انتفاضة الأقصى

 

 
 

أحمد ياسين.. معالم تربوية

   

عماد الدين الكناني

في تاريخنا الإسلامي رجال عظماء..

حينما يغادر أحدهم ميدان الحياة الدنيوية ملتحقاً بالرفيق الأعلى.. فغالباً ما يخلّف دروساً وعبر.. قد لا تكون مكتوبة بمداد الأقلام.. لكنها ثابتة كالنقش في الحجر.. لا تخطئها عين المتأمل..

من جملة هؤلاء إمام مجاهدي فلسطين أحمد ياسين..

الرجل دُرَّةٌ في جيدِ أرض (الدُّرّة).. تاريخ ناصع.. يقتحم عالمك.. يجبرك على تأمل المعاني النبيلة في سيرته.. والدروس الجليلة في مسيرته.. وهذه بعض وقفات.. على عجل..

 

 (1)

فالزم يديك بحبل الله معتصماً

 جمعٌ غير قليل من أصحاب القضايا العادلة.. قد يبتلى بخذلان أقرب الناس إليه..

البعض يصاب بالحيرة.. يظن أنها النهاية.. فيركن.. ويبتئس.. وقد يتخلى عن قضيته.. والبعض الآخر يطالعون ما وراء ذلك.. ينظرون خلفَ حُجُب الإحباط.. يعلمون أنّ هناك أسباباً أقوى من أسباب الأرض.. إنها أسباب السماء.. الملاذ الآمن..

ومن هذا البعض.. شيخ المجاهدين.. أحمد ياسين

    تلفت الرجل.. سمع نحيب طفل يبكي: أنا من يافا، أنا من صفد.. سرقوا بلدي.. سرقوا بلدي.. بلدي المحتل فلسطين..لم يزهر فيه الليمون.. مُذ هبَّت ريحٌ سوداء.. جعلت من أرض الأزهار.. مرعىً للموت وللثأر..

سمع استغاثات الثكالى.. وأنّات الأرامل..

تلفّت الرجل يبحث.. يُمنّى النفس بنخوة المعتصم لكنه..لم يجدها.. فهي في أدبيات القوم تراث غابر: رب وامعتصماه انطلقت.. ملء أفواه الصبايا اليُتَّمِ..

لامست أسماعهم... لكنها..لم تلامس نخوة المعتصم..

لمن يرفع أمره.. لهيئة الأمم.. أم للجامعة العربية؟!.. إنها بروتوكولات تشريفية.. ومقررات فارغة.. لا تصلح للاستهلاك الآدمي.. وهذا ما اكتشفه بنفسه..

قلَّب بصره.. وجال بنظره في تلك المساحة مترامية الأطراف..لم يستبشر طويلاً!..

لقد هاله المنظر.. وفجعه ظلم الأقربين: غثاءٌ.. وخيبةٌ تتمدد بحجم المساحة من (طنجة) إلى (جاكرتا).. ابتلع الغصّة..كان طعمها أشد مضاضة من ضرب الحسام المهند..

طعمُ الغصّة نبّهَه.. ففطنَ..واستدرك.. وصحَّح مساره.. سلك طريقاً آخر..

فالزم يديك بحبل الله معتصماً.. فهو الركن إن خانتك أركان

كان المسار الآخر.. إلى ربّ المعتصم.. نِعْمَ الرب.. ونِعْمَ الملاذ.. يكف الرزية.. ولا يجور في القضية.. (فنعم المولى ونعم النصير)..

وإنما رجل الدنيا وأوحدها.. من لا يعول في الدنيا على رجل..

 

(2)

القدوة والإمامة:  صبرٌ... ويقينٌ..   وسمتٌ صالح..

 بعض أهل الخير.. حينما تراه.. يثير في نفسك كوامن الخير.. وهو أمر مهم.. يشكل ركيزة مهمّة في العمل التربوي.. لكن.. للأسف: مربون كُثُر يفتقدون هذا الشيء..

أيها المربّون.. ما رأيكم لو بحثنا عن مثال واقعيّ؟!.. عند أحمد ياسين..

للرجل تأثير عجيب.. بلا كثير حديث.. فشيخ المجاهدين.. غدا إماماً يحتذي به.. لقد سلك طريق الإمامة لم يطلب الزعامة.. هي التي طلبته.. والله حسيبه..

لابن القيم، دُّرر ولآلئ كثيرةٌ.. يعرفها من ذاق لذَّة الغوص في بحور كتبه.. ومنها هذه:

بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.. واستدل بالآية: ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا، لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) السجدة: 24

الحرب صبر... واللقاء ثبات... والموت في شأن الإله حياة...

