|
أنور قاسم الخضري
البحر الأحمر في التاريخ والجغرافيا:
مثّل البحر الأحمر منذ القِدمَ حلقة وصل بين الحضارات التي قامت بمحاذاة سواحله من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب؛ فمن حضارات اليمن القديمة وأرض الشام إلى حضارات حوض النيل وبلاد القرن الأفريقي.
وهو يمثّل اليوم جسر عبور بين أوروبا وشمال أفريقيا المطلتين على البحر الأبيض المتوسط، وبين جنوب وجنوب غرب آسيا، وشرق أفريقيا المطلة على المحيط الهندي؛ حيث تنتقل سفن البضائع التجارية، وناقلات النفط والغاز، وسفن النقل والسياحة والصيد، بل وحتى السفن والقطع الحربية الغازية؛ فقد وجدت في البحر الأحمر أقصر طريق.
وقد أخذ البحر الأحمر أهميته في العصر الحديث عقب افتتاح قناة السويس (عام 1869م)، ولا نبالغ إذا قلنا: إنه من أنشط البحار العالمية في مجال الحركة والملاحة البحرية، إلى الحد الذي أصبحت معه قناة السويس مصدر دخل قومي مهم لدولة مصر، التي تتحكم منفردة بهذا الممر البحري الحيوي.
وقد جاءت أهمية البحر الأحمر للمنطقة العربية من كونه معبراً مهماً للملاحة الدولية.
وقد تنافست الدول الاستعمارية في سبيل التحكم بمنافذه، والاستيلاء على أهم المدن المطلة عليه، كما وضعته إسرائيل(1)، في أجندتها الاستراتيجية منذ قيامها، لكنها بدأت في توسيع نفوذها عليه بعد حرب أكتوبر 1973م.
ولعل أهم نقطتين استراتيجيتين فيه هما: قناة السويس، ومضيق باب المندب؛ لأنهما تتحكمان في دخول السفن إليه وخروجها منه، وهما لذلك بوابتاه الأمنيتان.
ويأخذ البحر الأحمر أهميته في الأمن القومي العربي في ظل تهديدات التوسع الإسرائيلي، والاحتلال الأمريكي القادم إلى المنطقة، والتنافس الأوروبي في إيجاد موطن نفوذ عليه. وإذا كان الأمن القومي العربي قد تعرض للتهديدات؛ نظراً لأسباب كثيرة: منها الثروات الطبيعية التي تتمتع بها الأراضي العربية، والموقع الجغرافي الذي بموجبه تسيطر المنطقة العربية على جسور بحرية وبرية مهمة تربط قارات العالم، بل وتُشكّل معابر إستراتيجية مهمة فيما بينها، فإنه اليوم يواجه أشد هذه التهديدات على دوله المحيطة بالبحر الأحمر؛ ليفقد قدرته على التحكم بخطوط التجارة بعد أن فقد مصادر الثروة في العراق.
لقد أصبح الوجود العسكري الأجنبي في البحر الأحمر ضمن الإستراتيجيات الكبرى للقوى الدولية، وبالذات منها الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل.
البحر الأحمر، والأمن القومي(1)
العربي:
إن الأمن القومي العربي يجسد وحدة واحدة، ولا يمكن بحال التحدث عنه كأجزاء منفصلة، أو مترابطة؛ ذلك أن تاريخ المنطقة ومنظومتها الثقافية، والاجتماعية وهويتها الحضارية ومصالحها ومصيرها غير منفك بعضه عن بعض، وبدون مبالغة مثّلت هذه المنطقة واقعاً ملموساً لحديث النبي
-صلى الله عليه وسلم - : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» .
والأمن القومي العربي يمثل الأمن القومي لقلب العالم الإسلامي، باعتبار موقعه المكاني والتاريخي والحضاري. وإذا كان الأمن القومي لدولة ما أو مجموعة دول يشمل الميادين السياسية والاقتصادية، والأمنية والاجتماعية، والثقافية والتقنية، ويرتبط بحركة وتغيرات المحيط الخارجي له؛ فمن باب أولى أن يرتبط بحركة وتغيير أعضائه الذين يشكّلون جسده.
