|
في ظل الأجواء المحمومة التي تسبق الانتخابات الفلسطينية انقسم الشارع الفلسطيني ما بين فريق مؤيد للانتخابات يرى فيها أملاً للخروج من أزمة الفساد التي تعصف بالبلاد، وآخر يرفضها جملة وتفصيلاً؛ فهو يعتبرها مطلباً أمريكياً، ولن تحقق للشعب الفلسطيني شيئاً. بين هذين الفريقين تجولنا نستطلع الآراء ونستكشف الأسباب. كما كانت لنا وقفة مع قادة الفصائل الفلسطينية الذين صرحوا بآرائهم تجاه عملية الانتخابات وسيرها.
■
شمعة في درب الظلام:
سامر الهندي (طالب جامعي) عبر عن فرحته بالانتخابات الفلسطينية، ويعلل سعادته قائلاً: «إنها السبيل الوحيدة للإصلاح والخروج من حالة الفساد. صحيح أن الحركات التي تتميز بنزاهتها في أوساط الشعب قاطعت الانتخابات الرئاسية؛ إلا أنها ستشارك في بقية الانتخابات وهو أمر يدعو للتفاؤل».
ويؤيد الحاج ربحي مطير الانتخابات فبثقة يحدثنا: «حين سنختار من سيحكمنا فأمامنا مظهر ديمقراطي لم نشهده في أية دولة عربية. لدينا سبعة من المرشحين للرئاسة، ولن يجبرنا أحد على اختيار هذا وتجنب ذاك». ويواصل: «بيدنا إذن أن نقرر مصيرنا والوصي علينا».
أما حامد الشوا (صاحب محل) فيروي لنا سبب تأييده للانتخابات قائلاً: «كنا نشكو في السابق من تفرد السلطة وأفرادها بالحكم واتخاذ القرارات ونشكو الفساد، وها هي الفرصة جاءت للتغيير؛ فلماذا ندعها تفوت؟ لا بد أن نواكب عملية الانتخابات، وبدلاً من لعن الظلام علينا أن نوقد شمعة».
وينظر الشاب سالم ياسين إلى الانتخابات على أنها خطوة أولى في ترتيب وإصلاح البيت الفلسطيني ويضيف: «دعونا نأمل أن الأفضل قادم، ولنجرب هذه الخطوة الديمقراطية التي أشعر أنها ستقودنا إلى بر الأمان والوحدة».
■
(موضة) الانتخابات:
وفي جولتنا الثانية التقينا بالفريق الآخر المعارض للانتخابات، وكانت الطالبة سهى الزايغ أول أفراد هذا الفريق؛ حيث قالت بنبرات واثقة: «الانتخابات لن تعيد لنا أرضاً، ولن تُرجع حقاً. هي مجرد رغبة أمريكية تريد من خلالها واشنطن إيهام العالم أن للشعب الفلسطيني الحق في اختيار قيادته ومن يحكمه، ولكن الواقع الذي ستفرزه هذه الانتخابات قيادة مقبولة أمريكياً».
«الانتخابات أصبحت (موضة) أمريكية» بهذه العبارة بدأ المواطن أبو خالد العمصي حديثه إلينا، وواصل: «من يعتقد أن الانتخابات مطلب شعبي فهو يحلم. الانتخابات جزء من السياسة الأمريكية الهادفة إلى تطويع المنطقة العربية وجعلها أداة في يدها».
ويُشبه الشاب رائد الانتخابات التي يجري الاستعداد لها في فلسطين بالانتخابات الأفغانية والعراقية؛ حيث يسوِّغ رفضه لإجراء أية انتخابات قائلاً: «أمريكا تريد حكومة كرزاي وعلاوي في كل بلد عربي، وما يجري عندنا هو تمهيد لذلك».
■
لن تفعل شيئاً:
أما أم خالد الحلبي فقالت: «أنا أرفض الانتخابات الرئاسية وكل أنواع الانتخابات التي ستجري بعدها؛ فالكل يتحدث عن شعارات لن تسمن ولن تغني من جوع، والفساد سيبقى على ما هو عليه، بل قد يزيد، والانتخابات لن تفعل شيئا أمام طوفان الفوضى الذي يجتاحنا»
ويسوِّغ التاجر جبريل عجور رفضه للانتخابات قائلاً: «هذه الانتخابات ستقودنا إلى المفاوضات، ومن ثم السلام الذي لن يحقق لشعبنا حتى أدنى مطالبه، وسنعود إلى مرحلة التسويف والمماطلة».
