مجلة ثقافية فصلية متخصصة في شئون القارة الأفريقية تصدر عن المنتدى الإسلامي

العدد الثاني * شعبان 1426هـ * سبتمبر 2005م

افتتاحية العدد >>> أفريقيا : كانت .. وينبغي لها أن تكون

الحمد لله الكبير المتعال، ذي العزة والجلال، والصلاة والسلام على النبي المفضال، والصحب والآل، وبعد:

بات من المهم التذكير بأمور ربما طواها النسيان، فيما يتعلق بقارة الإسلام (أفريقيا)، من حيث تاريخها وكفاحها، وحقوقها وحاجاتها، وبخاصة في زمن تداعت أمم الكفر على القارة من جديد، في الوقت الذي شغل فيه أهل الإسلام بأنفسهم، وغلب العجز على كثير منهم اختياراً أو اضطراراً.

ولعل حديثاً حول ذلك ينتظم في عدة محاور، تفصح عن أهمية هذه القارة المهملة، وتكشف عن موقعها من التاريخ والواقع الدولي، وتوضح الواجب حيالها على أمة الإسلام.

أولاً: أمة.. وتاريخ:

لم تكن أفريقيا وثنية.. بل كانت على التوحيد الذي هو الأصل في البشرية، قبل طروء الشرك والكفر، ثم دخلها الإسلام منذ قرنه الأول، لما وطئت القارة أقدام مهاجري الحبشة رضي الله عنهم، ثم استقر الإسلام في بعض بلدانها إبّان فتوحات المسلمين، ولم يلبث الأمر حتى انساح المسلمون بتجارتهم، ودعوتهم في عمق أفريقيا.

حفل تاريخ القارة بأعلام من العلماء والدعاة والمصلحين والمجاهدين المجددين الذين صنعوا تاريخ القارة، وبنوا مجدها، أمثال: عثمان بن فودي، وعبدالله بن ياسين، وساموري توري، والحاج عمر وابنه أحمد، والقائد رباح، وعبد القادر الجزائري، وماء العينين، وعبد الكريم الخطابي ، وعمر المختار.. وغيرهم، رحمة الله عليهم.

عرفت أفريقيا حضارة الدولة منذ أمد، وقامت لأهلها ممالك في القرن الثاني الهجري.

ومن أبرز الممالك الأفريقية في غرب أفريقيا مثلاً: مملكة غانا التي زارها وهب بن منبه عام 137هـ، والفزاري عام 200هـ، وسمّاها: أرض الذهب، وقد كانت دولة قوية، نشأت على أساس تجاري اقتصادي متين؛ مما شجع المسلمين على ولوجه، حتى كانوا سبباً في إسلام كثير من ملوكها وأهلها، وصار أكثر سلاطينها ووزرائها مسلمين.

اشتهرت بالذهب والحديد، وصناعة الأسلحة والتجارة المنظمة، وأظهر أهلها قدرتهم على تدبير شؤونهم، حتى شهد بعض منصفي الغرب بأن حضارة تلك البلاد في العصور الوسطى لم تكن دون حضارة البيض(1). وامتدت مملكة غانا إسلامية إلى القرن الخامس الهجري، حتى ورثتها دولة المرابطين في الشمال الأفريقي التي حفظ الله بها الأندلس للمسلمين أربعة قرون.

كان من فضل مملكة غانا تمهيدها لقيام ممالك تالية، كمملكة مالي الممتدة عبر قرون أربعة، التي اضطلعت بدور عظيم في نشر الإسلام، والتي وجد في مدينة واحدة من مدنها (مدينة جني): 4200 عالم مسلم(2).

ثم قامت على تركتها مملكة سنغاى، التي امتدت إلى القرن الثاني عشر الهجري؛ حيث استلم الزمام (الفولانيون) أنصار دعوة الشيخ عثمان بن فودي، الذي أقام دولة سوكوتو، والتي قضى عليها الاحتلال البريطاني أوائل القرن الرابع عشر الهجري، عام 1900م.

