً ، ثم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم سارت الجيوش الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين ثم في العهديْن الأموي والعباسي ، فكانت المعارك الكبرى في الشام وغيرها : أجنادين ، واليرموك التي أزالت النفوذ البيزنطي النصراني عن كامل بلاد الشام ، وودَّع هرقل سوريا وداعاً لا لقاء بعده [14] ، ودخل المسلمون بيت المقدس عام 15 هـ ، وتسلَّم مفاتيحها عمر رضي الله عنه وكتب كتاباً فرض عليهم فيه الجزية ، وحفظ لهم حقوقهم ، وأوفى شروطهم ؛ لأنها فتحت صلحاً على الصحيح [15] .

واستمرت الفتوح حتى توغل المسلمون في أوروبا ففتحوا الأندلس وأزالوا حكم القوط النصارى عنها ، ووصلت جيوشهم إلى وسط فرنسا ، واستولى المسلمون على معظم جزر البحر المتوسط من رودس إلى صقلية وجنوب شبه جزيرة إيطاليا ، وحاصروا رومية ( روما ) مركز البابوية الكاثوليكية ، و القسطنطينية قاعدة الأرثوذكسية ، ولم يكن للمسلمين غاية سوى أن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله ، ولذا لم يقف أمامهم جيش ولم تستعص عليهم مدينة ، وكأنهم يريدون تحقيق البشارة النبوية بفتح روما والقسطنطينية . وكاد المسلمون أن يفتحوا أوروبا كلها بما فيها روما لولا أن الله تعالى قدَّر هزيمتهم في معركة بلاط الشهداء التي تسمى في كتب الغربيين ( تور بواتييه ) نسبة إلى موقعها وكانت عام 114هـ الموافق 732م ؛ حيث قاد المسلمين فيها عبد الرحمن الغافقي رحمه الله تعالى وقاد النصارى شارل مارتل الذي يعتبره النصارى أعظم قائد أنقذ أوروبا من سقوطها في أيدي المسلمين ، وكان سبب هزيمة المسلمين فيها الانشغال بالغنائم فيما ذكره المؤرخون [16] .

تنصير الأندلس :

يذكر المؤرخون أن ابتداء أمر النصارى مع المسلمين كان من الأندلس ، ثم سيَّروا حملات للشرق الإسلامي ؛ لتكون الهجمات على المسلمين في الأندلس وفي الشرق . قال ابن الأثير : كان ابتداء ظهور دولة الفرنج واشتداد أمرهم وخروجهم إلى بلاد المسلمين واستيلائهم على بعضها سنة 478هـ ، فملكوا مدينة طليطلة وغيرها من بلاد الأندلس ، ثم قصدوا سنة 484هـ جزيرة صقلية وملكوها ؛ فلما كانت سنة 490 هـ خرجوا إلى بلاد الشام [17] .

فانطلاقة النصارى كانت من بلاد الأندلس لما رأوا انتصاراتهم فيها ، وبقي فيها منهم جيوش تقاتل مَنْ بقي من المسلمين ، وجيوش أخرى انطلقت من أوروبا إلى الشرق الإسلامي .

وقد سجل المؤرخون ما عمله النصارى من عظائم في حق مسلمي الأندلس ؛ فقد أرادوا سحق الإسلام فيها ، ونكثوا العهود التي عاهدوا المسلمين عليها حتى قال مؤرخ أسباني في ذلك العصر : « إنه منذ استولى فرناندو على غرناطة كان الأحبار يطلبون إليه بإلحاح أن يعمل على سحق طائفة محمد من أسبانيا ، وأن يطلب إلى المسلمين الذين يودون البقاء إما التنصير ، أو بيع أملاكهم والعبور إلى المغرب ، وأنه ليس في ذلك خرق للعهود المقطوعة لهم بل فيه إنقاذ لأرواحهم ، وحفظ لسلام المملكة ؛ لأنه من المستحيل أن يعيش المسلمون في صفاء وسلام مع النصارى ، أو يحافظوا على ولائهم للملوك ما بقوا على الإسلام ، وهو يحثهم على مقت النصارى أعداء دينهم » [18] .

ومع تزايد الضغوط التي يقوم بها رجال الدين النصراني على الساسة بلزوم الضغط على المسلمين وعدم الوفاء لهم فإن الساسة خضعوا لتلك الضغوط ، وربما وافقت هوى في نفوسهم فعمدوا إلى سياسة المراوغة في الوفاء وتحوير العهود والنصوص التي تضمنتها معاهدة تسليم غرناطة بما يوافق هوى النصارى ، وتفسيرها بطريق التعسف والتحكم ثم خرقها نصاً نصاً [19] ، واستلاب الحقوق والضمانات الممنوحة تباعاً ، فأغلقت المساجد ، وحظر على المسلمين إقامة شعائرهم ، وانتهكت عقائدهم وشريعتهم [20] .

وفي عام 905 هـ عزم النصارى في الأندلس على تنصير المسلمين ، فجمعوا فقهاء غرناطة ودعوهم إلى التنصُّر ، وأغدقوا عليهم التحف والهدايا ، فتنصَّر بعضهم والعياذ بالله وتبعهم جماعة من مقلديهم من عامة المسلمين ، وقبلهم تنصَّر جماعة من الأمراء والوزراء والأعيان خوفاً على أملاكهم ، فباعوا دينهم بدنياهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم .

وقد تمركزت حركة التنصير في غرناطة وبالأخص في حي البيّازين ؛ إذ حُوِّل مسجده في الحال إلى كنيسة سميت باسم ( سان سلبادور ) لينتشر التنصير بعد ذلك في سائر بلاد الفردوس المفقود [21] .

لم يكتف النصارى بذلك بل أرادوا محو أثر الإسلام من الأندلس ، فأقدم الكردينال خمنيس على جمع ما يستطاع جمعه من الكتب العربية من أهالي غرناطة وأرباضها ، ونظمت أكداساً هائلة في ميدان الرملة وأضرمت فيها النيران ، ولم يستثن منها سوى ثلاثمائة من كتب الطب والعلوم . ثم أمر خمنيس بإبادة كتب العرب من بلاد أسبانيا عامة ، فتم ذلك بغيرة عمياء مدة نصف قرن حتى قال المؤرخ لبون : ظن الكردينال لما أحرق في غرناطة كل ما طالته يده من مخطوطات العرب وكانت ثمانين ألفاً ، عدا ما أحرق في المدن الأخرى أنه يحذف إلى الأبد من كتاب التاريخ ذكرى أعداء دينه ، ولكن الأعمال التي قامت على أيديهم في تلك الأرض تكفي لتخليد ذكرهم على الدهر وإن نفدت آثارهم المكتوبة » [22] .

وقد علق المؤرخ الأمريكي وليم برسكوت على هذا الإجراء من النصارى فقال : « إن هذا العمل المحزن لم يقم به همجي جاهل ، وإنما حبر مثقف ، وقد وقع لا في ظلام العصور الوسطى ، ولكن في فجر القرن السادس عشر ، وفي قلب أمة مستنيرة تدين إلى أعظم حد بتقدمها إلى خزائن الحكمة العربية ذاتها » [23] .

ولم يكن حرق الكتب العربية مجرد تعصب أعمى أدى إلى هذه الهمجية كما قال ، ولكنه خطة مدروسة تحت مشروع تنصير المسلمين في الأندلس ؛ لأن بقاء الكتب العربية يؤخر عملية التنصير من جهة ، ومن جهة أخرى لا يأمن النصارى مع وجود هذا التراث أن يرجع المتنصرون إلى دينهم مرة أخرى تأثراً بقراءته ؛ فكان لا بد من اجتثاثه ؛ وهذا الهدف صرح به المستشرق سيمونيت في معرض دفاعه عن هذا الإجراء فكان من قوله في ذلك : إن ما قام به الكردينال من حرق الكتب أمر لا غبار عليه ؛ إذ هو إعدام للشيء الضار ، وهو بالعكس أمر محمود كما تعدم عناصر العدوى وقت الوباء ، وإن الملكيْن الكاثوليكييْن قد أمرا عقب تنصير المسلمين أن تؤخذ منهم كتب الشريعة والدين لكي تحرق في سائر مملكة غرناطة ، وألا يبقى لديهم سوى الكتب التي لا علاقة لها بالدين الذي نبذوه [24] .

ويمكن تلخيص الأساليب التي قام بها النصارى في الأندلس لمحو الإسلام منها وتنصيرها في الآتي :

1 - كانت بداية التنصير في الأندلس في عام ( 905هـ ) على شكل مواعظ نصرانية تلقى على المسلمين يلقيها الأساقفة والقادة يدعونهم فيها إلى انتحال النصرانية محاولين إقناعهم أن آباءهم كانوا نصارى [25] . وقد أثَّرت هذه المواعظ في بعض وزراء المسلمين وأمرائهم سواء كان هذا التأثر عن قناعة أم كان عن غير قناعة لحفظ الأموال والضياع والمزارع ، وتبعهم جمع من عامة الناس تأثراً بهم وبمراكزهم القيادية .

2 - الترغيب في النصرانية بالمتاع الدنيوي : فبعد عام تقريباً أي في عام 906 هـ صدر مرسوم كاثوليكي إلى المسلمين القاطنين في مدينة بسطة ، بإقالة الذين تنصروا منهم أو يتنصرون من جميع الفروض والمغارم التي فرضت على الموريسكيين [*] ، وتحريرهم منها سواء بالنسبة لأنفسهم أو منازلهم وأموالهم الثابتة والمنقولة من يوم التنصير ، وألا يدخل أحد منازلهم ضد إرادتهم ، ومن فعل عوقب بغرامة فادحة ، وأن يُعفَوْا من سائر الذنوب التي ارتكبت ضد خدمة العرش ، وأن تحترم جميع العقود والمحررات التي كتبت بالعربية ، وصادق عليها فقهاؤهم وقضاتهم ، وأن يعامل المتنصرون منهم كسائر النصارى الآخرين في بسطة ، ولهم أن ينتقلوا وأن يعيشوا في أي مكان آخر من أراضي قشتالة دون قيد أو عائق ، إلى غير ذلك من المنح والامتيازات [26] .