لقد كان الوطن العربي بِرُمّته بأرضه ومنافذه، وثرواته محط أطماع، وصراع بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية سابقاً، وقد أعطت له ظروف الحرب الباردة مجالاً للمناورة والموازنة في العلاقات والتهديدات، لكنه اليوم عاجز ـ كما يبدو ـ عن الاستقلال بإرادته والتحكم بمصيره؛ نظراً لغياب مفهوم الوحدة الحقيقية على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ووجود دوافع الفرقة والشقاق التي ولدتها الصراعات السياسية والولاءات الفكرية.
لقد عمل الغرب على ربط الدول العربية بشبكة استثمارات اقتصادية ـ يدور معظمها حول النفط ـ ليوجد غطاء مناسباً لوجوده في المنطقة؛ وفي الوقت ذاته عمل على إيجاد موطن قدم له في دول غير عربية، مثل: أريتريا، وإثيوبيا؛ لتأمين وجود قواته مقابل المنافذ البحرية للبحر الأحمر. وفي خطوة أبعد من ذلك جعل من وجود قواته ضرورة عربية قبل أن تكون ضرورة أمريكية.
ويتفق الباحثون على أن أهم أهداف القوى الاستعمارية في البحر الأحمر اليوم هي:
- تأمين استمرار تدفق النفط، والغاز من الدول المنتجة في الخليج العربي.
- تأمين طرق الملاحة العالمية بالمنطقة لصالح الغرب.
- تحقيق النفوذ الاقتصادي في المنطقة، واستغلال الموارد الخام، والثروات الطبيعية، والوصول إلى الأسواق العالمية بيسر وسهولة.
- تكريس الوجود الأمني والعسكري، وتسهيل حركته في سبيل تحقيق الرؤى السياسية والخطط الاقتصادية.
ومن ثم عززت الإدارة الأمريكية إبّان حرب الخليج الأولى من وجود أساطيلها البحرية على منافذ البحر الأحمر، وبالأخص منفذه الجنوبي؛ وقد سعت مراراً في الضغط على اليمن للحصول على تسهيلات، وقواعد بحرية في جزرها المتحكمة بباب المندب أو قبالة عدن أو في جزيرة سقطرة.
وهي أيضاً في مقابل سعيها الحثيث لإقناع دولة كاليمن للحصول على تسهيلات أو قواعد عسكرية، تدفع بالنزاعات الإقليمية التي تهدد قدرة حكومة كاليمن على التأثير والسيطرة على منافذها المطلة على باب المندب وخليج عدن، وما منازعة إريتريا لجزر حنيش إلا جزء من هذا السيناريو الذي يراد من ورائه تدويل هذه النزاعات، وفرض وجود القوى الدولية ـ والتي غالباً ما تكون في مثل هذه الظروف أمريكية وأوروبية.
هذه النزاعات بالطبع أثرت على تعاطي الحكومة اليمنية تجاه تقديم تسهيلات للأساطيل الحربية للقوات الأمريكية المرابطة في المحيط الهندي أو العابرة، كما وقع في حرب واشنطن على أفغانستان وعلى العراق، خاصة وأن دول القرن الأفريقي المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن مغيّبة تماماً عن التأثير، بل لا وجود لها كما هو الحال مع الصومال.
وفي حين تمهّد الولايات المتحدة لبناء قواعد إستراتيجية في المنطقة العربية بالبحر الأحمر، أبدت واشنطن اهتماماً مكثفاً في الآونة الأخيرة بالقرن الأفريقي؛ باعتبار تأثيره الأمني على المنطقة، وأمن الملاحة فيها؛ لذا جاءت تحركات الإدارة الأمريكية مع المجتمع الدولي ـ الذي تحركه من ورائها ـ لإنجاح المصالحة الصومالية، وإعادة الأمن والاستقرار، وإقامة دولة مركزية.
الصومال.. خلفية عامة:
تقع الصومال شرقي أفريقيا، وهي مطلة على المحيط الهندي وخليج عدن، وقريبة إلى حد كبير من باب المندب. ويبلغ الطول الكلي لسواحلها 3.025 كم.
حصلت الصومال على استقلالها عام1960م، وانضمت للأمم المتحدة في العام ذاته، وجاء انضمامها للجامعة العربية متأخراً (1974م).
تتوزع الصومال على 18محافظة، وعاصمتها مقديشو، ومن أهم مدنها: هرجيسة وكسمايو وبربرة وزيلع وميركا.
