|
د. حمدي عبد الرحمن حسن
مقدمة:
لا مراء في أن القارة الأفريقية كانت أكثر مناطق العالم تهميشاً واستبعاداً على طول مراحل العولمة المختلفة. ومنذ نهاية الحرب الباردة، وتدشين ما يسمى النظام العالمي الجديد عام 1991م عانت الدول الأفريقية من مزيد من التهميش؛ بحيث أضحت غير مشاركة في الاقتصاد العالمي، وإنما معتمدة عليه بصورة متزايدة، اتضح ذلك بجلاء من النمو الاقتصادي المتدني للقطاعات الإنتاجية، وزيادة عبء الديون الخارجية، وتدهور الظروف الاجتماعية والسياسية، حتى إنه توجد في أفريقيا وحدها (33) دولة من بين (47) دولة وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأقل تنمية في العالم.
وعلى الرغم من التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها القارة منذ أواخر القرن الماضي، والتي وصفت في الدوائر الغربية بأنها تسير وفق معايير التحرر السياسي والاقتصادي بالمفهوم الغربي إلا أن هذه التحولات أفضت إلى نمط أفريقي جديد في الحكم هو: «الأفروقراطية» الجديدة
New Afrocracy، وهو نمط جديد للحكم يحافظ على تراث الحكم الفردي الشمولي، وإن كان يسمح في الوقت نفسه ببعض ملامح الديموقراطية الليبرالية. وليس بخافٍ أن الغرب الرأسمالي يغضّ الطرف عن هذه الأشكال السلطـوية الجــديـدة للحكـم في أفريقيا، طالما أنها لا تتعارض مع تحقيق مصالحه الاستراتيجية في القارة.
ويشير كثير من الباحثين إلى أن تناقص مصالح روسيا في القارة الأفريقية من الناحيتين الاستراتيجية والأيديولوجية صاحبها فقدان الاهتمام الغربي بأفريقيا؛ فالاتحاد الأوروبي بدأ يركز اهتمامه في مناطق الجوار الجغرافي، مثل: دول حوض المتوسط، ودول أوروبا الشرقية، وحتى بعض مناطق النمو في أمريكا اللاتينية. على أن هذا القول وإن بدا صحيحاً في ظاهره إلا أنه لا يخفي حقيقة الأطماع الدولية في القارة الأفريقية، والتي ظلت تمثل دائماً محور سياسات التكالب الاستعماري على القارة. ويكفي أن نشير إلى بعض الأرقام ذات الدلالة الواضحة: فأفريقيا تحتفظ بنحو 3% من إجمالي احتياطي البترول في العالم، وبها 5% من احتياطي الغاز، ونحو ثلث احتياطي اليورانيوم، ونحو (70%) من الفسفور، و (55%) مــن الذهــب، و (87%) من الكـروم، و (57%) من المنجنيز، و (42%) من الكوبالت... إلخ. ناهيك عن ثراء القارة في مواردها الطبيعية الأوفر، مثل: المياه، والزراعة.
وعليه سوف نحاول في هذه الدراسة أن نشير إلى تطور سياسات التنافس الدولي في أفريقيا، منذ بداية الاحتكاك الأوروبي وتخاطف أفريقيا، وحتى عصر الهيمنة الأمريكية على العالم، ولا سيما بعد أحداث 11 سبتمبر، كما أننا سوف نحاول طرح بعض قضايا التنافس الدولي في القارة، مثل: أزمة دارفور، والمشكلة السودانية بوجه عام، وأخيراً نطرح صورة المستقبل الأفريقي في ظل التنافس الدولي، وذلك على النحو التالي:
أولاً: التنافس الأوروبي من أجل السيطرة والنفوذ في أفريقيا (مرحلة تخاطف أفريقيا):
من المعلوم أن الاحتكاك الأوروبي بأفريقيا عن طريق المستكشفين، والتجار، والبعثات التبشيرية قد بدأ منذ القرن الخامس عشر؛ إذ أبحرت السفن البرتغالية الأولى إلى سواحل غرب أفريقيا في عام (1418م)، ووصلت بالفعل إلى منطقة الغابات المطيرة قبل أن يتوفى (هنري الملاح) عام (1460م). وقد أنشأ البرتغاليون عدداً من الحصون الساحلية مارسوا من خلالها تجارة مربحة في الذهب والعاج، وكذلك العبيد، ولا سيما خلال القرن السابع عشر.
