مهمة إيران في العراق

التخريب من الداخل بالتنسيق مع الأمريكيان

محمد القيسي

لقد سبق لـ (هنري كيسنجر) وزير الخارجـية الأميـركـي الأسـبق أن كـتب في مذكراته: (من يريد السيطرة على الأمة العربية والإسلامية فعليه أن يدمر إرادة الأمة العراقية؛ فهي الحلقة الرئيسية فيها). وما ذكره (هنري كيسنجر) لم يكن غائباً عن الإدارة الأمــيركيـة حــــين كـــانــت مـنــكــبَّـة عـلــى الـتـخـطــيـط لاحتـلال الـعـراق فـي محاولاتها الخائبة لتدمير بلد يمتلك حضارة عمرها سبعة آلاف سنة. ولا بد أنهم قد اهتموا بالسؤال الدائم الـذي يـقول: لمـاذا بـقـي العـراق كـمـا هـو والعـراقيون كما هـم لم يتغـيـروا أبداً، ولم تتغير هوية هذا البلد ولم يتأثر دوره، رغم ما تعرض له على مدار التاريخ من غزوات من مختلف الإمبراطوريات الطامعة من يهود وتتار وفرس؛ حيث أخفقت جميع المشاريع التي حاولوا فرضها عليه؟

لذا فقد كان معروفاً، منذ البداية، أن مشروع الأميركان لاحتلال العراق والسيطرة عليه لا يمكن أن يتم لهم من خلال حملة عسكرية فقط دون أن تتوفر له عوامل كثيرة أهمها استخدام إمكانيات أطراف عديدة، محلية وإقليمية ودولية، لكون العراق ليس بلداً عادياً كسائر البلدان؛ حيث جربت أقوام ودول عدة السيطرة عليه، ولم تفلح في تحطيم إرادة أبنائه. فكل الوقائع تشير إلى أن عملية الغزو واحتلال العراق قد ساهمت فيها أطراف عديدة حين استنفر الأميركان الأعداءَ الحقيقيين للعراق ـ وفي تنسيق مستمر ـ من أجل إتمام عملية الاحتلال وتثبيت السيطرة على العراق، وتقاسمه كغنيمة.

وفي مقدمة هذه الأطراف اليهود الصهاينة الساعون للسيطرة على أمتنا، والمدفوعون بالثأر لسبي اليهود في بابل علـى يـد الملك (نبوخـذ نصَّر) مـن جهة، ومـن جـهـة أخـرى لأن العراق كان متمسكاً بدعمه لقضية شعبنا العربي الفلسطيني وعمله على ردع الدولة العبرية قولاً وفعلاً، وكذلك لكونه كان يشكل تهديداً حقيقياً على مستقبل وجود كيانهم في فلسطين المحتلة.

والطرف الآخر هم الإيرانيون الذين دُمرت إمبراطوريتهم الفـارسية على أيدي العرب والمسلمين؛ ولهذا فهم يريدون الثأر لـ (ذي قار) و (القادسية) و (نهاوند) وانتصار العراق عليهم في حرب استمرت ثماني سنوات، وما زالوا يعتبرون العراق عدوهم الأول. وليس هناك ثمة غرابة في مثل هذا التحالف والتنسيق بين هذه الأطراف المذكورة مهما كلَّفهم ذلك من تنازلات بعضهم لبعض لتحقيق أهدافهم المشتركة؛ لأن الأمر لا يتعلق بالعراق وحده كما أشار (هنري كيسنجر) في مذكراته؛ وإنما هو مفتاح السيطرة على كل مقدرات الأمة العربية ومن ثم الإسلامية.

والحقيقة الثابتة الآن أن دور الآلة العسكرية الأميركية الموجودة في العراق قد تم تحييده إن لم يكن ماضياً إلى التلاشي تماماً عما قريب؛ حيث أدرك الأميركيون مبكراً أنه لم يعد ذا جدوى لتثبيت المشروع الأميركي ومرتكزاته بسبب قوة المقاومة وضراوتها، وهذا ما استوجب توظيف طاقات الأطراف التي ساندت مخططهم بشـكل أوسع، وبشكل يكون فيه التخريب والأذى أكبر، بل يسبق العمل العسكري بكثير في تأثيره، عبـر إطـلاق يـد تلك الأطـراف لتفعل فعلها طــالمــا أن الأمـور محـسـوبة وكـل شـيء مسـيـطـر عـلـيـه(Under control) كما يقولون، لخدمة الهدف الرئيسي وهو إحكام السيطرة على العراق وتقاسم الغنيمة.

