|
مشاهد سياسية في خريف
القلق
عبد العزيز كامل
تتزاحم الأحداث، وتتوالى
التطورات بما يجعل المراقب للشأن الإسلامي في حيرة من أمره.. فأي قضية يتابع،
وعن أي موضوع يتحدث إذا أراد للحديث أن يكون جديداً ومفيداً؟! الحقيقة أن
مراوغة الأحداث للأحاديث تجعل المرء يردد ـ كلما أراد أن يكتب ـ قول الشاعر:
تكاثرت الظباء على خِراش
فما يدري خِراش ما يصيد
ولهذا السبب؛ فعلى (خراش) أن
يطارد سمان الأخبار وكبارها؛ تاركاً صغارها حتى تكبر أو تتوارى عن الأنظار،
وهنا لا بد من متابعة أو ملاحقة للأحداث الساخنة والساكنة على حد سواء؛ فقد
يبرد الساخن بالموت، وقد يتحرك الساكن بالزلازل، ونحن في حاجة إلى استشراف
مخبوءات الأيام حتى لا تفجأنا بمعطيات جديدة قد لا نكون مستعدين لها، ولو من
الناحية النفسية والمعنوية:
(*) فلســــــطين: الغضبة
الكبرى... أم الكذبة الكبرى؟
| منذ أن أعلنت دولة اليهود ـ من
جانب واحد ـ القدس بشطريها عاصمة أبدية موحدة لدولة (إسرائيل) ترددت دول العالم
ـ وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية في نقل سفارتها إلى القدس، وكان السبب
المعلن دائماً هو الخوف من «غضبة» العالمين العربي والإسلامي، بل إن الكونجرس
الأمريكي الذي أصدر قراراً في عام 1995م يلزم الرئيس الأمريكي بنقل السفارة إلى
القدس؛ ربط تنفيذ هذا الإجراء بعدم التعارض مع مقتضيات «الأمن القومي
الأمريكي»؛ وهو ما يعني أن أمن الأمريكيين القومي قد يتهدد من تلك الغضبة
المتوقعة إذا ما أقدمت أمريكا على نقل سفارتها للقدس. وبالفعل؛ فإن ذلك القرار
الملزم قد أجَّله الرئيس بيل كلينتون مرتين، وأجله بوش مرة ثالثة في بداية
رئاسته، ولكن الظاهر أن المحظور قد زال بأعين الأمريكيين في المرة الرابعة؛
عندما أقدم الكونجرس الأمريكي على إصدار قرار في 28/8/2002م يلزم الإدارة
الأمريكية بتنفيذ القرار السابق عام 1995م، ويبدو أيضاً أن الرئيس الأمريكي قد
تبدد خوفه من تلك (الغضبة) عندما صادق على ذلك القرار في اليوم التالي لإصداره!
القرار وتصديقه مرَّ بالفعل دون
رد فعل يذكر من جماهير العالمين العربي والإسلامي، اللهم إلا من بعض مظاهرات
عتم عليها داخل فلسطين؛ فما الذي جرى؟! هل هانت القدس على المسلمين شعوباً
وحكومات حتى مرَّروا تهويدها دون تهديد أو تنديد، أو حتى مظاهرة كتلك التي
نراها في أزمات الخبز أو مباريات الكرة؟!
لقد قرر الكونجرس الأمريكي اعتبار
القدس عاصمة لدولة اليهود؛ متجاوزاً مهمة أمريكا في «رعاية» عملية السلام
المغدورة، ومتجاوزاً ما كان مقرراً من قبل بتأجيل البت في مصير القدس حتى تتم
مفاوضات (الحل النهائي)، ومتجاوزاً ومستغلاً انشغال أو إشغال أصحاب الشأن من
العرب والمسلمين والفلسطينيين، وقرر الكونجرس في الوقت نفسه منع تحويل الأموال
المخصصة للقنصلية الأمريكية في القدس إلا إذا خضعت لمسؤولية السفير الأمريكي
الذي سيأتي إلى القدس؛ حيث جاء ذلك القرار ضمن المصادقة على الميزانية الخارجية
للولايات المتحدة. القرار خطير، بل إنه في رأيي أخطر من احتلال القدس نفسها؛
لأن الاحتلال يمكن أن يزول في ظل معارضة العالم للاعتراف به، أما إذا جرَّت
أمريكا العالم ـ وهذا هو المتوقع ـ لمسايرتها في الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة
اليهود؛ فإن هذا سيضفي على ذلك الوضع المشين صفة المشروعية الدولية، وعندها...