3 - اعتبار أن أطفال المسلمين نصارى وإجراء أحكام النصرانية عليهم ولو لم يتنصر والدوهم ، فأخذوا يعمّدون أبناء المسلمين بالقوة مدعين أن العرب في الأصل كانوا نصارى [27] .

4 - تخيير المسلمين بين الدخول في النصرانية أو الخروج من الأندلس ؛ ففي عام 907هـ أصدر فرناندو وزوجته إيسابيلا أمراً ملكياً يتلخص في أنه لما كان الله قد اختارهما لتطهير مملكة غرناطة من الكفرة فإنه يحظر وجود المسلمين فيها ؛ فإذا كان بها بعضهم فإنه يحظر عليهم أن يتصلوا بغيرهم خوفاً من أن يتأخر تنصيرهم ، كما يحظر اتصالهم بمن تنصروا لئلا يفسدوا دينهم ، ويعاقب المخالفون بالموت أو مصادرة الأموال . وأرسل المسلمون رسالة إلى سلطان مصر آنذاك يصفون إكراههم على النصرانية ، لكن ملك النصارى أرسل وفداً إليه يطمئنه بحسن أحوال المسلمين في الأندلس مما كان من أسباب عدم نجدة المسلمين .

وقد واجه بعض المسلمين هذا الظلم والقهر بالتجمع في الجبال والإغارة على النصارى ، فأصدر النصارى قانوناً يحرم على المسلمين إحراز السلاح علناً أو سراً ، وينص القانون على معاقبة المخالفين لأول مرة بالحبس والمصادرة ، ثم بالموت بعد ذلك . وقد تكرر صدور هذا القانون عدة مرات وفي أرجاء مختلفة من بلاد الأندلس ، وكان يطبق بصرامة وحزم .

ولم يسلم من تنصر من المسلمين ؛ فحظر عليهم حيازة السلاح أيضاً كما حرِّم عليهم أن يبيعوا أملاكهم إلا بترخيص من السلطات النصرانية ، ومن تجاوز هذه القوانين عوقب بالموت ومصادرة أملاكه ؛ لأنه ثبت لدى النصارى كما في نص المرسوم أن كثيراً من المتنصرين يبيعون أملاكهم ويحصلون على أثمانها ثم يعبرون إلى المغرب وهنالك يعودون إلى الإسلام [28] .

وكان المسلمون سراً المتنصرون علانية يرفعون الصلبان فوق منازلهم وأكواخهم إيهاماً بأنهم نصارى وأملاً في أن لا يكشف أمرهم ، لكن الحكومة النصرانية كان عندها جداول بأسمائهم فلم تنفعهم هذه الحيل كلها ، وكانت صفة إجلائهم مؤلمة جداً فمنهم من دفعه اليأس إلى تخريب منزله أو إضرام النار فيه وفي كل ما يملك ، ومنهم من كان يصل به القنوط إلى قتل أولاده ثم الانتحار والعياذ بالله . وكثير منهم ماتوا من الجوع والأمراض والجزع [29] .

5 - تنصير المسلمين بالقوة : كانت فترة التخيير بين الدخول في النصرانية أو الخروج من الأندلس فترة عصيبة جداً على المسلمين ، وتنصر كثير منهم ، وخرج من الأندلس كثيرون لكن القانون لم يطبق بحزم ، وفي عام 930هـ صدر مرسوم جديد يحتم تنصير كل مسلم بقي على دينه ، وإخراج كل من أبى النصرانية من أسبانيا ، وأن يعاقب كل مسلم أبى التنصير أو الخروج في المهلة الممنوحة بالرق مدى الحياة ، وأن تحول جميع المساجد الباقية إلى كنائس .

لم يرتضِ المسلمون هذا الظلم فرفعوا مظلمتهم إلى إمبراطور النصارى ؛ فشكَّل محكمة كبرى من النواب والأحبار والقادة وقضاة التحقيق للنظر فيما ادعاه المسلمون من أنهم يُنصَّرون بالقوة والإكراه . وقررت هذه المحكمة أن إكراههم على النصرانية صحيح ، وأنه ملزم لهم بدخول النصرانية على اعتبار أنهم يفرون بالدخول في النصرانية من خطر الموت أو الطرد أو الرق ومصادرة الأملاك .

وقد علق على هذا الحكم الجائر غربي نصراني بقوله : « وهكذا اعتبر التنصير الذي فرضه القوي على الضعيف ، والظافر على المغلوب والسيد على العبد ، منشأ لصفة لا يمكن لإرادة معارضة أن تزيلها .

وإثر هذا الحكم صدر أمر ملكي بأن يرغم سائر المسلمين الذين نُصِّروا كرهاً على البقاء في أسبانيا باعتبارهم نصارى ، وأن ينصَّر أولادهم ؛ فإن ارتدوا عن النصرانية قضي عليهم بالموت والمصادرة . كما قضي بأن تحول جميع المساجد الباقية في الحال إلى كنائس » [30] .

وقام ديوان التحقيق محاكم التفتيش بمهمة ملاحقة المتنصرين ومراقبة سلوكهم بقصد حماية عقيدة الكاثوليك من ارتداد الناس عنها ، وكذلك إجبار غير الكاثوليك على التدين بها وهو ما يسمى في كتب الغربيين بالكثلكة .

وقد حاول المتنصرون من اليهود والمسلمين الهرب من بطش رجال ديوان التحقيق وذلك بالتخفي في الجبال وفي ضياع الأشراف ، فصدرت الأوامر الملكية بتسليم الهاربين إلى ديوان التحقيق ، وهُدد الأشراف بفقد وظائفهم والنفي من الكنيسة إذا لم ينفذوا الأوامر مما كان سبباً في بث الرعب والذعر في صفوف المتنصرين ، فحاولوا الهرب من الأندلس كلها عبر شواطئ البحار والأنهار ، فأصدرت الحكومة النصرانية قراراً يحرِّم على ربان أية سفينة وأي تاجر أن ينقل معه نصرانياً محدَثاً دون ترخيص خاص [31] .

6 - محو شعارات المسلمين وعاداتهم بعد محو شعائر الإسلام : قام مندوبو ديوان التحقيق بمراقبة المتنصرين في شعائرهم لضمان انتمائهم للدين الكاثوليكي ، ثم أُصدر قانونٌ يحرم استعمال الشعارات الإسلامية مثل اللغة العربية ، وارتداء الثياب العربية على هؤلاء المتنصرين ، ومنع نسائهم من الحجاب وإلزامهن بلبس المعطف والقبعات كما يفعل نساء النصارى ، وأن تكون احتفالاتهم مطابقة لعرف الكنيسة ، ويجب أن تفتح المنازل أثناء الاحتفال وأيام الجمعة والأعياد الإسلامية ليستطيع القسيس ورجال السلطة أن يروا ما يقع بداخلها من المظاهر والرسوم ، كما حرموا على النساء الخضاب بالحناء ، وحرَّموا استعمال الأسماء والألقاب العربية .

ويعتبرون المتنصِّر قد عاد إلى الإسلام إذا امتدح دين محمد أو قال : إن يسوع المسيح ليس إلهاً وليس إلا رسولاً ، ويجب على كل نصراني أن يبلِّغ عما يرى ويسمع من ذلك ، كما يجب عليه أن يبلِّغ إذا رأى أحد المتنصرين يباشر بعض العادات الإسلامية ، ومنها أن يأكل اللحم يوم الجمعة ، أو يحتفل بارتداء ثياب أنظف من العادة ، أو يصوم رمضان ويتصدق خلاله ولا يأكل ولا يشرب إلا عند الغروب ، أو يتناول الطعام قبل الفجر ، أو يمتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر ، أو يتوضأ ويصلي نحو الشرق ويركع ويسجد ، أو يملِّس بيديه على رؤوس أولاده ، أو يغسل الموتى ويكفنهم أو يدفنهم في أرض بِكْر [32] .

كان هذا الاجتثاث والمحو لشعائر الإسلام أولاً ، ثم للشعارات والعادات التي تربط بين المسلمين كفيلاً بإنهاء مظاهر الإسلام في الأندلس إلى أن صدر الأمر الأخير بطرد العرب عام 1604م أي عام 1010هـ تقريباً ، فرحل في سنتين عن أسبانيا نحو نصف مليون مسلم ، وطويت صحيفة الإسلام في شبه جزيرة الأندلس ؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم [33] .

وقد تزامن مع تعذيب الأندلسيين على أيدي النصارى إرسال حملات صليبية إلى الشرق الإسلامي للقضاء عليه ، وقد استمرت هذه الحملات مائتي سنة تقريباً من 489هـ إلى690هـ .

حروب الفرنجة أو الحملات الصليبية :

أطلق الغربيون على هذه الحروب في تواريخهم أسماءاً عدة منها : « الحج إلى الديار المقدسة » ، « الحرب في خدمة المسيح » ، « أعمال المسيحيين وراء البحار » ، « الحرب من أجل تحرير القبر المقدس » [34] .

وأما المؤرخون المسلمون كابن الجوزي وابن الأثير وابن كثير وغيرهم فكانوا يسمونها : « حروب الفرنجة » أو الإفرنج [*] .

وقد ذكر المحللون لها أسباباً عدة وأهدافاً متنوعة كالانتقام من المسلمين والاستيلاء على ثرواتهم وإنعاش اقتصاد النصارى وغير ذلك ؛ ولكن المحرك الحقيقي والدافع الأكبر هو الهدف الديني ، وكانت الدوافع الأخرى سواء منها الاقتصادي أو الانتقام من المسلمين فهي محرك لفئات من النصارى كان لا يهمهم مقدساتهم في الشرق الإسلامي ، فاستخدمها مدبرو هذه الحملات ومسيروها لدفعهم إلى قتال المسلمين وحشد أكبر عدد ممكن لهذه الحملات . والعبرة في معرفة أسباب الحروب هو نظرة قادتها ومحركيها ومسعِّريها ؛ لأن الجيوش إنما تسير وتتوقف بهم ، أما عامة الناس فليس لهم من الأمر شيء . وقد استمرت الحملات الصليبية الكبرى قرنين من الزمان من حملة بطرس الناسك عام ( 489هـ ) إلى سقوط عكا وما بعدها في أيدي المسلمين عام ( 690 هـ ) ؛ وبسقوطها انتهت دولة النصارى اللاتينية في الشرق الإسلامي ، وبقي منهم باقية عاشوا تحت حكم المسلمين .