وتبلغ مساحة الصومال 637.657 كم2، يحدها من الشمال جيبوتي (58كم)، ومن الشمال الغربي إثيوبيا (1.626كم)، ومن الغرب كينيا (682 كم). أما تعداد سكانها فهو: 8.025.190 نسمة وفق تقديرات سنة 2003م؛ نسبة الذكور 51%، ونسبة النمو السكاني تصل إلى 3.43%، بحسب التقديرات ذاتها.
توزعت القوى الاستعمارية (إيطاليا، وبريطانيا، وفرنسا) مناطق الصوماليين، وشتت شملها؛ ففيما اقتطعت فرنسا الجزء الشمالي منه «جيبوتي»، ظَلّ الجزء الغربي والغربي الجنوبي تحت السيطرة الإيثوبي والكينية كمنحة من دول الاستعمار للقوى الصليبية في المنطقة. وقد خاضت الصومال ـ بعد توحد جزئيه الإيطالي والبريطاني ونيل الاستقلال في يونيو 1960م ـ حرباً مع إثيوبيا عام 1961م لاستعادة منطقة «الأوجادين» وقطعت علاقتها ببريطانيا إلى حين استعادة الأراضي التي وهبتها لكينيا.
اللغة العربية هي اللغة الرسمية في الصومال، بالإضافة إلى اللغة المحلية، كما يتم استخدام اللغة الإنجليزية والإيطالية. ولا يوجد في الصومال أقليات دينية أو طائفية؛ أما من حيث العرقيات فـ 98% من الشعب صوماليون و1.5% بانتو وعرب.
يهتم غالبية الشعب الصومالي بالمواشي ورعايتها، ويتمتع بروابط عائلية وقبلية قوية؛ حيث تمثل القبيلة السلطة الفعلية للمجتمع، كما أنه شعب معتز بدينه الإسلامي وعروبته؛ لذا فهو شعب متدين، وحريص على تعلم القرآن وتعليمه لأبنائه.
الأوضاع الاقتصادية:
تمتلك الصومال موارد طبيعية محدودة جداً، تذكر المصادر منها: اليورانيوم، والحديد الخام، والقصدير والنحاس، لكن لا توجد دراسات، أو أرقام وبيانات معلنة عن حجمها وجدواها الفعلية في النهوض باقتصاد البلد. هذا إضافة إلى الملح والجبس، وهما مستغلان بشكل محدود؛ ولا توجد إشارات واضحة حول النفط أو الغاز الطبيعي.
ومعظم إمكانيات البلاد الاقتصادية خربت خلال الحرب الأهلية، كما أن الصناعة مشلولة لغياب البُنى التحتية، وتدمير الكثير مما كان قائماً منها. والقطاع الصناعي ـ الذي كان قائماً ـ كان يعتمد على معالجة المنتجات الزراعية التي تراجعت مع استمرار الحرب؛ وتسبب ذلك في حدوث مجاعات واسعة النطاق. وهناك صناعات أخرى كصناعة: الجلود، والسكر، والمنسوجات.
وتعتبر الزراعة أهم القطاعات الحيوية للشعب الصومالي، وتقدر بعض المعلومات نسبة الأراضي الصالحة للزراعة بـ 2%، ويمثل الموز، والذرة والقمح، والمانجو، وقصب السكر أهم المحاصيل الزراعية. وهي وإن كانت تُزرع أساساً للسوق المحلية لكن منها ما يصدر إلى الخارج: كالموز، والسكر، إضافة إلى البخور.
وكانت الصومال تمتلك ثروة حيوانية هائلة ـ باعتبار مساحة الأرض الرعوية (69%) ـ معظمها من: الأغنام والماعز والإبل؛ وقد تراجعت هي الأخرى؛ نتيجة الحرب والنزاعات، وعوامل الجفاف والتصحر، بالإضافة إلى ذلك تمتلك الصومال ثروة حيوانية بحرية غير مستغلة.
ووفقاً لتقديرات سنة 2001م يبلغ إجمالي الناتج القومي (بالمليون دولار): 4100؛ بمعدل 550 دولاراً للفرد؛ حصة قطاع الزراعة من إجمالي الناتج القومي: 65%، وحصة قطاع الصناعة: 10%، وحصة قطاع الخدمات: 25%.
أما إجمالي الصادرات (بالمليون دولار): 126، وإجمالي الواردات (بالمليون دولار): 343، وفقاً للتقديرات ذاتها.
وتفيد بعض التقارير بأن معدل نمو الناتج المحلي يصل: 2%.
