التنصير بالمراسلة أسفٌ مزدوجٌ

أبو بكر بن عبد القادر سيسي

من الأساليب التي اعتمدها المنصِّرون حديثاً في التنصير : الدروس بالمراسلة ؛ فيوجد اليوم عدد كبير من المؤسسات التنصيرية متخصصة في هذا المجال .

نذكر منها على سبيل المثال : ( التاريخ والحياة ) مقرها مرسيليا بفرنسا ، ( نداء الرجاء ) مقرها ستيغارت بألمانيا الغربية ، ( دار الهداية ) مقرها ريكون بسويسرا ، ( نور الحياة ) مقرها فيلاش بأستراليا .

وأما كيفية ممارسة هذه الوسيلة فهذه أضواء على نشاط المؤسستين الأوليين .

أولاً : مؤسسة : ( التاريخ والحياة ) :

يوزَّع عنوان هذه المؤسسة في بعض الإذاعات والمجلات والمراكز الثقافية ؛ وترسل سلسلة دروسهم النصرانية والأناجيل عن طريق البريد الجوي إلى الراغبين ؛ حيث يمدّون دارسيهم بالظروف وبدل الطوابع البريدية ، وللدارس جائزة كلما أنهى مرحلة من سلسلتهم التعليمية ونجح في اختبارها ، ويحصل الدارس في نهاية كل ثلاثة أشهر على مجلة مجاناً تسمى : « مفتاح المعرفة » تحتوي على القصص ومشاكل الحياة وحلولهم لها ، والتوعيات النصرانية ، وتقارير إنجازاتهم المضللة في تنصير الأفراد والأسر في المجتمعات الإسلامية وغيرها وبخاصة في شمال إفريقيا ، وللمؤسسة محطة إذاعية تشرح فيها دروسهم التعليمية صباحاً ومساءً .

وهذه إرشادات المؤسسة في أول بريدهم إلى الدارس :

1 - جميع دروسنا مجانية وهي بالمراسلة لا حضورياً .

2 - تعطى دروسنا بلغة واحدة : العربية أو الفرنسية ، وننصحك أن تدرس

باللغة التي تتقنها أكثر ، أما إذا اخترت لغة ووجدت ثقافتك بهذه اللغة غير كافية فيمكنك تبديلها .

3 - نحن مستعدون دائماً للجواب عن كل سؤال تطرحه بشرط أن يكون متعلقاً بالدرس .

4 - إن استحسنت هذه الدروس واستفدت منها ، فلماذا لا تعرِّف بها أهلك وأصدقاءك ، وتعطيهم عنواننا لنرسل إليهم بعض دروسنا .

ثانياً : مؤسسة : ( نداء الرجاء ) :

وهذه المؤسسة بدورها أيضاً ترسل الأناجيل والكتب النصرانية مقسمة إلى حلقات تعليمية عن طريق البريد الجوي إضافة إلى الأشرطة والمفكرات والآيات الإنجيلية المزخرفة بالطراز الإسلامي التي تلصق على الجدران والأدوات ، وتبث دروسها أيضاً مع تشجيع الدارسين في إذاعتها « صوت الرجاء » ، ودراستها مجانية بالعربية أو الإنجليزية ، ويحصل الدارس في نهاية كل حلقة على شهادة .

وهذه المؤسسة من أشد المنظمات التنصيرية هجوماً على الإسلام ونيلاً منه ؛ إذ إن من نشاطاتها طباعة ونشر أي كتاب أو مطوي فيه الطعن في الإسلام ، سواء كان له علاقة بالنصرانية أم لا ، وسواء كان كاتبه نصرانياً أو غير نصراني .

وإليكم نموذجين عن كيفية إغرائهم الناس بالمشاركة في دروسهم :

النموذج الأول :

أ - أتحب تطهير ماضيك ؟

إن أردت المصالحة مع الله وتنقية نفسك فنحن على استعداد لنرسل إليك مجاناً الإنجيل حسب البشير لوقا ، بمقياس 20 * 30 سنتيمتراً بالصور الموضحة لحياة المسيح إن طلبت ذلك منا .

