العلاقات الإسلامية النصرانية

رؤية شرعية في الماضي والحاضر والمستقبل

 

د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي(*)

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هـادي له، وأشـــهد أن لا إله إلا الله وحـــده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ أرسله الله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وأنزل عليه كتاباً لا يغسله الماء، ففتح الله به قلوباً غلفاً، وأعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وأقام به الحجة، وأضاء به المحجة، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار. فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فلقد كان أولى الناس باتباع محمد  صلى الله عليه وسلم  أهل الكتاب، وذلك لأسباب:

أحدها: أنه البشارة المرتقبة التي زفها الأنبياء إلى أقوامهم، وخلعوا عليه وعلى أتباعه أجلَّ الأوصاف، وأكرم المعاني، فتعلقت أفئدتهم بذلك النبي المنتظر، قال ـ تعالى ـ: على لسان عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد} [الصف: 6]، وقال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْـمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْـمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْـخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].

والثاني: أنه البينة التي بها افتكاكهم من دوامة الخلاف المرير الذي مزقهم كل ممزق، حتى كفَّر بعضهم بعضاً، وقتل بعضهم بعضاً، قال ـ تعالى ـ: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْـمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة: 1] .

والثالث: أنه فَتْحٌ لأهل الإيمان على أهل الشرك والأوثان، قال ـ تعالى ـ: {وَلَـمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّـمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] .

ولكن هذا التوقع لم يقع إلا بصورة جزئية فردية، فقد تحددت مواقف أهل الكتاب؛ من يهود ونصارى، إبان العهد النبوي، وحين تنزل القرآن. وبدلاً من أن تنضوي زعامتا الديانتين (اليهودية والنصرانية) في الديانة الإسلامية التي تمثل الامتداد الطبيعي لملة إبراهيم عليه السلام؛ ناصبتاها العداء، وتفنَّنتا في ردها، ومحاولة وأدها في مهدها.

ونقصد في هذه المقالة الإلمام بمجمل العلاقات التاريخية بين المسلمين والنصارى؛ بوصفها الجبهة الساخنة ذات الشوكة والمواجهة، والكر والفر، والمد والجزر، على مدار التاريخ، بينما تختفي اليهودية في معظم فترات التاريخ عن الصدارة بسبب القلة العددية، والشتات القومي ليهود، والذلة والمسكنة التي ضربها الله عليهم، دون التقليل من خطرهم وكيدهم الخفي.

 ولا شك أن الإحاطة بتفاصيل ومفردات العلاقات التاريخية بين المسلمين والنصارى عمل موسوعي ضخم؛ يتطلب توافر عشرات الباحثين عليه لِسِعَة رقعته الزمانية والمكانية، وتنوع مادته. والمقصود هنا وضع خطوطٍ عامة بارزة لتكوين خلفية تاريخية، يستصحبها الناظر للأحداث الراهنة، ويستشرف بها المستقبل؛ إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها.

يمكن أن نقسم تاريخ العلاقات الإسلامية ـ النصرانية إلى عدة مراحل متميزة:

* المرحلة الأولى: (المرحلة النبوية):

دعا النبي  صلى الله عليه وسلم  أهل الكتاب عامة، والنصارى خاصةً، إلى الإسلام، والتوحيد، ونبذ الشرك، كما أمره ربه بقوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]. ونهاهم عن مقالة التثليث، والغلو في الدين، فقال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الْـحَقَّ إنَّمَا الْـمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إنَّمَا اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} [النساء: 171]، وشـنَّع عليهم ادعـاء بنـوة المسيح لله ـ سبحانه ـ، فقال: {وَقَالَتِ النَّصَارَى الْـمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30] .

فاستجاب لدعوته  صلى الله عليه وسلم  مَنْ سبقت له من الله الحسنى، والذين أثنى الله عليهم بقوله: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82)وَإذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْـحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 82 - 83]، فاتصلت علائقهم بملة إبراهيم، وآتاهم الله أجرهم مرتين، كما قال ـ تعالى ـ: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون(51) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إنَّهُ الْـحَقُّ مِن رَّبِّنَا إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْـحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [القصص: 51 - 54] .

وأما من أصروا على مقالتهم، وغلبتهم شقوتهم، فقد حكم الله بكفرهم، فقال: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ الْـمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17]، وقال: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِىنَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73]، وأمر نبيه  صلى الله عليه وسلم  والمؤمنين بقتالهم، فقال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْـحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْـجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29].

وقد تذرع النبي  صلى الله عليه وسلم  بكل الوسائل لدعوة زعمائهم، ومراجعهم الدينية والسياسية؛ فكاتب ملوكهم: هرقل عظيم الروم، والمقوقس عظيم القبط، والحارث بن أبي شمر ملك غسان، والنجاشي ملك الحبشة الذي وليهم بعد أصحمة رحمه الله. كما ناظر أساقفتهم حين وفد عليه نصارى نجران، وحاجَّهم وباهَلَهم، ولكن القوم ضنوا بمُلْكهم وشرفهم في قومهم، فمنهم من أعطى الجزية، ومنهم من شهر السيف، وصد عن سبيل الله.

ومن شواهد عداء النصارى للمسلمين في هذه المرحلة:

- حَشْدهم مائتي ألف مقاتل من الروم، ونصارى العرب، في معركة «مؤتة»، مقابل ثلاثة آلاف مجاهد من المسلمين(1).

قَتْلهم فروة بن عمرو الجذامي ـ عامل الروم على من يليهم من العرب ـ لما أسلم، وصَلْبهم إياه(1).

- قَتْلهم «صفاطر» الأسقف لما شهد شهادة الحق، وقد كان مقدماً معظماً عند الروم(2) .

* المرحلة الثانية: من عام 11هـ إلى عام 114هـ:

تضم هذه المرحلة عصر الخلفاء الراشدين، وصدر الإسلام، وعلى وجه التحديد: من وفاة الرسول  صلى الله عليه وسلم ، إلى معركة «بلاط الشهداء» في زمن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، حيث بلغت الدولة الإسلامية الفتية أقصى اتساعها في غرب أوروبا، وشارفت جيوش عبد الرحمن الغافقي ـ رحمه الله ـ على اجتياح فرنسا. وتمثل هذه المرحلة «المرحلة الذهبية» للإسلام مع النصرانية، حيث تم طي بساط النصرانية عن الأقاليم المعمورة؛ في الشام، والعراق، ومصر، المغرب، بل وإسبانيا، وجنوب فرنسا، ونشرت أعلام الإسلام عبر سلسلة متتابعة من الفتوحات السريعة المذهلة، كان قوادها ولحمة سداها أصحـاب محمد  صلى الله عليه وسلم .

يقول برنارد لويس(3): (لقد وصل محمد إلى السلطة والحكم أثناء حياته، وقد أسس بنفسه أول دولة إسلامية، وحَكَمَها مع أصحابه، لقد انتهت مهمة الرسالة الروحية لمحمد بوفاته، ولكن رسالته الدينية والسياسية استمرت على يد خلفائه. وتحت حكم الخلفاء؛ تقدم المسلمون من انتصار إلى انتصار، وبالتالي نشأ خلال قرن واحد كيان شاسع الأصقاع، يمتد من حدود الهند والصين، إلى جبال البيرينيه، وسواحل المحيط الأطلسي. وهو كيان يحكم ملايين الأتباع، وبأعدادٍ هائلة؛ ممن اعتنقوا الدين الجديد... إن تاريخ الدولة الإسلامية المبكر الذي يحظى بالقداسة؛ يشكل جوهر ولب ذاكرة ووعي المسلمين في كل مكان، وهو يحكي قصة الفتوحات السريعة المتواصلة، والتي تساقط أمامها زعماء العقائد الفاسدة التي تضطهد شعوبها.

لقد وصل الإسلام إلى الانتصار النهائي؛ سواء من حيث العقيدة أو السلاح، وأوصل كلمة الله إلى البشرية كلها، وفرض الشريعة الإلهية على العالم كله)(4). (.. وهكذا، فعندما وصل المسلمون في العصور الوسطى إلى صقلية، وإسبانيا، والبرتغال؛ شاهدنا بعد فترة قصيرة عمليات تحول ودخول جماعات كثيرة من النصارى إلى الدين الجديد)(5). ويقول «جيبون»: (لو انتصر العرب في تور ـ بواتييه، لتُلي القرآن وفُسّر في أكسفورد وكمبردج)(6).

* المرحلة الثالثة: من عام 115هـ إلى عام 490هـ.

تشغل هذه المرحلة حيزاً زمنياً طويلاً، يمتد من منتصف العقد الثاني من القرن الثاني الهجري، حيث بلغت الفتوحات الإسلامية أقصى امتدادٍ لها، وآذنت بالانحسار التدريجي البطيء. وينتهي بالإرهاصات السابقة لأولى الحملات الصليبية على بلاد الشام في العقد الأخير من القرن الخامس الهجري، أي ما يقارب أربعمائة سنة تقريباً.

 إن السمة المميزة لهذه المرحلة من ناحية العلاقات الإسلامية النصرانية، على جانبيها الشرقي والغربي (أي في خط المواجهة مع الإمبراطورية البيزنطية شرقاً، والفرنجة غرباً)؛ كونها مرحلة كرٍّ وفرّ، ومناوشات متبادلة، وحماية ثغور، ومعاهدات صلح، وتبادل أسرى، دون أن تشهد إضافة أقاليم كبار لدار الإسلام، كما كان الحال في المرحلة الأولى، وربما كانت الكفة راجحة للجانب الإسلامي في العقود الأولى من هذه المرحلة، وخاصة في خط التماس مع الإمبراطورية البيزنطية، ثم مالت الكفة لصالح الجانب النصراني في أواخر هذه المرحلة، وخصوصاً في بلاد الأندلس.

في النصف الثاني من القرن الخامس؛ وقعت ثلاثة أحداث كبار في تاريخ العلاقات الإسلامية النصرانية:

أولها: معركة «ملاذكرت» أو «مانزكرت» عام 463 هـ/ 1070م، بين جحافل الإمبراطورية البيزنطية بقيادة ملك الروم «أرمانوس»، والسلاجقة السُّنيين بقيادة السلطان ألب أرسلان؛ في معركة من معارك التاريخ الفاصلة، كان الظفر فيها حليف المسلمين(7).

الثاني: سقوط مدينة «طليطلة» بيد «ألفونسو» ملك قشتالة، عام 478 هـ/ 1085م بعد حكم دام 372 سنة(1).

الثالث: استيلاء الفرنج النورمانديين على جزيرة «صقلية» عام 484 هـ/ 1090م(2).

 إن لهذه الأحداث الكبار دلالات كباراً أيضاً:

1 ـ لقد كانت معركة «ملاذكرت» إيذاناً بانهيار الخطر البيزنطي، وإخفاق محاولات النصارى من قِبَل المشرق، ومن ثم التفكير الجاد بالبحث عن سبل أخرى. (ولم تقم للروم مذ ذاك قائمة، وبعدها لم ينفك أباطرة بيزنطة يوفدون البعثات إلى الغرب، يروجون الدعوة للحروب المقدسة)(3).