بعد سقوط عكا وانتهاء الحكم الصليبي في الشرق الإسلامي حاول البابا ( نيقولا الرابع ) تهييج النصارى في أوروبا بإلقاء المواعظ والخطب التي ذكرهم فيها بسقوط ممالك الصليب في الشرق الإسلامي ، وعقد المجامع الكنسية منادياً بإعادة مملكة عكا وبيت المقدس ؛ لكن الأوروبيين تعبوا من تسيير حملاتهم إلى الشرق الإسلامي ، وأحسوا بحجم الخسائر التي لحقتهم من جراء ذلك على مدى قرنين من الزمن [35] .

ثم حاول النصارى الأرمن ومن بقي معهم من النصارى تحت الحكم الإسلامي في مصر والشام التحالف مع المغول وحصل ذلك لكنهم كُسروا غير مرة .

وتواصلت نداءات الباباوات في أوروبا لتسيير حملات أخرى إلى الشرق الإسلامي خاصة بعد أن تولى بنو عثمان الخلافة الإسلامية وقويت دولتهم وهددوا اليونان ومن خلفهم من الأوروبيين ، لكن هذه النداءات لم تجد سامعاً .

وشن القبارصة والأرمن وغيرهم من النصارى عدة غارات على المسلمين لكنها أخفقت ، وكانت آخر محاولاتهم عام 830هـ ؛ وانتصر عليهم المسلمون بقيادة الملك أبي النصر برسباي التركماني ؛ إذ كسر القبارصة وأسر ملكهم ( جانوس ) وخضعت قبرص للسلطنة المصرية الإسلامية ووضعت فيها حامية مصرية .

آثار الحروب الصليبية على المسلمين :

تركت الحروب الصليبية كثيراً من الآثار السيئة على الأمة الإسلامية في الشرق كان منها :

1 - المذابح العظيمة التي لحقت بالمسلمين من جراء تلك الحملات ، وفي الحملة الأولى أباد النصارى أهل أنطاكية ، وذبحوا في القدس أكثر من سبعين ألفاً [36] ، وكم أعطى النصارى الأمان لأهل البلاد التي يحاصرونها ثم يغدرون بهم بعد التسليم ويبيدونهم كما فعل ريتشارد ( قلب الأسد ) غير مرة .

2 - تخريب كثير من بلاد الشرق الإسلامي وتهجير أهلها منها ، فقد خُربت حمص و بعلبك و حماة و عسقلان و قنسرين و طبرية وغيرها ، واضطر المسلمون أن يخربوا مدنهم بأيديهم أثناء الحصار حتى لا يستفيد منها الصليبيون ، ولعلهم بعد التخريب لا يستوطنونها [37] .

3 - تشريد كثير من المسلمين من بيوتهم ، لأن هدف الصليبيين كان هدفاً استيطانياً ، فهم يفرغون المدن التي يستولون عليها من أهلها ، ومن ثمَّ لا مأوى لأهلها المشردين .

4 - مهدت الحروب الصليبية لحركات الاستعمار الذي لا زال المسلمون يعانون من آثاره ويرزحون تحت نيره ؛ ذلك أن الصليبيين وخلال مائتي عام من تسيير الحملات الكثيرة التي كان أكبرها ثماني حملات اقتنعوا أن الشرق الإسلامي لا يمكن كسره عسكرياً ؛ إذ إن روح الجهاد التي تُبعث مع كل اعتداء عليه كفيلة بدحر أي قوة ، وهزيمة أقوى جيش مما جعل النصارى يلجؤون إلى أساليب أخرى من الغزو تمثلت في الغزو الفكري ، والهيمنة الاقتصادية ، وتفريق المسلمين والتحريش فيما بينهم .

يقول ( Kigk ) : إن الحروب الصليبية فتحت أذهان الغربيين إلى مستوى الحضارة في الشرق الأوسط ، ذلك المستوى الذي كان يفوق بكثير حضارة الغرب ، ومع تفتيح أذهان الغربيين اتجه هؤلاء إلى غزو الشرق فكرياً بعد أن عجزوا عن غزوه عسكرياً .

يقول ( Oman ) : إن هذه الحروب يعني الصليبية وضعت نواة الاستشراق إذ اتجه الرهبان لدراسة اللغة العربية والفكر الإسلامي لمعرفة اتجاهات المسلمين في مختلف الشؤون ، وقد أُسست كلية للرهبان عام 1276م في ( ميراما ) لدراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية ، كما أنشئت الكراسي للُّغات الشرقية في باريس و لوفان » [38] .

ولجأ النصارى إلى التنصير بين المسلمين عن طريق الإرساليات التنصيرية بعد أن ثبت إخفاقهم في المعارك الحربية ، ومن مؤسساتهم لنجاح التنصير مدارس « الفرنسيسكان » المنسوبة إلى القديس فرنسيس ، و « الدومنيكان » المنسوبة إلى القديس دومنيك في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي في سوريا ، وكان المنصِّر يُعَدُّ لهذه المهمة قبل أن يرسَل لمباشرتها . ومن أهم وسائل إعداده تعلُّمه اللغة العربية ، وشيئاً من الدراسات الإسلامية ؛ وذلك هو الدستور الذي لا يزال سائداً حتى الآن [39] .

________________________

مشاريع التنصير :

وطبقًا لإحدى الدراسات التنصيرية فإنه ينشط في أنحاء العالم الآن 387 مشروع تنصيري عالمي . و 254 مشروع منها تحرز التقدم والنتائج المرجوة ويعتبر 254 مشروع من هذه المشاريع مشاريع واسعة النطاق وهي التي ينفق كل واحد منها على العمل التنصيري عشرة آلاف ساعة عمل أو أكثر من عشرة ملايين دولار سنويًا على مدى عشر سنوات .

و 33 مشروعًا من هذه المشاريع هي ما توصف بـ ( المشاريع الضخمة ) وهي التي ينفق كل واحد منها مائة ألف ساعة عمل أو مائة مليون دولار سنويًا أو ألف مليون دولار عبر عمرها ، وأكبر هذه المشاريع الضخمة ينفق الآن 550 مليون دولار سنويًا على أنشطتها التنصيرية في أنحاء العالم .

أموال التنصير :

من المعروف أن الكنيسة تمتعت دائمًا بمصادر ضخمة . ولكنها لم تحسن استخدامها دائمًا . ومن ذلك أن مشروعًا تنصيريًا معينًا جمع له 336 مليون دولار سنة 1918م ولكنه انهار خلال أسبوع واحد من قيامه ، كما أن مشروعًا ضخمًا آخر للتنصير جًمِعَ له مبلغ 150 مليون دولار في الولايات المتحدة ثم أنهار فجأة سنة 1988م نتيجة فضيحة أخلاقية وإدارية تتعلق ببعض كبار المنصرين ، والإشارة هنا إلى القسين الأمريكيين ( باكير ) و ( جيمي سواغارت ) قائدي منظمة مجالس الله .

- البيان -

________________________

قوة المال :

استخدم المنصرون إلى جانب القهر والسلطة والسياسية ، قوة المال ووسائل الدعاية ، فقد بلغت الأوضاع المالية للكنائس العالمية أن المسيحية العالمية المنظمة أنفقت في الثمانينيات 145بليون دولار سنويًا ويعمل في أجهزتها 4 . 1 ملايين عالم متفرغ ، وهي تدير 13000مكتبة عامة كبرى ، وتنشر 22000 مجلة بمختلف اللغات عبر العالم ، كما تنشر 4 بلايين نسخة من الكتب في العام الواحد ، وتدير 1800محطة إذاعية وتليفزيونية في أنحاء العالم ، وتستخدم المنظمات الكنسية 3 ملايين جهاز كمبيوتر ، ويُوصف أخصائيو الكمبيوتر المسيحيون بأنهم جيش مسيحي من نوع جديد .

- البيان -

________________________

الإخطبوط التنصيري :

إخطبوط التبشير المسيحي بلغ في سنة 1985م ربع مليون مبشر مسيحي غربي في آسيا و إفريقيا ، يمثلون 3 . 500 منظمة وجمعة تبشيرية في الغرب ، يساعدهم 3 . 5 مليون مبشر محلي .

وينفق الغرب أموالاً طائلة على هذا المجهود فحسب قول دافيد وارين الذي يحرر دائرة المعارف المسيحية العالمية أنفقت الإرساليات المسيحية عبر العالم 70 بليون دولار سنة 1970 و 100 . 3 بليون دولار سنة 1980م ، وكان الرقم المتوقع لسنة 1985م هو 127بليون دولار . وبهذه الزيادة المطردة ، لا بد أن يكون إنفاق الإرساليات الحالي عبر العالم قد جاوز مائتي بليون دولار في السنة .

