والله غالب على أمره
وقفات مع حدث اغتيال الشيخ
المرابط
د.
معن عبد القادر
لا يزال حدث اغتيال الشيخ المجاهد القدوة المجدد أحمد ياسين حياً في وجدان
جماهير المسلمين، وملقياً بظلاله على مناح دينية وسياسية واجتماعية كثيرة،
وقد كان بلا جدال الموضوع الأوحد للخطبة في الجمعة التي تلت الحدث ولازال
حديث المجالس والمنتديات والمواقع.
ولا شك أن الحدث جسيم والخطب جلل، ومن أهم الاعتبارات التي أعطت الحدث هذه
المكانة وتلك الأهمية وذلك الانتشار والتأثير ثلاثة :
1.
همة الشيخ – رحمه الله – واجتهاده ووعيه وحكمته وشجاعة مواقفه. هذا الصفات
التي أثمرت – برعاية الله – حركة إسلامية
جهادية تكاد تكون الحركة الوحيدة التي أجمع المسلمون قاطبة- على اختلاف
توجهاتهم وتباعد بلدانهم- على قبولها وتأييدها ودعمها حتى على المستوى
الرسمي .
2.
حالة الشيخ الصحية من شلله وضعف بدنه وتزاحم الأمراض فيه، مما أوجد تقديراً
فوق العادة لجهده وهمته : فقد قام بأمور عظام عجز فيها الأقوياء الأصحاء،
وهو من أهل الأعذار.
ولعل هذا السبب بالذات أوجد تعاطفاً كبيراً مع الحدث حتى عند غير المسلمين
وغير المناصرين لقضية المسلمين العادلة في فلسطين .
3.
الطريقة البشعة التي تم بها الاغتيال بثلاث صواريخ تطلق من السماء لا لتفجر
رتلاً من الدبابات ولا سرباً من السفن، ولكن لتفتت جسداً منهكاً يقتات على
المغذيات والأدوية والمقويات. ولو ترك الشيخ ليموت على فراشه بمرضه لما كان
للحدث هذا الذي كان.
إن عناية الله بهذا الشيخ الجليل وإرادته أن يكرمه ويعلي شأنه ويرفع درجته
لأمر ظاهر، ونحن لانعلم الغيب ولا نفتئت على الله، ولكن الله سبحانه جعل
لنا علامات على حبه وقبوله للعبد، نراها ظاهرة في حال هذا الشيخ الجليل
رحمه الله .
إن المتأمل في أقدار الله، وسوقه للأحداث حتى يظهر أثر هذا الشيخ ويعز شأنه
ليرى عجباً. ولنا مع هذا الحدث من هذه الجهة وقفات .
1-
وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً.
الله أكبر! من كان يظن أن إصابة شاب يافع بالشلل وهو ابن الستة عشر ربيعاً
ليقضي جل عمره على كرسي متحرك وليقوم بما قام به من جهد ودعوة وهو مشلول،
هو عينه محل كرامة الله لعبده، ومن جهته كان رفع القدر والمنزلة والذكر
الحسن ؟
إن الإنسان ليجزم أنه ما من أحد من أقارب هذا الشاب وأصحابه ومحبيه إلا كره
ما أصابه من الشلل، ولكن الله بحكمته ، وعجيب قدره ، ولطيف أفعاله جعل في
ذلك الخير كل الخير . (إن ربي لطيف لما يشاء ، إنه هو العليم الحكيم) .
و ماأشبه ذلك بما فعل الله بموسى – عليه السلام – حين أسلمه إلى يد فرعون
لينشئه في قصره ، فيربو في عزة ومنعه بعيداً عن أجواء الاستضعاف التي كان
يعيشها بنو اسرائيل، ليكون له بعد ذلك شأن آخر (( فالتقطة آل فرعون ليكون
لهم عدواً و حزناً)) فلله الحكمة البالغة!.