2 ـ كان سقوط «طليطلة» ـ عاصمة القوط قديماً ـ بيد النصارى إيذاناً بأفول شمس المسلمين في الأندلس، فقد كانت هذه المدينة واسطة عقد المدن الأندلسية، وسُرُّة الجزيرة، وقد عبَّر بعض الشعراء عن هذا المعنى بقوله:

يا أهل أندلس حثوا مطيكم

فما المقام بها إلا من الغلطِ

الثوب ينسل من أطرافه وأرى

ثوب الجزيرة منسولاً من الوسطِ

ونحن بين عدوٍّ لا يفارقنا

كيف الحياة مع الحيات في سفطِ(4)

3 ـ كان سقوط جزيرة «صقلية» بأيدي الفرنج إيذاناً بانتهاء سيادة المسلمين البحرية على بحر الروم (البحر الأبيض المتوسط)؛ بوصفها درة ذلك البحر، وكبرى جزره، والمسيطرة على طرق التجارة والأساطيل فيه. واطمأن النصارى على سلامة عاصمتهم الكبرى «روما» التي هددها الفاتحون المسلمون، وحاصروها عام 231 هـ/ 850 م، في عهد البابا «سرجيوس الثاني»(5).

* المرحلة الرابعة: من عام (490 ـ 690هـ):

تمثل هذه المرحلة فترة الحملات الصليبية المنطلقة من غرب أوروبا النصرانية ووسطها إلى بلاد المشرق الإسلامي (سواحل الشام، ومصر، وآسيا الصغرى)، في سبع حملاتٍ متعاقبة، استغرقت قرابة قرنين من الزمان (490 ـ 690 هـ)، بالإضافة إلى استمرار الزحف النصراني جنوباً على بقية الأندلس المسلمة، وبقية جزر البحر الأبيض المتوسط.

إن السمة المميزة لهذه المرحلة هي انتقال المجابهة النصرانية من الإمبراطورية البيزنطية الأرثذوكسية إلى دول أوروبا الكاثوليكية وغربها؛ بقيادة بابوات روما، وبالتالي انتقال أرض المعركة من الحدود والثغور المتاخمة للإمبراطورية البيزنطية في آسيا الوسطى إلى العمق الإسلامي في السواحل الشامية، وبيت المقدس؛ بسبب عمليات الإنزال البحري التي تقذف بها هذه الحملات، أو الجموع الهوجاء التي تنطلق من الممالك الأوروبية لتلتقي عند أسوار القسطنطينية، وتُفوّج هناك.

ويمكن أن يؤرخ لبدء الحملات الصليبية بالاجتماع الحاشد الذي دعا إليه البابا «أوربان الثاني» في مدينة «كليرمون»، في جنوب فرنسا، في نوفمبر من عام 1096م، وحضره كبار الأساقفة، والأمراء، والإقطاعيين. وقد ألهب البابا حماس المجتمعين بخطبة بليغة مؤثرة أثار فيها العصبية الدينية، بل والأطماع الدنيوية، وقد تمحورت حول أربع ركائز:

الأولى: الدعوة إلى حملة مقدسة هدفها فلسطين؛ استناداً إلى نصوص من الإنجيل.

الثانية: أنه يدعو إلى هذه الحملة باسم الرب؛ بوصفه نائباً عنه في الأرض.

الثالثة: الحث على نبذ الخلافات بين المؤمنين بالمسيح، وتوحيد الجهود.

الرابعة: منح غفران جزئي لكل من يشارك في هذه الحملة؛ سواءً مات في الطريق أو قتل(6).

واستجاب الحاضرون لنداءات البابا التحريضية، وصاحوا جميعاً في ذلك الحقل الفسيح صيحة مدوية، صارت شعاراً في حروبهم المقبلة مع المسلمين قائلين: (الرب يريدها) أو (تلك إرادة الله). ثم شرع البابا أوربان الثاني يجوب أنحاء فرنسا للدعوة إلى حربه المقدسة. كما برز قادة كنسيون شعبيون، من أمثال «بطرس الناسك»، هجروا أديرتهم، وتفرغوا لتهييج الفلاحين والفقراء؛ لإنقاذ مهد المسيح ـ بزعمهم ـ، ودغدغة مشاعرهم بامتلاك الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً(7).

وعلى مدى قرنين من الزمان تمخضت أوروبا الصليبية عن سبع حملات شهيرة موجهة نحو بلاد المشرق الإسلامي، نوجزها بما يلي:

أولاً: الحملة الصليبية الأولى:

تكونت من خمسة جيوش جرارة قدمت من فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، التقت في عاصمة الإمبراطورية البيزنطية «القسطنطينية»، في أواخر عام 1096م، ثم عبرت مضيق البسفور متجهة نحو دولة سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، فسقطت عاصمتهم «نيقيَّة» عام 1097م. وفي الطريق إلى «أنطاكية» جنح قسم من الصليبيين نحو الرها، وكوَّنوا أول إمارة صليبية في قلب العالم الإسلامي. وفي أواخر عام 1097م فرض الصليبيون حصاراً على أنطاكية التي صمدت صموداً باهراً أمام الحصار، لولا خيانة بعض الأرمن المستأمنين على أحد أبراجها، فسقطت في منتصف عام 491 هـ/ 1098م، وهكذا تكونت الإمارة الصليبية الثانية عام 1099م في أنطاكية. وكان الهدف الأخير، والحلم المنشود لهذه الجموع الهادرة مدينة «القدس»، فحاصروها على مدى خمسة أسابيع. قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: (لما كان ضحى يوم الجمعة، لسبع بقين من شعبان، سنة ثنتين وتسعين وأربعمائة، أخذت الفرنج ـ لعنهم الله ـ بيت المقدس شرفه الله، وكانوا في نحو ألف ألف مقاتل، وقتلوا في وسطه أزيد من ستين ألف قتيل من المسلمين، وجاسوا خلال الديار، وتبروا ما علوا تتبيراً)(1).

ثانياً: الحملة الصليبية الثانية:

جاءت هذه الحملة رد فعل بطيء لسقوط إمارة الرها، في عهد البابا «إيجينيوس الثالث» (1145 ـ 1153م)، وتكونت من جيوش ألمانيا، بقيادة الإمبراطور «كونراد الثالث»، وفرنسا، بقيادة ملكها «لويس التاسع»، ووصلت إلى المنطقة نهاية عام 1147م، وقد مُنيت بالإخفاق الذريع، وعاد الملكان الصليبيان يجران أذيال الخيبة(2).

وكان من آثار هذه الحملة على الجانب الإسلامي؛ مزيد من التوحد بين الممالك الإسلامية؛ فقد صارت بلاد الشام جبهة واحدة، تحت قيادة نور الدين محمود، في مواجهة الإمارات الصليبية على امتداد الساحل. وقد تصدى نور الدين محمود زنكي لجهاد الصليبيين، وانتزاع الحصون والبلاد من أيديهم، في بلاد الشام، في وقائع مظفرة، إلى أن توفي ـ رحمه الله ـ سنة تسع وستين وخمسمائة، بعد حياة حافلةٍ بالجهاد في سبيل الله.

وتسلَّم الراية بعده الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، وبعد أربعة عشر عاماً قضاها في لمِّ الشمل، وجمع الكلمة، والقضاء على الفتن الداخلية، والإثخان في الصليبيين، وإصلاح أمور الرعية(3)؛ تهيأ في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة للملحمة الكبرى مع الفرنج، والتي كانت مقدمة ضرورية لفتح القدس؛ فكانت معركة (حطين) الفاصلة في شهر ربيع الآخر، حشد فيها الجانبان قواتهما، وشهدها ملوكهما، ودارت رحى الحرب يومي الجمعة والسبت، لخمس بقين من ربيع الآخر، (ثم أمر السلطان بالتكبير، والحملة الصادقة، فحملوا، وكان النصر من الله عز وجل، فمنحهم الله أكتافهم، فقُتل منهم ثلاثون ألفاً في ذلك اليوم، وأُسر ثلاثون ألفاً من شجعانهم وفرسانهم، وكان في جملة من أسر جميع ملوكهم، سوى قومس طرابلس؛ فإنه انهزم في أول المعركة. واستلبهم السلطان صليبهم الأعظم، وهو الذي يزعمون أنه صُلب عليه المصلوب، وقد غلفوه بالذهب، واللالئ والجواهر النفيسة. ولم يسمع بمثل هذا اليوم في عز الإسلام وأهله، ودمغ الباطل وأهله)(4).

وفي الخامس عشر من شهر رجب من السنة نفسها 583 هـ، سارت جحافل المسلمين إلى بيت المقدس، ففتحوه يوم الجمعة، في السابع والعشرين من رجب، بعد أن بقي بيد عبدة الصلبان اثنتين وتسعين سنة (492 ـ 583 هـ)(5) (1099 ـ 1187م). ثم اتجه صلاح الدين ـ رحمه الله ـ لفتح الحصون الممتنعة، واستنقاذ مدن الساحل الشمالية، حتى كاد يفتح أنطاكية.

ثالثاً: الحملة الصليبية الثالثة:

كان وقع أنباء انتصارات صلاح الدين مؤلماً في أوروبا، حتى إن البابا أوربان الثالث (1185 ـ 1187م) مات من هول الصدمة حين بلغته الأنباء(6). قال ابن الأثير: (ثم إن الرهبان والقسوس، وخلقاً كثيراً من مشهوريهم، وفرسانهم، لبسوا السواد، وأظهروا الحزن على خروج البيت المقدس من أيديهم، وأخذهم البطرك الذي كان بالقدس، ودخل بهم بلاد الفرنج، يطوفها بهم جميعاً، ويستنجدون أهلها، ويستجيرون بهم، ويحثونهم على الأخذ بثأر البيت المقدس. وصوروا المسيح عليه السلام، وجعلوه مع صورة عربي يضربه، وقد جعلوا الدماء على صورة المسيح عليه السلام، وقالوا لهم: هذا المسيح، يضربه محمد نبي المسلمين، وقد جرحه وقتله. فعظم ذلك على الفرنج، فحشروا، وحشدوا حتى النساء)(7).

وقد تكونت الحملة الصليبية الثالثة من كبار ملوك أوروبا، وهم:

الإمبراطور الألماني فردريك بربروسا (1152 ـ 1190م) الذي هلك غرقاً في أحد أنهار آسيا الصغرى، وتمزق جيشه، وملك إنجلترا ريتشارد الأول (1189 ـ 1199م)، وملك فرنسا فيليب أغسطس (1180 ـ 1223م).

وقد وصل الفرنسيون عكا في ربيع الأول سنة سبع وثمانين، ثم وافاهم الإنجليز في جمادى الأولى من السنة نفسها، وحاصروها حصاراً شديداً، واستبسل أهلها وحاميتها في الدفاع عنها، ومن ورائهم الملك صلاح الدين، يُمدهم بالمؤن والأقوات عن طريق البحر، حتى سقطت بأيدي الفرنج في السابع من جمادى الآخرة. وقتل الفرنج ثلاثة آلاف أسير من أهلها صبراً ـ رحمهم الله ـ.

ولم تتمكن هذه الحملة ـ التي علقت عليها الآمال ـ تحقيق أهدافها؛ من استعادة بيت المقدس ومدن الساحل، رغم ما بذلوه من محاولات، وتكبدوه من خسائر، وهزائم متكررة. وانحصرت مكاسبهم في الاستيلاء على عكا التي دافع عنها صلاح الدين الأيوبي سبعة وثلاثين شهراً. وحاولوا أخذ عسقلان، فصدهم المسلمون حتى يئسوا، وطلبوا الصلح والأمان. وجرت الهدنة بين المسلمين والنصارى في السابع من شعبان من سنة ثمان وثمانين وخمسمائة؛ على وضع الحرب ثلاثين سنة ونصف. وعاد ملوك أوروبا يجرّون أذيال الخيبة، وعاد صلاح الدين إلى بيت المقدس يصـلح شؤونها، ثـم إلى دمشق حيث توفي ـ رحمه الله ـ جاهداً مجاهداً، في السابع والعشرين من شهر صفر، سنة تسع وثمانين وخمسمائة(1).

