لا تحسبوه شراً لكم !

      ظلت وسائل الإعلام الأمريكي منذ سنين تربط الإسلام في أذهان الأمريكيين

بالإرهاب ، وقد نجحت إلى حد كبير في جعل الصورة النمطية للمسلم هي صورة

الرجل الإرهابي الذي لا همَّ له إلا قتل الأبرياء من الغربيين وتحطيم حضارتهم .

ثم جاءت حوادث يوم الثلاثاء 11/9/2001م لتؤكد هذه الصورة ، وليستغلها أعداء

الإسلام في داخل أمريكا وخارجها أسوأ استغلال ، وليردد الجاهلون والسفهاء منهم

ما يقوله أئمة الضلال أولئك . وبدأ المسلمون يشعرون بالخوف الشديد حتى إن

بعض المساجد ألغت صلاة الجمعة خوفاً على أرواح المسلمين . ثم بدأ الشعور

بالعداء للمسلمين يتحول إلى صورة عملية من سبٍّ وشتمٍ وتهديدٍ وضربٍ بل وقتلٍ

وتخريب . لكنني وكثيرين غيري ممن خطبوا الجمعة التي تلت الحوادث حاولنا أن

نذكِّر إخواننا الذين شهدوا الصلاة وكانوا أقل من العدد المعهود وأن ننصحهم بالدعاء

واللجأ إلى الله تعالى . وكان مما قلت كلاماً فحواه أن الله تعالى قد يجعل من

المصائب أبواباً يأتي منها خير كثير ، وذكرتهم بقول الله تعالى لرسوله والمسلمين

بعد حادثة الإفك : ] لاَ تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ [ ( النور : 11 ) ،

وبحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه : « عَجِبْتُ لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ

أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ إِنْ أَصَابَهُ مَا يُحِبُّ حَمِدَ اللَّهَ وَكَانَ لَهُ خَيْرٌ ، وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يَكْرَهُ

فَصَبَرَ كَانَ لَهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ أَمْرُهُ كُلُّهُ لَهُ خَيْرٌ إِلا الْمُؤْمِنُ » [1] .

      وقلت لهم كما قلت لغيرهم قبل الخطبة وبعدها : إنني أرى في هذه المصيبة

فرصة كبيرة للدعوة إلى الله ، وتصحيح الصورة المشوهة للإسلام في أذهان

الأمريكان . وتذكرت أنواع كيد كثيرة فتح الله بها أبواب النصر لدينه . تذكرت

وقوف الكفرة على مداخل المسجد الحرام يحذِّرون الناس من الاستماع للرسول صلى

الله عليه وسلم ، فإذا الدعاية ضد الرسول صلى الله عليه وسلم تتحول إلى دعاية له

ما كان المسلمون المستضعفون ليقدروا على مثلها . ثم قلت كلاماً فحواه أنني كما

نصحت المسلمين نصيحة خاصة فأريد أن أنصح الشعب الأمريكي ولا سيما قادته

نصيحة عامة . قلت لهم : إنني أريد لكم أن تعرفوا الحقائق ، وأن تبحثوا بحثاً

موضوعياً في ما يأخذه الناس عليكم ؛ فإن أعداداً هائلة من المسلمين ، وإن اختلفت

مع الذين قاموا بالتفجيرات في وسائلهم إلا أنهم يشاركونهم ( إن صح أنهم مسلمون )

في مآخذهم عليكم . وقلت : إنكم تفاخرون كثيراً بنظامكم الديمقراطي وبما عندكم من

حرية والتزام بالقانون . لكن ينبغي أن تتذكروا أن هذا ليس هو الذي يراه الناس

فيكم باعتباركم قوة عالمية . بل إنكم بهذا الاعتبار تتصرفون تصرف الحكام

الدكتاتوريين المحليين . فأنتم في الداخل ديمقراطيون ، وعلى الصعيد العالمي

دكتاتوريون يرى الناس فيكم كثيراً من خصال الدكتاتوريات المحلية ؛ ففيكم كما فيهم

الصلف والغرور ، فأنتم لا تكفُّون عن الفخر بأنكم أقوى دولة ، وأن التاريخ البشري

لم ير مثلكم . لكن القرآن يذكرنا بأن أمماً قبلكم كانت هي الأخرى أقوى من غيرها

في زمانها ، وأنهم قالوا كما تقولون اليوم : ] مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [ ( فصلت : 15 )

فجاءهم الرد الإلهي : ] َوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [

( فصلت : 15 ) . وفيكم كما في الحكومات الدكتاتورية الظن بأنه بمثل هذه القوة

وبالعنف تحل كل المشكلات ، وفيكم كما فيهم الاعتقاد بأن قوتكم تجعلكم فوق القانون ،

مع أن الواجب عليكم باعتباركم قوة عالمية أن تكونوا مثالاً يحتذى في الالتزام

بالقانون الدولي . وذكَّرتهم بأن العدل ليس كله أرضياً ، بل هنالك عدل سماوي ،

وأنه إذا كان بعض الشعوب كأفغانستان لا تستطيع أن تقابل قوتكم المادية بقوة مثلها؛

فإنهم سيرفعون أيديهم إلى السماء مستجيرين بمن هو أشد منكم قوة .

      ثم تتالت الأحداث وما تزال تتالى . زادت الاعتداءات على الأفراد من الرجال

والنساء والأطفال ، وعلى الجماعات والمنظمات والمراكز والمساجد حتى اضطر

الناس لأن يغيروا مظهرهم الإسلامي ، بل اضطرت بعض النساء إلى خلع الحجاب ،

وتوقف كثير من طلاب المدارس والجامعات عن الدراسة . ولكن صاحَبَ هذا كله

اهتمام بالإسلام لم تشهد له أمريكا مثيلاً في تاريخها . توزعت وسائل الإعلام

كبيرها وصغيرها على مساجد أمريكا كلها تقريباً لتستمع إلى ما يقوله الخطباء ،

( وقد علمت أن قناة CNN نشرت بعض ما ذكرت في خطبتي ) . ثم استمر الحديث

عن الإسلام والاتصال بالمسلمين والتحذير من الاعتداء عليهم . لكن الأهم من ذلك

كله هو إثارة الرغبة في نفوس الأمريكان لمعرفة المزيد عن الإسلام . فما زال

الدعاة يدعون للحديث عن الإسلام في الكنائس والمدارس والجامعات ، وما زالت

المراكز توزع ما عندها من مواد دعوية حتى نفد ما عند بعضها فهرعت تطلب

المزيد . حكى لي ب&#