- البيان -

________________________

إحصائية التنصير لعام 1999م(*)

عدد أعضاء كل طائفة عام 1970 عام 1999 عام 2025

الكنيسة الإنجليزية 47.520.000 74.500.000 110.000.000

الأرثوذكس 147.369.000 222.120.000 271.755.000

البروتستانت 233.800.000 321.358.000 461.808.000

الكاثوليك 671.441.000 1.040.018.000 1.376.282.000

النصارى في إفريقيا 120.257.000 333.368.000 668.124.000

عدد المنصرين الأجانب 240.000 415.000 550.000

عدد المنصرين المحليين 2.350.000 4.910.000 6.500.000

التبرعات للكنيسة 70 بليون دولار 1.489بليون دولار 26 بليون دولار أمريكي

الجرائم المتعلقة بالكنيسة 5 مليار دولار 12.2 مليار دولار 65 مليار دولار أمريكي

عناوين الكتب النصرانية 17100 24800 70.000 عنوان التي تم طباعتها

المجلات الدورية النصرانية 23000 33700 100.000

عدد الأناجيل 251 مليون 2.149.341.000 4.430.000 نسخةوأجزاء الأناجيل التي تم طباعتها

محطات الإذاعة والتلفزيون 1230 3.770 10.000 محطة التنصيرية

عدد مخططات التنصير 510 1340 3000 خطة في العالم

(*) نقلاً عن : كتاب لمحات عن التنصير في إفريقيا الدكتور عبد الرحمن السميط

- البيان -

« من لم يعرف الماضي فلن يفهم الحاضر ، ومن ثم يعجز عن التخطيط للمستقبل » انطلاقاً من هذا المفهوم سرد لنا الكاتب في الحلقة الماضية طبيعة العلاقة بين الإسلام والنصرانية وما نجم عنها من أحداث منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، تنم عن مدى ما يبذلونه من مكر ومال ، وما تخفي صدورهم أكبر . وفي هذه الحلقة يتابع الكاتب قصة هذه العلاقة بتسلسلها التاريخي حتى عصرنا ( عصر العولمة ) لنرى بحق : هل أصاب التنصير الهدف ؟

- البيان -

الاستعمار :

بدأ الاستعمار الأوروبي عام 1450م تقريباً ، ووصل قمته عام 1900م ؛ إذ قسمت الأقاليم المستقلة غير الأوروبية بين المستعمرين ، وبعد الحرب العالمية الأولى ( 1914م 1918م ) بدأت مرحلة المعاكسة ، وتقلص الاستعمار بسبب ثورات الشعوب المستعمَرة التي رفضت الاستعمار البغيض .

مراحل الاستعمار :

يمكن القول : إن الاستعمار مرّ بمرحلتين :

المرحلة الأولى : الاستعمار الأوروبي القديم : وهي المرحلة التي تسمى بحركة الكشوف الجغرافية التي تم شطر منها في القرن الخامس عشر الميلادي ، وكان لهذه الكشوف الجغرافية هدفان :

الأول : تطويق العالم الإسلامي لإضعافه تمهيداً لضربه في الداخل ؛ فقد أيقن النصارى أن ضرب العالم الإسلامي بجيوش جرارة غير مُجْدٍ ، وأخذوا من الحروب الصليبية التي دامت مائتي سنة دروساً في ذلك .

الثاني : البحث عن طريق تجاري مع الهند لا يمر بديار المسلمين .

وقد استفاد النصارى من علوم المسلمين الجغرافية والملاحية عن طريق جواسيس الكشوف الجغرافية من اليهود الذين كانوا يتقنون اللغة العربية ، وكثير منهم حل بين المسلمين متظاهراً بالإسلام ، مما مكن لهم الحصول على خرائط عربية عن المحيط الهندي ، ومعلومات عن التيارات البحرية والمواقع الجغرافية والرياح الموسمية فضلاً عن معلومات عن التجارة الشرقية . وكان من أشهر هذه الرحلات الاستكشافية رحلة ( فاسكو دي جاما ) التي كانت صليبية المقصد تتخفى وراء العلم والاستكشاف ؛ فقد قال عقب رحلته التي أعانه فيها من المسلمين الجغرافي أحمد بن ماجد : « الآن طوَّقنا رقبة الإسلام ، ولم يبق إلا جذب الحبل فيختنق » [40] .

لقد حملت الكشوف الجغرافية الروح الصليبية متمثلة في آراء البابا ( نيقولا الخامس ) الذي وضع خطة تنفذ مع الكشوف الجغرافية لضرب المسلمين الضربة الأخيرة ؛ فقد أرسل عام 859 هـ إلى ملك البرتغال مرسوماً بابوياً تضمن ما يعرف باسم : ( خطة الهند ) التي تقوم على إعداد حملة صليبية نهائية تشنها أوروبا للقضاء على الإسلام بعد أن تحقق كشوف البرتغاليين أهدافها ويتصلوا بالملوك النصارى سواء في إفريقيا أو آسيا ليسهموا في تمويل الحملة الصليبية بالأموال والرجال والعتاد ، ويتم تطويق العالم الإسلامي [41] .

وتمثلت هذه الروح الصليبية في ( هنري الملاح ) أمير البرتغال ، وفي القائد البرتغالي ( البوكرك ) الذي كتب في يومياته : « كان هدفنا الوصول إلى الأراضي المقدسة للمسلمين ، واقتحام المسجد النبوي ، وأخذ رفاة النبي محمد [ صلى الله عليه وسلم ] رهينة لنساوم عليه العرب من أجل استرداد القدس ، وكان هدفنا الثاني :

احتلال جنوب مصر ، من أجل تغيير مجرى نهر النيل كي يصب في البحر الأحمر ، بدلاً من مروره على القاهرة في طريقه إلى البحر المتوسط مما يضمن لنا خنق القلب الذي يقود الحرب ضدنا » [42] .

المرحلة الثانية : الاستعمار الأوروبي الحديث ( الإمبريالزم ) : كانت الثورة الصناعية وما تلاها من نشوء الرأسمالية ورسوخها في المجتمعات الغربية من أهم أسباب هذا الاستعمار ؛ إذ احتاج الغربيون إلى المواد الخام لتشغيل مصانعهم ، وإلى الأسواق التي يصرفون فيها منتجاتهم ، فكان العالم الإسلامي هدفاً من أهداف هذا الاستعمار الذي ليس إلا فصلاً من فصول الحملات الصليبية على العالم الإسلامي كما هو قول القائد الإنجليزي ( اللورد اللبني ) بعد أن دخلت قواته المستعمرة فلسطين عام 1337هـ ؛ إذ قال كلمته المشهورة : « الآن انتهت الحروب الصليبية » .

وهذا الاستعمار الحديث الذي مهد له المنصِّرون والمستشرقون بدراساتهم وأبحاثهم يقوم على استغلال البلاد التي استعمروها وتطويعها لإرادته أكثر من استيطانها وحكمها . وكان الاحتلال والاستيطان فيه مرحلة أولى لتحقيق التطويع وزرع العملاء ، ومن ثم إعطاء الاستقلال والرحيل بعد ضمان ما يلي :

1 - حكمها من الخارج عن طريق عملاء الاستعمار ، أو اتفاقيات الحماية والوصاية ونحو ذلك .

2 - الاستحواذ على ثرواتها ومقدراتها عن طريق تشغيل شركات المستعمر في أراضيها وربط عملتها بعملة الدولة التي استعمرتها ، فضلاً عن القروض والمساعدات وإقامة المشاريع وتوقيع المعاهدات التي هي في صالح المستعمرين .

3 - التبعية السياسية والثقافية للمستعمر .

آثار الاستعمار :

نتج عن الاستعمار بمرحلتيه آثار عظيمة لا زالت الأمة الإسلامية تعاني منها إلى اليوم ، ويمكن تقسيمها إلى قسمين :

القسم الأول : آثار دينية من ضعف الدعوة إلى الإسلام ونشره ، وانتشار البدع والمنكرات ، والجهل بأصول الإسلام ، وضعف الالتزام بأحكام الشريعة لدى كثير من المسلمين حتى صار الإسلام اسماً فقط عند كثير من أبناء الشعوب المستعمرة ، وقد سلك المستعمرون في سبيل تحقيق ذلك طرقاً عدة منها :

1 - تقطيع العالم الإسلامي إلى دويلات صغيرة عقب إسقاط الخلافة العثمانية ، وقد سعى النصارى بكل ما أوتوا من قوة ومكر للقضاء على الدولة العثمانية ؛ لأنها مع ما فيها من فساد وضعف كانت الرباط الذي يربط أقصى العالم الإسلامي بأدناه ؛ ولذا فإنها لما سقطت سقطت معها هيبة المسلمين ، واستبيحت حرماتهم وامتهنت كرامتهم .

وكان مكر النصارى ومخططاتهم ضد الدولة العثمانية قديماً ؛ ففي عام 792 هـ تكوَّن حلف صليبي مقدس من الصرب والبوشناق و المجر و بلغاريا ونصارى ألبانيا لقتال العثمانيين وإزالة دولتهم [43] ، وتكررت هذه التحالفات التي كانت تُخفِق مرة إثر مرة ؛ لكنها أضعفت الدولة العثمانية .

2 - تجفيف منابع العلم بأحكام الإسلام وشريعته ، وإضعاف دور العلماء والدعاة باحتوائهم ، وتصفية من تأبَّى على سياسة الاحتواء ، حتى صار من حاشية جنود الاستعمار وجلساء قادته أناس ينتسبون لأهل العلم .

3 - ممارسة التنصير ، وتبديل ثقافة الأمة بثقافة أخرى ليست لها ، وهذا يتضح من خلال خطاب الوزير الفرنسي ( صالغندي ) الذي ألقاه عام 1846م أمام جمع من الأطباء العسكريين في الجزائر ؛ ومن قوله : « مما لا شك فيه أن الحكومة الفرنسية تعترف لكم بجميل إخلاصكم في معاملتكم للجنود ؛ غير أن لكم مهمة أخرى أكثر أهمية ؛ أنتم مدعوون إلى القيام بها وهي مؤازرتكم بقسط كبير في العمل على إدخال حضارتنا في بيئة القبائل العربية والبربرية . إن تبشيركم سيكون ولا شك القادر على النجاح خلال السنوات المقبلة ؛ ومن جهتنا سنقوم بكل مجهوداتنا لنوفر لكم كل الظروف وسط المواطنين للعمل على نشر التعليم الطبي الذي سيصبح نافعاً في الوقت نفسه للإنسانية ولتثبيت قوتنا في هذا البلد » [44] .

وبقراءة هذا الخطاب يظهر أمامنا ثلاثة أمور أساسية :

أ - الارتباط الوثيق بين التنصير والاستعمار ، وأن للتنصير دوراً ثقافياً إمبريالياً .

ب - أشار الوزير إلى دور هؤلاء الأطباء في إدخال الحضارة الغربية في البنية العربية ولكن بإدخال الثقافة الاستعمارية وليس إيجابيات الحضارة الغربية ؛ بدليل أن الاستعمار الفرنسي للجزائر الذي زاد على ثلاثة قرون وثلث القرن لم تجنِ منه الجزائر إلا تخلف أبنائها ونهب خيراتها واستيطان أراضيها وإذلال شعبها .

