الأمم المتحدة .. ما حدود صلاحياتها ؟ !

أظهرت الجلسة الأخيرة الخاصة للأمم المتحدة قضية يجدر بالدول الأعضاء - ولا سيما الإسلامية منها - أن توليها قدراً كبيراً من العناية ، لما يترتب عليها من آثار خطيرة بعيدة المدى .

سميت الجلسة بالخاصة ؛ لأنها إنما عقدت لإجازة « القرارات » التي كان مؤتمر بالصين قد أجازها قبل خمس سنوات . ولذلك سميت الجلسة « بيجن/5 » [*] وقد أعطيت المنظمات غير الحكومية فرصة لحضور هذه المناسبة لمناقشة القرارات والتأثير على الممثلين الرسميين ، وإن لم يؤذن إلا للقليل جداً منهم بحضور جلسات الجمعية نفسها .

لقد كانت مقررات « بيجن » كلها متعلقة بالمرأة ، وكان فيها كثير من الاقتراحات الجيدة والمفيدة ، كتلك المتعلقة برفع المعاناة عن الشعوب ولا سيما النساء فيها ، وكتلك التي تتحدث عن الجوانب السلبية للعلمنة الاقتصادية . لكن المقررات تضمنت أيضاً دعوة إلى الإباحية الجنسية من شذوذ بين الرجال وشذوذ بين النساء ، وأن البنت لها الحرية في أن تتصل بمن تشاء وأن تتزوج من تشاء من غير اعتبار لدين ، ولا لرأي أسرة .

كنت فيمن شهد هذه الجلسة فرأيت فيها عجباً أثار في نفسي كثيراً من الآراء والمقترحات للجماعات الإسلامية ، أرجو أن أتعرض له في مناسبات أخرى . أما الآن فيكفي أن أقول : إن معظم المنظمات غير الرسمية التي شهدت هذه الجلسة كانت من النوع المتحمس للإباحية الجنسية والداعي لها بقوة ، حتى إنك تكاد ألاَّ تسمع صوتاً غير أصواتها ، وقد بذلتْ جهداً كبيراً ومنظماً في التأثير على الممثلين الرسميين أصحاب القرار . ولولا لطف الله تعالى ثم اعتراض بعض المنظمات الإسلامية وكان من أهمها رابطة العالم الإسلامي والدول الإسلامية لأجيزت هذه التوصيات الإباحية .

لكن عرض هذا الموضوع على هيئة الأمم أثار في ذهني سؤالاً مهماً انتهزت فرصة وجودي في هيئة الأمم للتعبير عنه بين الجماعات الإسلامية ، وللكتابة عنه في نشرات رابطة العالم الإسلامي . والموضوع هو : ما حدود صلاحيات الأمم المتحدة ؟ قلت : إنه ليس من حق منظمة الأمم المتحدة أن تصدر قرارات في مسائل تتعلق بالمعتقدات والقيم التي يختلف فيها الناس اختلافاً كبيراً . وذلك للأسباب الآتية :

أولاً : إنه بما أن الدول المكونة للأمم المتحدة يختلف كثير منها ذلك الاختلاف الكبير في المعتقدات والقيم ؛ فإنه لا يمكن لهؤلاء الأعضاء أن يستمروا متعاونين لمواجهة المشكلات التي تهمهم جميعاً إلا إذا كانوا مستعدين لأن يتعايشوا ويتحمل بعضهم بعضاً رغم هذه الخلافات . إن التغيير في هذه المسائل الجوهرية الأصولية لا يأتي إن أتى وسواء كان إتيانه إلى خير أو إلى شر إلا بالتدرج وبالطرق السلمية .

لكن الذي نراه الآن هو أن بعض الجماعات الغربية تريد أن تستغل المنظمات العالمية لكي تفرض معتقداتها وقيمها على المجتمعات الأخرى . وقلت : إنني موقن بأن بعض الدول ومنها الدول الإسلامية لن تنفذ هذه القرارات . وأن هذا سيؤدي إلى عدم احترام قرارات الأمم المتحدة ، وربما أدى في النهاية إلى إضعاف المنظمة وعدم فعاليتها .