رابعاً: الحملة الصليبية الرابعة:

كان هدف هذه الحملة «مصر»، وذلك في عهد البابا «إنوسنت الثالث» (1198 ـ 1216م)، ولكن مسار الحملة انحرف عن القاهرة إلى القسطنطينية؛ تحقيقاً لأحلام بابوية روما القديمة في القضاء على الكنيسة البيزنطية الأرثذوكسية، فدمروا المدينة الحصينة ونهبوها، وقتلوا إخوة الدين، وكفى الله المؤمنين القتال، سوى فرق قليلة من هذه الحملة اتحدت مع المستوطنين في بلاد الشام من الصليبيين. قال ابن كثير: (ثم إن الفرنج قصدوا بلاد الشام، وقد تقووا بملكهم القسطنطينية، فنزلوا عكا، وأغاروا على كثيرٍ من بلاد الإسلام من ناحية الغور، وتلك الأراضي، فقتلوا وسبوا، فنهض إليهم العادل أبو بكر بن أيوب أخو صلاح الدين، وكان بدمشق، واستدعى الجيوش المصرية والشرقية، ونازلهم بالقرب من عكا، فكان بينهم قتال شديد، وحصار عظيم، ثم وقع الصلح بينهم والهدنة، وأطلق لهم شيئاً من البلاد، فإنا لله وإنا إليه راجعون(2).

خامساً: الحملة الصليبية الخامسة:

استهدفت هذه الحملة مصر أيضاً، وانطلقت قوات الصليبيين من عكا على الساحل الشامي، ونزلت على «دمياط»، وذلك سنة خمس عشرة وستمائة. وفي تلك الأثناء توفي الملك العادل، فسقطت دمياط وما وراءها. ثم سار الصليبيون متجهين نحو القاهرة، ونازلهم المسلمون في مواقع كثيرة، حتى إن الملك الكامل (عرض عليهم في بعض الأوقات أن يرد إليهم بيت المقدس، وجميع ما كان صلاح الدين فتحه من بلاد الساحل، ويتركوا «دمياط» فامتنعوا من ذلك، ولم يفعلوا. فقدر الله ـ تعالى ـ أنها ضاقت عليهم الأقوات، فقدم عليهم مراكب فيها ميرة لهم، فأخذها الأسطول البحري، وأرسلت المياه على أراضي «دمياط» من كل ناحية، فلم يمكنهم بعد ذلك أن يتصرفوا في أنفسهم، وحصرهم المسلمون من الجهة الأخرى، حتى اضطروهم إلى أضيق الأماكن، فحينئذٍ أنابوا إلى المصالحة بلا معاوضة)(3). وكان ذلك سنة ثمان عشرة وستمائة. يقول د. قاسم عبده قاسم: (كانت الحملة ضد دمياط آخر محاولات البابوية لتوجيه حملة صليبية تحت قيادتها فقط، ولحسابها منفردة)(4).

سادساً: الحملة الصليبية السادسة:

قائد هذه الحملة هو الإمبراطور الألماني المحنك فردريك الثاني (1215 ـ 1250م)، والذي استغل تفرق حكام الدولة الأيوبية، وروح الضعف والمسالمة التي أبداها الملك الكامل أثناء حصار دمياط، فحقق عن طريق السياسة مكاسب لم تحققها الحملات الصليبية العسكرية الضخمة! فقد قدم فلسطين بستمائة فارس فقط، وأسطول هزيل(5)، ومع ذلك رجع وقد تسلم بيت المقدس! ويصف ابن كثير هذه الملابسة العجيبة، في أحداث سنة ست وعشرين وستمائة، فيقول: (استهلت هذه السنة، وملوك بني أيوب مفترقون، مختلفون، قد صاروا أحزاباً وفرقاً، وقد اجتمع ملوكهم إلى الكامل محمد صاحب مصر، وهو مقيم بنواحــي القدس الشـــريف، فقويت نفـــوس الفرنج ـ لعنهم الله ـ بكثرتهم بمن وفد إليهم من البحر، وبموت المعظم، واختلاف مَنْ بعده من الملوك، فطلبوا من المسلمين أن يردوا إليهم ما كان الناصر صلاح الدين أخذ منهم، فوقعت المصالحة بينهم وبين الملوك أن يردوا لهم بيت المقدس وحده! وتبقى بأيديهم بقية البلاد. فتسلموا القدس الشريف، وكان المعظم قد هدم أسواره، فعظم ذلك على المسلمين جداً، وحصل وهن شديد، وإرجافٌ عظيم. فإنا لله وإنا إليه راجعون)(6).

وظل بيت المقدس بيد الصليبيين عشر سنين (626، 636هـ)، (1229 ـ 1239م). وما أن انقضت سني الهدنة حتى هجم الصليبيون على جنوب فسلطين، فقاتلهم الأيوبيون في غزة سنة ست وثلاثين وستمائة، وهزموهم شر هزيمة، ثم استنقذوا بيت المقدس في السنة نفسها، وظلت بأيدي المسلمين، حتى استولى عليها الإنجليز، ثم اليهود الصهاينة، في العصور الأخيرة(1).

سابعاً: الحملة الصليبية السابعة:

كانت هذه الحملة موجهة أيضاً إلى مصر، لكن دون المرور بعكا معقل الصليبيين في السواحل الشامية، بل انطلقت من ميناء مرسيليا الفرنسي بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا، ونزلت قبالة «دمياط»، وذلك في آخر حياة الملك الصالح أيوب، (فهرب من كان فيها من الجند والعامة، واستحوذ الفرنج على الثغر، وقتلوا خلقاً كثيراً من المسلمين)(2). ثم توفي الملك الصالح في تلك الأثناء، واستدعي ابنه الملك المعظم توران شاه. وفي مطلع السنة التالية، سنة ثمانٍ وأربعين وستمائة (في ثالث المحرم، يوم الأربعاء، كان كسر المعظم توران شاه للفرنج على ثغر دمياط، فقتل منهم ثلاثين ألفاً، وقيل مائة ألف، وغنموا شيئاً كثيراً ولله الحمد، ثم قتل جماعة من الأمراء الذين أُسروا، وكان فيمن أُسر ملك الفرنسيين وأخوه)(3). وقد أفرج عنه فيما بعد لقاء فدية كبيرة، والانسحاب عن دمياط. وقد كانت هذه الحملة آخر حملة صليبية على مصر(4)، بل كانت آخر حملة صليبية ذات بال على المشرق الإسلامي.

 وبعد أن آل الأمر إلى دولة المماليك الفتية التي قضت على الهجوم التتري الكاسح في عين جالوت سنة 658 هـ، اتجه القائد المظفر الظاهر بيبرس البندقداري (658 ـ 676 هـ) إلى تصفية الوجود الصليبي في بلاد الشام بحزم وعزم وصرامة، فتهاوت معاقل النصارى واحدة تلو الأخرى، في موسم حصاد رابح، وحصل الفتح الكبير لأنطاكية بعد أن ظلت أسيرة بيد الصليبيين أكثر من مائة وخمسين عاماً.

 وتابع السلطان المنصور قلاوون فتوح سلفه بيبرس، ثم ابنه السلطان الأشرف خليل، حتى سقط المعقل الأخير للصليبيين في بلاد الشام ميناء «عكا» سنة (690 هـ/ 1291م)؛ مؤذناً بنهاية الوجود الصليبي على أرض الإسلام، بعد مائتي عامٍ تماماً من حملتهم الأولى(5).

وفي الوقت الذي كانت تدور فيه رحى حرب صليبية في المشرق الإسلامي؛ كانت تجري أحداث مشابهة في الساحة الأندلسية؛ إذ لم تشترك «إسبانيا النصرانية» في الحملات الصليبية المتجهة إلى بيت المقدس؛ لأنها كانت تخوض حرباً صليبية حامية الوطيس في عقر دارها، هدفها طرد المسلمين من شبه الجزيرة الأيبيرية، وإعادتها إلى المنظومة الأوروبية، والكنيسة الكاثوليكية.

فبعد سقوط «طليطلة» الخطير، مستهل ثمانٍ وسبعين وأربعمائة (478 هـ/ 1085م)؛ لم يوقف تقدم الإسبان الجارف لالتهام دويلات ملوك الطوائف إلا جواز أمير المرابطين، يوسف ابن تاشفين (463 / 500 هـ) إلى البر الأندلسي، والتحام المسلمين والنصارى في سهل «الزلاقة» في معركة فاصلة من معارك التاريخ الكبرى، كان النصر فيها حليف المسلمين، في الثاني عشر مـن شــهر رجـب، ســنة تسع وسبعين وأربعمائة (479 هـ/ 1086م)(6). وكان من ثمرات هذه المعركة إلى جانب وقف الزحف النصراني؛ إنهاء عهد ملوك الطوائف، وتوحيد الأندلس المسلمة تحت راية المرابطين، إلى أن سقطت دولتهم سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، تحت مطارق الموحدين في البر المغربي، والنصارى في الأندلس.

انبعثت روح الجهاد الإسلامي في بلاد المغرب مع دولة «الموحدين» الفتية، في الوقت الذي انبعثت فيه هذه الروح على يد «آل زنكي»، ثم «آل أيوب» في بلاد المشرق الإسلامي. فقد قام عبد المؤمن بن على الموحدي بشن غاراتٍ برية وبحرية على ثغر «المهدية»، على الساحل التونسي، واستعادها من الفرنج النورمانيين حكام صقلية، بعد أن بقيت رهينة بأيديهم اثنتي عشرة سنة. وذلك سـنة خمس وخمسين وخمسمائة (555 هـ / 1160م).

وجاءت الوفود الأندلسية تستنصر إمام الموحدين عبد المؤمن ابن علي القيسي في الدين، فجاز البحر في سنة ست وخمسين وخمسمائة (556 هـ/ 1161م)، وضم ممالك الأندلس ومدنها تحت راية الموحدين، وأثخن في النصارى، حتى توفي سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وقد حشد حملة عسكرية ضخمة كانت مؤهلة للقضاء على ممالك النصارى الخمس شمال الجزيرة. وخلفه في جهاد النصارى ابنه أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن الذي قضى أربعة عشر عاماً في الفتوح ومناوشة الأعداء، حتى قضى نحبه في معركة «شنترين» سنة ثمانين وخمسمائة (580 هـ/ 1184م)(7).

وبعد خطاب تحدٍ واستفزاز بعث به ألفونسو الثامن ملك قشتالة، إلى سلطان الموحدين أبي يوسف يعقوب بن يوسف المنصور؛ كتب سلطان الموحدين أبو يوسف على ظهره مجيباً: «{ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهَُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل: 37]، الجواب ما ترى، لا ما تسمع!» التقى جحفلان عظيمان، كأمثال الجبال، حشد فيها كل طرف وسعه، يوم التاسع من شعبان، سنة إحدى وتسعين وخمسمائة (591 هـ/ 1195م)، في معركة فاصلة عُرفت باسم «الأرَك»، انتصر فيها الموحدون، تذكِّر بمعركة «الزلاقة» التي انتصر فيها المرابطون قبل أكثر من مائة عام في سنة (479 هـ). وسار الموحدون الظافرون يخترقون الأراضي القشتالية، حتى بدت لهم مشارف «طليطلة» معقل النصارى، فحاصروها ولكنها امتنعت، فأعقب ذلك هدنة. وهكذا أوقفت موقعة «الأرَك» زحف النصارى البطيء عشـرين سنة لاحقة.