الجبن عار... والشجاعة هيبة للمرء ما اقترنت بها العزمات..

 حقاً: إن من الناس مفاتيح للخير.. مغاليق للشر.. وهكذا شيخ المجاهدين..

سمته يثير في النفس شيئاً له وجه شبه بمقولة سفيان.. إن لم يكن عين المقولة: ( إنّ لي أخاً بالعراق.. كنتُ إذا رأيته عبدتُ الله برؤيته شهراً! ).. وإن شئت فقل: أمر الرجل أشبه بما حكاه ابن الجوزي في ( صيد الخاطر ) عن أثر ملاقاته للشيخ أبي منصور الجواليقي: ( ففعل بكاؤه في نفسي.. ما لم يفعله علمه.. فأقول: الدليل بالفعل.. أرشد من الدليل بالقول! )..

الرجل لم يكن مدمن حديث.. لم يكن يعشق الجعجعة.. فقط كان يعشق رؤية الطحين! ..

مقامه في الميدان..لم يكن يحتمل سوى العمل.. العمل فحسب، لا غير!..

 أما الرجال فنِجْحُها في فعلها لا في الكلام..

يزهد في المقال.. وأكثر الحديث كان يدعه لأبلغ لسان.. فوهات البنادق.. وكأني به يترنم: وتركت للرشاش أن يتكلّما.. ويحيل أوكار العدو جهنَّما.. ولكل مقام مقال!..

 

(3)

من خان حي على الفلا ح..يخون حي على الكفاح

حرصٌ على العبادة.. في جو محفوف بالمكاره..

رجل عذره الله تعالى: جسدٌ منهك.. وخطرٌ ماثل.. وموتٌ يتربص.. فأين شباب الإسلام من هذا الموقف..رغم الاحتمالات الساخنة: قصف الطائرات.. دويّ القنابل.. يذهب شيخ المجاهدين للمسجد.. ومتى؟.. صلاة الفجر..

دعونا من صلاة الفجر... فالبعض يعدها مرتقىً صعباً.. فقط، سل نفسك عن غيرها.. أيّها الشاب ما هو حصادك من بقية الصلوات؟.. إجاباتٌ كثيرةٌ ستصب في خانة فارغة.. اسمها: لا شيء..

الصلاةُ خيرٌ موضوع.. وأحمد ياسين.. تجاوز أمر المحافظة عليها.. وارتقى عالياً.. فقد جعلها من أهم أسلحة المعركة.. فهي معونة.. يعجز عنها كل (دعم لوجستي).. واستعينوا بالصبر وبالصلاة..

ذهابه للمسجد كان في حد ذاته رسالة.. تشبه تلك التي بعثها أبو دجانة للمشركين بمشيته المتبخترة.. وفي الأثر النبويّ: " مشيةٌ يبغضها الله إلا في هذا الموضع ".. يعني أرض المعركة..

وفلسطين.. كلها.. أرض معركة.

في ذلك اليوم.. صلى إمام المجاهدين الفجر في المسجد.. وخرج يتبختر بكرسيه ذي العجلات.. يغيظ أعداء الله.. ويثبت إخوانه المجاهدين.. ولسان حاله يقول: ركضاً إلى الله بغير زاد.. إلا التقى وعمل المعاد.. خرج بجسده.. تاركاً قلبه معلقاً هناك.. تم إيقاظ الملعون.. شارون!.. لقد وقعت الفريسة في الفخ!..

قومٌ بلهاء.. رجل صلى الصبح.. أصبح في ذمة الله.. فأين الفخ.. ليس ثمّة فخ..

الفخ الحقيقي.. لمن لقي الله وهو عليه غضبان.. ليس له عهد عنده.. فخٌ.. ولا أسوأ منه..

 

(4)

مفاهيم جديدة..واستثمار رابح

الواقع في أسوأ أحواله قد يكون استثماراً رابحاً.. وهذا ما لا يعلمه الكثيرون..

بعضنا يهزمه الفشل.. وبعضنا يهزم الفشل، ويغير مفاهيم الإحباط.. ثم يتلذذ بطعمها الجديد.. إنها مفاهيم جديدة.. وأنت الذي يجب أن تقررها..

أحمد ياسين يترك لك بعض المعالم الهادية..

السجن.. النفي.. القتل.. كلها حقائق ثابتة..لكنها في أدبيات الرجل.. كنوْمةِ الرجل الصالح.. يصوغ لها مفهوماً جديداً.. ويطوّعها لله: ( إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي )..