ثانياً: استهداف.. وابتزاز:

تقاسمت الدول الاستعمارية أفريقيا في مؤتمرها الذي عقدته في برلين عام 1282هـ/ 1884م، وتعاهدت فيه على احتلال العالم الإسلامي، ونصت قرارات المؤتمر على أنه لا يكفي إعلان الحماية على بلد ما دون احتلاله فعلياً (3)، وكان ذلك واقعاً عانت منه القارة كغيرها دهراً.

ولعل الإنجليز لم يفتقروا إلى نية إبادة الأفارقة في بلدانهم، أسوة بما فعلوه بالهنود الحمر في أمريكا لولا لطف الله بهذه القارة. ومن الطريف أن الصحفي الألماني (يواخيم برناو) يرى أن العائق عن استيطان الإنجليز القارة، وإبادة أهلها: آفتا أفريقيا: الملاريا، وذبابة التسي تسي(4).

ليس الحال اليوم بأفضل من ذي قَبْل، ويكفي برهاناً واحدة من ثلاث إشارات:

\ القمة الأوروبية الأفريقية الأولى، عام 2000م جاءت لتحقيق الأولويات الأوروبية لا الأفريقية، من الوصول إلى الموارد الطبيعية، والمواد الأولية، وإيجاد أسواق لتسويق المنتجات، وما يتطلبه الحفاظ على تلك المصالح، من مواجهة للإسلام، وعلاج للهجرة الأفريقية إلى أوروبا، وتسابق ضد النفوذ الأمريكي(5).

\ الشراكة الأفريقية الأمريكية بدأت عام 1998م، وكانت في جوهرها اقتصادية أمنية سياسية(1)، لا تنموية مدنية. أما المبادرة الأمريكية المطروحة قبل ذلك عام 1996م، فقد جاءت بعد محاولة أمريكا إحباط المبادرة الثلاثية الأمريكية الفرنسية البريطانية بالانسحاب منها، لتتفرد بمبادرتها القائمة على التدريب العسكري، والتموين الغذائي، والخدمات الإنسانية. وحين قوبلت بمعارضة فرنسية أفريقية عملت أمريكا على تفتيت التحالف الأفريقي، وتفكيك التحالف الفرنسي الأفريقي ليخلو الجوّ لعملية استعمارية جديدة أمريكية مبطنة (2).

\ (الحرب على الإرهاب) التي استهدفت فيها: المؤسسات الخيرية بأعمالها الإغاثية، وبرامجها الدعوية، بالرغم من حداثة عهدها ومحدودية مواردها، وأعمالها بالنسبة لواقع التنصير الذي استغل الحرب لإزالة المعوقات، وفتح الطرق أمام برامجه ومنصريه، ثم جاء الاستنزاف الأمريكي بدفع الدول الأفريقية إلى العمل الأمني المشترك، والتدريب على مكافحة الإرهاب في سبع دول أفريقية(3)، وبذلك تمكنت أمريكا من توجيه الأعمال الأمنية والعسكرية في تلك البلدان، كما تمكنت من إدخال جنودها للعمل مع القوات الحكومية في محاربة كل من يريد بوش وحرسه أن يصمهم بالإرهاب!

فأي استهداف وابتزاز فوق هذا؟!

ثالثاً: طموحات.. ومحاولات:

سعت البلدان الأفريقية إلى التحرر، ورفعت لواء الاستقلال، وطرد المحتل، وكان لها ذلك تباعاً، في العقود المنصرمة، غير أن ذلك لم يوقف الاستهداف، ومحاولات التهميش، والإضعاف المتزايدة المقترنة بعمليات الابتزاز، والنهب، والتسابق إلى السيطرة، وفرض السيادة، بأساليب المكر والخديعة والنفاق.. في ظل اكتشاف للثروات والطاقات.

والمجتمع الدولي اليوم يبصر تزايد آلام أفريقيا متفرجاً، وعلى أحسن تقدير فإنه غير جاد في وقف مشكلاتها، أو الحد منها، ولا غرو؛ فهو المتسبب فيها أصلاً.