الصادرات والواردات: تصدر الصومال بعض المنتجات الزراعية والحيوانية إلى الدول المجاورة لها إقليمياً: كاليمن، والمملكة العربية السعودية، وبعض دول الخليج. وتستورد مشتقات البترول، والمواد الغذائية، والأجهزة، ومعدات النقل، ومواد البناء، وغير ذلك.
ويعاني الصوماليون إلى جانب الحروب الأهلية الطاحنة التي أكلت الأخضر واليابس، ونشرت الخوف والرعب: من قلة الطعام والماء، والفقر المدقع، وتفشي الأمراض والأوبئة، وانعدام الرعاية الصحية والخدمات التعليمية. هذا إضافة إلى الجفاف، والتصحر اللذين يفقدان الأرض قدرتها على العطاء.
وفي العموم تعتبر الصومال ـ اليوم ـ أشد دول العالم فقراً و تخلفاً، وتعد حركة التجارة فيها راكدة إلى حد كبير؛ باعتبار الأوضاع الداخلية التي تعاني منها، وباعتبار غياب الدولة المركزية الحاكمة. وتحتاج محاولات الإصلاح الاقتصادي إلى قضايا كثيرة، من أهمها توفر الأمن والاستقرار.
الدين والتدين في الصومال:
الصوماليون مسلمون سُنة 100%، وغالبيتهم يلتزمون المذهب الشافعي، وهم مجتمع قبلي محافظ ومتدين. والإسلام في الصومال قديم جداً، ولا يزال حاضراً في المجتمع الصومالي من خلال التعليم التقليدي، والذي يقام في المساجد والزوايا ومدارس تحفيظ القرآن الكريم، أو ما يعرف بالكتاتيب؛ وهنـا يدرس القـرآن الكــريم للأطـفال، ولا تطال الحروب ـ كما هي العادة ـ هذه الأماكن ومرتاديها؛ فلا يجوز قتل مدرس القرآن كعُرف قبلي.
وعلى عكس ما هو الحال في عدد من البلدان العربية فإن العودة إلى ممارسة الشعائر الإسلامية، وتعلم مبادئها أصبحت ظاهرة لدى الفئات الشبابية من الطبقات الميسورة والمتوسطة، وهذه الظاهرة تنامت في العقد الأخير؛ حيث إن الموظفين وصغار التجار من الشباب مهتمون بتعلم العلوم الإسلامية، ويرتادون المساجد أكثر من غيرهم. وعلى رغم الظروف الصعبة إلا أن الصوماليين حريصون على أداء فريضة الحج سنوياً.
وتنتشر في الصومال المحاكم الشرعية التي أصبح يرجع إليها الناس في فضّ النزاعات، وتحقيق العدل وإقامة الحدود، وإجراء عقود الزواج والطلاق، وغير ذلك. كما يشارك الصوماليون المسلمين في أنحاء العالم مشاعرهم وآلامهم؛ فقد شهدت العاصمة مقديشو عدداً من المظاهرات الشعبية لأيام متتالية، وفي كبريات المدن الصومالية الأخرى ضد الحرب الأمريكية على العراق، وصام الناس في بعض المدن سبعة أيام، وقرؤوا صحيح البخاري: كتقليد صومالي لنصرة العراقيين إبّان الحرب، كما شهدت المساجد أدعية وخطباً بهذه المناسبة.
وهناك جهود حثيثة لتنصير اللاجئين الصوماليين في دول مختلفة تحت غطاء المساعدات الإنسانية. بل هناك العديد من المنظمات العاملة في الصومال من أجل تنصير المسلمين. وقد حاول بعض منهم تمرير محاولة إثبات وجود طائفة نصرانية في مؤتمر المصالحة؛ فقد تقدمت منظمة مسيحية تطلق على نفسها اسم «المجتمع المسيحي» بطلب تمثيل المسيحيين الصوماليين بالمؤتمر المنعقد في مدينة الدوريت الكينية في فبراير 2003م؛ لكن اللجنة المنظمة رفضت الطلب. وجاء في طلب رئيس منظمة «المجتمع المسيحي الصومالي» أحمد عبد أحمد رغبته في الاعتراف بهم كأقلية لها حقوقها السياسية والاجتماعية في البلاد، وبأنهم مواطنون كغيرهم من الأكثرية المسلمة في الصومال؛ وأن أتباع المنظمة التي تأسست عام1960م يقدرون بـ 13 ألفاً يقيمون داخل الصومال وخارجها.