نعم، لم يعد مفهوم السجن: أسوار عالية.. وضيق.. وحرس مدجج بالموت.. فنداء الإيمان يقول غير هذا: أخي؛ أنت حرٌ وراء السدود.. أخي؛ أنت حرٌ بتلك القيود..

إذا كنت بالله مستعصما.. فماذا يضيرك كيد العبيد؟!..

إذا أُسِرَ الجسد.. رهن الاعتقال.. أو الإقامة الجبرية.. فقل لي بربك: من الذي يقوى على حبس روحٍ تنشُدُ التحليق في أوسع فضاء... وأرحب ساحة... في الملكوت الأعلى؟!..

في معية الله.. يغدو سمُّ الخياط ميداناً فسيحاً..

فالمسجون من سجنه هواه.. والمأسور من أُسرَ عن ربه..

الحرية..لم تعد هي الفضاء الواسع، وحرية التجوال.. وأي حرية هذه وحرماتُ الله تُنْتَهَك؟ ..النفي هو الآخر.. لم يفلت من صياغة متجددة لمعانيه.. فالغربة لم تعد من المعاني الدالة علية..

لقد غدا كل شيء خاضعاً لمفهومٍ آخر، وصياغةٍ جديدة.. تُسْتَلْهَمُ من تضحيات سلفنا الصالح..

فالنفيُ سياحة.. والقتلُ شهادة.. والسجنُ خلوةٌ للعبادة..

مفاهيم جديدة.. لكنها للأصفياء!..

 

(5)

قوة العزم.. وعزم القوة

كثيراً ما نتضجر من جوانب عجزنا.. لكنَّ نظرةً فاحصةً للذات قد تكشف عن جوانب إيجابية ومشرقة.. كامنة في ذواتنا.. إما أننا لم نجتهد في البحث عنها.. أو أنّ كثرة التضّجر قد خلقت غشاوةً من الإحباط أعمتنا عن التفرّس في هذه الجوانب برغم وضوحها عند بعضنا..

بالمفاهيم السائدة.. والقاصرة.. أحمد ياسين رجل عاجز..

وبمفاهيمه التي أرساها.. الأمر ليس كذلك.. فالرجل صاغ مفهوماً جديداً للعجز.. فالعجز عنده لا يكمن في: شلل الأبدان.. أو الإعاقة..

إنه يكمن في: شلل الهمّة.. ووهن العزيمة.. وخمول الفكرة..

عظمة الرجل تكمن في أنه.. لمح في نفسه جوانب إيجابية فاستثمرها.. وهكذا أصحاب الهموم الكبيرة.. والهمم العالية.. لا تحبسهم الأعراض.. ولا تهزمهم الأمراض.. فالابتلاء محطة لمراجعة المسار وتصحيحه.. ونقطة للانطلاق نحو الإنجاز.. شعارهم: ( وعجلت إليك ربي لترضى )..

اقبل على النفس واستكمل فضائلها.. فأنت بالروح لا بالجسم إنسان..

وقد أقبل أحمد ياسين.. فتحرر من أغلال الجسد.. وحسم المعركة لصالح الروح.. وبالتالي.. تحرر من قيود التعريف وأغلاله.. فلم يعد يشمله..

حقّاً: إذا كانت النفوس كباراً.. تعبت في مرادها الأجسام..

بهذا المنطق لم يكن الكرسي المتحرك دليلاً على عجزه في يوم من الأيام.. بل أضفى له تفرّداً.. لأنه غير الكراسي.. مختلف عنها تماماً.. و العبرة ليست بالكراسي.. لكن.. بمن يجلس فوقها!

الرجل في بداياته.. أدار معركة ضد ذاته.. وهزم العجز.. وأجلاه عن ميدان نفسه.. وبعدها..لم يكن له من الإعاقة إلا المظهر.. أما المخبر.. فلا والله.. لم يكن العجز ليتسلل إليه..

قلبٌ ذاكر.. ولسانٌ شاكر... وجسدٌ على البلاء صابر.. والله حسيبه.. ترى أين هو العجز؟!.. لم يبق له متسع.. فها هو.. من على كرسيه ذي العجلات.. يهز كراسي الطغاة..

لقد فعل الرجل مالم يفعله أصحاب الكراسي الوثيرة!..

شوارع المستعمرات.. آه..عفواً: بل المغتصبات!..

شوارعها في ( غوش غطيف ).. ( نتساريم )..( كريات أربع ).. تخلو من المارة.. لقد لزم أحفاد القردة والخنازير بيوتهم.. بل سجونهم..

لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله..