وابتدأ الوهن في جانب الموحدين إثر موقعة «العقاب» التي مُني فيها أبو عبد الله محمد الناصر، سلطان الموحدين، بهزيمة فادحــة، وذلك سـنة تسـع وستمائة (609 هـ/ 1212م)، أعقبها انتكاسات خطيرة في النصف الأول من القرن السابع الهجري. فقــد ســقطت «مـاردة» و «بطليوس» سنة ثمان وعشرين، «وأبدة» سنة إحدى وثلاثين، و «قرطبة» سنة ثلاثٍ وثلاثين، ثم «بلنسية» و «شاطبة» و «دانية» سنة ستٍ وثلاثين، ثم «مرسية» سنة إحدى وأربعين، وأخيراً «إشبيلية» سنة ستٍ وأربعين وستمائة.

وهكذا تهاوت حواضر الأندلس الشهيرة، الواحدة تلو الأخرى في ملحمة مأساوية، وبدت الأندلس المسلمة في النصف الثاني من القرن السابع تسير نحو مصيرها المحتوم، وخاتمتها البائسة، لولا نفحة ربانية أجراها الله ـ تعالى ـ على أيدي «المرينيين»، أنعشت الوجود الإسلامي في جنوب الجزيرة، المتمثل في مملكة بني الأحمر في «غرناطة»، والذين لم تفدهم مصانعتهم للنصارى في تجنب استنزافهم إياهم، واستنقاصهم أراضيهم من أطرافها، فاستنجد بنو الأحمر بأخوَّة الدين، فهب أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني لنجدتهم، وتمكن من دحر النصارى سنة أربعٍ وسبعين وستمائة (674 هـ/ 1275م)، وقتل قائدهم «دونونة»، الذي عاث في أرض المسلمين قتلاً، ونهباً، وفساداً. ثم سار، فحاصر «إشبيلية»، و «شريش» سنة خمسٍ وسبعين، وتوغل في أراضي النصارى سنة سبعٍ وسبعين. كما تمكن الأسطول المريني من الانتصار على الأسطول القشتالي في معركة بحرية، سنة ثمان وسبعين وستمائة، أسفرت عن تحرير «الجزيرة الخضراء»، التي أراد النصارى بالاستيلاء عليها قطع الطريق على المدد الآتي من المغرب الإسلامي. واضطر «شانجة» ملك قشتالة إلى طلب الصلح من المسلمين. وهكذا اكتشف النصارى أن من الخير لهم الرضى بوجودٍ إسلامي محدود في جنوب الأندلس، دون المخاطرة بعمل عسكري أحمق يثير حمية المسلمين في العَدْوة المقابلة، فيتعرضون لحملة إسلامية لا يستطيعون التنبؤ بآثارها. وقد أجّلت هذه التحسُّبات والمخاوف دولة بني الأحمر قرنين من الزمان، إلى أن سقطت آخر الحواضر الإسلامية من بلاد الأندلس مدينة غرناطة، في الثامن من ربيع الأول، سنة سبعٍ وتسعين وثمانيمائة (897 هـ/ 1492م). ولله الأمر من قبل ومن بعد(1).

 لقد كانت حرب الاستعادة الإسبانية ـ Spanish Recconquest  ـ كما يسميها المؤرخون النصارى، حرباً صليبية صرفة، تقف خلفها حركة الإصلاح الكلوني التي ولدت في «دير كلوني»، في مطلع القرن العاشر الميلادي (910م)، وأشعلت فكرة الحرب المقدسة ضد المسلمين الغزاة الذين استولوا على الممالك النصرانية. فقد أكد البابا جريجوري السابع أن إسبانيا جزءٌ من أرض القديس بطرس، وأن الجزيرة الأيبيرية جزء لا يتجزأ من الجسد المسيحي. كما حرَّم البابا «باسكال الثاني» (1099 ـ 1118م)، وكان راهباً كلونياً، على الفرسان الإسبان المشاركة في الحروب الصليبية في الشرق(2)، وذلك لأولوية المشاركة في الحرب الصليبية في الغرب على أرض الأندلس.

 

*  المرحلة الخامسة: (690 هـ ـ 1213هـ):

لم تكد تُطوى صفحة الصليبيين في بلاد الشام، وهم يستقلون مراكبهم هاربين مـن عـكا سـنة تسعين وسـتمائة (096 هـ/ 1291م)؛ حتى فتحت صفحة جديدة من صفحات المواجهة الإسلامية النصرانية، لكن ميدان المعركة انتقل هذه المرة إلى الطرف الآخر، وعلى وجه التحديد:  الحدود الشرقية للإمبراطورية البيزنطية، والمتاخمة لممالك السلاجقة المسلمين.

لقد شهد النصف الأخير من القرن السابع الهجري نشأة إمارة صغيرة لقومٍ من الترك النازحين إلى هضبة الأناضول، فراراً من بطش المغول، وإثر مشاركتهم في بعض المعارك المحلية منحهم سلطان «قونيه» ثغراً على حدود سلطنته مع الإمبراطورية البيزنطية، انطلق منه هؤلاء المجاهدون يُثخنون في الأرض، ويوسعون نفوذهم، حتى تأسست لهم دولة مستقلة على يد أميرهم عثمان بن أرطغرل، صارت فيما بعد أطول دولة في التاريخ عمراً، عرفت باسم الدولة العثمانية(1).

 اتجه آل عثمان إلى قتال الروم، ووطئت أقدامهم أراضٍ لم يطأها فاتح مسلمٌ من قبل. فقد تمكن السلطان عثمان (699 ـ 627 هـ) من توسعة الإمارة التي ورثها عن أبيه أرطغرل أكثر من ثلاثة أضعاف ما كانت عليه، وتمكن من النفاذ إلى بحر «مرمرة» سنة سبع وسبعمائة. وفي آخر أيامه تم فتح مدينة بيزنطية عظيمة هي «بروسه»، فنقل إليها خليفتُه وابنه السلطان «أورخان» كرسي مملكته؛ ليكون قريباً من ساحات الفتوحات الجديدة في أوروبا الشرقية، فافتتح مدينة «نيقوميدية»، و«أزينق» من بلاد اليونان، وفتح مدينة «غليبولي» التي تعد مفتاح القسطنطينية؛ في سنة ثمانٍ وخمسين وسبعمائة. وفي عهد ابنه السلطان الشهيد «مراد الأول» (761 ـ 297 هـ) تم فتح «أدرنة»، في العام التالي لحكمه، ونقل إليها عاصمة مملكته، وأخضع معظم الأراضي البيزنطية؛ بحيث صارت «القسطنطينية» محاصرة تماماً بالأراضي العثمانية، والتي بلغت حدود مملكة الصرب، وبلغاريا، وألبانيا. وقد تحالف ملوك البوسنة، وصربيا، والمجر ضد العثمانيين إثر سقوط أدرنة، بمباركة وتأييد من البابا «أربانوس»، وهاجموا المدينة المفتوحة، فهزمهم السلطان عندها هزيمة منكرة في سنة خمسٍ وستين وسبعمائة (567 هـ/ 3631م).

وتتواصل الفتوح العثمانية حتى تسقط بلغاريا في أيدي المسلمين، ويأسرون أميرها. وأمام هذا السيل الجارف من الانتصارات؛ يتحالف أمراء أوروبا الشرقية ضد السلطان مراد الأول، فتدور معركة حامية الوطيس من معارك الإسلام الفاصلة سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة (297 هـ/ 9831م)، عرفت باسم «قوصووه»، ينتصر فيها العثمانيون، ويؤسر ملك الصرب، ويُقتل. ولكن السلطان مراد يقضي نحبه بطعنة غادرة من جندي صربي، وهو يتفقد ساحة المعركة. وقد خلَّف أراضيَ شاسعة، تبلغ خمسة أضعاف ما ورثه عن أبيه أورخان، في مدى ثلاثين سنة تقريباً قضاها ـ رحمه الله ـ في الفتوح والجهاد.

 وفي عهــــد ابنـــه الســـلطان «بايـــزيد الأول»، الملقــــب بـ «الصاعقــة»؛ اســـتمرت الجيوش العثمانيــة النظامية المعروفة بـ «الإنكشارية» تنتقص أوروبا من أطرافها بطموحات عالية، وهمة ماضية، ففتح رومانيا، وألبانيا، وجزيرة رودس، وحاصر «القسطنطينية» سبعة أشهر كاملة. فقام ملك المجر «سيجسموند» بالاستنجاد بالبابا لتكوين حملة صليبية أوروبية، حملت شعار: (سحق الأتراك أولاً، ثم احتلال القدس). وتجمعت جيوش مَجَريَّة، وألمانية، وفرنسية، وإنجليزية، وإيطالية، وإسبانية، بلغ تعدادها مائة ألف مقاتل، وعبرت نهر الدانوب، لتصطدم بجيوش بايزيد الصاعقة، على مقربة من مدينة نيكوبولي «نيقوبوليس»، فتُصعق بهزيمة نكراء سنة تسع وتسعين وسبعمائة (997 هـ/ 6931م)، كانت هزيمة لأوروبا كلها على يد آل عثمان.

 لقد كان بايزيد الصاعقة يطمح إلى اجتياح أوروبا كلها وكان الأوروبيون يدركون ذلك، فحينئذٍ يتجدد الحلف (النصراني ـ المغولي) الذي سبق أن أبرمه النصارى مع «هولاكو»، لكن في هذا المرة مع طاغية مغولي آخر هو «تيمورلنك»؛ فـ (في سنة اثنتين وثمانيمائة اجتمع كثير من ملوك الروم الذين اقتلع ملكهم السلطان يلدرم(2) بايزيد، وساروا إلى تيمور مستغيثين به، يشكون إليه من السلطان بايزيد، ويرغّبونه في المسير إلى الروم، يستنجدون به عليه في رد ممالكهم، فأجاب تيمور سؤالهم، وسار بجيوش كثيرة...)(3). وكانت نهاية هذا السلطان المجاهد أن وقع أسيراً في يد تيمور، وتوفي في عاصمته تبريز.

قام السلطان «محمد الأول» (816 ـ 428 هـ) بلمِّ شعث الدولة بعد تمزيقها، وإخماد الفتن والانشقاقات، حتى استقرت الأمور، وخلفه ابنه السلطان «مراد الثاني» (824 ـ 558 هـ)، وجرت بينه وبين ملوك أوروبا وبابواتها حروبٌ وملاحم عظيمة، تراوحت بين نصر وهزيمة،ٍ ولكنها أسفرت في نهاية المطاف عن إخضاع الصرب، والبوسنة، وبلاد المورة، وضرب الجزية على الأقاليم المجاورة.

 ولما آل الأمر إلى «محمد الثاني» (855 ـ 688 هـ) الملقب بالفاتح، استهل ولايته بالتهيؤ لفتح القسطنطينية، فتم ذلك فعلاً سنة سبعٍ وخمسين وثمانيمائة (758 هـ/ 3541م)، وكان حدثاً مهماً اهتز له العالم الإسلامي فرحاً وسروراً، وهز أوروبا وسائر النصارى في العالم حزناً وثبوراً. وسقطت الدولة البيزنطية العريقة، وعُدّ ذلك التاريخ مبدءاً للتاريخ الحديث؛ لجلالة المناسبة، وعميق آثارها. وتحولت مدينة قسطنطين «القسطنطينية» إلى مدينة الإسلام «إسلامبول»، وصارت كنيستها العظمى «أياصوفيا» جامعاً للمسلمين(1).