لن تنفع احتجاجات منظمة المؤتمر الإسلامي، ولا صرخات لجنة القدس، ولا اعتراضات
الجامعة العربية، ولن ينفع أيضاً ذلك القرار «المضاد» الذي أصدره الرئيس ياسر
عرفات باعتبار القدس عاصمة للدولة الفلسطينية رداً على قرار الكونجرس.
تُرى.. من المسؤول عن تفريغ كوامن
الغضب من صدور العالمين العربي والإسلامي؛ حتى يمرر هذا القرار الخطير دون وقوع
«الغضبة الكبرى» التي كان الأعداء يخشونها؟! لنبحث لهذا السؤال عن إجابة سريعة
قبل أن تحل المصيبة التالية.. قبل أن يهدم الأقصى؛ فلا يجد من يغضب له أو يتحرك
من أجله.
(*)
(إســــــــــــــــــرائيل): عــــودة النتـن
| بعد سقوط بنيامين نتنياهو في
الانتخابات أمام منافسه إيهود باراك عام 1999م، وبعد أن عُزل سياسياً بتهمة
الفساد المالي، أتيحت الفرصلة لباراك لكي يتولى مهمة «الإجهاض السلمي» لقضية
فلسطين عن طريق مفاوضات الحل النهائي في كامب ديفيد الثانية، ولكن الأجواء
تغيرت بمجيء شارون لتناسب عودة نتنياهو مرة أخرى، فبعد أن دعا شارون إلى
انتخابات مبكرة في الشهر الماضي، خرج حزب العمل الذي أراد شارون أن يجمِّل
بدمامته بعض قبح حزب اللكيود، ولكن شارون لم يعد في حاجة الآن لهذا التجمل فيما
يبدو، فاستعان بمزيد من الوجوه القبيحة استعداداً لمرحلة هي الأشد سواداً على
الأرجح في تاريخه الكالح، جاء بنتنياهو ليعطيه وزارة الخارجية، وبشاؤول موفاز
ليسلمه حقيبة الدفاع؛ لتتحول الحكومة الإسرائيلية بعد ذلك لا إلى حكومة حرب
فقط، بل إلى عصابة من محترفي القتل الديمقراطي.
ماذا يريد نتنياهو بتلك العودة؟
بدا من تصريحاته الأولى أنه يزايد على جرائم شارون، ويعتبره (مقصراً) في التصدي
للعرب داخل وخارج فلسطين، ووعد في حديث نشرته مؤخراً مجلة «تاج شبيجل»
الألمانية بإلحاق هزيمة بالدول العربية ـ لاحظ! ـ وليس فقط بالسلطة الفلسطينية.
وقال: «يجب إلحاق هزيمة عسكرية بالدول العربية كتلك التي هزم فيها الحلفاء كلاً
من ألمانيا واليابان عام 1945م»، وأضاف: «لقد انتهت الحرب العالمية الثانية
بنصر عسكري للحلفاء، وعمل الطرف المنتصر على تنصيب حكومة في ألمانيا ظلت منقوصة
السيادة إلى أن حدث التحول المطلوب في المجتمع الألماني». وفي سؤال آخر، قالت
له الصحيفة: «إن ألمانيا كانت قد هزمت هزيمة شاملة، واستسلمت قبل أن يفرض عليها
الحلفاء شروطهم؛ فهل تريد فعل ذلك مع الفلسطينيين؟» أجاب النتن: «نعم، هكذا
تماماً يجب علينا أن نفعل مع الدول العربية»!