ج - أن السلطات الاستعمارية كانت تدعم كل الجهود التي تساعد في التأثير الثقافي [45] .

وحتى بعد رحيل المستعمرين عن ديار الإسلام ظل التأثير الثقافي مسلطاً على الديار التي استعمروها عن طريق الجامعات الغربية كالجامعات الأمريكية في كثير من الدول العربية ، والمدارس الغربية كذلك ، وفي مصر وحدها أكثر من تسع مؤسسات تعليمية بين جامعة وكلية ومدرسة أمريكية وإنجليزية تمارس التنصير .

وكذلك عن طريق الأبناء العاقين لأمتهم المخلصين للغرب النصراني الذين درسوا في الغرب وتشربوا ثقافته ، ثم سُلِّموا وزارات التربية والثقافة في البلاد الإسلامية ، وأُعطوا المنابر الإعلامية ليقوموا بتشويه الثقافة الإسلامية ، والدعاية لثقافة المستعمرين ، والدعوة إلى الأخذ بها بخيرها وشرها ، وحلوها ومرها ... كما قال طه حسين ، وكما قال تركي الحمد : لا يمكن أن تأخذ السيارة ولا تأخذ ثقافتها أي : ثقافة صانعها .

وعن طريق النوادي الماسونية أيضاً والجمعيات الغربية من نسائية وغيرها التي أنشئت في العالم الإسلامي ويصلها كل الدعم المادي والمعنوي من المستعمرين .

4 - تغيير اللسان العربي الذي في بقائه وحفظه حفظ الإسلام ؛ إذ هو شعاره وبيانه [46] .

وقد رأينا فيما مضى كيف أن النصارى في الأندلس إبَّان تنصيرها منعوا التخاطب باللغة العربية ، وألزموا المسلمين بهجرها والتخاطب بلغة المستعمر .

وهكذا حصل في الاستعمار الحديث ؛ فالاستعمار الفرنسي في الجزائر ركَّز على تعليم الفرنسية ومنع الجزائريين من تعلم العربية ، وكان على الطفل الجزائري أن يتعلم الفرنسية بوصفها لغة قومية ؛ لأن الاستعمار كان يعتبر اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر العربية المسلمة [47] .

5 - نشر الفاحشة في المسلمين وذلك بإخراج المرأة من بيتها ، وإلقاء حجابها ، وخلطها بالرجال في ميادين الدراسة والعمل ، بل وإنشاء دور التمثيل والرقص والأزياء الفاضحة ، والمجلات الهابطة ، ومراكز إنتاج الأفلام والأغاني الخليعة ، والإشادة بالماجنين والفسقة والسوقة من أولاد المسلمين ورفع شأنهم في وسائل الإعلام المختلفة .

وفي مقابل ذلك تضييق سبل المحافظة على العفة والطهارة بانتقاد وربما منع الزواج المبكر ومنع تعدد الزوجات ، وإباحة الزنا قانونياً كما في تونس وتركيا ، أو تضييق سبل الحلال وتوسيع سبل الحرام كما في كثير من الدول الإسلامية . وقد قال قائد من قادة الصليبيين : « لن تهزموا المسلمين بكثرة الجيوش ولا بقوتها ولكن ستهزمهم جيوش النساء ، وستهزمهم قوارير الخمر » [48] .

6 - إحياء النعرات القومية ( العربية ، الطورانية ، البربرية ... ) بقصد إضعاف الانتماء إلى الإسلام ، واستبداله بالانتماء إلى القطر أو الوطن أو القبيلة أو نحو ذلك .

يقول أحد المستشرقين : « إننا في كل بلد إسلامي دخلناه نبشنا الأرض لنحصل على تراث الحضارات القديمة قبل الإسلام ، ولسنا نعتقد بهذا أن المسلم سيترك دينه ، ولكن يكفينا منه تذبذب ولائه بين الإسلام وتلك الحضارات » [49] .

القسم الثاني : آثار دنيوية : وهي كثيرة ومنها :

1 - تفريق الأمة الواحدة وضرب الحدود الاستعمارية بينها ، ومن ثم التحريش بين الجار وجاره خدمة لمصالح المستعمرين ، في إرغام الدول المستعمَرة على توقيع اتفاقات الأمن والحماية التي بموجبها تمتص الدول الكبرى دول الاستعمار خيرات هذه الدول الضعيفة التي تخاف جيرانها .

2 - اغتصاب الأراضي الإسلامية ؛ فقد اغتصب الاستعمار الأندلس كاملة ، وأجزاءاً كبيرة من البلقان و روسيا البيضاء وأرض الجمهوريات الإسلامية و جبل طارق و الجولان وفلسطين وغيرها ، وأخيراً تيمور الشرقية .

3 - التخلف الاقتصادي في البلاد المستعمَرة ، والاعتماد على وسائل الإنتاج البدائي كـ ( الزراعة ) والتدخل في العلاقات الاقتصادية ، وإقامة الحواجز الاقتصادية كالاحتكارات والمضاربات ونحوها .

4 - تكريس تبعية نظم البلدان المستعمرة الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية للدول الاستعمارية العظمى ونظمها .

5 - تغريب المواطن عن مشاكل شعبه ، وإيجاد نموذج من المثقفين العاجزين عن فهم هذه المشاكل فضلاً عن حلها وتسليمهم زمام القيادة ، كما أسهم الاستعمار ولا زال يسهم في حدوث القلاقل والثورات في المجتمعات الآمنة المستقرة خاصة عند رفضها لما تقرره السلطات الاستعمارية ، إضافة إلى شغل المثقفين والمفكرين عن هموم أمتهم بالدعوة إلى الذوبان في الأنظمة الاستعمارية .

6 - تكريس ما دُعي بالنخبوية الطبقية مع الحرص على اختيار نماذج من أبناء الطبقات الشعبية إخفاءاً للدور الحقيقي لمؤسسات الاستعمار الثقافي والإعلامي الموجودة في العالم الإسلامي .

7 - وجود مجتمعات خاصة ( فصائل ثقافية أجنبية ) ضمن المجتمع الإسلامي تهدد وحدة المجتمع ووجوده ؛ فالإرساليات التنصيرية ، والشبكات الماسونية ، والمؤسسات والجمعيات الغربية تعمل في كثير من بلاد المسلمين دون رقيب أو حسيب عليها ، بل تدعمها الأنظمة العلمانية في الوقت الذي تقمع فيه أي توجه إسلامي .

8 - إقناع الشعوب الإسلامية بأن الخير في الاستعمار الثقافي ؛ وذلك عن طريق الوقوف ضد تطوير التعليم العام والتعليم العالي ، وتشجيع التعليم اللاوطني والمؤسسات التعليمية الأجنبية وإثبات كفاءتها وقدرتها بدءاً من ضخامة منشآتها ، وتطور وسائلها التعليمية والتربوية ، وانتهاءاً بإيجاد الفرص الوظيفية لخريجيها دون الجامعات المحلية ، ولا يمكن مقارنة الجامعة الأمريكية في مصر أو بيروت بالجامعات المحلية .

9 - الشعور بالدونية والإحباط ، والاقتناع بتميز الرجل الأبيض عن سائر الشعوب الملونة ، وهذا كرَّسه الاستعمار العسكري بما مارسه من إرهاب جسدي وتصفية لأبناء الشعوب المستعمرة ، بل وممارسة أبشع صور القهر والإذلال النفسي والجسدي ؛ ومثال ذلك ما فعله الاستعمار الهولندي في إندونيسيا حتى إن الجندي الهولندي إذا أراد أن يعلو ظهر جواده أشار إلى الأندونيسي فيركع أمامه فيدوس الهولندي بحذائه على ظهر الأندونيسي ليعلو جواده .

وقبل ذلك أُلْزِمَ المتنصِّرون في الأندلس أن يسجدوا في الشوارع والطرقات إذا مر بهم الرهبان والقساوسة احتراماً لهم .

النظم العالمية والعولمة :

خرج الغربيون النصارى من بلاد المسلمين عقب استعمارهم لها بعد أن زرعوا عملاءهم ، ومكنوا لأبنائهم ، وضمنوا هيمنتهم في شتى المجالات ، ولم يعد الشرق الإسلامي مصدر قلق لهم ، وقضوا على خلافته ، وفتتوا دولته وجزَّؤوه إلى دويلات صغيرة . كما نتج عن ذلك انتشار البغي والظلم ؛ لأن القيادة والسيادة انتقلت من المسلمين الذين يدينون بدين الحق والعدل مع الناس كلهم إلى غيرهم سواء أكان هذا الغير أهل الكتاب اليهود والنصارى أم الملاحدة العلمانيين الماديين الليبراليين والماركسيين وغيرهم من أصحاب النظريات المادية . ومن أجل إضفاء الشرعية على ممارسات الظلم التي قام بها النصارى المتدينون منهم والعلمانيون في عصر سيادتهم وقوتهم فإنهم اخترعوا المجمعات الأممية ، وأسسوا المؤسسات الدولية التي يمررون قراراتهم وتوصياتهم الجائرة عبر مجالسها واجتماعاتها . وجاءت فكرة هذه المؤسسات الدولية في نهاية الحرب العالمية الأولى حينما بات من الواضح انتصار الحلفاء على ألمانيا والدولة العثمانية ؛ إذ كان النظام الدولي قبل الحرب قائماً على توازن القوى بين الدول الأوروبية الكبرى وكانت بريطانيا هي الطرف الأقوى في هذا النظام لحفظ التوازن ، وبعد الحرب تبنى أصحاب الرأي وقادة الفكر في المجتمعات الأوروبية الدعوة إلى بناء نظام دولي جديد على أساس تكريس الهيمنة والسيادة الأوروبية على العالم ، وتسخير عصبة الأمم لرعاية هذه السيادة وتنظيمها [50] .

وبعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة دول المحور ( ألمانيا و إيطاليا و اليابان ) على يد قوات التحالف اجتمع قادة الحلفاء ( أمريكا و الاتحاد السوفييتي و بريطانيا ) في قمة يالطا عام 1945م لإعادة رسم الخريطة العالمية وتوزيع مناطق النفوذ بين المنتصرين في الحرب ، ثم تحول شكل النظام الدولي إلى القطبية الثانية بعد تكوين حلف الأطلسي عام 1949م وامتلاك الاتحاد السوفييتي القنبلة الذرية وتكوين حلف وارسو عام 1955م [51] .

وتحيزت دول العالم الثالث إلى أحد المعسكرين الاشتراكي الشرقي ، أو الليبرالي الغربي واندفعت إلى صراع محموم وتنافس رهيب على امتلاك الأسلحة الفتاكة والدخول في حروب شعواء لمصلحة أحد المعسكرين مما أدى إلى فساد العمران واستنزاف الأموال ، وإفقار الدول التي سموها دول العالم الثالث .

وبعد أزمة الخليج وترنح الدب الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفييتي تحولت السيادة ومن دون منافس إلى أمريكا الرأسمالية البروتستانتية المحكومة باللوبيات الصهيونية ، وهذه الزعامة القطبية لأمريكا جعلت رئيسها بوش عقب أزمة الخليج يفصح عن الغرور الأمريكي والابتهاج بحكم العالم حينما رسم خطوط النظام العالمي الجديد الذي تديره بلاده أمام الكونجرس فكان من قوله : كانت الولايات المتحدة على مدى قرنين من الزمان هي مثل العالم الأعلى في الحرية والديمقراطية ، وقد حملت أجيال متعددة راية النضال للحفاظ على الحرية وتعظيم المكاسب التي حققتها ، واليوم وفي عالم يتحول بسرعة شديدة فإن زعامة الولايات المتحدة لا غنى عنها [52] . وفي مناسبة أخرى قال في زهو وغرور : لقد أنقذنا أوروبا ، وتغلبنا على الشلل ، ووصلنا إلى القمر ، وأضأنا العالم بثقافتنا ، والآن ونحن على مشارف قرن جديد نسأل : لمن ينسب هذا العصر ؟ ! إنني أؤكد أنه سيكون عصراً أمريكياً آخر [53] .

ما الذي يريدونه في عصر النظام العالمي الجديد ( العولمة ) ؟ !

لقد تكفَّل أهل الكفر بتفتيت العالم الإسلامي وفرض سيادتهم عليه ، ونهب ثرواته ، وتصدير نظمهم إليه ، لكن القصعة المستباحة كانت مقسمة بين الشرق والغرب وبعد سقوط الشيوعية ضمن الغرب الاستئثار بها وحده ، ولم يبق ما يزعج الغرب النصراني العلماني إلا تفوق العالم الإسلامي في النواحي الاجتماعية ، ومحافظته على نظام الأسرة ، مما جعل قوى الشر تتواصى بالاختراق الثقافي وتجتمع على إفساد الأسرة المسلمة عبر مقررات المؤتمرات الدولية : مؤتمرات السكان والإيواء البشري والطفل والمرأة ، وفرض المقررات الإلحادية على البلاد الإسلامية وربطها بالسياسة والاقتصاد والحصار لتأخذ صفة الإلزام بعد إخفاق التوصيات والنصائح ، ولم تفلح المنظمات المشبوهة التي تسوِّق لهذا الإلحاد والفساد ، وفُضح القائمون عليها من عملاء خونة خانوا دينهم وأوطانهم .

هل يريدون تنصير العالم الإسلامي أم علمنته ؟ !

يبدو أنه لا فرق بين الأمرين ؛ لأن الكنيسة تعلمنت ، والعلمانية أحست بضرورة وجود الكنيسة ؛ فالصراع زال ، وحل محله الوفاق ليقوم كل بدوره تجاه أبناء النصرانية العلمانيين وتجاه غيرهم .

لقد ثار الغرب ثورة الحرية على الكنيسة وقيودها ، وأعلن العلمانية فانتهى بذلك دور الكنيسة ، وتحول الغربي إلى مادي حيواني يعب من شهواته ويشبع غرائزه ويعيش يومه ولا يفكر في غده ولا يؤمن بالحساب ، ومنذ تلك الثورة ظلت الكنيسة تغازل العلمانية ، وتخطب ودها بما يقدمه رجال الدين النصراني من تنازلات لإرضاء الماديين حتى خرقوا أنظمة الكهنوت ، وخالفوا تعليمات أناجيلهم المحرفة ، وأباحوا للناس ما أجمعت الشرائع والعقول والفطر السليمة على تحريمه من زواج الرجال بالرجال والنساء بالنساء وسائر أنواع الشذوذات ، كما قالت مجموعة أبناء الرب [*] : إن الخوف من الزنا لم يعد له مكان ، وإن عمليتي اللواط والسحاق مباحتان ما دامتا تتمان في جو من الحب ، وقال ديفيد جاكس المتحدث باسم هذه المجموعة : « إن تقديم العون الجنسي واجب على كل فرد ، وإن أفراد المجموعة من النساء مطالبات بتقديم كل ما يمكن أن يغري أعضاءاً جدداً » [54] ، وأنه لا بد من تغطية نفقات المجموعة من بيع الجنس إذا اقتضى الأمر ! ! [55] .

ولا أدل على علمنة الكنيسة من إعلان عدد من جماعات التنصير في أمريكا و هولندا وإيطاليا و السويد وألمانيا و الدانمارك و أسبانيا و إنجلترا رفضهم للوصايا العشر التي جاءت في شريعة موسى ، والتي تعد أهم دعائم النصرانية ، واعتبر بعضهم أن هذه الوصايا انتهت وانتهى زمانها [56] .

وفي المقابل ثبت لدى العلمانيين الغربيين حاجة الفرد إلى الكنيسة ؛ لأنه مفطور على التعلق بالله سبحانه وتعالى ؛ لا سيما بعد فُشُوِّ أمراض القلق والجنون والفصام وغيرها من الأمراض النفسية في الغرب ، وقد أدى كثير منها إلى الانتحار ، فباركت العلمانية تنازلات الكنيسة ، ولم تمانع من وجودها بعد فقد سلطانها لإشباعٍ روحيٍ زائف .

عولمة التنصير :

مما سبق نفهم تآزر القوى العلمانية مع العصابات الكنسية في عملية التنصير الضخمة التي قد شحن الغرب إمكانياته لإنجاحها . وبات من الواضح تحول الغرب من التنصير الفردي إلى التنصير الجماعي لسببين رئيسين :

1 - أن التنصير الفردي بطيء جداً لا يتناسب وعصر السرعة ، ولا يتناسب مع اتساع رقعة العمل الفسيحة أمام المنصرين الذين يمكنهم الدخول إلى أي مكان ما دامت قوى الغرب السياسية تنفرد بالقرارات وتدير المنظمات الدولية .

2 - أن التنصير الفردي يؤدي إلى اقتلاع الفرد من بيئته ومجتمعه مما يجعله مشلول الإرادة ، منبوذاً من قومه مما يكون سبباً في رجوعه ، وإن بقي على نصرانيته يصبح عبئاً على الكنيسة التي نصّرته ، ولن يستطيع التأثير فيمن حوله .

والتنصير الجماعي يعني نقل أمة من الناس قبيلة أو قرية أو مدينة كاملة من الإسلام إلى النصرانية لكيلا يحس أحد منهم بالغربة ، والوسيلة لتحقيق ذلك هو استغلال الأزمات والكوارث ، وربما افتعالها من قِبَل مَنْ بأيديهم القرار السياسي والعسكري والاقتصادي للتدخل في بلد ما وإيجاد أزمة تخنق شعبه ، ومن ثم تقوم الهيئات والمنظمات التنصيرية بإكمال باقي المهمة بتنصير هذا الشعب الذي يعيش الأزمة ، وهذا ما نص عليه مؤتمر كولورادو التنصيري ؛ إذ جاء في إحدى فقراته :

( لا بد من وجود أزمات معينة ومشكلات وعوامل إعداد وتهيئة تدفع الناس أفراداً وجماعات خارج حالة التوازن ، وفي غياب مثل هذه الأوضاع المهيئة فلن تكون هناك تحولات كبيرة إلى النصرانية ) [57] .

وليس هذا يعني بالضرورة التنسيق الكامل بين الدوائر العلمانية صاحبة القرار في الغرب وبين المنظمات التنصيرية حتى لا يقال : إن هذا من إفرازات فكر المؤامرة ولكنه تقاطع المصالح ؛ فالقوى السياسية والعسكرية والاقتصادية في الغرب تخنق شعوب العالم الثالث لإثبات القوة والغطرسة أو لنهب ثرواتها أو لتأديب من يرفض قوانينها الجائرة ، والهيئات التنصيرية تستغل فرص التجويع والإفقار والحصار لتقوم بأنشطتها التنصيرية ، ومن سيمنعها من ذلك إذا كانت الدولة المحاصَرة نفسها لم تستطع فك الحصار عن نفسها أو اختراقه فضلاً عن منع المنصرين من مد يد العون والمساعدة لشعبها المجوَّع المحاصر ؟ !

ولن يتوقف النصارى عند هذا الحد ؛ إذ صرحوا بلزوم التدخل في شؤون الدول التي فيها أقليات نصرانية بزعم حمايتها من اضطهاد المسلمين مع أن هذه الأقليات تحظى في بلاد المسلمين بما لا يحظى به المسلمون من الرعاية والتكريم بل والذلة لهم وتنفيذ مطالبهم وإظهار شعائر شركهم تحت قيادة الحكومات العلمانية ، ومع ذلك لم يرتض الغرب المنتصر هذه السيرة ولن ترضيه حتى يجعل الأقليات النصرانية حاكمة على المسلمين أو تنفصل عن الدولة لتشكل دولة نصرانية كما حصل في تيمور الشرقية وكما يريدون حصوله في جنوب السودان .

وفي زمن العولمة لن يستطيع أحد منعهم من التدخل في شؤون الدول الداخلية ؛ لأن القوة بأيديهم والمنظمات الدولية تأتمر بأمرهم ، وتصدر قراراتها على ضوء توجهاتهم ، ثم إذا منعتهم وصار قرارهم وتدخلهم فردياً فمن سيعاقبهم ويحاصرهم ؟ ! وقد ضربت السودان و أفغانستان بقرار فردي لصرف الأنظار عن فضيحة جنسية ؛ فهل عوقب الضارب ؟ وهل حوصرت دولته ؟ !