وتقول الطالبة زينب شمعة قبل أن تحدثنا: «التغيير لن يكون عن طريق انتخابات الرئاسة أو انتخابات البلدية، مصلحة الشعب تكون في قيادة موحدة من كافة الفصائل تقرر مصيره. لنعترفْ: نحن لا نملك مقومات الدولة حتى نتحدث عن الانتخابات» وتستدرك: «بصراحة: مللنا الخطابات ولغة الكلام؛ نريد أن نلمس الأفعال على أرض الواقع».
■
فرصة للتغيير:
فيما يرى الصحافي والكاتب فارس الصرفندي أن هذه الانتخابات فرصة للتغيير، فالشارع الفلسطيني بحاجة إلى مثل هذا التغيير، خاصة بعد وفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات.
وبالرغم من أن أبو مازن - وهو الأوفر حظاً في الفوز بهذا المنصب - يمثل القيادة الفلسطينية الحالية، إلا أن الصرفندي يرى استناداً إلى تجربتنا مع أبو مازن في رئاسته لأول وزارة في السلطة في منتصف العام الماضي يدعونا إلى التفاؤل بأن التغيير سيحدث.
ولا يرى الصرفندي أي وجه شبه بين الانتخابات في الأراضي المحتلة وبين مثيلتها في أفغانستان أو العراق؛ فالانتخابات هنا بموجب استحقاق دستوري فرضته وفاة رئيس السلطة ياسر عرفات؛ إذ وفق القانون الأساسي الفلسطيني فإنه في حال غياب الرئيس لا بد من انتخابات خلال 60 يوماً؛ وهذا ما حدث فعلاً.
■
المقاومة والسلطة لا يستقيمان:
أحمد أبو زينة، فلسطيني يعيش في جنين شمال الضفة الغربية، وهو باحث قانوني، يرى أن المقاومة والتحرر من الاحتلال لا تلتقي مع السلطة والانتخابات.
ويتابع: «هذه الانتخابات تعكس واقعاً مزيفاً للعالم وللرأي العام الدولي، الذي قد يظن أننا كنسنا الاحتلال عن أرضنا، ولم يبق سوى إجراء انتخابات رئاسية، وتوزيع المناصب والواقع غير ذلك تماماً».
ويقول: بناء على التجربة السابقة منذ توقيع أوسلو وحتى اليوم ثبت أنه لا يمكن الجمع بين المقاومة وممارسة السلطة على الأراضي المحتلة.
ويرى أبو زينة أن هناك شبهاً بين الانتخابات الرئاسية هنا وبين مثيلاتها في أفغانستان والعراق من حيث العامل الدولي أو الخارجي، وتاثير الولايات المتحدة في ذلك.
المحامي رسمي أحمد حسان من رام الله يرى أن هذه الانتخابات (ديكورية) لا أكثر ولا أقل؛ فالفائز فيها لن يتمكن من إنهاء الاحتلال أو حتى إزالة حاجز عسكري واحد.
حسان يقول: إن الحل أو البديل يكون في تشكيل قيادة فلسطينية موحدة من الفصائل الإسلامية والوطنية، تتفق على برنامج سياسي موحد، وتدير أمور الشعب الفلسطيني، وتتصدى للاحتلال
■
فلسطيني: أمريكا تريد (أبو مازن) إذن هو سيكون:
الدكتور فريد أبو ظهير أستاذ الإعلام في جامعة النجاح نقل في رأيه ما يسمعه من الناس في الشارع الفلسطيني.
فهو يقول: إن الإنسان الفلسطيني العادي يقول: إن امريكا تريد أبو مازن إذن سيفوز أبو مازن!
ويتابع: «إني أرى رابطاً أو وجه شبه بين هذه الانتخابات وبين الانتخابات التي جرت في أفغانستان أو العراق؛ فهذه ديمقراطية الولايات المتحدة، والشخص الذي تريده هو الذي سيصل إلى الرئاسة بديمقراطية شكلية أو اسمية.