قد يستغرب أناسٌ أن تشترك إيران مع الصهاينة والأميركان في تنفيذ هذا المخطط وهم الذين يرددون ليل نهار عن عدائهم لأميركا؛ وخصوصاً أنه يجري اليوم المزيد من الحملات الإعلامية المتبادلة بين الطرفين وإطلاق أنباء عن بوادر مواجهة وحـرب ومـا إلى آخره من فرقعات؛ فالحقيقة أن هذا هو جزء من مخطط استخدام الآلة الإعلامية من أجل التمويه والتضليل وخداع الرأي العام؛ إذ هناك شواهد كثيرة على التعاون الإيراني الأميركي ـ الصهيوني خصوصاً أثناء الحرب العراقية الإيرانية وفي عز التطرف الإيراني المعلن في عدائهم للغرب عندما كان (الخميني) زعيماً لإيران؛ حيث كانت المساعدات الفنية والاستطلاعية والعسكرية الأميركية المباشرة تقدم لإيران يومياً، ومنها على سبيل المثال تزويد الأميركان لإيران بصور الأقمـار الصناعية للقطعـات العسـكريـة العراقيـة وتحركاتها، بل إن أميركا أوعزت لإسرائيل وجنوب أفريقيا بتقديم قطع غيار للطـائرات الإيـرانية والدبـابات والمدفـعية، حـتى وصـل الأمر إلى قيام أميركا بتقديم إمدادات عسكرية مباشرة لإيران عرفها الجميع بعد كشف فضيحة إيران غيت.

وخلال الحرب العدوانية على العراق في عام 1991 نسق الأميركان مع النظام الإيراني لكي يتم السماح للطائرات الأميركية بالهجوم على العراق عبر الأجواء الإيرانية، وفتح المجال الجوي الإيراني لعمليات قوات العدوان مقابل عدة مليارات من الدولارات دفعها طرف ثالث؛ حيث كان العراق قد ركز دفاعاته الجوية غرباً وليس على الجهة الشرقية المحاذية لإيران التي لم تخصص لها أية دفاعات جوية عراقية فاعلة. وهـكذا عنـدما بدأت الحـرب، شـنت قوات العدوان المشتركة أول هجوم على العراق حين دخلت 500 طائرة مقاتلة الأجواء الإيرانية، وانقضت من شرق العراق على الدفاعات الجوية العراقية ودمرتها تماماً، وكان هذا أحد الأسباب الاستراتيجية المهمة لتحطيم القدرة الدفاعية للقوات العراقية، والتي لولا التعاون الإيراني لما استطاعوا تحقيقه.

إن مبدأ: (كل شيء تحت السيطرة) يعد واحداً من أهم المبادئ التي تعتمدها الاستراتيجية الأميركية في تنفيذ مخطـطاتها؛ فـهي تتـعاون مع الشـياطين ومـع أعـدى الأعداء من أجل تحقيق الهدف طالما أن الأمر (Under control). ويلاحظ المتتبع أن إطلاق يد إيران وأعوانها في العراق يجري بالتزامن مع شيئين آخرين: أولهما: الحديث عن انسحاب عسكري أميـركي مـن العراق سـواء كان ميدانياً، أي إلى خارج المدن، أو انسحاباً جزئياً أو كلياً. وثانيهما: تصاعد حدة المواجهة الإعلامية المفتعلة بين الأميركان والنظام الإيراني فيما يتعلق بموضوع تطوير المفاعل النووي الإيراني. وربما أدرك الأمـيركاـن مبكراً دور إيران المهم في تخريب الدول الإسلامية من الداخل عبر الانتماء للدين الإسلامي وهم المليئون بالأحقاد على العرب الذين أسقطوا دولتهم الفارسية.