لا يُنتظر من العالم إذن إلا مزيد من التجويع للقارة، واستنزاف خيراتها، واستمرار تخلفها، بطرق أكثر مكراً، اللهم إلا إذا استثنينا بعض أصحاب الضمائر الحية التي تضعف عن مواجهة التيار في الأغلب، ممن يشك في وجودهم، أو تأثيرهم بالشكل الذي عرفته الجاهلية في حربها على الإسلام في مكة.

فلا خيار أمام القارة من الاعتماد على الذات، ومحاولة النهوض بالقدرات المتوفرة، دون انتظار فرَج مِن عدو تسيره مصالحه الذاتية -أياً كان مستواها- على حساب حياة الآخرين وحريتهم.

ويمكنها اليوم أن تحمل لواء التحرر من التبعية، كما حملت لواء طرد المحتل، وبخاصة أن أفريقيا تملك مقومات نجاح كثيرة، فقد أودع خالقها في باطنها خيرات وبركات كثيرة، فهي غنية بثرواتها، فقيرة في مواردها وشعبها؛ بسبب ما كيد لها. وقد قدّم (مركز جنوب أفريقيا للشؤون الدولية) دراسات حول الأقفال المانعة من استثمار أفريقيا لخيراتها، والمفاتيح المؤدية إلى النهوض(1).

أقرّ القادة الأفارقة خطة عمل «لاجوس» للتنمية في أفريقيا عام2000م. بيد أن تطبيق هذا البديل، أو غيره يحتاج أولاً إرادة سياسية أفريقية حديدية، كما أنه يتطلب اتخاذ مجموعة من التدابير السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمواجهة عمليات التهميش(2).

وهذا على كل حال ليس الخطوة الأولى للتغيير، بل الخطوة الأولى هي: التنمية المعنوية التي تسهم في حل المشكلة على المدى البعيد، كرفع مستوى الوعي، وإحياء التدين الصحيح، وتأهيل الكفاءات، والتطوير الشمولي الحقيقي، الذي يقوم به حملة رسالة، لا أصحاب أهواء.

وهنا يأتي دور الأمة الخاتمة الشهيدة على الأمم.

رابعاً: مكانة.. وحقوق:

أفريقيا قارة الإسلام: لأنها القارة التي يشكّل المسلمون أكثر من نصف سكانها، وهي قارة العرب؛ لأن أكثر من ثلثي العرب مستقرون في أفريقيا، ولئن حفل مشرق الإسلام بأعلام العلم؛ فلقد حفل مغربه أيضاً بحملة رسالة، وعلم ودعوة وجهاد.

ولأفريقيا أيضاً: مزية قرب الجوار من مهبط الوحي، لكونها على الضفة المقابلة لمكة شرفها الله تعالى؛ فهي قريبة من قلب الأمة.

ولأفريقيا ثالثاً: واجب الأخوة الإسلامية العامة، المستلزم للنصح، والنصرة والتعاون.

ولها رابعاً وبشكل أخص: واجب رعاية الضعفاء قليلي الحيلة ممن لا يفطن لهم، ويتجرأ الناس على حقوقهم، وهم كثرة في أفريقيا.

وبعد هذا لا يقال: لماذا نهتم بأفريقيا؟ إذ الاهتمام بها أمر ظاهر الفضل والوجوب، والتفريط بها تفريط بموطن هام من مواطن الإسلام.

ولعل السؤال الصحيح هو: لماذا نهمل أفريقيا؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك؟

خامساً: احتياجات.. ومتطلبات:

لعل أبرز جوانب العناية التي ينبغي أن يضرب الجادون فيها بسهم:

1 - ترسيخ المنهج الإسلامي الصحيح النقي؛ حيث اقترن الإسلام في القارة الأفريقية بالتصوف، في كثير من الأحيان؛ فهي أحوج ما تكون لتصحيح المسار العقدي والمنهجي، وفقه الإسلام على حقيقته التي أنزلها الله تعالى.

2 - دعم التعليم الإفريقي بالمناهج الإسلامية الأفريقية، وإعداد المعلمين، وتطوير الإشراف، مع السعي لاستمرار المنح الدراسية في البلدان الإسلامية، والعناية بطلاب المنح.