حوارات الأديان خطوة تنصيرية :

كان غلاة الصوفية الأقدمون دعاة وحدة الوجود والاتحاد والحلول يرون صحة كل طريق يوصل إلى الله تعالى سواء أكان حقاً ( الإسلام ) أم باطلاً كاليهودية والنصرانية والوثنية وغيرها . وأجاز بعضهم التهود والتنصر ورجحه بعضهم على دين الإسلام وقد كشفهم شيخ الإسلام ابن تيمية ونقض باطلهم [58] .

وفي النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري بعثت هذه الدعوة وتبنتها الماسونية ، وأقنعت بها الأفغاني و محمد عبده الذي أسهم في تأليف جمعية في بيروت باسم ( جمعية التأليف والتقريب ) هدفها التقريب بين الأديان الثلاثة [59] .

وفي السنوات الأخيرة تبنى الفرنسي روجيه جارودي إحياء دعوة ( لويس ماسينون ) [60] المتمثلة في ربط الأديان التوحيدية الثلاثة بنفس الشبكة ، وذلك من خلال وصلها بالإيمان الإبراهيمي على اعتبار أن إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء ، وقد أفصح جارودي عن هذه الحقيقة بقوله : « لقد عرفت الإيمان الإبراهيمي عن طريق Kierkegaard واليوم أقوم بهذه المبادرة الحوار الإبراهيمي بالاشتراك مع أصدقائي اليهود والكاثوليك والبروتستانت ؛ فإني أتابع المسير بقصد تجميع الإيمان الإبراهيمي ، وما أجده اليوم في القرآن من أن إبراهيم هو أبو الأنبياء قد وجدته منذ عشرين عاماً » [61] وقد عقد جارودي العديد من المؤتمرات وأنشأ معهداً لهذا الغرض في قرطبة الأندلسية وبيَّن أن لهذا المعهد توجهات عالمية لنشر نتاج الثقافات الثلاثة اليهودية والنصرانية والإسلامية وتعاليمها من خلال علاقة الإنسان بالإله والطبيعة والفرد وهو مركز دراسات لوحدة هذه الأديان [62] .

وللأسف فإن جارودي خدع بعض السذج من المسلمين وجمع منهم التبرعات لإنشاء هذا المعهد المشبوه ، وحصر إدارته في اليهود والنصارى زاعماً السعي لنشر ثقافة الأديان الثلاثة ! !

وقبل عدة أشهر نشرت بعض الصحف الغربية أن مؤتمراً للتقريب بين الأديان سوف يعقد تحت مظلة الأمم المتحدة وسيدعى إليه بابا الفاتيكان وممثلو مختلف الكنائس النصرانية وحاخامات اليهود إضافة إلى رؤساء كبار العلماء والمجامع الفقهية والبحوث الإسلامية ورئيس الأزهر وأئمة المساجد الثلاثة المكي والنبوي والأقصى .

والقصد معروف من هذه الدعوات التي تريد إذابة الإسلام في مناهج الذين كفروا ، وليست حواراً حقيقياً كما يظن المخدوعون يقوم على المناظرة وقرع الحجة بالحجة وإحقاق الحق وإبطال الباطل ، وذلك واضح في تقرير البروفيسور النصراني ( ديون كراوفورد ) الذي كتب تقريراً مطولاً عن حوارات الأديان التي يتبناها النصارى وكان من ضمن ما كتب : « ينبغي أن تتحول العلاقة بين المسلمين والنصارى من علاقة المواجهة السابقة إلى علاقة حوار ، على ألا يؤدي هذا الحوار إلى المساومة على النصوص الإنجيلية من أجل تنمية الحوار ، وهذا ما لا يجوز ؛ فالحوار لا ينبغي أن يكون بديلاً عن التبشير بالإنجيل ، وعلى المسلمين أن يفهموا أن الحوار يستهدف كسبهم إلى صف النصارى ، وينبغي على النصارى أن يخالطوا المسلمين ويصادقوهم ، وأن يستغلوا ذلك في إزالة سوء الفهم الراسخ في أذهانهم تجاه الإنجيل و المسيح » [63] .

تنهبيات مهمة :

في ختام هذا العرض المختصر أنبه إلى أمور ثلاثة مهمة هي :

1 - أن الحرب بين المسلمين والنصارى ستستمر إلى نزول عيسى عليه السلام وقتله للدجال والخنزير ، وكسر الصليب ، والحكم بشريعة أخيه محمد صلى الله عليه وسلم كما تواترت بذلك الأخبار في السُّنَّة النبوية [64] . وهيمنة النصارى العسكرية والسياسية والاقتصادية بل والثقافية لن تكون مطفئة لأحقاد النصارى على المسلمين حتى يردوهم عن دينهم كما هو قول الله تعالى : ] وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [ ( البقرة : 120 ) ، وقوله تعالى : ] وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ [ ( البقرة : 109 ) وفي الأحاديث الواردة في شأن الدجال قال النبي صلى الله عليه وسلم : « لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذٍ ... » [65] وذكر فيه انتصار المسلمين وخروج الدجال وهم يقتسمون الغنائم مما يعني أن حوارات الأديان والسلام ونشر ثقافة المحبة ، وانتهاء عصر الحروب ... وغير ذلك من الادعاءات مجرد أمانٍ ينخدع بها من لا يحسنون التلقي عن الكتاب والسنة .

2 - أن واجب المسلمين هو مدافعة الشر ومقاومة أهل البغي والظلم والكفر بكل ما أوتوا من قوة عملاً بقوله تعالى : ] وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ [ ( الأنفال : 60 ) فالسلاح وبناء الجيوش قوة ، والكلمة الطيبة التي تفضح بها مخططات الأعداء والمنافقين قوة ، والإلحاح على الله تعالى بالدعاء على الأعداء قوة ، والتمسك بالإسلام والدعوة إليه قوة . والضعف هو في التخلي عن أحكام الإسلام أو تمييعها لإرضاء الأعداء ، أو تفصيل شريعة الإسلام على أهواء الناس ومطالبهم . ونحمد الله تعالى على أنه لم يكلفنا بالنتائج وإنما طلب منا العمل فحسب : ] فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا [ ( يونس : 108 ) ، وقوله تعالى : ] وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ [ ( يونس : 99-100 ) ، وقوله تعالى : ] إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البَلاغُ [ ( الشورى : 48 ) .

3 - أن الغلبة في النهاية لأهل الحق على أهل الباطل ولو زخرفوا باطلهم وزينوه وكانت وسيلته الفضائيات والإنترنت ، ولو كان مدعوماً بالترسانات النووية والذرية والبيلوجية وغيرها ؛ فإن جند الله تعالى أقوى ؛ ومن جنده سبحانه الزلازل ، والأمراض والكوارث والرعب : ] وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ [ ( الحشر : 2 ) ، وقوله تعالى : ] وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [ ( المدثر : 31 ) .

بيد أن الذي يستحق نصر الله تعالى وتأييده هم عباده الذين استجلبوا نصره بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، والوقوف عند حدوده ، والدعوة إلى الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإصلاح النفس والبيت والسعي في نشر الصلاح في الأمة كلها .

أسأل الله تعالى أن ينصر دينه وأن يدحر الكفر وأهله ؛ إنه سميع مجيب .

________________________________________________

(1) أخرجه الإمام أحمد ، 5/259 ، و الطبراني في الكبير ، 7/225 ، برقم (7786) وعزاه الألباني للروياني في مسنده ، وحسنه انظر السلسلة الصحيحة برقم (304) .

(2) جامع البيان ، 2/194 ، وتفسير ابن كثير ، 1/371 ، والدر المنثور ، 1/37 ، عند تفسير الآية (193) من سورة البقرة .

(3) جامع البيان ، 2/194 ، والناسخ والمنسوخ للنحاس ، 29 والدر المنثور ، 1/371 .

(4) تفسير ابن كثير ، 2/ 105 ، عند تفسير الآية 48 من سورة المائدة .

(5) فتوح البلدان للبلاذري ، 137 ، والخراج لأبي يوسف عن تاريخ الحضارة العربية ، لمحمد كرد علي ، 1/39 .

(6) فتوح البلدان عن تاريخ الحضارة العربية ، 1/40 ، والحديث أخرجه أبو داود في الخراج والإمارة باب في تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارات (3052) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (2626) .

(7) الدعوة إلى الإسلام ، لأرنولد ، 132 ، عن تحرير الاستعمار ، د شوقي أبو خليل ، 19 .

(8) الدعوة إلى الإسلام ، 69 - 70 ، عن المصدر السابق ، 8 .

(9) مجلة لامارش دي فرانس ، تعريب جريدة الأهرام عن الإسلام والحضارة العربية ، لمحمد كرد علي ، 1/38 .

(10) حياة الحقائق عن كتاب محمد كرد علي ، الإسلام والحضارة العربية ، 1/56 .

(11) الإسلام والحضارة العربية ، 1/144 .

(12) المصدر السابق ، 1/252 ، 253 .

(13) أخرجه البخاري في الجهاد والسير ، باب فضل من أسلم من أهل الكتاب (3011) ، و مسلم في الإيمان ، باب وجوب الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته (154) و الترمذي في النكاح (1116) و النسائي في النكاح ، 6/15 .

(14) انظر : فتوح البلدان ، للبلاذري ، 142 .

(15) انظر بنود الصلح في تاريخ الطبري ، 2/449 .

(16) انظر : تاريخ غزوات العرب في فرنسا و سويسرا و إيطاليا و جزائر البحر المتوسط 93 ، وما بعدها ، وقصة الحضارة لديورانت ، 13/281 ، وما بعدها .

(17) انظر : الكامل ، 8/185 .

(18) عن دولة الإسلام في الأندلس ، محمد عبد الله عنان ، 6/313 .