والمتـتبع للأحداث يجد أن قوات الاحتلال الأميركي التي دخلت بغداد يوم التاسع من نيسان عام 2003 قد أغمضت عينيها تماماً عن الحدود الشرقية للعراق مع إيران وتركتها مفتوحة كي تتيح لإيران الدخول بكل ثقلها إلى العراق. ومنذ ذلك الحين تحولت أرض العراق إلى ساحة تمارس فيها إيران كل ما يحلو لها من عمليات تستهدف العراق وشعبه وبكل أشـكالها الإجرامية لنهب البلاد وتمزيقها وشرذمتها وضربها في الصميم.

وقد وظفت إيران كل طاقات الخونة والمرتزقة والحاقدين والطائفيين، وكذلك المرجعية الشيعية، التي تقف على رأسها عنـاصر إيرانـية مليـئة بالحـقد على العـراق وعلـى العروبة وعلى الإسلام الحقيقي والتي شكلت تكتلاً سياسياً إيراني التوجه والأهداف هو (الائتلاف العراقي الموحد) هدفه الرئيسي هو ربط العراق بإيران الفارسية، وعزله عن محيطه العربـي؛ حيـث يحسـب الشيعة الصفويـون المرتبـطون بإيـران أن العراق غنيمة يجب الاستئثار بها كلها، ومن ثم تسليمه كاملاً إلى إيران لتقتص وتثأر منه ولتفرغ أحقاد الفرس. وربما هذا ما يدعو الأميركان إلى إطلاق تحذيرات بين فترة وأخرى لتذكير الآخرين بأن الأمور بيدها؛ وآخرها هو ما جاء على لسان وزير خارجية أميركا (دونالد رامسفيلد) عند زيارته الأخيرة للعراق ليؤكد للأطراف المعنية أن كل شيء تحت السيطرة، وأن أميركا لا تأبه بماهية الدستور العراقي المقترح وما هو محتواه حتى لو أدرجت فيه شتى النصوص والفقرات الشاذة بما فيها اعتبار أن العراق مكـون من العـديـد من القـوميات بما فيـها القومية الفارسية؛ لأن ذلك بالتأكيد يصب في مصلحتهم، ولأن المهم هو أن تسير الخـطة بنجـاح من أجـل إقـامة مشـروعهم الذي بـات يرتـكز على أساس تمزيق العراق وتمزيق شعبه لأجل إضعاف هذا البلد ومسخه، وجعله بلا حول ولا قوة ولا تقوم له قائمة إلا بإرادة الأميركان والأطراف الإقليمية الشريكة معهم في الغنيمة وكل حسب دوره؛ بحيث يصبح طبقاً للأميركان مجرد أرض تضم حقولاً للنفط تستنزفها الشركات الأميركية الشرهة مقابل مكافآت مجزية لحراسها من الأتباع أو الذين ساهموا في إنجاح هذا المشروع.

إن عبارات (رامسفيلد) لـ (إبراهيم الأشيقر/ الجعفري) حول علاقته بإيـران هـي للتـذكـير بأن الأميركـان هـم الأسيـاد ومـا إيـران إلا شـريك تـابع، فأنـجزوا المهمة أيــها الصـغـار، ولا يـهمـنـا ما ستـكـتـبون فــي دسـتوركـم أو ما هـو شـكـلـه أو مضمونه.. هذا ما أراده (رامسفيلد) وهي عبارات قالتها زيارته وإن لم ينطقها لسانه.

ويلاحظ أيضاً أن نغمة الحديث عن التخطيط لانسحاب أمـيركي من العراق تتصاعد بشكل طردي مع عملية التخريب في الداخـل التـي يتولى القيام بها أتباع إيران، والتي يبدو أنها هذه المرة قد خطط لها بعناية لمحاربة العراق والعرب والمسلمين عبـر هـذه الأدوات التـي هيـأتها منذ زمن ليس بقريب؛ حيث على الجانب الآخر تزداد حدة الحديث عن مشكلة المفاعل النووي الإيراني بالتزامن مع إيغال الفرس في تنفيذ جريمة تمزيق العراق.