ويسأل الدكتور فريد عن الشرعية ومفهومها في العالم اليوم. ففي العالم العربي لا يوجد لأي زعيم شرعية حتى وإن أجريت انتخابات؛ فالشرعية تولد من الشارع ومن المواطن البسيط، وليس من فوق أو من طرف خارجي مهما كانت قوته وسطوته.
ويرى أبو ظهير أن البديل يكون بتوافق وطني فلسطيني شامل، يتم فيه وضـع الثوابت الفلسطينية كخطوط حمراء لا يجوز لأحد تجاوزها.
■
حسن يوسف: سياسة التفرد لا زالت قائمة:
من جانبه حدد حسن يوسف أحد مسؤولي حماس في الضفة الغربية أسباب عدم مشاركة حركته في هذه الانتخابات قائلاً: ارتسمت صورة جديدة خلال سنوات انتفاضة الأقصى في الواقع السياسي الفلسطيني، وهو انسجام بين هذه القوى الفاعلة على الساحة الفلسطينية، وكانت هناك حوارات وتفاهمات داخلية، ومن ثم أصبح من الممكن التوافق على رؤيا سياسية موحدة.
ويتابع: «ومن ثم كانت هناك دعوة من قِبَل حماس لتشكيل قيادة فلسطينية موحدة تكون بمثابة المرجعية للشعب الفلسطيني والتوافق على إجراء انتخابات شاملة، ولكن مع شديد الأسف ضُرِب بعرض الحائط طلب الحركة، ومن هنا شعرنا بأن سياسة التفرد في اتخاذ القرارات لا زالت قائمة، فقررنا عدم المشاركة».
وسبب آخر يراه الشيخ حسن يوسف مسوغاً لمقاطعة الانتخابات أنه في حال فوز مرشح حركة حماس أو من تدعمه الحركة، معنى ذلك أنه سيكون بديلاً، وهل الآن على أجندة حماس أن تكون بديلاً تفاوضياً أو سياسياً؟ فالبتأكيد لا.
ومن هنا قدمت الحركة المصالح العليا للشعب الفلسطيني على المصالح الذاتية للحركة.
إلى جانب ذلك هناك تصريحات من بعض الدول الأوروبية وأمريكا أنهم يريدون فوز أبو مازن، وإذا لم يحدث ذلك فسيوقفون الدعم عن الشعب الفلسطيني؛ فهل سنتسبب بقيود جديدة على شعبنا؟
■
الانتخابات البلدية وفوز حماس... مؤشرات ودلائل:
حققت حركة حماس تقدماً واضحاً في المرحلة الأولى من الانتخابات المحلية والتي اقتصرت على 26 دائرة انتخابية من أصل 450 دائرة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
حسن يوسف يقول إن حركته حققت فوزاً كاسحاً في هذه الدوائر التي اختيرت بعناية وبتفصيل دقيق من قِبَل حركة فتح.
ويتابع: «بالرغم من أن هذه الدوائر تعد معقلاً لحركة فتح في الضفة الغربية إلا أن حماس فازت في 13 دائرة انتخابية، وحققت قوائمها التي حملت اسم كتلة الإصلاح الإسلامية فوزاً صريحاً فيها.
ويقول: يوسف إن فتح وبعض قيادات بارزة في السلطة حاولت ولا زالت تضغط على بعض الفائزين المستقلين لانتخاب رئيس المجلس من المحسوبين على فتح، إذ إن القانون الفلسطيني المعدل لا يسمح بانتخاب رئيس المجلس مباشرة، بل بطريقة انتخابه من قِبَل الأعضاء الثلاثة عشر المشكلين للمجلس. ومن ثم عندما تكون هوية رئيس المجلس فتحاوياً فسيكون المجلس محسوباً عليها.
■
لا للتفرد في القرار:
وفي حوار مع ممثلي وقادة الفصائل الفلسطينية، فقد أجمعوا على أهمية الانتخابات، وأكدوا على أنها ضرورة وطنية.