يعود إذن نتنياهو إلى الساحة
السياسية أكثر سعاراً، ويصب جام غضبه على العرب والمسلمين، وخصوصاً الإسلاميين
داخل فلسطين، لا في الأراضي المحتلة بعد عام 1967م فحسب، بل على الحركة
الإسلامية في أراضي 1948م أيضاً، فقد وصفها في حديث أدلى به في (2/10/2002م)
بأنها كالورم السرطاني الذي يمكن أن ينمو ويكبر مع الزمن، وطالب باعتبار تلك
الحركة خارجة على القانون، وطالب بتفكيكها واعتقال زعمائها، وجاء هذا الهجوم
بسبب قيام نحو 30 ألفاً من عرب 1948م بإحياء مهرجان بعنوان: (الأقصى في خطر)!
ولا ندري: ما الذي يزعج النتن إلى هذا الحد؛ من أن يقال: الأقصى في خطر؟!
نتنياهو ينافس شارون اليوم على
الإرهاب اليهودي، بل لا نبالغ إن قلنا إن دوره في ذلك الإرهاب أخطر، من حيث
التنظير لتوسيع دائرته، فهو عضو أصيل في هندسة الاستراتيجية الأمريكية في
(الحرب ضد الإرهاب) التي جرى الإعداد لها طيلة عقد التسعينيات، وله كتاب في ذلك
بعنوان (استئصال الإرهاب)، ألفه وقدمه نصيحة للولايات المتحدة عام 1996م، يكاد
من يطالعه أن يوقن بأن اليهود من أمثال نتنياهو هم الذين هيؤوا لأجواء الحادي
عشر من سبتمبر؛ كي يوصلوا أمريكا والعالم إلى مثل الوضع القائم الآن. فالكتاب
مليء بالتحريض والتخويف والوشاية بالعرب المسلمين، قبل أن تحدث أحداث سبتمبر
بخمس سنوات، ومما جاء فيه:
(*)
«إن هدفي الأول من هذا الكتاب هو توجيه اهتمام المواطنين في الغرب عامة، وفي
دولة إسرائيل خاصة إلى طبيعة التحدي الإرهابي الجديد الذي يواجه الأنظمة
الديمقراطية اليوم، نوجه نصيحة للرؤساء ولرؤساء الحكومات ولأعضاء الكونجرس
والبرلمانات بالمحافظة على أمنهم ومستقبلهم من خطر الإرهاب المدمر» (ص 152).
(*)
«غريب أن أياً من الدول الغربية، ورغم التقدم الاقتصادي والعسكري الهائل،
وخصوصاً الولايات المتحدة؛ لا تستطيع أن تحصن نفسها ضد الإرهاب» ص (9).
(*)
«إن لم يتم قمع الإرهاب واستئصال شأفته، فقد يصبح تحــديه غير ســهل، وإذا
نجحت تجربة للإرهـاب في دولة معينـة ـ ولا سيما إذا كانت أكبر دولة في العالم ـ
فسيغري ذلك بالمحاكاة في دول أخرى» ص (13).
(*)
«إن إمكانية الولايات المتحدة التقنية، وخاصة وسائل التصنت والتصوير، تفوق ما
بحوزة دول أخرى؛ لهذا فإنها تستطيع تعقب الحركات الإرهابية» ص (24).
(*)
«صدقت االمحكمة العليا أثناء الحرب العالمية الثانية على تقديم الأمريكيين
المشتبه في تعاونهم مع النازيين إلى المحاكم العسكرية، بل وإجراء حملات اعتقال
مخيفة للأمريكيين من أصول يابانية» ص (26).
(*)
«كان الإرهاب إحدى الوسائل الأساسية للسياسة الشرق أوسطية عبر مئات السنين» ص
(61).
(*)
«كنت مقتنعاً بأن مفتاح إجهاض الإرهاب الدولي؛ هو قيادة الولايات المتحدة لهذا
الصراع، وبوقوفها على رأسه سوف تجذب القيادة الأمريكية باقي دول العالم الحر
إليها، كما يجذب الديزل عربات القطار» (68).