ب - هل لديك سؤال ما ؟

إذا أقلقك سؤال ما حول الإيمان وخلاص نفسك ، فاكتبه إلينا صريحاً نجاوبك بإخلاص ومحبة .

ج - أتريد مصالحة أصدقائك مع الله ؟

إذا أعجبتك هذه النشرة وأردت تطبيقها في حياتك وحياة الآخرين فنحن على استعداد أن نرسلها إليك مجاناً بشرط أن لا تطلب عدداً أكثر مما توزعه عملياً ، اكتب إلينا بخط وعنوان واضحين .

النموذج الثاني :

أ - اقرأ الكتاب المقدس يومياً .

إن قررت التعمق في كلمة الله فنحن مستعدون أن نرسل لك تفاسير الكتاب المقدس إن طلبتها منا .

ب - ارفع كلمة الله في بيتك .

إن أعجبتك الآية الذهبية التي على الصفحة الأولى من هذه النبذة فنحن على استعداد أن نرسلها لك مجاناً مطبوعة على كرتون ملون بمقياس أكبر إن طلبتها .

ج - استمع إلى البشارة .

إذا أحببت الاستماع إلى بشارة الإنجيل والكلمات التي تفتح لك أبواب السعادة بأجمل الأصوات وأحسن الترانيم ، فاطلب ذلك منا نرسل أشرطتها لك مجاناً .

ج - وزع بشرى الخلاص في محيطك :

إن أثَّرت فيك هذه النبذة وأنت على استعداد لتوزيع مثلها فنرسل لك العدد الذي تطلبه منها مجاناً بشرط ألا تطلب منا أكثر مما توزعه عملياً .

أرسل طلباتك بخط واضح وعنوان كامل .

وبعد : فهذه الوسيلة التنصيرية تثير فينا أسفاً مزدوجاً ، أو بعبارة أخرى تؤسفنا من ناحيتين :

الأولى : ما يحصل من جراء الدروس بالمراسلة من التضليل ومحاربة العقيدة الإسلامية .

الثانية : عدم استخدام المسلمين لهذا الأسلوب الدعوي الذي يتسابق ويتحمس المنصرون فيه اليوم ويستبشرون بثمراته ؛ علماً أن مرده ومصدره السيرة النبوية ومنهج صدر هذه الأمة السلف الصالح .

فقد اهتم المصطفى صلى الله عليه وسلم بالمراسلة في تعريف الناس بالإسلام وتصحيح معتقداتهم ودعوتهم إليه ، وكان يتحرى في ذلك الأسلوب المناسب ، وكمية المادة ، المرسلة ، وطبيعة المرسل إليه .

ونماذج التعليم والدعوة بالمراسلة كثيرة جداً في كتب السنة والتاريخ الإسلامي ؛ فهذه صورة درس نبوي بالمراسلة : « من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة . أسلم أنت ؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ، وأشهد أن عيسى بن مريم روح من الله وكلمته ألقاها إلى مريم الطهور الطيبة الحصينة ، فخلقه الله تعالى من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ... وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل » .

وهذه صورة رسالة جوابية من المقوقس عظيم القبط على كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرسل إليه :

« فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه ، وما تدعو إليه ، وقد أكرمت رسولك ، وقد بعثت إليك بجارية لها مكان في القبط عظيم » [1] .

فإن طبيعة الحال تدعو المسلمين إلى انتهاج هذا الأسلوب الدعوي صداً للزحف التنصيري في العالم الإسلامي وإحياءً للتراث الإسلامي ، مع وقفات علمية صادقة عند السيرة النبوية لفقه أساليبها الدعوية المتنوعة وتطبيقها بالوسائل الحديثة ؛ ففيها ما يكفي ويشفي .

________________________

(1) البداية والنهاية ، لابن كثير ، 4/257 ، وتاريخ الطبري ، 2/ 244 657 .

العدد (167) رجب 1422 - اكتوبر 2001