انتفاضة الأقصى

 
 

 
 

سفينة الأمة

د. عبد الرحمن صالح العشماوي

 

مَنْ يحمل الإيمانَ لا يفتري

ومَنْ يريد الخيرَ يَظْفَرْ به

ما كلُّ عينٍ أبصرتْ قادماً

ما كلُّ مَنْ يُدنيكَ من نفسه

هل يعرف الشاطئُ من بحره

كم في حنايا القلب من حَسْرةٍ

وكم سؤالٍ مَاجَ في خاطري

ماذا ترى يا شاعراً، قلبُه

ماذا ترى في أَرضِ إسرائنا

ماذا ترى من قتل أحبابنا

ما لي أرى جَفْنَك لم ينكسر

انظرْ إلى أشلاء أطفالنا

انظر إلى الأمِّ التي عَبَّرَتْ

انظر إلى الشيخ الذي لفَّه

يسأَل عن أَحفادِه: ما لهم

ما بالُهم لم يركضوا خَلْفَه

ما بالهم لم يطبعوا قبلةً

يا شيخُ، أحفادُك طاروا إلى

لا تبتئسْ! إني أرى منزلاً

ماذا ترى يا شاعراً، عَصْرُه

ما لي أرى قومَك، أَوهامُهم

أطباقُهم تَعرض أَفْلامَها

وربما تعرض أخبارَنا

يا سائلي: مَهْلاً ففي عصرنا

عالَمُنا جمَّد إحساسَه

قد واجهَ اللهَ بعصيانه

شعري يناديه، ولكنَّه

يا جامدَ الإحساسِ يا عالَماً

يا من تَبثُّ الرُّعْبَ في أرضنا

هذي فلسطينُ التي أطلقتْ

تستنفر الأمةَ لكنَّها

هذي فلسطين التي أصبحتْ

تلقى صواريخ الأسى دونما

تستقبل الفجر بلا بسمةٍ

غابَ، ولم يأتِ سوى حَسْرةٍ

لمَّا هَمَى النورُ رأتْ حولَها

تدعو بني الإسلام، لكنّهم

والعالَم الواهمُ مُستسلمٌ

سفينةُ الأمَّةِ يا سائلي

ما زال يدعوها إلى حَتْفها

قَتْلٌ وتشريدٌ وهَدْمٌ فلا

يا سائلي مَهْلاً ففي أحرفي

هذا الذي تُبصره مَشْهَدٌ

هذا الذي تبصره حُفْرَةٌ

فرَّطتِ الأمَّةُ فيما مضى

ما جهَّزَتْ جيشاً له صولةٌ

نامتْ ولصُّ الدَّار يُلقي إلى

نامتْ، ولما استيقظتْ حدَّثتْ

سفينةُ الأمَّةِ باتتْ على

أَعدَّتِ العُدَّةَ لكنَّها

صامتْ عن الإبحارِ منذ الْتقى

وكيف يرجو أنْ يرى عِزَّةً

يا سائلي: لا تبتئسْ! إنني

أسمع في آفاقِ إيماننا

لا تحلف الشمسُ لنا أَنَّها

لكنَّها تَنْشُر أَضواءَها

لا يكره الحقَّ ولا يَزْدري

يوماً، وإنْ خِلْناه لم يَظْفَرِ

تعرف وجهَ الخائفِ المُدْبرِ

يكشف ما للسرِّ من مصدَرِ

ما تحمل الأعماقُ من جَوْهَرِ؟

أَغوارُها في النفسِ لم تُسْبَرِ

لولا اشتعالُ الحزنِ لم يَخْطُرِ

أصبح بالأحزانِ كالمِجْمَرِ؟

ماذا ترى في ساحةِ المحشرِ؟

في مَنْظَرٍ أسوأَ من منظرِ؟

ما لي أرى قلبك لم يُصْهرِ؟!

مَغمورةً في الدَّافقِ الأحمرِ

أجفانُها عن عارضٍ مُمْطِرِ

ليلُ الأسى، والصُّبْحُ لم يُسْفِرِ

لم يهتفوا بالحلُم الأَخْضرِ؟!

مثلَ الأزاهير إلى البَيْدَرِ؟!

على جبين الفارسِ الأسمرِ؟!

حيث المُنَى تُعْطى لمستكثرِ

يُبْنَى من الدُّرِّ على الكوثَرِ

أمسى يُعاني من «بني الأَصْفَرِ»؟

تعصف بالموسر والمعسرِ؟!

مشحونةً بالفسق والمنكرِ

عرضاً يُرينا غفلةَ المُخْبرِ

صقرٌ رمى الرِّيش لمُسْتَنْسِرِ

حُبُّ الرِّبا والخمر والميسرِ

وأغلق السَّمْعَ عن المُنذِرِ

كالصخرة الصمَّاء لم يشعُرِ

يعجز عن إعلانِ مُستنكرِ

تريد أنْ نهربَ للمشتري؟!

من قُدسها صرخةَ مُستنصرِ

مشغولةٌ عن صوت مُستنفِرِ

نَهْباً لغدَّارٍ ومستكبرِ

تُرْسٍ ولا دِرْعٍ ولا مِغْفَرِ

لأنَّ ضوءَ الفجر لم يَحْضُرِ

باقيةٍ من ليلها المُدْبرِ

جماجمَ الأطفالِ لم تُقْبَرِ

باعوا حُسامَ العزمِ بالمِزْهَرِ

للخوف من صاحبةِ المِجْهَرِ

عن شاطئ الغَفْلةِ لم تُبحِرِ

مَنْ لم يَخَفْ رَبَّاً ولم يذكُرِ

نامتْ عيونُ السَّيفِ والخنجرِ

حزنٌ به تقسو على الأَسْطُرِ

من مسرحٍ في عالمٍ مُقْفِرِ

لولا ضلالُ الناس لم تُحْفَرِ

واستسلمتْ للشانئ الأَبْتَرِ

تمنعُها من سَطْوةِ «العَسْكَرِ»

غرفتها نَظْرَةَ مُسْتَسْعِرِ

مأساتُها عن حقِّها المُهْدَرِ

بابِ مَضيقِ الذُّلِّ لم تَعْبُرِ

عُدَّةُ مَن يلهو عن المصدرِ

بالشاطئ الموجُ، ولم تُفْطرِ

مَنْ باع بالخسرانِ ما يَشْتري

بالرغم من بحر الأسى المُسْجَرِ

صوتاً ينادي أمتي: أَبشري

جميلةُ المَظْهرِ والمَخْبَرِ

تعصف بالإنكار والمنكِرِ