إننا نحن المسلمين مثلاً لا نأخذ معتقداتنا وقيمنا من الأمم المتحدة أو غيرها من المنظمات ، ولا نعدها مصدراً مشروعاً لها ، وإنما نأخذها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

والغريب الذي لا يعلمه كثير من الناس أن موقف أمريكا شبيه بموقفنا الإسلامي هذا ؛ فالدستور الأمريكي والقوانين الأمريكية هي عند الأمريكان فوق كل ما سواها من قرارات واتفاقات ، فلا شيء من هذا يصير ملزماً قانوناً إلا إذا أجازته الهيئة التشريعية ، وهي لا تملك أن تجيز أمراً مخالفاً للدستور . ولذلك فإن وزيرة الخارجية الأمريكية اعتذرت في خطابها بهيئة الأمم بهذه المناسبة بأن بلدها لم يستطع إجازة مقررات « بيجن » بسبب معارضة بعض الشيوخ ! ونحن نضع كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم فوق كل قانون وكل قرار وكل اتفاق ، بل ونفسر ما نوافق عليه منها في حدود هذا القانون الأعلى ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ ( الحجرات : 1 ) ، ] وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [ ( الحشر : 7 ) .

ثانياً : إن إعلان حقوق الإنسان الذي أقرته الأمم المتحدة يعطي الناس حق الحرية الدينية ؛ فماذا يبقى للناس من هذه الحرية إذا أعطت الأمم المتحدة نفسها الحق في أن تفرض عليهم كيف يفهمون دينهم ، وماذا يأخذون منه وماذا يدعون ، وإلا كانوا معرضين للعقوبات ؟ إن المسلم لا يظل مسلماً إذا هو أباح ما حرم الله تعالى ، وإن من أشد المحرمات في دين الله جرائم الزنا وعمل قوم لوط . فكأن الأمم المتحدة تطلب من المسلمين إذن أن يتخلوا عن دينهم ! ! كيف يستقيم هذا مع اعتبار الحرية الدينية حقاً من الحقوق الإنسانية التي تدافع عنها الأمم المتحدة ؟

إن الدين في المفهوم الإسلامي هو منهاج الحياة الذي يختاره الناس لأنفسهم ، سواء كان هذا المنهاج قائماً على أسس من دين أنزله الله تعالى ، أو كان شيئاً اختاره الناس وتصالحوا عليه . فما يسمى بالعلمانية هو بهذا الاعتبار دين ، وقرارات « بيجن » هي أيضاً دين . فإذا فرضتها الأمم المتحدة على الشعوب تكون قد أكرهتهم على الالتزام بدين لا يؤمنون به ؛ فأين حرية الدين إذن ؟

ثالثاً : ماذا يبقى للدول من سيادة قومية إذا كانت قرارات الأمم المتحدة ستكون فوق ما تقرره الشعوب في أوطانها ، حتى لو كانت قراراتها صادرة عن هيئات تشريعية كتلك التي توجد في البلاد الغربية ؟ لكن الواقع أن هذا التطاول على السيادة القومية لن يمارس إلا على الشعوب الفقيرة والضعيفة . أما الشعوب الغنية والقوية فلن يجرؤ على مساءلتها أو محاسبتها ومعاقبتها أحد . وهذا يعني أن ما تقرره أو ترضى عنه الشعوب في الدول القوية هو الذي يفرض عن طريق الهيئات العالمية على الشعوب الفقيرة . هذا على افتراض أن الشعوب هي فعلاً التي تقرر . أما في الواقع الذي نراه فإن شعوب تلك البلاد هي نفسها مستغلة ومسخرة لأهواء جماعات أقلية غنية نشطة .

إذا كانت الحكومات القطرية تحدد صلاحيات الحكومة الفدرالية أو المركزية وصلاحيات حكومات الولايات أو الإمارات ؛ بحيث لا يجور بعضها على بعض ، أفلا يكون من العدل أن تحدد صلاحيات منظمة الأمم المتحدة ، وصلاحيات الحكومات القطرية المكونة لها ؟

________________________

(*) « بيجن » أي : بكين ، وهي عاصمة الصين .