لقد أصبـحـت اللعـبة مكشـوفـة؛ إذ إن الصـفحة التـالية مـن مـخـطـط الاحتلال بـاتـت واضـحة المعـــالم وهـي المزيـد من التخريب والتمزيق للعراق، وإن الأمر الذي تتولاه إيران وأتباعها بالتنسيق مع الأميركان يعني التسريع في الانسحاب الأميـركي (الهـروب) بعد أن يصـبح البلد ممزقاً إلى أشلاء. وقد عبر (إبراهيم الأشيقر/ الجعفري) عن جوهر هذه الخطة حين قال بعد لقائه مع (رامسفيلد) رداً على سؤال حول موعد انسـحاب قـوات الاحـتلال من العراق وسرعة تحقيق ذلك: «هذه السرعة فيها وجهان: الإسراع في إعداد دورات مكثفة وتجهيز وتدريب القوات العراقية. أما الوجه الثاني فهو التخطيط مع القوات المتعددة الجنسيات لتتتابع عملية الانسحاب كلما اندفعت القوات العراقية بكفاءة لملء هذا الفراغ»، فأي فراغ يقصد (الأشيقر/ الجعفري) ملأه غير المزيد من التفريس لعراق العروبة والإيغال بتمزيقه؟

إن ما يقوم به أتباع إيران الذين سيطروا على مقدرات العراق في ظل الاحتلال يكشف بشكل واضح حقيقة الدور الخبيث للنظام الإيراني الذي يريد أن يبتلع العراق، ويثبت حقــيقة وجـود الفـرس فـي أرض الرافـدين، وآخـرها النص فـي الدسـتور الـذي يكتـبه العملاء بـأن القـومية الفـارســية هي إحدى مكونات الشعب العراقي. وهو يكشف لأبناء العراق، وأبناء الأمة العربية، حقيقة دور النظام الإيراني في الحرب والعدوان على العراق، ودعم الاحتلال ومشروع المحتلين ومرتكزاته في تدمير العراق وإضعافه وتمزيقه وتغيير هويته. تلك هي الأسباب التي دفعت بالنظام الإيراني لبذر عوامل الفتنة والشقاق، وإطلاق الدعوات المشبوهة التي يروج لها عملاؤه وأتباعه الصفويون والانفصاليون لإقامة فيدراليات لتقسيم العـراق، ولتـعم فتنة التقسيم بما يحقق أحلام الفرس للعودة إلى السيطرة على أرض الرافدين مدفوعين بالحقد المجوسي الصفوي على عروبة العراق. وانطلاقاً من تلك الأهـدف الإسـتراتيجية، فـإن إيـران التـي اشتـركـت مـع الأمـيـركان فـي الحرب ضد العراق، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فإنها عبر أتباعها ومن دربتهم لتنفيذ مخططاتها ضد العراق تستغل ظروف المواجهة وانشغال الشعب العراقي وقواه الحية في رص صفوفهم لدعم زخم المقاومة، من أجل تحقيق ما تصبو إليه للفوز بأكبر جزء من الغنيمة، ولكي يقيدوا العراق ويجعلوا مصير أبنائه بيد الفرس.

ولكن على إيران وأتباعها الصفويين أن يستذكروا أيام (ذات السلاسل) حين أعد الفرس مسبقاً، طبقاً لعنجهيتهم وقبل اندلاع المعركة، آلافَ السلاسل الحديدية ظانين أنهم منتصرون حـتماً علـى المسـلمين العـرب، وأنهم سيقيدون بها أسراهم، تلك المعركة التي قادها البطل العربي المسلم (خالد بن الوليد) التي هزم فيها الفرس شر هزيمة رغم كل ما أعدوه، ورغم عنـجهيتهم وصلفـهم وإيغـالهم في الإثم والعدوان، وقام بتقييـدهم بسـلاسـلهم التـي أعـدوهـا للعـرب. وعلـى الفـرس أن يدركوا أن الانتصار النهائي في ساحات الصراع مع كل أعداء الأمة العربية والإسلامية من صهاينة وغيرهم وكل من يقف معهم ويساندهم في السر والعلن سيكون من نصيب العراقيين العرب الأحرار، وإنهـم لن يتـمكـنـوا مـن العـراق العَـصـي. وإن العراق الذي استطاع أبناؤه الخيرون، بإخلاصهم لشعبهم وأمتهم، وبإيمانهم بقضيتهم، أن يدحروا الآلة العسكرية الأميركية وإنهاك فاعليتها لقادرون أيضاً على دحر كل المخططات التخريبية.

فهل يدرك الفرس وأتباعهم أن هذه السلاسل التي يعدونها اليوم لتقييد العراق ستستخدم