وقد تابع السلطان محمد فتوحاته حتى أخضع بلاد المورة، والصرب، والبوسنة، والأرناؤوط، وألبانيا، إلى سنة إحدى وسبعين وثمانيمائة (178 هـ/ 7641م). ثم ولَّى وجهه نحو بلاد القرم، فأخضعهــا ســـنة تســع وسبعين وثمانيمائة (978 هـ/ 5741م). أما أهم دولتين في أوروبا ذلك العهد؛ وهما جمهوريتا البندقية، وجنوة، فقد اضُطرتا للصلح مع السلطان محمد الفاتح، والتنازل عن كثيرٍ من المواقع.

لقد كان النصف الثاني من القرن التاسع الهجري يمثل قمة تألق الدولة العثمانية، وقوتها، ونفوذها؛ بحيث لا تساميها دولة من دول العالم آنذاك. وكان فاتح القسطنطينية يطمح إلى فتح «روما» معقل البابوية؛ لولا أن عاجله الأجل سنة ست وثمانين وثمانيمائة (688 هـ/ 1841م)، بعد حكم دام أكثر من ثلاثين سنة، أبلاها في الحروب، والفتوح، وتسطير الأمجاد الخالدة، رحمه الله رحمة واسعة.

وفي نهاية القرن التاسع سجل التاريخ ثلاثة أحداث كبار:

1 ـ سنة ستٍ وثمانيمائة (688 هـ/ 1481م) وصل الرحالة البرتغالي «فاسكو دي جاما» إلى الهند؛ عن طريق رأس الرجاء الصالح.

2 ـ سنة سبعٍ وتسعين وثمانيمائة (798 هـ/ 2941م) وصل الرحالة الإسباني «كريستوفر كولومبس» إلى إحدى جزر الهند الغربية، كما كان يظن، وتم اكتشاف قارة أمريكا.

3 ـ في العام نفسه كان سقوط «غرناطة»، آخر ممالك المسلمين في الأندلس، على يد النصارى الإسبان، وجرى طرد المسلمين من إسبانيا إلى الشمال الإفريقي.

لقد كان للحدثين الأولين آثار استراتيجية واقتصادية بالغة الأثر في تغيير ميزان القوى لصالح الغرب النصراني، كما كان للحدث الثالث أثر نفسي في رد الاعتبار، والثأر الديني لنصارى أوروبا لقاء الهزائم المتكررة التي مُنوا بها في الجانب الشرقي من قارتهم، ولا سيما سقوط القسطنطينية.

وتجددت الأمجاد الإسلامية في عهد أشهر سلاطين «آل عثمان»، وهو السلطان «سليمان القانوني» (926 ـ 479 هـ)، الذي هز أركان أوروبا بفتوحاته العظام، وجهاده الدؤوب، في كل صوب. ومن أشهر مآثره:

\ فتح «بلغراد» سنة سبع وعشرين وتسعمائة (729 هـ/ 1251م).

\ هزيمة الجيش المجري، وحلفائه الألمان، والنمساويين في معركة «موكر».

\ حصار «فيينا» عاصمة النمسا سنة خمسٍ وثلاثين وتسعمائة (539 هـ/ 9251م).

\ تجريد حملة عثمانية بقيادة السلطان، عُرفت باسم الحملة العثمانية على ألمانيا، لتأديب أسرة «هابسبرج» العريقة، اخترقت البلقان، والمجر، والنمسا، وصولاً إلى ألمانيا، فاضطر فرديناند ملك النمسا؛ إلى التوقيع على معاهدة صلح مذلة، ودفع جزية سنوية قدرها ثلاثون ألف دوق ذهباً للخزينة العثمانية.

\ استعادة مدينة «بودين» المجرية سنة ثمانٍ وأربعين وتسعمائة (849 هـ/ 1451م)، وتحويل أضخم كنائسها إلى جامعٍ للمسلمين، وتعيين ملكٍ للمجر من قِبَل السلطان.

\ القضاء على حملة صليبية بإشراف البابا بول الثالث، ومشاركة ملكي النمسا والمجر سنة إحدى وخمسين وتسعمائة (159 هـ ـ 3451م)، وإلزامهما بدفع الجزية.

كانت هذه الانتصارات المجيدة في ميادين القتال البرية، يقابلها على ثبج البحار انتصارات مماثلة جعلت من البحر الأبيض المتوسط شبه بحيرة عثمانية، تروح فيها أساطيلهم وتغدو، كما جحافلهم البرية، فمن أشهر الوقائع البحرية في عهد السلطان سليمان القانوني:

1 - فتح جزيرة «رودس» سنة ثمانٍ وعشرين وتسعمائة (829 هـ/ 2251م).

2 - كسر الأسطول الصليبي المتحالف في موقعة «بَرَوَزة» سنة خمسٍ وأربعين وتسعمائة (549 هـ/ 8351م)، الذي دعا لتكوينه البابا «بول الثالث»، وقاده أشهر القادة البحريين في العالم حينذاك «أندريا دوريا»، وضم ثلاثمائة قطعة بحرية. فهزمهم القائد العثماني «خير الدين برباروس»، والذي لم يكن تحت يده سوى مائة وعشرين قطعة.

3 - هزيمة أسطول «شرلكان» ملك الألمان سنة ثمان وأربعين وتسعمائة (849 هـ/ 1451م)، وصده عن مهاجمة الجزائر.

4 - تحرير «طرابلس الغرب» من احتلال فرسان مالطة النصارى، ومحاصرتهــم ســنة تسـع وخمسين وتسعمائة (959 هـ/ 2551م)، على يد قبطان البحر العثماني «طورغود رئيس».

5 - كما قامت القوات البحرية العثمانية بأربع حملات بحرية تأديبية للبرتغاليين المعتدين على مسلمي الهند، بعد اكتشافهم طريق رأس الرجاء الصالح، منذ عام أربعٍ وأربعين وتسعمائة (944 هـ/ 8351م) إلى أربعٍ وستين وتـسعمائة (964 هـ/ 7551م).

توفي السلطان سليمان القانوني، بعد حكم دام ثمانٍ وأربعين سنة، عام أربعٍ وسبعين وتسعمائة (974 هـ/ 6651م). يقول الدكتور محمد حرب: (كان عهد القانوني قمة العهود العثمانية، سواءً في الحركة الجهادية، وفي الناحية المعمارية، والعلمية، والأدبية، والعسكرية. كان هذا السلطان يؤثر في السياسة الأوروبية تأثيراً عظيماً، وبمعنى أوضح؛ كان هو القوة العظمى دولياً في زمنه، نعمت الدولة الإسلامية العثمانية في عهده بالرخاء والطمأنينة)(1).

شهد آخر القرن العاشر، بعد وفاة سليمان القانوني، فتح العثمانيين لجزيرة «قبرص»، وانتزاعها من أهل «البندقية»، سنة تسع وسبعين وتسعمائة (979 هـ/ 1751م)، ثم أعقبه اتحاد نصراني مكون من إسبانيا، والبندقية، والبابوية، أخذوا المسلمين على حين غرة، وهزموهم في معركة «لينتر البحرية»، في السنة نفسها.

أما القرن الحادي عشر الهجري فقد كان قرناً جهادياً، حافظ العثمانيون فيه بشكلٍ عام على تفوقهم العسكري، وأخضعوا الشعوب الأوروبية المتمردة، كما أضافوا عدداً من الفتوحات والانتصارات المهمة.

ومن أبرز أحداث ذلك القرن على صعيد العلاقات الإسلامية النصرانية:

1 ـ فتوح في المجر، زمن السلطان «محمد الثالث» (1003 - 2101 هـ)، ثم نصر عظيم على التحالف الأوروبي في سهل «كرزت»، سنة أربعٍ بعد الألف (4001 هـ/ 6951م).

2 ـ تأديب المتمردين من أهل بولونيا، وهم من القوزاق، والقضاء على المتحالفين معهم من الروس، والفرنسيين، والنمساويين، سنة ثلاثين بعد الألف (0301 هـ/ 1261م)

3 ـ انتزاع جزيرة «كريت» من البنادقة، سنة ثمانين بعد الألف (0801 هـ/ 1669م).

4 ـ غزو بولندا سنة ثلاث وثمانين بعد الألف (3801 هـ/ 1672م).

5 ـ حصار مدينة «فيينا» سنة إحدى وتسعين (1901 هـ/ 1680م)، ثم حصارها مــرة ثانية ســـنة أربعٍ وتســعين (4901 هـ/ 1683م)، وتم فك الحصار على أيدي قوات مشتركة من النمسا، وألمانيا، وبولونيا، وسائر الأمم الأوروبية، وأوقعت بالمسلمين خسائر فادحة. ويبدو أن هذه الحادثة رفعت معنويات النصارى المنحطة، وأيقظت فيهم روح الأمل في التحرر من الهيمنة العثمانية. ويصف أحمد زيني دحلان  تلك التغييرات بقوله: (.. وبعد تلك الوقائع الشديدة، والحروب المهولة، أخذ البابا يحرض أهل أوروبا على طرد المسلمين من قرة بلادهم، فاجتمعت العساكر من كل الجهات، وعزموا على إخراج المسلمين من أوروبا... وزحفوا على بلاد الدولة العثمانية من جميع الأطراف، فكانت عساكر الدولة تحارب الإفرنج من جملة أماكن، والبابا يحرض الإفرنج على التجلد والقتال، وأنجدهم بجيوش كثيرة)(2).

وفعلاً؛ مُني العثمانيون في نهاية القرن الحادي عشر بخسائر فادحة، بلغت إلى حد حصار النمساويين لبلغراد. وبعد معارك متعددة في عهد السلطان «مصطفى الثاني» (6011 هـ/ 1615م) تراوحت بين النصر والهزيمة؛ وقعت معاهدة «كارلونز» سنة عشر ومائة بعد الألف (011 هـ/ 1699م).

 لقد تم في هذه المرحلة نشر الإسلام في مواطن كثيرة من آسيا، وأوروبا، لم تبلغها دعوة الإسلام من قبل، واعتنقت شعوب وأعراق بأكملها هذا الدين في فترة وجيزة. فقد اعتنق الألبان الإسلام، وظلوا يشكِّلون غالبية سكان ألبانيا على الرغم من عمليات التهجير والاضطهاد النصراني، والشيوعي، والتي تمت فيما بعد. كما دخل «البوغوميليون»(3) في دين الإسلام أفواجاً، في بلاد البوشناق، وبلغاريا، وغيرهما. كما انتشر الإسلام في رومانيا، واليونان، وقبرص. وكذلك الحال في الجانب الآسيوي من القرم، والشراكسة «الداغستان» وغيرهم. وامتزجت هذه القوميات في هذا الكيان الإسلامي الكبير، وانتقلت أعداد كبيرة من الألبان، والأرناؤوط، والشركس، والقرم إلى المشرق الإسلامي؛ في مصر، والشام، والعراق. كما استقر عشرات الآلاف من الأتراك المسلمين في البلاد المفتوحة شرق أوروبا، وأشادوا معالم الإسلام التي لا تزال شواهدها باقية حتى يومنا هذا في دول البلقان. وصار المسلمون ـ على الرغم من كل ما تعرضوا له من صنوف القهر والفتنة، ولا يزالون ـ جزءاً لا يتجزأ من بنية الشعوب الأوروبية الشرقية. ولولا الوضع القلق، والفتن، والقلاقل المتتابعة، لاعتنقت تلك الشعوب الإسلام بالكلية.

