دين لا تكفير فيه ليس بدين

في عالمنا الإسلامي العربي منه وغير العربي مخلوقات غريبة تريد أن تجمع بين المتناقضات ولا تريد مع ذلك أن يعترض على تناقضها معترض . يريدون أن يقولوا لإخوانهم الذين كفروا من أهل الغرب إنما نحن مثلكم ننتقد الدين كما تنتقدون، ولا نلتزم به كما أنكم لا تلتزمون ، ولا نترك فرصة للسخرية منه ومن المستمسكين به إلا اهتبلناها كما تهتبلون ، ونرى كما ترون أن من حق الأديب والفنان أن ينتقد قيم المجتمع ومعتقداته ويدعو إلى نبذها ؛ لأنه لا يكون أديباً أو فناناً مبدعاً إلا إذا فعل كل هذا بحرية كاملة كما تفعلون .

لكن الفرق بين مخلوقاتنا العريبة الممسوخة المقلِّدة هذه وبين من هم أسوة لهم من إخوانهم الذين كفروا في الغرب ، أن أولئك إذا قيل للواحد منهم : إنك كافر بالمسيحية أو اليهودية اعترف بهذا وعده من تحصيل الحاصل . لكن مخلوقنا الممسوخ يرتجف ويولول ويطلب النجدة إذا قيل عن كلامٍ كتبه هو أو أحد من شاكلته : إنه كفر وخروج عن دين الإسلام . إنه يريد أن يكون كافراً حقاً ، لكنه يرتعد حين يوصف بالكفر المعبر عن تلك الحقيقة . يريد أن يكون كافراً لكنه يريد أن يعيش في أمن ، وأن يكون ذا سمعة حسنة في المجتمع الذي يتنكر لأحسن ما فيه من معتقدات وقيم ، ويريد شأن كل منافق أن يتخذ من انتمائه للإسلام حصناً لهدمه .

هيهات .

وهو حين يواجه هذا الخطر على نفسه وعلى سمعته يتحول إلى واعظ يذكِّر من رموه بتهمة الكفر بقول الله تعالى : ] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ ( النحل : 125 ) وهي الآية التي لا يكاد الواحد منهم يحفظ من كتاب الله تعالى غيرها يحفظها ليحتمي بها بعد أن يحرِّف معناها ويؤولها على غير تأويلها . نعم نحن مأمورون بأن ندعو بالحكمة والموعظة الحسنة ! لكن الذي نحن مأمورون بالدعوة إليه هو سبيل ربنا ، وهو أمر واضح المعالم ، بيِّن الحدود . فنحن نفهم السبيل إلى الدعوة بالتي هي أحسن ؛ لكننا لا نفهم من الدعوة بالحكمة وبالتي هي أحسن أن نميع حقائق هذا الدين ، أو أن نطمس معالمه ، أو نزيل الحدود التي تميزه عن غيره فيكون شيئاً هُلامياً لا يُعرف أوله من آخره ، ولا يُعثر فيه على ما يميزه عن غيره ، فلا يمكن لذلك أن يحكم على إنسان بأنه داخل فيه أو خارج عنه . وما هكذا يكون الدين المنزل من عند الله ، بل ما هكذا يكون أي مذهب : حقاً كان أم باطلاً . لا بد لكل مذهب من معالم تحدد هويته ، وتميزه عن غيره ، حتى يقال عن إنسان إنه منتمٍ إليه أو ليس بمنتمٍ ، وإنه مؤمن به أو كافر به . إن المذهب الذي ليس فيه ما يميزه عن غيره ليس بمذهب . والإسلام دين منزل من عند الله مرتكز على مجموعة من الحقائق ، من آمن بها كان مسلماً ، ومن أنكرها أو سخر منها أو استهزأ بها كان كافراً . فإمكانية الحكم على إنسان بالكفر أمر لازم لهوية الدين . فالدين الذي لا إكفار فيه ليس بدين ؛ لأنه لا هوية له.