3 - إحياء البُعد التربوي في القارة، واستثمار بعض الفرص المحلية في تنميته، مثل: المحاضن المنزلية الخاصة ببعض طلبة العلم، والدعاة الذين يستضيفون عدداً من الطلاب في بيوتهم استضافة كاملة سنين عدداً.

4 - إنشاء معاهد إعداد الدعاة في أفريقيا، سعياً في (أفرقة) الدعوة، بصناعة رجالها من أبناء القارة، ليحملوا الرسالة بلسان قومهم. وهي الطريق التي نهجها النصارى في عملهم؛ إذ على الرغم من طروء النصرانية وحداثتها، إلا أنها رفعت شعاراً خطيراً: (أفريقيا نصرانية عام 2000م)، وما كان لها أن ترفعه لو اكتفت بمنصريها، مهما كانت أعدادهم، ولذا عملت على أفرقة النصرانية والكنائس، وأوجدت من الأفارقة منصرين وقساوسة، ولا زالت تحثّ السير، بعد تمديد الخطة إلى عام 2025م.

5 - كتابة تاريخ القارة الإسلامي، وإبراز أصالة الإسلام، وطروء النصرانية، وكشف الحضارة التي نشأت إبّان ممالكه، ودور المغتصب النصراني في إضعافها وإسقاطها، ثم سرقة أهلها، واستعبادهم، ثم احتلال أوطانهم ونهب خيراتهم، وإبراز سير رموز القارة من العلماء، والدعاة، والمصلحين، والمجاهدين المجددين الذين صنعوا تاريخ القارة، وبنوا مجدها.

6 - العناية بالجوانب التنموية والحضارية، والإنسانية تطويراً وتدريباً، بشكل مؤسسي وحكومي وفردي، إسهاماً في رفع الحاجة الملحة التي يدخل المنصر من خلالها وهي: الجهل، والمرض، والفقر.

7 - إنشاء حركة تجارية حديثة تهدف إلى دخول القارة، وإنمائها في شتى الجوانب؛ لمزاحمة المدّ التنصيري الذي أرادت ذراعه الاستعمارية احتواء التجارة لتمرير مخططاته عبْرها، زاعماً إرادته تحريرها(1).

8 - الاهتمام الخاص من قِبَل الرموز الإسلامية من علماء ودعاة، والقيام بزيارة القارة، والتواصل مع أبنائها بشكل مباشر، واستثمار شبكة العلاقات التي تورثها العولمة الاقتصادية بين الدول بقصد، أو بغير قصد. ولا زال أبناء القارة يذكرون زيارة شيخ الأزهر (جاد الحق) في وقته لكل من نيجيريا، والصومال، والسنغال، والمغرب، ويعيشون على ذكراها، وكذا زيارات الشيخ (محمد محمود الصواف) إلى جُلّ الديار الأفريقية بتكليف من الملك فيصل لزيارة الأقطار الإسلامية، والتعرف على أحوالها، بل إن زيارات الزعيم الليبي ذات الطابع والبعد السياسي تلقي ببعض الظلال الدعوية؛ نظراً لما يقوم به أثناءها من خطب بالجوامع الكبرى(1). ولعل الشعور بالنقص الذي خلفه المحتل في نفوس كثيرين من أبناء القارة -إضافة إلى العاطفة الإسلامية، والبساطة- كانت وراء تلك الحفاوة بتلك الزيارات.

9 - إصدار الكتب والدوريات المتعلقة بها، والتواصل الحميم عبر الشبكة الالكترونية مع الرموز والقيادات والمثقفين، بترجمة بعض المواقع والصحف الالكترونية إلى اللغات الحية، إن لم يمكن إنشاؤها أصالة، مع توجيه الباحثين الأفارقة إلى الموضوعات الأولى بالدراسة والبحث، سواء عبر الرسائل الجامعية، أم مراكز البحوث المطلوب إنشاؤها.

10 - التصميم على مواصلة العمل الدعوي والخيري، ومواجهة الهجمة الشرسة على العمل الخيري التي هي في حقيقتها جزء من المخطط التنصيري، المسعّر للحرب على الإرهاب التي نحت في مرحلتها الثانية منحى محاربة الجميعات الخيرية بوصمها بالإرهاب، وإدراجها ضمن اللائحة الأمريكية للمنظمات الإرهابية، ثم القيام بموجب ذلك بحظر تمويلها ومصادرة أموالها، في سياسة رهيبة لتجفيف المنابع الدعوية، وفتحاً للطريق أمام العمل الكنسي التنصيري الاستعماري الكبير.