لقد كانت همة الشيخ وجهاده في سبيل الله على شلله وضعف بدنه آية من آيات
الله ، أعظم الله بها أجره ورفع بها ذكره أضعاف ماكان يرجو لو كان صحيحاً
معافىً .
فمتى نسلم أمرنا لله – كتسليم الشيخ – فنعلم أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا ،
وأن البلاء خير للمؤمن، وأن تدبير الله لعبده خير من تدبيره لنفسه ؟ متى
نستقبل مصائب الدنيا بالرضا بله الصبر والتسليم ، ونرى فيها يعين البصيرة
خيراً أريد للعبد المسلم ، بل لعله اصطفاء له وتكريم ؟
2-
يا شارون .. قد وقع بك الله ماكنت تحذر
والعبد المؤمن يرى عجباً كيف سخر الله عدوه ، وساقه إلى هذا الفعل الأحمق
ليعلي قدر وليه ، وينشر له الذكر الحسن . تماماً كما سخر الملك الظالم
ليرمي الغلام الضعيف، فيؤمن الناس برب الغلام، وينقلب السحر على الساحر،
ويقع الملك فيما فر منه ويكون زوال ملكه من حيث ظن حفظه ((فأتاهم الله من
حيث لم يحتسبوا )) . إن الشيخ ميت لامحالة ، لكن الله اختار له الشهادة.
إنه لو حلف حالف أنه لايتصور أفضل مما حدث تكريماً للشيخ ، واستقباحاً من
العالم أجمع لفعل يهود، وجلباً لغضبة المسلمين عليهم، واستثارة للأمة
وإيقاظاً لها لما كان حانثاً. فالحمد لله على قضائه وقدره وحسن تدبيره
لأوليائه ، ومكره بأعدائه .
3-
آمنا برب غلام .
هل يوقظ هذا الحدث الأمة ، ويبعث فيها الروح، فوق الانفعال العاطفي المؤقت
؟
هل يُحدث في حياتنا رجعة إلى الله، وإيماناً بالجهاد، وحباً في الشهادة،
وثباتاً على الدين، ومعرفة بالعدو، ومعاداة له، ونصرة لإخواننا المسلمين ،
وشعوراً بمعني الجسد الواحد، وتقديراً لقيمة الإخلاص في الأعمال، و قطعاً
للاعتذار بالأعذار الواهية عن القعود عن العمل لدين الله؟ إنا إن فعلنا ذلك
، أو بعضاً منه، لرددنا اليهود بغيظهم دون أن ينالوا خيراً، ولثأرنا لمقتل
الشيخ أبلغ الثأر.
يتطلع المسلمون اليوم – وقد امتلأت قلوبهم حنقاً وغضباً على اليهود – إلى
كتائب عزالدين القسام لتنتقم لهم بعمليات فدائية جريئة ، وذلك الظن بهم ،
ولكن لماذا نحصر الرد ونحمل مسئوليته الكاملة أولئك الأشاوسة فقط؟ ولماذا
لا يقوم كل منا بدوره في استثمار الحدث إيجابياً وإلى مدى بعيد ؟
حين قتل الملك الغلام، نادى الناس بصوت واحد : آمنا برب الغلام ، لما رأوه
من عجز الملك وثبات الغلام، وصدق دعوته. فخدت لهم الأخاديد ، وخوفوا بالقذف
فيها إن لم يرجعوا عن إيمانهم ، فثبتوا ، واختاروا الباقية على الفانية ،
فزال ملك الملك ، وباء بلعنة الله (( قتل أصحاب الأخدود )) وعذابه (( فلهم
عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق )) وكتب الله لأوليائه الجنة (( إن الذين آمنوا
وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار )) وخلد ذكرهم إلى يوم
القيامة مثالاً في الإيمان بالحق والثبات عليه (( وما نقموا منهم إلى أن
يؤمنوا بالله العزيز الحميد )) . |