إذا لم تكن للدين هوية ولم تكن له معالم فإلى أي شيء تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ؟ والآية الكريمة التي يستدل بها هؤلاء الممسوخون تبطل دعواهم ، وتدل على تحريفهم . وذلك أنها تبدأ كما قلنا بقوله تعالى : ] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ [ ( النحل : 125 ) وسبيل الله هو مجموعة الحقائق والقيم المبينة في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم . إنها دعوة إلى توحيد الله تعالى وعدم الإشراك به ، دعوة إلى حبه وتقديره حق قدره ، دعوة إلى الإيمان برسوله وتعزيره وتوقيره ، دعوة إلى الإيمان بأن ما قرره الإسلام حق لا ريب فيه ، وما أمر به عدل لا ظلم فيه ] وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً [ ( الأنعام : 115 ) . فكل قول أو فعل يتناقض مع هذا فهو كفر ، وكل قائل به وعامل به على بصيرة فهو كافر خارج عن ملة الإسلام ، روائياً كان أم ممثلاً أم فناناً ، ناطقاً بالشهادتين أو غير ناطق .

لكن المخلوقات الممسوخة تريد أن تتستر بكفرها وراء الأدب والفن ، فتزعم تارة أننا لم نفهم ما قيل على أنه عمل أدبي فني . هكذا قال المدافعون عن سلمان رشدي في آياته الشيطانية في البلاد الغربية ، وهكذا يقول المدافعون عن حيدر حيدر في وليمته لأعشاب البحر . وإن المرء ليعجب إذا كان جماهير الناس ، بل خاصتهم لا يفهمون القصص والروايات ؛ فيا ليت شعري ما ذا يفهمون ؟ ثم هل يعقل أن يكتب كاتب قصة لا تفهمها الجماهير ؟ إذن من الذي سيشتريها ، ومن ذا الذي يقرؤها ؟

وتزعم أخرى بأن الفنان لا يحاكم بالمعايير نفسها التي يُحاكَم بها سائر عباد الله . أي إنه من حقه وليس من حق السياسي مثلاً أن يظهر الكفر ويدعو إلى التهتك ما دام يعرض علينا كفره وتهتكه في صورة أدبية أو فنية ، وما دام الكلام ليس صادراً منه هو مباشرة ، وإنما يقال على لسان شخصيات روايته أو قصته . فهنيئاً إذن لك فاحشاً بذيئاً ؛ إذ ما عليه لكي ينجو من كل محاسبة إلا أن يضع شتمه وبذاءته على لسان شخصية يخترعها ، في قصة أو رواية قصيدة يكتبها .

ماذا يعني هذا ؟ أيعني أن الأعمال الفنية إنما هي أشكال لا محتوى لها ؟ وأنها إنما يحكم عليها لذلك بشكلها لا بمضمونها ؟ هل هذا صحيح ؟ هل هذا هو الذي يفعله النقاد في تقويمهم للأعمال الفنية ؟ وهل الشكل وحده هو الذي يبتغيه متعاطو هذه الأعمال ؟ وهل معنى هذا أنه إذا كان كاتب ذو مواهب فنية رائعة أنه يجوز له أن يكتب قصة فحواها الاستسلام لإسرائيل ، وأنه لا يحق للفلسطينيين ولا غيرهم أن يعترضوا على ما فيها ؛ لأنها عمل فني ؟ أم أن المحتوى الوحيد الذي لا يجوز الاعتراض عليه هو الاستهزاء بدين الله وتنقُّص أنبياء الله ؟

وإذا كان بعض الناس يضعون الجمال الفني فوق الحق وفوق القيم ، فما هكذا يرى المسلم المهتدي بكتاب ربه الذي يعلي من قدر الصدق والعدل ، ويذم الكذب والجور في أي شكل جاء هذا أو ذاك . ولهذا حكم على الشعر بمحتواه لا بمجرد شكله .

] وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا [ ( الشعراء : 224-227 ) .