وقد ازدهرت حركة تجارة العبيد التي اشترك فيها التجار الهولنديون، والبريطانيون، والفرنسيون إلى جانب البرتغاليين، وقد أطلق على هذه الحركة التجارية اسم (مثلث الأطلنطي للتجارة)؛ إذ كانت تجارة العبيد تشمل نطاقاً ثلاثياً للتبادل:
فأولاً: كان التجار الأوروبيون (وخاصة البريطانيين) يستبدلون السلع التي هي في الغالب الأسلحة الرديئة والملابس بالعبيد الأفارقة، الذين يقدمهم لهم الشيوخ المحليون من البلدان المحيطة بخليج غينيا في غرب أفريقيا بصورة رئيسة.
وثانياً: يتم نقل العبيد كحمولة في السفن عبر المحيط الأطلسي، لكي يباعوا كعبيد للزراعة في جزر البحر الكاريبي، والأراضي الأمريكية.
وأخيراً: يملأ التجار سفنهم بالمحـاصيل الزراعية، ويبيعونها لدى عودتهم إلى أوروبا.
وطبقاً لبعض المصادر فإن عدد الأفارقة الذين نقلوا عبر الأطلسي في الفترة من (1650م) وحتى (1850م) يقدر بحوالي تسعة ملايين نسمة تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والخامسة والثلاثين، ونتيجة سوء المعاملة، وقسوة الرحلة فُقد نحو مليونين منهم في الطريق.
وقد تركت تجارة الرقيق آثاراً بالغة على القارة الأفريقية؛ فإذا كانت قد أسهمت في تنمية العالم الجديد فإنها أضرت بالقارة الأفريقية إضراراً كبيراً؛ حيث إنها أفضت إلى تغيير جذري في توزيع الأجناس البشرية في القارة، وكان الهدف الأسمى وراء هذه العملية غير الأخلاقية: هو تحقيق رفاهية المجتمع الغربي، وخدمة اقتصاده، وعلى صعيد آخر فقد أدت هذه التجارة إلى إشعال الحروب القبلية، وخلق جوّ من التشاحن والبغضاء بين القبائل الأفريقية، وهو ما أفضى في النهاية إلى خلخلة النظم القبلية التي أصيبت بهزات عنيفة.
ومع ذلك فقد ترتب على عملية تهجير الأفارقة، واقتلاعهم من جذورهم، ونقلهم إلى العالم الجديد إلى شعورهم بالاغتراب، والحنين إلى الوطن. ومِنْ ثَمّ نمَتْ لدى هؤلاء العبيد أحاسيس جارفة بالشخصية الأفريقية، واتجاه أكيد نحو الجـامعـة الأفريقيـة
Pan Africanism
، يعني ذلك بعبارة أخرى أن أحد الآثار التي ترتبت على حركة مثلث الأطلنطي لتجارة العبيد: هو نمو الشعور بالوحدة لدى هؤلاء الزنوج في المنفى، وبدء إرهاصات الجامعة الأفريقية في العالم الجديد.