وقد نفت رابطة العلماء في الصومال(1) ـ في بيان لها صدر بتاريخ 17/2/2003م ـ وجود أقلية نصرانية في المجتمع الصومالي، واصفة هؤلاء بأنهم «مرتدون يجب تطبيق أحكام الشريعة عليهم» . وأضاف بيان العلماء بأن ما حدث عبارة عن استفزاز لمشاعر المسلمين في الصومال الذين يدينون بالإسلام، وطالب الأطراف الصومالية المشاركة في مؤتمر المصالحة بعدم السماح «للمرتدين» بالمشاركة في المؤتمر، وإنزال عقوبة الإعدام بهم إذا عادوا إلى البلاد، أو وجـدوا فيها كما تنـص الـشريعة الإسـلاميـة.
لمحة تاريخية:
خضعت الصومال للإمبراطورية الحبشية خلال الفترة من القرن الثاني وحتى السابع الميلاديين. وقد دخلها الإسلام قديماً من خلال هجرة بعض القبائل العربية (السُنِّية) إليها؛ وذلك فراراً من دولة القرامطة التي قامت في الأحساء، وأجزاء من الجزيرة العربية، بالإضافة إلى التجار الذين كانوا يحتكون مع أهل البلاد الأصليين، وينقلون الإسلام إليهم.
وقعت الصومال تحت الاحتلال البريطاني لتأمين تجارتها المارة عبر البحر الأحمر؛ وذلك عقب انسحاب القوى المصرية ـ التي كانت تحتلها منذ عام 1870م ـ لإخماد ثورة المهدي في السودان.
ونتيجة مقاومة الشعب الصومالي، وجهاده ضد الاحتلال، انسحبت بريطانيا إلى السواحل فقط، في حين زادت إيطاليا من نفوذها في المنطقة تحت معاهدة لندن 1915م، واتفاقيات أخرى تلت الحرب العالمية الأولى، وفي عام 1936م ضمت إيطاليا أقاليمها في الصومال وإريتريا وإثيوبيا إلى مستعمراتها شرقي أفريقيا، ثم لم تلبث أن هاجمت المناطق البريطانية في الصومال بعد أن دخلت الحرب العالمية الثانية كحليف لألمانيا، ونجحت في طرد بريطانيا التي عادت، وأعلنت الوصاية على الصومال في عام 1941م.
وفي الأول من يوليو 1960م حصلت الصومال على استقلالها تبعاً لاتفاق مع الأمانة العامة للأمم المتحدة.
خاضت الصومال حرباً مع إثيوبيا منذ عام 1977م وحتى عام 1988م، ثم دخلت البلاد بعد ذلك في دوامة الحرب الأهلية أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، وخلال عامين قتل حوالي 500.000 شخص، و300.000 شخص قتلتهم المجاعة!!
في ديسمبر 1992م أرسلت الأمم المتحدة قوات حفظ السلام الدولية لإعادة الأمن وحماية المنظمات الدولية التي عملت على تقديم العون الغذائي والاجتماعي للسكان، لكنها لم تتمكن من ذلك بل كانت هدفاً للميليشيات المتحاربة، ومنْ ثَمَّ انسحبت الأمم المتحدة من الصومال عام 1995م.
سياد بري والحكم الاشتراكي للصومال:
قام اللواء محمد سياد بري رئيس أركان القوات المسلحة مع مجموعة من الضباط بالاستيلاء على الحكم صبيحة يوم 21/10/1969م عن طريق انقلاب عسكري، وشكّل على إثر إعلان الانقلاب (مجلس قيادة الثورة)، وعلق الدستور وألغى البرلمان، وبدأ في حكم البلد حكماً مطلقاً، وألقى برموز السلطة السابقة في السجون، وعمل على التخلص من بعض الضباط البارزين في مجلس قيادة الثورة الذين شاركوا بفعالية كبيرة في تنفيذ وإنجاح الانقلاب، حتى لا يشكّلوا عامل منافسة ضده؛ فقام بإعدامهم بتهمة الخيانة على دفعتين.
وانتمى نظام سياد بري في أحضان الماركسية الاشتراكية، وأعلن الاشتراكية العلمية كمنهج سياسي وفكري للبلاد(1)، وبدأت الحكومة الصومالية بتنفيذ ما وصف بأنه أكبر حملة ماركسية لينينية في أفريقيا.