حتى تل أبيب العاصمة.. لم تعد عاصمة.. لقد باتت ( قاصمة )..

الرعب دفع الحالمين (أن يُعمّروا ألف سنة) للتفكير بتفكيك المغتصبات.. والرحيل عن بعضها!..

بقوة العزم.. وعزم القوة.. عزم أحمد، ورفاقه.. وقبل ذلك كله: بمعونة السماء التي لا تنضب.. وحبلها الذي لا ينقطع.. المشهد القرآني نفسه.. يتكرر:

وقذف في قلوبهم الرعب، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين..

إشارات النبوة كان لها قدحٌ معلى في صناعة عزمهم: " ثم لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك قالوا يا رسول الله؛ وأين هم؟ قال: " ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس " رواه أحمد (22374) والطبراني في المعجم الكبير (754)

كلها إشارات.. وكلها بشارات: كونهم ببيت المقدس.. وبأكناف بيت المقدس.. كونهم يقهرون عدوهم..لا يضرهم شيء رغم اللأواء..

رواية الطبراني تصف ما يلاقونه من الشدّة واللأواء: "... وهم كالإناء بين الأكلة ".. نعم، هم كذلك.. تكالب الأعداء.. وخذلان الأبناء..

 لكنهم.. أولو عزم.. يثابرون.. ويصابرون.. يعزون أنفسهم بحسن العزاء:

إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون، وترجون من الله ما لا يرجون..

ومن لمحَ نورَ الأجرِ هان عليه ظلامُ التكليف..

لله درّهم.. كأني بعزمهم يقول: من غيرنا.. يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش.. وينتصر؟!..

 

 (6)

طعم الحياة.. ولونها.. كن جميلا ترَ الوجود جميلا

 كم هم الذين يحتاجون لتصحيح نظرتهم للحياة؟!..إنهم جم غفير!..

منهم من قد حيزت له الدنيا بحذافيرها...بدنٌ صحيحٌ معافى... أمنٌ في النفس والمال.. وكثيرٌ من هؤلاء لا يملك قوت يومه فحسب.. بل يملك قوت عقد من الزمان!.. ومع هذا كله.. فأكثرهم يقتني منظاراً أسود.. يرفض أن ينظر للحياة إلا من خلاله..

بعضهم...يشكو علناً.. والبعض الآخر يعاني سراً..

القاسم بينهم.. أنهم يعانون من.. الاضطرابات النفسية.. القلق.. وبلغة أخرى (الطفش).. كلهم تائه..لا يدري لم خُلِق؟!.. جُلُّهم لا يعرف ما دوره في الحياة؟!..

إنهم بحاجة لاستلهام العبرة من رجل المسيرة..ومن مسيرة الرجل..

فبرغم العلل... والشلل.. حدَّد الرجل نظرته للحياة.. وبحصافته اختار دوره..

حدَّد الطعم..برغم علقم الخذلان الذي يتجرعه يومياً من كئوس أمته.. اختار اللون.. فلم يحبطه لون الدماء.. والرائحة أيضاً.. هو الذي اختارها.. رغم طغيان رائحة (البارود)..

انطلق الرجل من مساحة صغيرة... كرسي تحمله عجلات.. وقبل انطلاقه من الكرسي.. انطلق من عقيدة راسخة.. وحدَّد معالم دوره: أن يحيا لله.. ويموت لله..

بهذا وحده لا غيره.. أدرك السرَّ.. فعرف للحياة طعماً مميزاً.. ورائحةً زكيةً.. ولوناً بهياً.. 

شاعر نصراني بلا عقيدة.. يقول مخاطباً المتخبطين...المتشائمين... والمحبطين:

أيها المشتكي وما بك داء.. كيف تغدو إذا غدوت عليلا

إنَّ شرَّ الجناة في الأرض نفسٌ.. تتوقى الرحيل قبل الرحيلا

وترى الشوك في الورود وتعمى.. أن ترى الندى فوقها إكليلا

والذي نفسه بغير جمال.. لا يرى في الوجود شيئا جميلا

إنَّ أحكم الناس في الحياة أناسٌ.. عللوها فأحسنوا التعليلا

رحمة الله على الرحل..

لم يكن الرجل يرى الندى فوق الورود فحسب.. بل كان يراه حتى في الشوك.. فالمحنة عنده منحة!.. يحسن الظنَّ بالبلايا.. وما أدراه؟!.. فعسى أن تكون عين العطايا!..

شرُّ الجناة في فقهه: رجل عاش لغير الله.. وجمال النفس عنده.. نابع من حمال العقيدة.. وحياة الرجل.. وموته.. عنوان على فهمه وتعليله للحياة..