ومن الملاحظ أنه حتى القرن التاسع عشر تعامل التجار البرتغاليون، وغيرهم من الأوروبيين في محطاتهم وحصونهم التجارية الساحلية مع الوسطاء الأفارقة بشكل رئيس؛ أي أن هؤلاء التجار نجحوا في تحويل طريق التجارة الأفريقية بعيداً عن الطريق المعهود عبر الصحراء، والذي كان يربط أفريقيا بالمغرب، أفضى ذلك إلى تدعيم قوة، وثورة الدول الساحلية، وذلك على حساب دول السودان الغربي. بيد أن هذا النمط من التجارة الساحلية بدأ يتغير مع ذلك، حينما ألغيت تجارة الرقيق، وأضحى المستكشفون والإرساليون يزحفون إلى مختلف أصقاع القارة، وهو الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى بناء إمبراطورية أوروبية في أفريقيا؛ فخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر تدافع البريطانيون، والفرنسيون، والهولنديون، والبرتغاليون، وغيرهم من الأوروبيين من أجل بسط هيمنتهم الاقتصادية والتجارية في أفريقيا، وقد قام هؤلاء ببناء الحصون والقلاع، ولا سيما على طـول سواحل غرب أفريقيا؛ وذلك بهدف حماية مصالحهم التجارية وتنميتها.
وثمة مجموعة من العوامل التي أسهمت في التعجيل بعملية التكالب الاستعماري على أفريقيا: من بينها طموح الملك (ليوبولد الثاني) ملك بلجيكا في بناء إمبراطورية له تشمل منطقة حوض الكونغو، وقيام ألمانيا بضم الكاميرون، وشرق أفريقيا، وجنوب غرب أفريقيا وتوجولاند؛ وعليه فقد دعا المستشار الألماني بسمارك في عام (1884م) إلى عقد مؤتمر دولي لتخفيف حدة التنافس بين الدول الأوروبية في أفريقيا، وقد انتهى هذا المؤتمر إلى وضع قواعد عامة لتأسيس مناطق الهيمنة التجارية. على أن هذا المؤتمر باعترافه بقيام دولة (الكونغو الحرة) قد أعطى كلاً من فرنسا، وبريطانيا الحافز لتوسيع مجال سيطرتها من خلال إنشاء مستعمرات ومحميات جديدة، وليس بخافٍ أن أساس الحدود بين هذه المستعمرات كان مصطنعاً لا يتفق وحقائق الأوضاع الجغرافية والديموغرافية، والاجتماعية والاقتصادية للشعوب الأفريقية؛ إذ إنه خطط بشكل تعسفي، وبما يخدم المصالح الاستعمارية؛ وعلى ذلك فقد تم تقسيم إقليم (باكونجو) بين الكونغو الفرنسية والكونغو البلجيكية وأنجولا.
وقد اعتقد كثير من الأفارقة في بداية المرحلة الاستعمارية أن توقيع المعاهدات مع الأوروبيين: هو نوع من التحالف، أو تدعيم أواصر الصداقة أكثر من كونه عملاً من أعمال الاحتلال والسيطرة؛ وعليه فإن ممالك أفريقية مثل: (التيف، وبورتو نوفو، ودوالا) دخلت في اتفاقات مع دول أوروبية، وقد اشتكى ملوك هذه الأمم الأفريقية بمرارة، حينما انتهكت هذه الاتفاقات، وربما أثرت الشعارات التي رفعها الأوروبيون لتغطية أهدافهم الاستعمارية الحقيقية على وجود هذا الاعتقاد الزائف، ويطرح (جومو كينياتا) بُعداً آخر لسوء الفهم الذي واكب بدايات عملية تخاطف أفريقيا؛ حيث يؤكد على أن «شعب الكيكويو أعطى الأوروبيين حقوق البناء، والإقامة في مناطق مثل: داجورتي، وفورت سميث، وغيرها، دون أن يكون لديهم أدنى فكرة عن النوايا الحقيقية الكافية خلف قوافل التجارة؛ إذ اعتقد هؤلاء أن الأمر ليس مجرد عمل تجاري وحسب، إنهم لم يدركوا أن هذه الأماكن استخدمت للإعداد من أجل انتزاع هذه الأراضي، & |