وقد شهدت كتابات المرحلة بهذه الحملة: (ولم يكن النظام يتردد في إعلان إخلاصه للاشتراكية العلمية كما تفهمها موسكو، ولكنه في الوقت نفسه كان يستوحي التجربتين الصينية والكوبية، وكان للمثقفين اليساريين الإيطاليين تأثير خاص على الضباط الصوماليين الشباب الذين كانوا يتهافتون على الصحيفة الإيطالية الاشتراكية الماركسية «أفنتى»)(1).
وفى أواسط عام 1976م أعلن النظام تبنيه مبدأ الحزب الواحد، ليكون «الحزب الاشتراكي الثوري الصومالي» ـ الذي حلت قيادته وعلى رأسها رئيس الدولة محل المجلس الأعلى لقيادة الثورة ـ هو الحزب السياسي الوحيد في البلاد.
في عام 1977م دخل نظام سياد بري في حرب أوجادين مع نظام «مانجيستو» الماركسي في إثيوبيا، معتمداً على الدعم السوفييتي الذي ما لبث أن خذله، واتجه وفقاً لمصالحه الإستراتيجية خلف النظام الإثيوبي ـ الذي وجد مساندة من دول المعسكر الشيوعي، فكان رد فعل سياد بري إلغاء معاهدة الصداقة مع الاتحاد السوفييتي، وطرد جميع الخبراء الروس من الصومال؛ حيث نقلوا مباشرة إلى إثيوبيا.
ومع بداية 1978م حاولت أول مجموعة من الضباط الانقلاب على حكم سياد بري، لكنها أخفقت، وواجه معظمهم عقوبة الإعدام؛ فيما فرّ بعضهم، وكان ممن فرَّ العقيد عبدالله يوسف أحمد الذي نظّم فيما بعد أول معارضة مسلحة.
عقب عام 1978م وإخفاق نظام سياد بري في حربه مع إثيوبيا وإدارة البلاد، وكثرة الثورات المعارضة لحكمه، بدأت تلوح في الأفق ملامح سقوط النظام الذي عمل على تحميل عدد من الحكومات المتعاقبة الأوضاع المتردية، وكانت الديون الخارجية للصومال قد بلغت عام 1988م قرابة 20 مليار دولار.
وبحلول شهر ديسمبر 1990م بدأت الاضطرابات في العاصمة مقديشو، وزاد الضغط الشعبي على سياد بري للتخلي عن السلطة ومغادرة البلاد، وفي مساء 27/1/1991م اضطر الرئيس بري -الذي حكم الصومال 21 عاماً ـ إلى الهروب من العاصمة مقديشو، التي لم يتسنَ له العودة إليها إلى حين وفاته في نيجيريا طريداً ولاجئاً منسياً.
لم يغادر سياد بري السلطة إلا بعد أن أشعل فتيل حرب دامية دامت قرابة عقد ونصف من الزمان وكلفت الصومال والصوماليين الكثير. ففي 18 و25 يناير على التوالي من عام 1990م نشرت منظمة العفو الدولية
Amnesty International
ومنظمة أميركان واتش American Watch
تقارير عن ذبح النظام من 50.000 إلى 60.000 من المدنيين منذ بداية الحرب الأهلية في مايو 1988م(2).
(في نهاية 1991م قدر عدد ضحايا الحرب بحوالي 20.000 شخص ونحو 600.000 لاجئ إلى الخارج، وبضع مئات من الألوف نزحوا من مناطقهم إلى أماكن أخرى في الداخـل بحثاً عن الأمــان)(3)، و (من نوفمبر 1991م إلى فبراير 1992م اندلعت المعارك الشرسة بين علي مهدي وعيديد فى مقديشو؛ حيث نسف وسط المدينة والبنية التحتية والمرافق، ونتج عن القصف العشوائي المركّز والمستمر ليلاً ونهاراً لمدة ثلاثة أشهر كارثة بالنسبة للسكان المدنيين، وكتب مراسل الواشنطن بوست الأمريكية أن المدافع التي تتساقط كالمطر على الأحياء المكتظة بالسكان تحصد نحو 1000 ضحية أسبوعياً في مقديشو)(1).