أما القرن الثاني عشر الهجري، فقد كان قرن المجابهة مع الروس الذين نهضت دولتهم على يد قيصرهم «بطرس الأكبر»، والذي اعتدى على الأراضي العثمانية في «أزاق»، فأعلنت إستانبول الحرب على روسيا سنة ثلاث وعشرين بعد المائة والألف (3211 هـ/ 1711م)، وانتصرت على القوات الروسية عند نهر «بروث»، حتى حاق الخطر بالقيصر، فلجأت زوجته «كاترينا» إلى إبرام معاهدة «بروث» المذلة لهم. ثم استغلت روسيا انشغال العثمانيين بمحاربة العجم فتحالفت مع النمسا، وأشهرت الحرب ضدهم، فمنيتا بالهزيمة سنة ثمانٍ وأربعين (8411 هـ/ 5371م).

وهكذا انقضى النصف الأول من القرن الثاني عشر، وكفة المسلمين راجحة على الروس، بالإضافة إلى استرجاع بلاد المورة من جمهورية البندقية، سنة سبعٍ وعشرين (7211 هـ/ 1715م). أما النصف الثاني منه، فكانت الكفة تميل فيه لصالح الروس؛ فقد هُزم العثمانيون في موقعة «شكزم»، سنة اثنتين وخمسين (2511 هـ/ 5171م). وتبعها توقيع معاهدة بين الطرفين في بلغراد، وسرعان ما نقضت «كاترينا الثانية»، ملكة روسيا، المعاهدة، واعتدت على بلاد «القرم»، فأعلنت الدولة العثمانية الحــرب على روسيا سنة اثنتين وثمانين (2811 هـ/ 8671م)، ولكنها هُزمت في معركة «جزيرة خيوش» البحرية، سنة أربعٍ وثمانين (4811 هـ/0771م). ثم عقدت معاهدة «كجوق كينارجه» سنة 8811 هـ، ثم معاهدة «القسطنطينية» سنة 8911 هـ إثر ضم روسيا بلاد القرم إليها سنة (7911 هـ/ 1783م). واستمر التفوق الروسي في مطلع القرن الثالث عشر على حساب الممالك العثمانية في صربيا، والمجر، حتى أُبرمت معاهدة «باسي»؛ بتوسط دولة إنجلترا، ودولة بروسيا.

لقد شاخ هذا المحارب القديم، وأثخنته الجراحات الداخلية والخارجية، وتكالبت عليه الأعداء ينهشونه من كل جانب، وهو يحاول أن يستمسك ويستقيم، ولكنه يترنح ويهتز أمام أمم فتية، ناشطة، يؤلف بينها الحقد الصليبي، وتراث التاريخ، كما يطعن في خاصرته الباطنيون من أحفاد هولاكو، وتيمورلنك، في أجزاء كثيرة من بدنه المترهل.

* المرحلة السادسة: (1213هـ   ـ  1368هـ):

تمثل هذه المرحلة فترةً تمتد من قيام الحملة الفرنسية على مصر، سـنة ثلاثـة عشـر بعـد المائتين وألف (3121 هـ/ 8971م)، وتنتهي بالإعلان عـن قيام دولة يهود (إسرائيل)، فوق أرض فلسطين عام (8631 هـ/ 8491م).

والسمة العامة لهذه المرحلة هي التقهقر السياسي، والعسكري، والعلمي، للأمة الإسلامية، مقابل النمو الأوروبي المطرد في جميع المجالات المادية؛ مما أفضى إلى انهيار الخلافة العثمانية، وطي بساطها من أوروبا الشرقية، ثم احتلال البلدان الإسلامية العريقة من قِبَل الاستعمار الأوروبي؛ بشكل لم يسبق له مثيل، حتى في الحروب الصليبية.

والمتغير الوحيد في هذه المرحلة عن مرحلة الحروب الصليبية؛ أن الحكومات الأوروبية المتأثرة بالثورة الفرنسية (9871 م) العلمانية؛ باتت أكثر دهاءً، وغزت المجتمعات الإسلامية بأسلحتها المتفوقة، تحت شعارات منمقة لا تحمل الطابع الديني الصليبي، بل تحاول أن تتجنب استفزاز المشاعر الإسلامية، وتتستر تحت لافتات ســـياسية مثــل: «الانتداب» و «الوصاية» و «الحماية»... إلخ.

ومن أبرز الحوادث التاريخية التي ترسم معالم هذه المرحلة، ما يلي:

1 ـ الحملة الفرنسية على مصر: سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف (3121 هـ/ 8971م). بعد عشر سنوات تقريباً من قيام الثورة الفرنسية جرد «نابليون بونابرت» حملة بحرية للاستيلاء على مصر؛ أسوة بأسلافه الصليبيين الذين كان آخرهم «لويس التاسع».

2 ـ الحملة الإنكليزية على مصر: سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف (2221 هـ/ 7081م)، فاستولوا على الإسكندرية في محرم، ثم تصدى لهم «محمــد علــي باشا» (3811 ـ 5621 هـ) فهزمهم، وعقد معهم صلحاً، فغادروا البلاد في شهر رجب من تلك السنة(1).

3 ـ ثورة اليونان: أدى الضعف الذي أصاب الدولة العثمانية، وهزائمها المتوالية أمام الجيوش الروسية في البلقان، إلى طمع اليونانيين في الاستقلال. فشبت نار الثورة في بلاد المورة، سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف (7321 هـ/ 6281م)، فعقدت الدول الأوروبية الكبرى مؤتمراً في لندن ذلك العام، بدعوى الاحتجاج على الممارسات غير الإنسانية لإبراهيم باشا، ودمروا السفن العثمانية والمصرية، واحتلت فرنسا بلاد المورة سنة أربع وأربعين (4421 هـ/ 8281م)، ثم أرغمت روسيا، والدول الأوروبية العثمانيين على القبول باستقلال اليـونان في معاهـدة «أدرنة»، ســنة خمـــسٍ وأربعين ومائتين وألـف (5421 هـ/ 9281م).

4 ـ احتلال فرنسا للجزائر: سنة ست وأربعين ومائتين وألف (6421هـ/ 0381م) بدعوى أن أهلها كانوا يعتدون على مراكبهم البحرية! وظلت الجزائر رهينة الأسر مدة مائة وخمسة وثلاثين عاماً، حتى انسحابهم منها سنة إحدى وثمانين وثلاثمائــة وألف، تحــت وطأة الجهــاد الإســلامي المستميت (1831 هـ/ 2691م).

5 ـ احتلال الإنكليز لعدن، والسيطرة على مضيق باب المندب: سنة أربع وستين ومائتين وألف (4621 هـ/ 9381م). وقد بقيت تحت نير الاحتلال حتى سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وألف  (1387هـ/ 1967م).

6 ـ سقوط رومانيا، واستقلالها عن الدولة العثمانية: سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف (3721 هـ/ 7581م)، بعد حكم دام أكثر من أربعة قرون ونصف.

7 ـ حرب القرم: بين الحكومة العثمانية وحلفائها الإنكليز والفرنسيين من جهة، وروسيا من الجهة الأخرى، سنة تسع وستين ومائتين وألف (9621 هـ/ 3581 م)؛ بسبب تحرشات الروس بالعثمانيين، وإهانتهم إياهم. واستمرت حتى توقيع معاهدة «باريس»، سنة ثلاث وسبعين (3721 هـ / 6581 م). وقد أنهكت هذه الحرب الدولة العثمانية، وفقدت أجزاء من أراضيها، وزادت من نفوذ الإنكليز، والفرنسيين، في سياسات الحكومة العثمانية تجاه الأقليات النصرانية.

8 ـ ســـقوط الهــرسك: سنة ثلاث وتسعين ومائتين (3921 هـ/ 6781م) بمساندة الروس، والدول المجاورة، في أول ولاية السلطان عبد الحميد الثاني، وقد امتدت الحرب، وتقهقر العثمانيون إلى قرب أدرنة. وأعقب ذلك معاهدة تقضي بتملك الروس لتلك البلاد، ويبقى للعثمانيين أدرنة، عاصمتهم القديمة، وما يليها إلى إستانبول، مع تحميلهم دفع غرامة الحرب. وتلتها معاهدة «برلين» 8781م التي كانت أشد إذلالاً.

9 ـ احتلال الفرنسيين تونس: سنة سبعٍ وتسعين ومائتين وألف (7921 هـ/ 1881م)؛ بدعوى تأديب بعض قبائل العرب المعتدين! وظلت تونس بأيديهم ثمان وسبعين سنة، حتى نالت استقلالها سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وألف (5731 هـ/ 6591م).

10 ـ احتلال الإنكليز لمصر: سنة ثمانٍ وتسعين ومائتين وألف (8921 هـ/ 2881م) للقضاء على ثورة «عرابي باشا»، والتحكم في ولاتها من أحفاد محمد علي باشا، ثم احتلال السودان تبعاً لمصر. وقد ظل الإنكليز في مصر حتى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة (3731 هـ/ 4591م)، وفي السودان إلى ما بعد ذلك بسنتين.

11 ـ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول: في مدينة «بال» بسويسرا سنة 7981م، والذي ضم زعامات اليهود في العالم، لرسم الخطط للسيطرة علـى العالم، وإنشـاء وطـنٍ قومي لهم في  فلسطين.

12 ـ سقوط بلغاريا: سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وألف (8231 هـ / 8091م)، بعد حكم دام أكثر من خمسة قرون.

13 ـ قيام ثورة جمعية الاتحاد والترقي العلمانية التركية، وخلع السلطان عبد الحميد الثاني: سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وألف (9231 هـ/ 9091م)، والذي كان آخر خليفة عثماني فعلي، وذلك لوأد فكرة الجامعة الإسلامية التي صار يدعو إليها لمواجهة التسلط الأوروبي.

14 ـ سقوط ألبانيا وانتزاعها من الدولة العثمانية: سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف (9231 هـ/ 2191م) بعد حكم إسلامي دام قرابة أربعة قرون ونصف.

15 ـ احتلال فرنسا لمراكش، وتقاسمها مع إسبانيا الأراضي المغربية: سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف (1231 هـ/ 5591م)، حتى نالت الاستقلال سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وألف (5731 هـ/ 5591م). وبقيت مدينتا «سبتة» و «مليلة» تحت الحكم الإسباني إلى الآن.

16 ـ احتلال إيطاليا لليبيا: سنة أربعٍ وثلاثين وثلاثمائة وألف (4331 هـ/ 4191م). وقد ظلت أسيرة في أيديهم قرابة نصف قرن حتى سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف (1731 هـ / 1591م).

17 ـ إبرام اتفاقية (سايكس ـ بيكو): سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وألف (6231 هـ/ 6191م) بين فرنسا، وبريطانيا، بشأن اقتسام المنطقة العربية المتبقية من تركة الرجل المريض، أي الدولة العثمانية، وهي العراق، وسوريا الكبرى، والخليج العربي، وفلسطين، والأردن، باسم «الحماية» لحكومات مصطنعة، تنشأ بعد مسرحية (الثورة العربية الكبرى) التي يعلنها الشريف حسين بن علي في الحجاز؛ ضد العثمانيين في تلك السنة، وتُدعم من قِبَل طرفي الاتفاقية. وقد كشف البلاشفة بنود هذه الاتفاقية في العام التالي.