أمام تلك الحالة لم يعد من السهل الدعم المباشر للعمل الدعوي في أفريقيا ونحوها، وصار الخيار الأمثل ـ وهو الأجدى من قبل ومن بعد ـ الأخذ بالأسباب التي انتشر الإسلام عن طريقها أول الأمر، من تفعيل الواقع المحلي والمحليين للقيام بدورهم، والقيام بدعمهم؛ حيث يثير التدخل الخارجي المباشر المخاوف.

والواجب على كل حال: التحلي بالتفاؤل يقيناً بغلبة الإسلام، وأن أعداءه بقدر ما تفتح أمامهم الأبواب بقدر ما يعانون؛ بسبب عجز عقائدهم عن إشباع الحاجة للتدين، وتخلف تشريعاتهم عن إصلاح الحياة. وهذا ما يفسر الإقبال الكبير على الإسلام، حتى أن تقريراً يفيد بأن كل عشرة يتحولون عن عقائدهم التقليدية: يدخل تسعة منهم الإسلام، وواحد النصرانية(2)!

يكفينا تفاؤلاً: منجزات المؤسسات الخيرية المعدودة، وآثارها المباركة في الساحة الأفريقية، بالرغم من محدودية الإمكانات والكفاءات.

لكن التحدي الأكبر: هل نحن جادون في التعامل مع المرحلة؟ وهل نأتي البيوت من أبوابها؟

قد ولّى العهد الأول من العمل الدعوي في القارة، فلا مكان للعمل الذي يـدار مـــن الخارج، ولا سبيل إلى القدوم من الخارج.

والقضية تواجه تحديات كبرى، تتطلب ابتداءً أمرين: تفتيق الأذهان عما يمكن عمله، مع العمل على تحقيقه بجدية وقوة، واستمرار اللجوء إلى الجليل الكبير سبحانه وتعالى.

ومما يلفت النظر: في المؤتمر التنصيري التاريخي (كولورادو) عام 1978م: أن القائمين به توفر لهم الأمران: جدية في الطرح والعمل، ثم اللجوء إلى الرب(1)! وقد كان ذلك معلماً بارزاً أفرزته ضخامة الهدف، وشدة التحدي.

إن في هذا لعبرة لأهل الإسلام!

سادساً: آفاق التغيير:

كيف عمل المحتل (المستعمر) حين أُجبر أو اختار الانتقال من مرحلة الممارسة والتنفيذ المباشر، إلى مرحلة المساندة والإدارة عن بُعد؟

وهل يا ترى خطر بباله أن يبلغ من أمتنا حال بعده أشد مما بلغ منها حال قربه؟

لا عجب إذا علمنا نهجه، وخططه مع القيادات والرموز، والقضايا الكبيرة البعيدة، وعالم المناهج والأفكار، والدعم اللوجستي والمالي الذي اشترى به ذمماً، وصنع به عقولاً.

المرجو أن تثمر محاصرة العمل الخيري عن آليات مبدعة، وأعمال عبقرية تنقل العمل الخيري مراحل بعيدة.

شرط ذلك: سعة الأفق، والتفكير بعقلية مفتوحة، والاستعداد لمثل: فك الارتباط عن بعض المسميات، والتحرر من بعض القوالب، والتفاعل مع مقتضيات المرحلة المعاصرة للتحليق في فضاءات أوسع، ومجالات أرحب، وأعمال أكبر وأكثر.

من المؤكد أن المؤسسات الخيرية قد حققت منجزات في الساحة الأفريقية، والمرجو منها في ظل تقلصها، وانحسارها فيها: أن تعدّل في زوايا النظر تعديلاً ضخماً ضخامة التحديات، وتغيِّر من طريقة العمل تغييراً كبيراً كِبَر الأزمة، وترسم خططاً عظيمة عِظَم التطلعات.. وحينها ستعمل ليس بإبداع فحسب، بل بـ (عبقرية فذة).

