فشلهم.. قالوه بألسنتهم!

حسين الرشيد

 

ما تـزالُ قضـية الاستراتيجية الأمريكـية الجـديـدة في العراق ـ وما نتج عنها من تطورات ـ تشغل حيزاً كبيراً من فكر النخبة الإعلامية والفكرية والسياسية على المستوى الدولي. فالعالم عموماً، والعراقيون خصوصاً ينظرون بكل ترقب لما ستؤول إليه نتائج تلك الاستراتيجية؛ التي سيبنى عليها الوضع في العراق؛ تردّياً أو تحسّناً، مع ما نلاحظه من بداية الضعف والانكسار الذي بدأ يدبُّ في أوصال هذه الاستراتيجية ـ علناً ـ منـذ أن أعلـن البيـت الأبيض أنه يجري الآن خطة أخرى تحسُّباً لفشـل تلك الاسـتراتيجية التي أطلقها راعي البيت الأبيض (بوش) قبل أسابيع. ونحن هنا نريد أن نضع حداً فاصلاً لسجالٍ طويلٍ حول فشل هذه الاستراتيجية من عدمها؛ حتى يلتفت الباحثون إلى تطوراتٍ أخرى لا تقل أهمية عن هذه الخطة المزعومة؛ لأن الخَطْب عظيم، وعدونا لا يفتأ يشغل بالنا بأمورٍ تافهة لا تخدم قضيتنا في شيء سوى مضيعة الجهدِ، والوقتِ، والمدادِ، وإتعابِ القلم الأصيل والكفِّ النبيـلِ الذي طالمــا تعــوَّد على أن لا يكتـب غـيرَ شـيء يسره أن يراه يوم القيامة في ميزان حسناته.

إنَّ تصريحات رجالات البيت الأبـيض قـد تـزامـنت مع تطـور المواقـف السـياسـية العراقية المخـتلفة، التي أفصح عنها الســيـاسـيـون المشــاركـون فــي الحــكومة الـيـوم؛ فـ (عادل عبد المهدي) الذي زار البيت الأبيض مؤخراً والتقى (جورج بوش) ـ ألمح إلى أن الخطة تسير ببطء، وقد لا تفي بالغرض المطلوب الذي أُعلنت بسببه؛ مع تصريحات أخرى متناثرة هنا وهناك، لا يفتأ السياسيون يعلنون عنها بين فترة وأخرى، سبقتها تصريحات السفير البريطاني في العراق والتي أفصح فيها عن أنَّ تعقيدات الوضع الراهن التي تمر بها قوات الاحتلال هي نتيجة تضليلهم من قِبَل أطراف المعارضة آنذاك.

إنَّ هذه التصريحات تقطعُ الشك باليقين في أن الاستراتيجية الجديدة سائرة في طريق الفشل، بل هي أقرب ما تكون إلى منحدر الهزيمة والخيبة التي طالما اتصفت بها السياسة الخارجية الأمريكية منذ أن غزت العراق واحتلَّته عام 2003م بمبررات واهية وتضليلات مشوشة، استطاع جمع من الساسة من خلالها أن يوهموا إدارة البيت الأبيض بأنَّ احتلال العراق ضرورة وواجبٌ، مع كذبتهم الشهيرة يوم أن قالوا لهم إن العراقيين سوف يستقبلون قواتكم الغازية بالورود! فرحاً بإسقاط النظام واحتلال العراق.

وتأكدت نظرة الفشل هذه يوم أن أعلن البنتاغون بأن عدد الهجمات المسلَّحة في الأشهر الثلاثة الأخيرة بلغت ذروةً لم تسجل في بداية الاحتلال.

إنَّ اعتراف إدارة البيت الأبيض بخطةٍ بديلةٍ في حالة الفشل أمر بالغ الخطورة، ليس على مستوى الوضع في العراق فحسب، بل على وضع المنطقة كلها، خاصة إذا علمنا أنَّ هذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها البيت الأبيض مثل هذا الإعلان الذي ينبئ عن فشله الأكيد بعد سلسلة من الخطط التي امتدت على مدى أربعة أعوامٍ من الآن. في الوقت الذي صرَّحت فيه الإدارة الأمريكية بأنَّ هذه الخطة تمثل الفرصة الأخيرة لبسط الأمن والاستقرار ـ على الأقل ـ في بغداد.

فضلاً عن الآمال التي طالما بناها مخطِّطو الحرب على العراق بأنَّ خطتهم التي كانوا يظنون نجاحها ـ وهي فاشلة بكل المعايير ـ سيترتب عليها سحب مزيد من الجنود الذين غرقوا في المستنقع العراقي، لينقلب السحر على الساحر؛ فنلاحظ الاضطرار الكبير الذي دعا إدارة الحرب لزيادة عدد جنودها بما يقرب من واحد وعشرين ألفاً من الجنود مضافاً إليهم أربعة آلاف جندي قرَّر البنتاغون إرسالهم ليخوضوا تجربة الحرب في العراق.

وعـلى الاتجـاه الآخـر؛ وبـعـد هـذا الفـشل الذي تحقق ـ بلا ريب ـ؛ فما الذي يجب على المخلصين من أبناء الرافدين؟

إنَّ الذي يجـب عليـهم فعـله هـو التفـكيـر الجدي للتكاتـف والتـعاون وتوحيـد الصـفـوف، واستـغلال الكـفاءات الخيّرة التي ثبتت بمواقفها لمقارعة المحتل؛ للخروج بالعـراق مـن هـذه الأزمة التي ابتلي بها شعب العراق الجـريـح نتيجة السياسة الهوجاء للمحتل وأذنابه؛ في ظـل الأجـواء التـي أصبحت ملائمة، خاصة بعد التصدع (الأنجلو ـ أمريكي) يوم أن أعلنت بريطانيا سحب ربع جنودها من مستنقع العراق.

وعلى المقاومة في العراق أن تدرك أنها جزء من هذا المشروع الذي يجب أن تسهم فيه، وأن تعين على إنجاحه؛ كردٍّ جميلٍ لهؤلاء الخيِّرين الذين احتضنوها وأيَّدوها وأنجحوا مشروعها الداعي لتحرير العراق، وتوحيد أرضه وشعبه. ودعاة التفرقة وناهبو خيرات العراق إلى زوال إن شاء الله، ولا يحيق المكر السيِّئُ إلا بأهله.

 


 مجلة البيان- العدد 239