(لقد أصبح مليون طفل و4 ملايين ونصف من الكبار مهددين بالموت من الجفاف والمجاعة، ونفقت نحـو 40% مـن المــواشــي، كما أصبــح المزارعـون لا يستطيعون العمل في مزارعهم. وفى منتصف 1992م بلغ عدد اللاجئين المسجلين في كينيا وحدها 350.000، وفي إثيوبيا 357.000، وفي جيبوتي 20.000، وفي اليمن 10.000، ونزح نحو 300.000 آخرين من مناطقهم في الداخل، وبمعدل 1000 شخص يعبرون الحدود الكينية يومياً هرباً من الحرب)(2).
في نوفمبر 1991م أفاد الصليب الأحمر -في تقرير له ـ بأن الوضع في الصومال: «يشكّل كارثة إنسانية، وألوف الجرحى والقتلى يسقطون يومياً» .
بداية الحرب الأهلية:
استولت قوات «المؤتمر الصومالي الموحد» بزعامة اللواء محمد فارح عيديد (وهو التنظيم السياسي العسكري لقبيلة الهوية بكل فروعها) على العاصمة مقديشو، في يناير 1991م، وأعلنت الإذاعة بياناً صادراً عن الاجتماع الطارئ لأركان حزب المؤتمر، تضمن تعيين علي مهدي محمد ـ أحد رموز المؤتمر وتاجر معروف ـ رئيساً مؤقتاً للبلاد، وتثبيت رئيس الوزراء (عمر عرته غالب) في منصبه، على أن يعقد مؤتمر وطني تحضره كافة الفصائل في غضون شهر للاتفاق على شكل الحكومة النهائي، لكن شيئاً من ذلك لم يقع، وبدأ النزاع على السلطة، فعقد المؤتمر الأول للمصالحة في جيبوتي؛ حيث جدد لعلي مهدي في الرئاسة، وهو الأمر الذي لم يَرُق للجنرال فارح عيديد.
في هذه الأثناء بدأت ميليشيات المؤتمر الصومالي الموحد في مواجهات مسلحة مع قبيلة الدارود (التي ينتمي إليها الرئيس السابق سياد بري)، سواء من كان في الحكومة أو من المدنيين، وحصلت مذابح عشوائية، وعمّت العاصمة فوضى عارمة، ونهبت جميع مؤسسات الدولة، والهيئات الدبلوماسية، ولم يستطع المؤتمر الصومالي الموحد أن يضبط الأمن، ويلجم جماح الميليشيات؛ ، وتحولت حملة حزب المؤتمر من حملة للسيطرة على الحكم إلى حرب قبلية.
ثم تفجر الصراع سريعاً بين اللواء محمد فارح عيديد والرئيس علي مهدي محمد من أجل السلطة، وفي هذه الحرب التي استمرت أكثر من أربعة أشهر ودارت رحاها بين فرعي قبيلة الهوية الموالين للطرفين، تعرضت العاصمة مقديشو وبنيتها التحتية للتدمير، وشهدت هذه الفترة أعنف المعارك، وأكبر الخسائر المادية والبشرية، وتفتت الوحدة السياسية والاجتماعية للبلد لتدخل في حرب ضروس أتت على كل شيء أمامها.
نتائج عقد ونصف من الحرب الأهلية:
على الصعيد السياسي:
لقد كان من أعظم نتائج الحرب على المستوى السياسي ذهاب الدولة المركزية ذات السيادة وغيابها عن الحضور إقليمياً وعالمياً، ومن ثم لم يعد للسفارات الخارجية للصومال وجود، أو دور يذكر في ترتيب أوضاع المغتربين في أنحاء العالم، بل أصبح الصوماليون كشعب في العراء، ودون أي غطاء يستندون إليه، أو يلجأون له؛ مما دفع إلى انتهاك حقوقهم، وإهدار كرامتهم.
وغاب الصومال عن جميع الهيئات والمنظمات الدولية والإقليمية: كالأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومنظمة الوحدة الأفريقية، وغيرها، وهذا يعني غياب قضاياه وهمومه وممثليه الشرعيين في هذه المؤسسات.
ووقعت قضية الصومال في أيد خارجية تتداولها؛ بما يتلاءم مع مصالح هذا البلد أو ذاك، وأصبحت الصومال محل أطماع دول إقليمية وأجنبية.
على صعيد البنى التحتية للدولة:
بلا شك فإن مقدرات أي دولة مهما كانت ضعيفة تظل ملكاً للشعب، وحقاً عامّاً ل& |