18 ـ صدور وعد رئيس وزراء بريطانيا «بلفور»: سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف (7331 هـ/ 7191م) بتعهد من الحكومة البريطانية لليهود بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي فوق أرض فلسطين. وفي العام نفسه دخل القائد الإنكليزي «اللنبي» مدينة القدس هاتفاً: (الآن انتهت الحروب الصليبية). كما دخلوا بغداد، وفي السنة التالية دخل الفرنسيون بيروت.

19 ـ اندلاع الثورات العربية في فلسطين، وسوريا، ضد الانتداب الأجنبي: سنة أربعين وثلاثمائة وألف (0431 هـ/ 0291م)، وقمعها من قبل القوات الغازية المتفوقة عسكرياً، كما في موقعة «ميسلون»، قرب دمشق في العام نفسه. وتتبع الإنجليز لفصائل المجاهدين التابعين لعز الدين القسام رحمه الله، في فلسطين. ثم توقيع معاهدات استعمارية مع الحكومات المحلية في كل من سوريا، وفلسطين، ولبنان، والعراق، ومصر، سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وألف (6331 هـ/ 6591م).

20 ـ إلغاء الخلافة الإسلامية العثمانية: سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وألف (4431 هـ/ 4291م)، بعد حكم دام أكثر من ستة قرون.  وانتخاب مصطفى كمال أتاتورك رئيساً للجمهورية التركية العلمانية الحديثة. وكان ليهود «الدونمة» الدور الأكبر في اتخاذ هذه الخطوة الخطيرة، ومن خلفهم المؤتمر الصهيوني العالمي؛ بإثارة الفتن وتشويه صورة السلطان عبد الحميد الثاني، وتأسيس الجمعيات المناوئة في داخل تركيا وخارجها(1).

هكذا بدا العالم الإسلامي في القرن الثالث عشر الهجري، إلى منتصف القرن الرابع عشر، (التاسع عشر الميلادي، إلى منتصف القرن العشرين)!! بدت صورته كئيبة قاتمة؛ هزائم متلاحقة، فوضى سياسية، جهل، وبدع، وانحرافات عقدية، ومسلكية، تخلف في جميع مناحي الحياة الفكرية والمادية أزمة ثقة بين شعوبه، وتحالف مع الأعداء أحياناً، في مقابل قفزات سريعة لدى الأمم النصرانية في مجال الإعداد المادي، والقوة الصناعية، والعسكرية، والاقتصادية، وتنسيق دائب على اقتسام التركة، وإذلال الورثة. أدى هذا وذاك إلى قطع شجرة الخلافة الإسلامية الجامعة من أصلها، بفرع من فروعها، وبأيدي أبنائها، أو هكذا يبدو ظاهراً على الأقل. ثم نهب ميراث الأيتام وعيونهم زائغة.

لقد كانت الحركات الإسلامية الجهادية التي ظهرت في أجزاء من العالم الإسلامي إبان فترة الاستعمار الحديث، كانتفاضات الطير الذبيح، سرعان ما أُخمدت أنفاسه.

جاء النصارى، هذه المرة، دون صلبان، يتقدمهم المستشرقون، وليس القسس، ويفاوضون بقناصلهم، ومندوبيهم السامين، لا ببطرس الناسك. إنهم هذه المرة لا يهدمون الجوامع، ويحولونها إلى كنائس وكاتدرائيات، ولكنهم يظهرون تعظيم الدين والمشايخ، ويدغدغون مشاعر العامة والدهماء. لقد فقهت أوروبا النصرانية درس الحروب الصليبية، وتحاشت أن تنجب الاستفزازات الدينية أمثال «نور الدين زنكي»، و «صلاح الدين الأيوبي»، و «الظاهر بيبرس البندقداري».

جاء النصارى، هذه المرة، باسم السياسة لا برسم الدين، فحققوا ما لم يحققه أسلافهم المتعصبون. لقد أوهنوا عرى الدين في المجتمعات الإسلامية، وغزوا الأفكار قبل الديار، وغسلوا الأدمغة، وهزوا الثوابت والعقائد، ونشروا الرذيلة باسم الحرية، ونفخوا في صورة أهل الذمة باسم حماية الأقليات، وأَحَلُّوا الفكرة «العلمانية» محل الفكرة الدينية، واستنطقوا بذلك رجالاً من بني جلدتنا، يتكلمون بألسنتنا.

فيا لها من داهية على المسلمين عظيمة، ونازلة لم يشهد تاريخ الإسلام لها نظيراً. فالرزايا والبلايا التي وقعت في تاريخ هذه الأمة تكون على الأبدان، والأموال، والبلدان، ولكن هذه الداهية الأخيرة تستأصل العقول والأفكار، وتورث الردة والإلحاد، وقد كان؛ فكم التهمت نار المبادئ الضالة التي ولدت، وترعرعت، في حضن هؤلاء المستعمرين من أبناء هذه الأمة، وسخرتهم في تدميرها. ولولا أن الله ـ تعالى ـ تكفل بحفظ الذِّكر، وتجديد الدِّين، وبقاء الطائفة المنصورة، وإلا لكان الإسلام نسياً منسياً.

وبعد هذه القراءة التاريخية لأبرز الأحداث التي رسمت حدود العلاقات الإسلامية الكتابية، في مراحلها المختلفة، على مدى أربعة عشر قرناً هجرياً، في مدٍ وجزر على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، والدول المطلة عليه، حيث جرت معظم هذه الوقائع، ندرك مقدار الكم الكبير من الصور والذكريات التي تختزنها كلٌ من الذاكرتين الإسلامية والنصرانية، وتستدعيها كلما تجدد لونٌ من ألوان المجابهة والتَّماس. لقد كانت علاقة ساخنة لا تبرد، هـادرةً لا تهدأ، متصلة لا تنقطع، أشبه ما تكون بمعركة حامية الوطيس لا يكف طرفاها عن الكر والفر إلا أن يفنى صاحبه.

إن الذاكرة النصرانية لا يمكن أن تنسى كيف طوي بساطها، وقلص ظلها عن مقدساتها، ومهد مسيحها، وأرض التوراة والإنجيل، وانتزعت من يدها مواطن أشرف كنائسها في بيت المقدس، والإسكندرية، وأنطاكية، والقسطنطينية، وصارت الأرض التي تدر عسلاً ولبناً دار إسلام، فما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين.

لقد رُوعت النصرانية حين اخترقت جحافل الإسلام شمال إفريقيا، وعبرت مضيق جبل طارق، واستوعبت شبه الجزيرة الأيبيرية (إسبانيا والبرتغال)، ثم تسلقت جبال البرانس، لتمكث في جنوب فرنسا سبعين سنة.

إن الذاكرة النصرانية لا يمكن أن تنسى كابوس العثمانيين، الذين دوخوا أوروبا، وأَقَضُّوا مضاجع البابوية عدة قرون، وأخضعوا عواصم البلقان تحت سنابك خيولهم، وهدموا أسوار القسطنطينية، وبلغراد، وبودابست بمدافعهم العملاقة، وحاصروا «فيينا» ثلاث مراتٍ، وطموحهم لايقف إلا عند روما، معقل النصرانية. ولهذا يصب النصارى لعناتهم على الأتراك، ليل نهار، في أدبياتهم، فضلاً عن صلواتهم.

وبالمقابل؛ فإن الذاكرة الإسلامية لا يعزب عنها تلك الفظائع التي أنزلها الصليبيون، بوحشية وهمجية، في بيت المقدس، وسواحل الشام، على مدى قرنين من الزمان. ولا ينسى المسلمون حرب الاستعادة الإسبانية التي جازتهم على ما ساقوه إلى الأندلس من علمٍ وحضارة جزاء «سنمار»، وطردتهم شر طردة، ثم أتبعتها بمأساة «الموريسيكيين»(1) التي تعد من أعظم مآسي التاريخ.

وكيف يغيب عن بال المسلمين صور الإذلال والقمع التي أحلها الغزاة النصارى بديار الإسلام، على يد نابليون في مصر، وفظائع الروس بالعثمانيين في بلاد البلقان، والقرم، والداغستان، وأواسط آسيا. وأخيراً تقاسم الدول الأوروبية لتركة «الرجل المريض»، كما يقسم المتاع، فيمتصون خيراتها، ويذيقون أهلها الذل والهوان.

إنه إرث تاريخي لا يتجاهله إلا مغفل مغرور، بلغت به السذاجة مبلغاً عظيماً، فصار ألعوبةً بيد أعدائه المستبصرين. وهو إرث يتفق اتفاقاً تاماً، جملةً وتفصيلاً، مع الثوابت العقدية لدى المسلمين في نظرتهم نحو النصارى، ومفرداته شواهد واضحة كالشمس في رابعة النهار.

* المرحلة السابعة: (المرحلة الراهنة):

تمثل هذه المرحلة مرحلة الإذلال النصراني، المتلفع بالعباءة الدولية، للأمة الإسلامية عامة، والعربية خاصة. فالاستعمار النصراني قد حمل عصاه، ورحل إلى بلاده فعلاً، ولكنه زرع في جسم الأمة الإسلامية نوابت دخيلة. وطعنها عدة طعنات نجلاء، خلَّفت جروحاً غائرة، لم تتعافَ الأمة منها بعد!!

 تبتدئ هذه الفترة منذ أن استنبت النصارى الإنكليز دولة يهود على تراب فلسطين سنة (1368هـ/ 1948م)، لتحقيق رؤاهم التوراتية التي تفترض وجود مملكةٍ لأبناء يهوذا، ليتم القدوم الثاني للمسيح. وتمكن النصارى من تقطيع أوصال الأمة الإسلامية إرباً إرباً، ورسموا بينها حدوداً دولية، بعد أن كانت أمةً واحدة، يسير المرء من أقصاها إلى أدناها دون أن يُسأل عن هويته. كما استخلف المستعمرون النصارى على الممالك الإسلامية أنظمةً مواليةً لهم، أو مسالمة، قبل أن يمنحوها استقلالاً خداجاً، لم يُعِد الأمة إلى سيرتها الأولى، ولم يصبغها بصبغة الله.

استقلت الدول الإسلامية فوجدت نفسها في عالم متغير بعد الحرب العالمية الثانية، عالمٍ يرفع شعارات السلام الدولي، والمواثيق الدولية، والتي تعلن المساواة بين شعوب العالم في الحقوق والواجبات، وتدعو إلى نبذ التمييز على أساس الدين، والعرق، واللون. وكوّن لتمثيل هذه المبادئ وتطبيقها منظمة عالمية، عُرفت باسم «هيئة الأمم المتحدة»، تأسست عام 5491م، وتفرعت عنها الهيئات، والمنظمات، واللجان العالمية التي تنتظم العالم بخيط واحد، وفق معايير متساوية، على الأقل من الناحية النظرية(1).

وعلى الرغم من هذا التظاهر الدولي من قبل النصارى، بإقصاء البعد الديني في السياسة الدولية، والتستر وراء مسوِّغات اقتصادية، واستراتيجية، وأمنية، وإنسانية؛ فإنها لم تفلح في حجب الدوافع الدينية المتأصلة لدى القوم، خلال هذه الفترة، كما تشهد بذلك عشرات الشواهد، مثل:

1- الدعم المتواصل والمتنامي لدولة إسرائيل، من قِبَل جميع الدول النصرانية.

2- اضطهاد المسلمين في الفلبين من قِبَل الحكومات النصرانية المتعاقبة.