(*)
«ساد اعتقاد خاطئ في الولايات المتحدة في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات
بأن الإرهاب ليس سوى نتيجة للقمع السياسي والاجتماعي، وتستحيل هزيمة الإرهاب
دون تصفية الظروف التي خلقته» ص (68).
(*)
ضربت إسرائيل مثلاً مشرقاً لمكافحة الإرهاب عسكرياً، ورفضت الحكومات
الإسرائيلية المتعاقبة الخضوع لمطالب الإرهابيين» ص (69).
(*)
«أكدت ـ عندما كنت سفيراً لإسرائيل بالولايات المتحدة عام 1983م ـ أن الغرب
يستطيع القضاء على الإرهاب الدولي شريطة تبني مبدأين: الأول: رفض الخضوع
للإرهاب، والثاني: استعداد الغرب لمواجهة الأنظمة الراعية للإرهاب».
(*)
«جذور العداء للغرب راسخة لمئات السنين في الثقافة السياسية العربية الإسلامية
المتطرفة، وهي تمثل القوة الدافعة لها، حتى قبل أن تخرج إسرائيل إلى الوجود»
(*)
«القلة القليلة من رجال العرب هي التي على دراية وثيقة بالحقائق الأساسية
لتاريخ العلاقات بين الإسلام والغرب، وهذا التاريخ يشكل حجر الزاوية للتعليم
الإسلامي في جميع أنحاء العالم العربي الذي يحكي كيف استطاع محمد في عام 630 أن
يجعل من العرب أمة ذات دين مقاتل».
(*)
«لولا دحر شارل مارتل العرب في موقعة بواتيه عام 732، على مسافة 290 كم فقط من
جنوب باريس ـ لكان من المحتمل أن تكون أوروبا قارة مسلمة» ص (86).
(*)
«زعم المتعصبون الإسلاميون أنه يجب العودة إلى الجذور الحقيقية لعظمة العرب
والمسلمين، ودعوا إلى توحيد جميع الممالك العربية تحت حكم إسلامي خالص» ص (89).
(*)
«تبين أن تيار القومية العربية لا يستطيع مواجهة الغرب، عندئذ ازدادت الحاجة
إلى ظهور قوة جديدة تعبر عن مصداقية العرب والمسلمين في مبدأ الرفض التاريخي
للغرب، وتمثلت هذه القوة في الإسلام المتطرف» ص (89).
(*)
«الجماعات الإرهابية تتخفى تحت ستار المنظمات الخيرية؛ لتقوم بجمع المال ونشر
وسائل التحريض، كما تقوم بتجنيد المتطوعين وحشدهم وإعدادهم للمهام الإرهابية؛
للإعداد للمعركة ضد الولايات المتحدة» ص (100).
(*)
«وقعت حكومة إسرائيل في كل الأخطاء التي يمكن لدولة أن تقع فيها في حربها ضد
الإرهاب؛ عندما منحت منظمة التحرير الفلسطينية مناطق تستقر بها، فساعدت بذلك في
اندلاع الإرهاب تحت مظلة منظمة التحرير» ص (120).
وأخيراً اقترح نتنياهو خطوات
عملية لاستئصال الإرهاب كما يراه، تتلخص في:
1 - فرض عقوبات دبلوماسية
واقتصادية وعسكرية على الدول الإرهابية.
2 - «إبادة» بؤر الإرهاب التي لا
تخضع لدول مستقلة، كالأراضي التابعة لحزب الله، أو لحماس، وحزب العمال الكردي،
ومناطق الإرهاب في باكستان وأفغانستان وكشمير.
3 - تجميد الممتلكات الخاصة
بالدول والمنظمات الإرهابية الموجودة في الغرب.
4 - نشر الثقافة المضادة للإرهاب.
5 - الدعوة إلى إدخال تعديلات في
مناهج التعليم في بلاد المسلمين
|