من الأعمال العبقرية:

1 - خطْب ودّ القيادات العلمية والدعوية الأفريقية داخل القارة، وخارجها، وجعلها محور العمل الدعوي ومنطلقه، لتقوم هي بالعمل، والمؤسسات تساندها، متخففة من أعباء الممارسة والمتابعة، متفرغة لآفاق استراتيجية طموحة.

2 - وضع خطة لإبراز القيادات عن طريق مؤلفاتهم، وتوفير بعض المراجع لهم، وتكليفهم النسج على منوالها بلغة محلية، لتوزيعها بكميات تبلغ الملايين، ليصل الصوت الإسلامي إلى كل بيت أفريقي، وتجتمع القروش القليلة لتحقق عائداً مادياً، يستثمر في مؤلفات أخرى، وهكذا. ومثله يقال في البرامج، والمواد الإعلامية.

3 - تقديم دعم دعوي، ومالي، ولوجستي لطلاب الدراسات العليا الأفارقة، لبناء عدد من الرموز المستقبلية، بالإضافة إلى عدد من الرسائل العلمية والدعوية الموجهة نسبياً، لتسهم في تشكيل نهضة، وتحقيق مكاسب لا تقارن أبداً بنتائج برامج مألوفة قد تقام سنين عدداً.

4 - دراسة الفرص الدعوية الاستثمارية، ليكون الدعاة مستثمرين، أو شركاء لمستثمرين في مجالات التغيير، من تعليم ونشر، وإعلام، ونحوها.

عجب أن لا ترى مؤسسة إسلامية تجعل بناء القيادات ورعايتها محور رسالتها، في حين أن ذلك هو محور عمل الماسونية، وحليفتها الصهيونية، التي تمكنت في (59) عاماً من تحقيق الحلم، وإنشاء الدولة النشاز التي تزداد امتداداً يوماً بعد يوم، بعد الذلة المكتوبة عليهم أينما ثقفوا، والشتات الذي عاشوه في العالم!

لن تعجز المؤسسات الخيرية ـ بإذن الله ـ أن تعمل ما عمله أفراد في تاريخ أممهم، ولن يكون أنجح منهم من غضب الله عليهم وجعل منهم القردة والخنازير، وعبد الطاغوت، بعد أن كانوا في مزبلة التاريخ.

لكن: يا ترى لو بقي العمل على وتيرته الحالية؛ فهل يستطيع الوصول إلى نصف ما وصلوا إليه في المدة الزمنية نفسها؟ مؤكد أن ذلك على كل حال لن يكون بالآليات المعمول بها حالياً.

لقد آن الأوان أن نمنح الثقة لإخواننا الأفارقة، ونمكنهم إدارياً، ونشاركهم في القرارات الاستراتيجية، فهم إنما يفكرون ويقررون لبيئة هم أهلها، ولشعب هم من أميز أفراده. إننا قد نخسر أموالاً ومواقف جرّاء منح الثقة، لكننا بسحب الثقة ـ حالاً أو مقالاً ـ نخسر الرجال، نخسر النفوس، نخسر المواقع، نخسر الخطط والنتائج.

الواجب التشمير والاجتهاد في التنفيذ، وإلا تحولت الأفكار أمنيات، والبرامج تسليات. ولا شك أن للعمل تبعاته وضريبته ومسؤولياته الكثيرة الكبيرة، التي ما لم تحتمل فلن يكون ثمة عمل، اللهم إلا برامج هزيلة لا تسمن، ضعيفة لا تغني.

ولنسأل أنفسنا: هل يمكن أن نكون ممن يصنعون التغيير، ويكتبون التاريخ؟ وذلك لن يكون ما لم نصدق مع الله، ونفرغ قلوبنا له تعالى، مع تضرع المضطرين، وبكاء المتذللين الخاشعين، وأعمال الكبار المصلحين المجددين، وذلك أمر كبير، وهو على الله ليس بعسير، لكن واقعنا بالنسبة إليه خطير.

والله المعين، وهو العلي الكبير.

جميع الحقوق محفوظة © لمجلة قراءات إفريقية