الناطق الإعلامي لحركة المقاومة الإسلامية حماس «مشير المصري» أكد على أن الانتخابات مطلب شعبي، وتمثل حالة ديمقراطية؛ ولطالما طالبت حماس بضرورة إرسائها في الواقع الفلسطيني، وأضاف: «حتى اللحظة نؤكد على أهمية الانتخابات، ولقد قاطعنا انتخابات الرئاسة؛ لأن السلطة الفلسطينية ذهبت في طريق يبعد عن الجو العام». ويستدرك: «ولكننا سنشارك وبفاعلية في الانتخابات المحلية وسندرس بإيجابية مشاركتنا في الانتخابات التشريعية».
وأشار المصري إلى أن الشعب الفلسطيني جرب حالة التفرد في القرار والسلطة على مدار السنوات السابقة كان نتيجتها الواقع المأساوي من صراع النفوذ والاقتتال الداخلي ويتابع: «ومن ثم فإن المخرج الوحيد من هذا المأزق أن تكون هناك شراكة سياسية، وذلك عن طريق الانتخابات التي ستعمل على ترتيب البيت الفلسطيني، ونحن نحث الشعب الفلسطيني على المشاركة في الانتخابات، ونأمل أن تكون معول التغيير».
■
أصواتكم للتغيير:
ومن جهته قال القيادي في حركة الجهاد الإسلامي «خضر حبيب» إن حركته رفضت المشاركة في الانتخابات الرئاسية؛ لأنها اعتبرتها امتداداً لسقف أوسلو أما بالنسبة لباقي الانتخابات فسيصدر القرار الخاص بالحركة في حينه وفق دراسة المعطيات على حد قوله.
وأضاف حبيب: «إلا أن الانتخابات بشكل عام هي الوسيلة الأنجع للتغيير والوصول نحو الأفضل؛ كما أن الواقع الفلسطيني يحتم إجراء الانتخابات، ونحن معنيون بإقصاء الفساد وإصلاح الأمور وتحقيق مصالح الشعب».
وأوضح حبيب أن الشعب الفلسطيني يتميز بالوعي، وأنه قادر على اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب، وقال للجماهير الفلسطينية: «التغيير لن يكون إلا عبر صناديق الاقتراع، وبأصواتكم ستصنعون تاريخ المرحلة القادمة».
■
لا تضيعوا الفرصة!
أما القيادي بحركة فتح «دياب اللوح» فقد رأى أن الانتخابات هامة جداً فهي التي ستكرس مبدأ الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني وواصل اللوح قوله: «الانتخابات ستعمل على بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية على أسس ديمقراطية وستأتي الانتخابات بقيادات فلسطينية جديدة منتخبة تستمد شرعيتها من الجماهير الفلسطينية وهو أمر يعزز الوحدة الوطنية».
وأكد دياب اللوح على أن الانتخابات ستحفظ التعددية السياسية للشعب الفلسطيني وتحفظ حقه، كما أنها جزء لا يتجزأ من خريطة الشعوب، وتمنى أن تسير الانتخابات بنزاهة وبطريقة نظيفة، وطالب الجماهير بالمشاركة وألا يفوِّت أحدهم هذه الفرصة.
■
جزء من المعركة:
ودعا «كايد الغول» القيادي في الجبهة الشعبية الجماهير الفلسطينية إلى المشاركة في الانتخابات؛ وذلك لقطع الطريق على أية برامج سياسية تفرضها السلطة لن تكون في صالح الشعب.
وأكد الغول على ضرورة إعلان السلطة للقانون المعدل للانتخابات حتى يتم إجراء الانتخابات التشريعية في أيار القادم، ويتم استكمال الانتخابات المحلية بعدها.
وأضاف كايد الغول: «الانتخابات جزء من معركتنا ضد الاحتلال وضد وجوده، ومن خلال الانتخابات سيكون هناك نظام سياسي مختلط يتيح لجميع القوى الفلسطينية تقديم برامجها، ومن ثم إنهاء حالة التفرد بالسلطة، ولن يبقى الحال كما كان عليه في السابق؛ فنحن بحاجة إلى إعادة تجديد مؤسسات السلطة وفق عملية ديموقراطية».
(*) مراسل مجلة البيان في فلسطين.
السنة التاسعة عشرة
* العدد 208* ذو الحجة 1425هـ * يناير/
فبراير 2005م |