3- اضطهاد الأكثرية المسلمة في الحبشة، وتنزانيا، والعديد من الدول الإفريقية؛ من قِبَل الأقليات النصرانية الحاكمة.

4- الإبادة الجماعية لمسلمي البوسنة والهرسك، ثم مسلمي كوسوفا، من قبل الصرب والكروات، في التسعينيات الميلادية.

5- دعم الدول النصرانية للحركات الانفصالية، والأقليات النصرانية في السودان، وإندونيسيا.

6- الغزو العسكري النصراني لأراضي أفغانستان، والعراق.

لقد بذل النصارى جهدهم، واستفرغوا وسعهم؛ لتنشئة جيل من المسلمين مبتوت الصلة بعقيدته، مغيَّب عن تاريخه، معمّىً عن حقيقة واقعه. ولكن أصالة الإسلام ـ من جهة ـ، وتعصب النصارى وعدوانهم السافر ـ من جهة أخرى ـ؛ يوقظ الحمية الدينية الفطرية التي لا تلبث أن تصبح حركةً واعية، تعيد إلى الأمة كرامتها، ومكانتها، والقيام برسالتها العالمية.

* المرحلة الأخيرة:

لقد استيقظ المسلمون صبيحة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م؛ ليجدوا أنفسهم يتضيَّفون لمرحلة جديدة من مراحل علاقتهم بأهل الكتاب عامة، والنصارى خاصة. فقد غاب البعد الديني عن الصدارة، في تلك العلاقة، قريباً من ثمانين سنة، وتحديداً: منذ إلغاء الخلافة العثمانية عام 1924م، ونشوء الحكومات المدنية (العلمانية) في معظم أرجاء العالم الإسلامي، وانخرط الجميع في معاهدات دولية ذات صبغة دنيوية، تُقصي الصفة الدينية لمختلف الأطراف، أو هكذا يبدو على الأقل، ولكنه وضع مؤقت يوشك أن يتهاوى وينهار أمام سنن الله الكونية، فيعود الأمر جذعاً، وينحاز الناس إلى فسطاطين؛ فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط كفر لا إيمان فيه. وسيظل قطباها: المسلمون والنصارى.

إن هذه العلاقة العدائية ستظل إلى يوم القيامة عداوةً أبدية، لإخبار الله ورســـوله  صلى الله عليه وسلم  بذلك، بحكـم اختلاف الاعتقاد ـ من جهة ـ، ولما يتميز به هؤلاء النصارى، ممثلين بالروم، من صفاتٍ وخصائص نوعية ـ من جهة أخرى ـ تبقي لهم أسباب القوة المادية، والشوكة الحربية، فلا يزال الناس يجدون منهم بأساً. روى مسلم ـ رحمه الله ـ أن المستورد القرشي رضي الله عنه، قال عند عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس)، فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله  صلى الله عليه وسلم ! قال: لئن قلت ذلك، إن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرةً، وخيرهم لمسكين ويتيم، وضعيف. وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك)(2). وفي لفظ عند مسلم أيضاً: (وأجبر الناس عند مصيبة، وخير الناس لمساكينهم، وضعفائهم)(3). وعنه ـ رضـي الله عنه ـ قال: بينا أنا عند عمرو بن العاص، فقلت له: سمعت رسـول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول: (أشد الناس عليكم الروم، وإنما هلكتهم مع الساعة)، فقال له عمرو: ألم أزجرك عن مثل هذا(4).

قد أخبر النبي  صلى الله عليه وسلم  عن الفتن والملاحم التي تكون في آخر الزمان بين أهل الإسلام وعبدة الصلبان؛ بما لا يدع مجالاً للشك في أبدية هذه العداوة، وأن ما يجري منهم من مجاملات، إنما هو قشرة رقيقة ظاهرة، تخفي تحتها عداوة متأصلة، وكيداً خفياً، وإحناً، وأحقاداً، لا يطفئ لهيبها إلا أن نتبع ملتهم، عياذاً بالله.

ومن أمثلة هذه الأحاديث الصحيحة:

عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق، أو بدابق(5)، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذٍ، فإذا تصافُّوا قالت الروم: خلُّوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا والله! لا نخلي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويُقتل ثلثهم، أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث لا يفتنون أبداً. فيفتحون قسطنطينية، فبينا هم يقتسمون الغنائم، قد علَّقوا سيوفهم بالزيتون؛ إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم. فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينا هم يُعِدُّون للقتال، يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة؛ فينزل عيسى ابن مريم عليه السلام، فأمَّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته)(1).

وعن يُسيرِ بن جابر قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجلٌ ليس له هِجِّيرى(2) إلا: يا عبد الله بن مسعود، جاءت الساعة. قال: فقعد، وكان متكئاً فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يُقسم ميراث، ولا يُفرح بغنيمة. ثم قال بيده هكذا، ونحّاها نحو الشام فقال: عدوٌّ يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام. قلتُ: الروم تعني؟ قال: نعم، وتكون عند ذاكم القتال ردَّةٌ شديدة، فيشترط المسلمون شُرطَة(3) للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاءِ كلٌّ غير غالب، وتفنى الشُّرطة، ثم يشترط المسلمون شُرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كلٌّ غير غالب، وتفنى الشُّرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبةً، فيقتتلون حتى يمسوا، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كلٌّ غير غالب، وتفنى الشرطة. فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام فيجعل الله الدَّبْرَة(4) عليهم، فيقتلون مقتلةً ـ إما قال: لا يرى مثلها. وإما قال: لم يُرَ مثلها ـ، حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلِّفهم حتى يخر ميتاً. فيتعادُّ بنو الأب، كانوا مائة، فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد. فبأي غنيمة يُفرح، أو أي ميراثٍ يُقاسم. فينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك؛ فجاءهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فـيرفضـون(5) مـا في أيـديهم، ويقبـلون، فيبعثون عشـرة فـوارس طليعـة. قـال رسـول الله  صلى الله عليه وسلم : إني لأعرف أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذٍ، أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذٍ)(6).

وعن ذي مِخبَر رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول: (ستصالحون الروم صلحاً آمناً، فتغزون أنتم وهم عدواً من ورائكم، فتُنصرون، وتغنمون، وتَسلمون، ثم ترجعون، حتى تنزلوا بمرجٍ ذي تلول، فيرفع رجلٌ من أهل النصرانية الصليب، فيقول: غلب الصليبُ. فيغضب رجل من المسلمين، فيدقُّه، فعند ذلك تغدر الروم، وتجمع للملحمة)(7)، وفي رواية: (وتكون الملاحم، فيجتمعون إليكم فيأتونكم في ثمانين غاية، مع كل غاية عشرة آلاف)(8).

وعن عوف بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: أتيت النبي  صلى الله عليه وسلم  في غزوة تبوك، وهو في قبة من أدم، فقال: (اعدد ستاً بين يدي الساعة. وذكر السادسة: ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً)(9). وفي رواية عنه عند أحمد: (قلت: وما الغاية؟ قال: الراية، تحت كل راية اثنا عشر ألفاً. فسطاط المسلمين يومئذٍ في أرضٍ يقال لها الغوطة، في مدينة يقال لها: دمشق)(01).

وفي رواية عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (وهدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، ليجمعون لكم تسعة أشهر، كَقَدْر حَمْل المرأة، ثم يكونون أولى بالغدر منكم...)(11).

تلك طبيعة العلاقة مع عبّاد الصليب في الماضي الحاضر والمستقبل. وصدق الله إذ يقول: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [البقرة: 120]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118].

ألا فليعِ المسلمون ذلك، وليعدوا أنفسهم للملحمة، بالعلم والإيمان، والعدة والعتاد.. {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40].

------------------------------------------------------------

(*) أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة ـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ فرع القصيم.

(1) انظر: ما أفرد في وصف المعركة مثل: غزوة مؤتة، لمحمد أحمد باشميل. وغزوة مؤتة، لشوقي أبو خليل، وغيرهما.

(1) انظر: سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، لابن هشام (4/261). طبعة: إدارات البحوث العلمية.

(2) انظر: البداية والنهاية (4/267). مكتبة المعارف. بيروت. الطبعة الثانية 1978م.

(3) برنارد لويس: ولد في لندن عام 1916م. أستاذ الدراسات الخاصة بالشرق الأدنى في جامعة «برنستون»، وعضو دائم في معهد الدراسات المتقدمة في برنستون ـ نيوجرسي ـ 1974م. يشغل العديد من المناصب العلمية، وعضو فخري في عشرات الجمعيات. مؤلفاته تربو على العشرين، وله عشرات الأبحاث المنشورة في التاريخ والفرق. انظر التعريف به في مقدمة كتابه (الإسلام الأصولي). دار الجيل. بيروت. طبعة 1414هـ / 1994م.

(4) الإسلام والغرب: برنارد لويس. دار الرشيد ـ دمشق ـ بيروت، مؤسسة الإيمان ـ بيروت. الطبعة الأولى (1414هـ ـ 1994م). ص (5).

(5) الإسلام والغرب، ص (8).

(6) نقلاً عن: بلاط الشهداء: شوقي أبو خليل. دار الفكر. دمشق. الطبعة الرابعة (1400هـ ـ1980م). ص: (36). وأكسفورد، وكمبردج جامعتان عريقتان في إنجلترا.

(7) انظر: البداية والنهاية (12/101)، والكامل في التاريخ (8/223).

(1) انظر: الكامل في التاريخ (8/298). دار الكتاب العربي. بيروت. طبعة:1417هـ 1997م.

(2) انظر: الكامل في التاريخ (8/345).

(3) الحروب الصليبية والمجابهة. شمس الدين الكيلاني. «مجلة الاجتهاد» (ملف العلاقات  الإسلامية المسيحية)، الأعداد (28 ـ 32) رئيس التحرير: الفضل شلق، رضوان السيد. دار الاجتهاد ـ بيروت (1416هـ/ 1996م) (28/53).

(4) عن كتاب الزلاقة: شوقي أبو خليل. دار الفكر. دمشق. الطبعة الرابعة (1400هـ/ 1980م)، ص (19).

(5) انظر: مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام ص (101). عن: فتح صقلية: شوقي أبو خليلدار الفكر ـ دمشق. الطبعة الرابعة (1400هـ/ 1980 م). ص (87).

(6) باختصار من: ماهية الحرب الصليبية. د. قاسم عبده قاسم. (103 ـ 106).

(7) انظر: ماهية الحروب الصليبية: د. قاسم عبده قاسم. عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية. القاهرة. طبعة 1993م. (108 ـ 111).

(1) البداية والنهاية (12/156).

                                                                   (2 انظر: ماهية الحروب الصليبية (139 ـ 140).

(3) انظر تفاصيل ذلك في البداية والنهاية: من ص (285) إلى (320)، ج

(12).               (4) البداية والنهاية (12/321).

(5) انظر: تفاصيل ذلك الفتح العظيم في البداية والنهاية (12/323 ـ

327).                   (6) انظر: ماهية الحروب الصليبية (148).

(7) الكامل في التاريخ (10 / 69).

(1) انظر تفاصيل ذلك في البداية والنهاية (12/334 ـ

 351).   (2) البداية والنهاية (13/37). (3) البداية والنهاية (13/

95).    (4) ماهية الحروب الصليبية(158).

(5) ماهية الحروب الصليبية (

160).     (6) البداية والنهاية (13/124).

(1) ماهية الحروب الصليبية (

162).     (2)