(19) ما أشبه الليلة بالبارحة ! فاليهود اليوم ومن خلفهم قوى النصارى الظالمة يمارسون السياسة نفسها في فلسطين فيما يتعلق باتفاقيات السلام المزعوم ؛ إذ إن لهذه الاتفاقيات والنصوص تفسيرات عند اليهود تختلف عما فهمه المفاوضون العرب ، ولا تظهر هذه التفسيرات اليهودية إلا حينما يطالبهم العرب بتطبيقها وصدق الله العظيم ؛ إذ يقول : [ أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ ] (البقرة : 100) [ الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ ] (الأنفال : 56) .

(20) ذكر المقري أن المسلمين ما سلَّموا غرناطة للنصارى عام 897 هـ إلا بعد أن اشترطوا سبعة وستين شرطاً فيها حفظ دينهم وإقامة شعائره وحفظ أموالهم وأراضيهم ، ولكن النصارى لم يفوا بتلك الشروط بل بدأ غدرهم فور تمكنهم انظر بعض شروط المسلمين في نفح الطيب ، 6/280 .

(21) انظر دولة الإسلام في الأندلس ، 6/315 316 .

(22) الإسلام والحضارة العربية ، 1/255 .

(23) دولة الإسلام في الأندلس ، 6/318 .

(24) دولة الإسلام في الأندلس ، 6/318 .

(25) الإسلام والحضارة العربية ، 1/253 ، وانظر : نفح الطيب ، 6/281 ، وقد ذكر أنهم يقولون للمسلم : إن جدك كان نصرانياً فأسلم فترجع نصرانياً .

(*) هذا المصطلح يطلق على العرب الذين تنصروا في الأندلس بعد انتزاع النصارى لها انظر الموسوعة العربية الميسرة ، 2/1777 ، وأصل الكلمة تصغير لكلمة : (موروس) ومعناها : المسلمون الأصاغر رمزاً إلى ما انتهت إليه الأمة الأندلسية من السقوط والانحلال .

(26) دولة الإسلام في الأندلس ، 6/320 .

(27) انظر : الإسلام والحضارة العربية ، 1/253 .

(28) انظر : دولة الإسلام في الأندلس ، 6/324 327 ، وانظر في طرد المسلمين من الأندلس أيضاً الحلل السندسية ، 3/334 وذكر فيه عدداً من القوانين الجائرة التي صدرت في حق الأندلسيين وكذلك الإسلام والحضارة العربية ، 1/53 ، وذكر فيه أن المسلمين كانوا في الجبال فيما يشبه بنصف استقلال أكثر من نصف قرن ، ثم ذكر أن أكثرهم تنصروا في بداية القرن السادس عشر الميلادي .

(29) انظر : الحلل السندسية ، 3/334 335 .

(30) انظر : دولة الإسلام في الأندلس ، 6/351 .

(31) دولة الإسلام في الأندلس ، 6/332 .

(32) انظر : دولة الإسلام في الأندلس ، 6/345 ، 346 وأيضاً 357 والمورسيكيون لأنطونيو لورتي ، 334 ، وتاريخ الاحتلال الأسباني ، 13/131 .

(33) انظر الإسلام والحضارة العربية ، 1/253 .

(34) مدخل إلى تاريخ حركة التنصير ، د ممدوح حسين ، 10 ، 11 ، وماهية الحروب الصليبية ، قاسم عبده قاسم ، 239 .

(*) الفرنجة والإفرنجة تحولت من كلمة (الفرانك) (Francs) وهم من السلالة الجرمانية تغلبوا على فرنسا فنسبت إليهم وتسمت بهم ، ثم إن العرب تلفظوا بها (الفرنج) أو (الإفرنج) وغلبت هذه اللفظة على كل الأوروبيين ويقال إن اشتقاق اسم فرنسا من الفرانك ، انظر غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط ، لشكيب أرسلان ، 51 والحروب الصليبية في المشرق والمغرب ، 186 .

(35) الحروب الصليبية في المشرق ، 642 .

(36) انظر مثلاً : المنتظم ، 17/47 ووفيات الأعيان ، 1/179 ، ومرآة الجنان ، 3/154 ، وتاريخ ابن خلدون ، 5/25 ، وتاريخ ابن الوردي ، 1/11 ، والكامل ، 10/283 ، والبداية والنهاية ، 12/138 .

(37) انظر مثلاً : النوادر السلطانية ، 235 والسلوك لمعرفة دول الملوك ، 1/106 ، وقد ذكر الغربي جاك دي دنتيري : أن الصليبيين اعتادوا نهب حمص وبعلبك وحماة لكي يرغموا أهلها على دفع إتاوة لهم انظر : ماهية الحروب الصليبية ، 233 ، وانظر أيضاً : رحلة ابن جبير ، 228 232 .

(38) الحروب الصليبية ، لأحمد شلبي ، 92 .

(39) المصدر السابق ، 98 .

(40) حاضر العالم الإسلامي ، د جميل المصري ، 1/79 82 ، وانظر : واقعنا المعاصر ، ص 189 .

(41) أوروبا في مطلع العصر الحديث ، 61 ، عن المصدر السابق ، 1/84 .

(42) انظر : حاضر العالم الإسلامي ، 1/84 85 .

(43) الحروب الصليبية ، لأحمد شلبي ، 122 .

(44) المجلة التاريخية المغربية ، 1 كانون ، 1974م ، وانظر الإسلام والحضارة العربية ، 1/ 348 ، 350 فقد ذكر محمد كرد علي أن أكثر أساتذة المدارس التي أنشئت في مصر على عهد نهضتها الأولى كانوا من الفرنسيين المستعربين ، حتى قال أحد الإنجليز : إن المدنية المصرية الحديثة هي مدنية فرنسية صرفة وذكر أن أعداداً كبيرة من المنصرين كانوا يمارسون التنصير خاصة في الشام ومنهم الإيطالي والفرنسي والأمريكي والروسي والأسباني والأسكتلندي وغيرهم .

(45) الاستيطان الأجنبي في الوطن العربي ، 99 ، 100 .

(46) انظر : مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ، 3/252 255 ، واقتضاء الصراط المستقيم ، 1/461 464 .

(47) انظر : في الثورة والتعريب ، د محمد مضايف ، 50 - 51 .

(48) الهزيمة النفسية عند المسلمين ، د عبد الله الخاطر ، 45 .

(49) الولاء والبراء في الإسلام ، د محمد سعيد القحطاني ، 420 .

(50) انظر : النظام الدولي الجديد ، ياسر أبو شبانة ، 17 ، والإسلام والنظام العالمي الجديد لمولاي محمد علي ، ترجمة أحمد جودة السحار ، 12 - 13 ، والنظام العالمي الجديد ملامح ومخاطر ، د شفيق المصري ، 34 .

(51) انظر : تغيير العالم ، سلسلة دارالمعرفة ، رقم11 ، ص 24 - 29 ، والنظام الدولي الجديد لأبي شبانة ، 17 .

(52) أزمة الخليج والنظام العالمي الجديد ، د حسن نافعة ، 127 ، والنظام الدولي الجديد ، ياسر أبو شبانة ، 31 .

(53) النظام الدولي الجديد ، 31 ، عن : ما الجديد في النظام الدولي ، مجلة مستقبل العالم الإسلامي ، عدد 8 ، ص 3 .

(*) هي حركة تنصيرية نشأت عام 1969م في أمريكا واسمها الرسمي (أبناء الرب وأسرة الحب) وتقوم على أساس التنصير عن طريق الجنس وتختار المنصرات الجميلات للقيام بهذه المهمة القذرة ، وللأسف فإن لهذه الجمعية فروعاً في كثير من الدول الإسلامية .

(54) قارن هذه التنازلات في سبيل جذب الناس للكنيسة بما افتراه عدد من التنويريين على الإسلام من أنه يجيز الاختلاط والموسيقى والفن والتمثيل والرقص إذا كان ذلك في مصلحة الدعوة وسبباً لالتزام الشباب والشابات بالإسلام بدل أن يتجهوا للموسيقى والرقص والغناء الغربي الذي لا يجوز عندهم ، وتنازلات أخرى فيما يتعلق بالولاء والبراء وإلغاء جهاد الطلب وأحكام أهل الذمة وغير ذلك كثير وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول : « لتتبعن سنن من كان قبلكم » .

(55) فضائح الكنائس ، مصطفى فوزي غزال ، 92 .

(56) فضائح الكنائس ، مصطفى فوزي غزال ، 92 .

(57) انظر : تنصير المسلمين لعبد الرزاق ديار بكر لي ، 24 26 .

(58) انظر : مجموع الفتاوى ، 4/203 208 ، 14/164 167و 28/523 ، والصفدية ، 1/98 100 ، 268 ، والرد على المنطقيين ، 282 ، 283 ، عن الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان للعلامة ، د بكر أبو زيد ، 17 18 .

(59) انظر : المصدر السابق ، 20 .

(60) يعمل أستاذاً للعلوم التاريخية والسلالات في جامعة باريس ودعوته تلك في كتابه المعنون بـ(العرب) انظر : سلسلة تقارير المعلومات الصادر عن وزارة الأوقاف الكويتية ، 1/97 ، رقم التقرير ، 14/87 .

(61) مجلة (Cambio) في 9/2/1987م ، ص 19 ، عن سلسلة تقارير المعلومات ، 1/98 .

(62) انظر : سلسلة تقارير المعلومات ، 1/15 ، تقرير رقم ، 3/87 .

(63) مجلة البحوث الإفريقية ، ديسمبر 1986م ، عن الإذاعات التنصيرية الموجهة إلى المسلمين العرب ، د كرم شلبي ، 32 .

(64) انظر في ذلك مثلاً : صحيح البخاري ، كتاب أحاديث الأنبياء ، باب نزول عيسى بن مريم عليه السلام ، وصحيح مسلم ، كتاب الإيمان باب نزول عيسى بن مريم حاكماً بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم .

(65) أخرجه مسلم في الفتن ، باب فتح القسطنطينية ، ونزول عيسى بن مريم (2897) .


العدد (153) جمادى الأولى 1421- أغسطس 2000

العدد(154) جمادى الآخرة 1421 - سبتمبر 2000