 

(7)

ارسم منهجك.. واختر لنفسك خاتمة

 سل نفسك: ما هو منهجك في الحياة؟.. أي خاتمة تحب؟.. وأي المقاعد الأخروية اخترت؟..

البعض يموت ساجداً أو متكئاً على سارية المسجد ينتظر الصلاة.. وآخر يموت متكئاً على مدفعه الرشاش.. كلاهما ذاكر لله.. وكلاهما في رباط..

البعض الأخر يرسم لنفسه منهجاً.. لكن عبر (بانكوك).. في حانات الخمارين.. وبيوت البغاء.. وكأنه يجتهد ليختم بأسوأ ما اختطه عقل إبليس.. إن كان له عقل!..

 أو على أقل تقدير.. يجتهد ليأتي (مفخخاً) بالإيدز.. ليكون قنبلة موقوتة ضد قومه..

كثيرون يفتقدون لنهج واضح في الحياة..تيه.. وحيرة.. وتخبّط.. وكثيرون لا يحسنون الاختيار..

أمّا شيخ المرابطين.. فأمره عجيب!.. لقد كان دوماً يجتهد في رسم خاتمةٍ.. وفق ما يشتهيه الصالحون.. خاتمةٌ يحبها الله تعالى.. بتوفيق الله.. وكلٌ ميسّر لما خُلق له..

وعن منهجه لا تسل!.. لقد فرغ من تحديد معالمه مبكراً: عزّة الدين، ونصرة أهله..

بالكتاب الهادي.. والحديد الناصر..

قرينان لا يفترقان.. جمع بينهما صاحب العزة جل وعلا في كتابه العزيز.. فقال: ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات والهدى وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قوي عزيز ) سورة الحديد: 25.

إنه منهج القرآن...وهدي الأنبياء..

فنعم الرجل.. ونعم الطريق: كتابٌ خالدٌ.. وقذيفةٌ تحرسه وتصونه:

أنا عائد.. أقسمت أني عائد..

ومعي القذيفة والكتاب الخالد.. ويقودوني الإيمان نعم القائد..

نعم الرجل.. ونعمت الخاتمة.. والله حسيبه..

تحكي أم عياله ورفيقة دربه قائلة: قبل يوم من استشهاده...جمع أفراد الأسرة وقال لهم: هناك إحساس قوي ينتابني.. أنني سوف ألقى الله شهيداً.. تقول: في ذلك اليوم.. يوم الاثنين.. صلى الفجر في المسجد.. كان صائماً.. فقد كان متعوداً ومستكثراً من صوم الاثنين والخميس.. ليقضى الله أمراًً كان مفعولاً..

يجودُ بالنَّفسِ إذا ضنَّ البخيلُ بها.. والجودُ بالنَّفسِ أقصى غاية الجودِ..

هكذا كانت المعادلة:جسد لا يتحرك فيه شيء إلا الرأس.. وثلاث صواريخ!..

وحُقّ للرجل أن يموت هكذا.. فقد اختار الرجل لنفسه طريقاً.. اسمه درب الابتلاء.. كان يتهيأ للخاتمة.. لأنه يدرك كنه الطريق.. فنعم الختام.. والله حسيبه..

لله دره!.. ماذا يضيره.. فمن صلى الصبح فهو في ذمة الله..

لله دره!.. عَذُبَ ماؤه.. فأضحى فراتاً.. وفاضَ.. وعلا.. حتى جاوز القنطرة؟!..

وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث.. والله حسيبه..

بمفهوم أهل الإيمان: هي قسمة فاضلة.. فإن لم يكن البلاء لأمثال هؤلاء فلمن يكون يا ترى؟!.. فـ ( أشد الناس بلاءاً الأنبياء، ثم الأمثلُ، فالأمثلُ، يبتلى الناس على قدر دينهم، فمن ثَخُنَ دينه اشتد بلاؤه، ومن ضَعُفَ دينه ضَعُفَ بلاؤه، وإن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي بين الناس ما عليه خطيئة ).. والله حسيبه..

كان الرجل يحلم بهذا الخاتمة.. يقظةً.. ومناماً.. من كرسيه المبارك.. ومقعده ذي العجلات.. يحلم بمقاعد السماء.. ويُمنّي النفس بمقعد صدق عند مليك مقتدر.. والله حسيبه.. ولا نزكي على الله أحداً..

اللهم ارحم أحمد ياسين.. واجعل قبره روضةً من رياض الجنة..

واخلفه بالخير في عقبه.. وانصر إخواننا المجاهدين..