حوار عن العلمانية الديمقراطية بين مثقفين عربيين

      قال الأول لصاحبه : إنه من حسنات البلاد الديمقراطية العلمانية أنها

تعاملنا من حيث الدين معاملة أحسن من معاملتنا لها .

      أجاب الأول : من أمثلة ذلك أنهم يسمحون لنا بأن نبني المساجد ونقيم

فيها الصلوات ، ويسمحون بحرية الدعوة إلى الإسلام بينما لا نسمح نحن

لهم بشيء من ذلك في بلادنا .

      قال الثاني : أولاً : إن ما ذكرته عنا ليس بصحيح على إطلاقه ؛ ففي

العالم العربي والإسلامي نصارى ويهود يمارسون دينهم في كنائسهم وبيعهم

في حرية كاملة . ألم تزر بلاداً كمصر و السودان ؟

      قال الأول : ولكن ماذا عن السعودية ؟

      الثاني : للسعودية وضع خاص ؛ فهي جزء من الجزيرة التي أمر

الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يكون فيها دين غير الإسلام . وينبغي

أن لا يكون هذا أمراً غريباً حتى على الدول الغربية التي أراك تدافع عنها .

      الأول : ماذا تعني ؟

      الثاني : ألم تسمع ببلد اسمه الفاتيكان ؟ هل تجد فيه من مساجد أو

دور للعبادة غير دور الكاثوليك ؟

      الأول : كلاَّ .

      الثاني : الأمر الثاني الذي كنت أود أن أنبهك إليه هو أنهم لا يسمحون

لنا بما يسمحون بدافع الإحسان إلينا ، أو مجاملة لنا كما يظن بعض الذين لا

يعلمون ، وإلا لقالوا لنا : إما أن تسمحوا لنا بما نسمح به لكم وإلا منعناكم

كما تمنعوننا .

      الأول : هذا ما كنت أظنهم فاعليه ، وقد ازداد تقديري لهم إذ لم

يفعلوه .

      الثاني : إن ما يسمحون لنا به من قدر من الحرية الدينية هو أمر

يسمحون به لكل صاحب معتقد مصدقاً بوجود الخالق أو منكراً لوجوده ،

مؤمناً كان أم مشركاً ، عابد وثن أو عابد بشر . وكما يسمحون بهذا القدر من الحرية

الفكرية فإنهم يسمحون بقدر مثله أو أكبر منه لدعاة الرذيلة من الشواذ

والزناة وراسمي الصور الفاضحة . يفعلون كل هذا ؛ لأنهم يرونه في

مصلحة بلادهم بحسب تصورهم للحرية . وأما الأمر الثالث فهو أنهم

يستعملون كثيراً من قوانينهم ليحدوا من هذه الحرية سواء لزائريهم من البلاد

الإسلامية أو القاطنين فيها .

      الأول : أوافقك . ولكن ألا ترى مع ذلك أن نظامهم خير من نظامنا

من حيث إن القدر الذي يسمح به من الحرية أكبر مما نسمح به نحن ؟

      الثاني : كلاَّ ! لست أرى ما ترى ؛ لأن الحريات لا تقاس كمِّياً ، وإلا

لكان أحسن النظم هو الذي يترك الناس سدى لا يأمر أحدهم بشيء ولا ينهاه

عن شيء ألبتة .

      الأول : بِمَ تقاس إذن ؟

      الثاني : تقاس بمدى نفعها وضررها . فالنهي عن السرقة هو حد من

الحرية ، لكنه حد مفيد . أما النهي عن أكل السمك مثلاً فهو حد لا فائدة

فيه ، بل قد يكون ضرره بالغاً بالنسبة لبعض الناس . ولذلك وصفت

النواهي الإسلامية بأنها حدود إذا تجاوزها الإنسان وقع في ما يضره .

وبإمكانك أن تتصورها كالحدود التي توضع على جنبتي الجسر ؛ فهي

أيضاً تحد من حرية السائر أو السائق ، لكنها مفيدة له ؛ لأنها تمنعه من

الوقوع في البحر أو الهوي في واد سحيق .

      الأول : لا شك في ذلك . لكن من الذي يصدر هذه القوانين التي تحل وتحرم؟

إن النظام الديمقراطي يكل ذلك للناس ؛ فهم الذين يحددون ما يصلحهم

وما يضرهم في حرية كاملة . أما النظم الدينية ، ومنها النظام الإسلامي،

فإنها لا تعطي الناس هذه الحرية ، بل تكل الأمر إلى الدين .

      الثاني : أتعني أن كل قانون يحل أو يحرم إنما يصدر بإجماع الناس ؟

      الأول : كلاَّ ؛ فأنت تعلم أن الأمر ليس كذلك ، وإنما الذي يصدره هم

غالبية الناس .

      الثاني : لكن غالبية الناس <