|
الحضارة الغربية ضجة عن الحرية .. وممارسة للهيمنة الثقافية الحضارة الغربية حضارة يبوء كاهلها بالمتناقضات : تناقض في الأفكار ، وتناقض في القيم ، وتناقض في المواقف ، وتناقض بين الأقوال والأفعال . لكنها رغم ذلك كله هي الحضارة السائدة التي يعدها أهلها ويعدها بقية العالم إلا من رحم ربك حضارة العصر ، الحضارة التي يجب أن يحذو حذوها كل من يريد أن يتبوأ مكانة محترمة ومقبولة في هذا العصر ، وإلا كان فيه بجسده ، وخارجَه بروحه وفكره . ولعل من أبرز أنواع التناقض بين أقوال هذه الحضارة وأفعالها تناقضها بين ضجتها الصوتية العالية عن حرية الأفراد والشعوب ، وسلوكها كل سبيل لفرض قيمها الخُلُقية ، وتجربتها السياسية ، ونظمها الاقتصادية ، بل ومعتقداتها الدينية على سائر شعوب الأرض ، ووصم كل ما يخالفها ، بل كل ما يتعارض مع مصالحها ، بكونه انتهاكاً للحقوق الإنسانية ، أو إضراراً بالمصالح العالمية ، أو ممارسة للإرهاب ، أو سبباً للتخلف ، وما شئت من تهم جائرة ، بل وأحيانا أقوال آفكة . المتعصبون من أهل الحضارة الغربية ضد ثقافات الأمم الأخرى وما كلهم كذلك مصابون بنوع من المرض الثقافي الذي يجعل على بصر صاحبه غشاوة تهول له قيم ثقافته ، بل وأباطيلها ، حتى يراها هي القيم الإنسانية التي يجب على كل الأمم أن تؤمن بها وتطبق مقتضياتها ، بل وهي المعيار الذي تقاس به إنسانية الأمم ، ويحدد على أساسه استحقاقها للمصالحة والمساعدة أو المشاقَّة والإعنات . وقد عبر عن شيء من هذا مندوب أو مندوبة باكستان في جلسة الأمم المتحدة الخاصة بقضية المرأة . قالت لهم المندوبة كلاماً نقلته بعض الصحف الأمريكية فحواه : أن مشكلة المرأة في باكستان أن تشرب ماءً نقياً ، لا أن تتزوج امرأة مثلها ، ولا أن تكون لها حرية الاتصال بمن شاءت من الرجال . هذا موضوع كبير نُشرت فيه أوراق وأُلفت فيه كتب منها كتاب مشهور للأستاذ إدوارد سعيد اسمه : ( الاستعمار الثقافي ) لكن حديثنا اليوم عن آخر مظهرين شهدهما الكاتب لهذه الهيمنة . أولهما : الاجتماع الخاص بالنساء الذي عقد بالأمم المتحدة والذي تحدثت عنه في مقال سابق . وثانيهما : كتاب لرائدة من رواد الحركة الأنثوية feminism . من مظاهر الهيمنة الثقافية في اجتماع الأمم المتحدة أن المنظمات غير الحكومية التي شاركت فيه كان أعلاها صوتاً وربما أكثرها عدداً المنظمات الآتية من البلاد الغربية . وحتى التي أتت من البلاد غير الغربية كان كثير منها إن لم يكن معظمها من الجماعات الدائرة في فلك المنظمات الغربية ، بل ربما كان بعضها مجرد صدى لها . كان منها مثلاً منظمة من بلد من أكثر البلاد الإفريقية فقراً وجوعاً ، لكن مستوى أدائه في الدعاية للقيم الغربية كان مضاهياً لأغنى المنظمات الغربية . ومن مظاهرها : أن اللغة المسيطرة على الاجتماع كله كانت اللغة الإنجليزية ؛ فالذي لا يعرفها لا يستطيع أن يشارك مشاركة فعالة . ومن مظاهرها : أن كُبريات المتحدثات كن من الشخصيات الأمريكية المرموقة ؛ فقد تحدثت في اجتماع المنظمات غير الحكومية سيدة أمريكا الأولى ، وخاطبت الجمعية العمومية وزيرة خارجيتها ، وكان معظم المتحدثين والمتحدثات غير الغربيين من أبواق الغرب ، حتى إن عدد المتحدثين والمتحدثات من بلد أفريقي غير الذي ذكرت آنفاً لم يكن متناسباً قط لا مع أهميته ولا مع حجمه . والقضايا التي أثيرت ونالت اهتماماً كبيراً كانت هي القضايا التي يهتم بها الغرب ؛ إما لأنها من القضايا التي تشغل بال الناس فيه ، أو لأنها مما يعترض عليه الغرب في ثقافات الآخرين . من ذلك قضية ختان البنات ، التي حوَّلها الكُتَّاب والساسة الغربيون وأتباعهم من المستغربين إلى قضية كبرى تكاد تكون من أهم معاييرهم للولاء والبراء . وهذا يقودنا إلى كتاب الرائدة الأنثوية الذي أسمته : المرأة كاملة ، أو المرأة بأكملها The WholeWoman تعرضت المؤلفة فيه لقضية الختان هذه ، فذكرت أنها كانت وما زالت معترضة على ختان النساء ، لكنها بعد أن سافرت واتصلت بالثقافات الأخرى ، تبين لها أن اهتمام الغرب به هو تعبير عن احتقاره للثقافات غير الغربية . واستدلت على ذلك بأدلة لا تخلو من طرافة : منها : أنه لا فرق بين ختان الرجال وختان النساء ؛ لكننا لا نعترض على الأول ولا نثير حوله زوبعة ؛ لأنه يمارس في الغرب . ومنها : أن النساء في الغرب يجرين عمليات جراحية تجميلية هي أشد غرابة من الختان . من ذلك العمليات التي تجريها بعض النساء لتصغير أثدائهن . قالت : إنها عندما ذكرت هذا لبعض النساء السودانيات كان استغرابهن له كاستغرابنا للختان ، وأنها تعلمت منهن أن الختان أنواع ، وأن منه ما لا ضرر فيه ، وأنه لا يؤثر على الاستمتاع الجنسي ، وأنه ليس أمراً & |