|
النسبية تُطلق النسبية في لغتنا العربية المعاصرة على نوعين مختلفين من النظريات تسمى إحداهما في اللغة الإنجليزية relativity وهي نظرية آينشتاين المشهورة في الفيزياء ، كما تطلق على نظرية في الفلسفة والعلوم الاجتماعية تسمى في الإنجليزية : relativism وحديثنا هنا عن الثانية لا الأولى . النظرية هذه نظرية قديمة حديثة أول من تنسب إليه في تاريخ الفكر الغربي بروتوجراس اليوناني في القرن الخامس قبل الميلاد . ويقول بها مفكرون غربيون معاصرون ولا سيما المختصين منهم بعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا . وفحوى هذه النظرية هو أنه ليس هنالك معيار ثابت يميز به بين الحق والباطل وبين الخير والشر ، بل إن هذه الأحكام أحكام نسبية . ولكن نسبة إلى ماذا ؟ هنا يختلف القائلون بهذه النسبية ؛ فالغلاة منهم ينسبونها إلى الأفراد ، أي إن ما يراه زيد حقاً أو خيراً فهو حق أو خير بالنسبة له وإن خالفه في ذلك عمرو وغيره من الناس . ويرى بعضهم أنها تنسب إلى ثقافة كل مجتمع . والثقافة culture عندهم هي منهاج حياة مجتمع من المجتمعات في فترة معينة من تاريخه ، وهي تشمل معتقداته ، وأنواع سلوكه ، ولغته ، وتشمل كذلك عاداته وتقاليده وفنونه ومخترعاته وتقنيته وتراثه ؛ فما يراه أصحاب كل ثقافة حقاً أو خيراً فهو حق أو خير بالنسبة لثقافتهم هذه ؛ لأنه ليس هنالك معيار عالمي للحق والخير متفق عليه بين الناس . يقول أحدهم : « كل ما كان من أعراف وعادات زمان ومكان معين فله ما يسوِّغه في ذلك الزمان والمكان » [1] وتقول عالمة اجتماع أخرى : « إن معظم المجتمعات البشرية تسلك طرقاً مختلفة طلباً لغايات مختلفة ؛ فلا يمكن الحكم على وسيلة منها أو غاية بمقاييس مجتمع آخر ؛ لأنها غير قابلة للموازنة » [2] . فليس هنالك إذن معيار عالمي تقاس به الثقافات ، فيُصَوَّب بعضٌ أو يُخَطَّأ بعضٌ ، أو يفضل بعض على بعض . وعليه يقولون فلا يحق لأصحاب ثقافة ما أن يحكموا على الثقافات الأخرى بمعايير ثقافتهم ؛ بل إن النظرة العلمية المحايدة تقتضي أن تقوَّم كل ثقافة تقويماً داخلياً بمعاييرها هي لا بمعايير أجنبية عنها . فإذا كان الإسكيمو مثلاً يرون أنه من الكرم أن يُعِير الزوج زوجته لغيره ، وإذا كانت بعض المجتمعات تقتل الأولاد في المهد ، أو تقتل كبار السن لأنهم لا ينتجون ، فبأي معيار ننكر عليهم أعمالهم هذه ؟ يلاحظ على هذه النظرية ما يلى : أولاً : كونها من النوع الذي يقال عنه إنه ينقض نفسه ؛ لأنه إذا كان كل حكم بالصحة أو البطلان وبالخيرية والشرية إنما هو حكم ذاتي أو ثقافي ؛ فإن القول بهذه النظرية هو نفسه حكم ذاتي ، أو من إملاء ثقافة معينة ، فبأي حق يقال إنه حقيقة عالمية يجب على الناس مراعاتها كما هو ظاهر قول دعاتها ؟ ثانياً : أن هنالك قيماً خلقية وأنماط سلوك مشتركة بين الناس جميعاً رغم اختلاف ثقافاتهم وأزمانهم وأماكنهم ، كما اكتشف ذلك بعض علماء الأنثروبولوجيا أنفسهم . ويمثلون لهذه القيم باعتبار الكذب والقتل وغشيان المحارم وعدم العدل في المعاملة من الرذائل في كل المجتمعات . ثالثاً : أن عدم اتفاق الناس جميعاً على معايير للأخلاق وللصدق لا يعني أنه ليست هنالك معايير ؛ فوجود المعيار شيء والاتفاق عليه شيء آخر . رابعاً : أنه ما من أصحاب ثقافة إلا وهم يحاولون تسويغ قيمهم وسلوكهم بمسوِّغات مستندة إلى معايير . لا أحد منهم يقول : هذا ما نراه وهو حق أو خير لأننا نراه حقاً أو خيراً ، بل يحاولون تسويغه استناداً إلى معايير قد يمكن مناقشتهم فيها وبيان خطئهم فيها استناداً إلى معايير عقلانية يشتركون فيها مع سائر الآدميين . خذ وأد البنات عند عرب الجاهلية مثلاً : لقد كانوا يفعلون هذا بحجة خشية الإملاق كما ذكر القرآن الكريم ؛ وهم كانوا مع ذلك يؤمنون بالخالق سبحانه ، ولذلك أُمكن أن يُناقشوا وأن يتغير موقفهم بعد أن أسلموا وحسنت بالله معرفتهم . خامساً : أن الواقع المحسوس الذي يؤمن بشهادته كل البشر يدل على كون الشيء حقاً أو باطلاً ليس بالأمر الذي تقرره الأهواء الفردية أو الثقافية . لا يقول آدمي عاقل مهما كانت ثقافته : إن طلوع الشمس مثلاً أمر نسبي ؛ فهي طالعة بالنسبة لبعض غائبة بالنسبة لآخرين في نفس الوقت ونفس المكان . سادساً : حتى لو قلنا بالنسبية فلماذا تكون النسبة إلى أهـواء الأفراد وإلى الثقافات ؟ لماذا لا تكون إلى أمور يشترك فيها البشر : شهادة الحس ، الأدلة العقلية ، أو حتى بعض المسوغات الباطلة التي يمكن مناقشة الناس فيها كما ذكرنا في المسألة الرابعة ؟
سابعاً
:
إن
البشر
كائنات
اجتماعية
|