|
بدر حسن شافعي
برزت أحداث ساحل العاج(1) ـ ذلك البلد المسلم في غرب أفريقيا ـ على السطح في الآونة الأخيرة؛ لكي تكشف عن فصل من فصول المأساة التي تتعرض لها الأغلبية المسلمة في البلاد على يد النظم الكاثوليكية المتعاقبة.
ويلاحظ أن وسائل الإعلام ـ خاصة الغربية ـ ما كانت لتهتم بمأساة مسلمي ساحل العاج، لولا الأقدار الربانية، ثم الأيادي الصهيونية التي دفعت الطائرات الحكومية لضرب أحد مواقع الإسلاميين في الشمال في السادس من نوفمبر الماضي، لكن سقطت قذائف الطائرات على أحد معسكرات القوات الفرنسية المتواجدة في مدينة بواكيه وسط البلاد؛ مما أدى إلى مصرع تسعة عسكريين فرنسيين وأمريكي واحد، وإصابة اثنين وعشرين آخرين، وتردد فـي حينهـا أن طائـرة اسـتطلاع إسـرائيلية ـ بدون طيار ـ هي التي حددت ذلك الموقع. وهنا قامت الدنيا ولم تقعد، على اعتبار أن الضحايا من الأجـانب، وكان رد الفعـل الفـرنسـي عنيفـاً جـداً ـ بالرغم من أن فرنسا منذ استقلال البلاد عنها عام 1960م كانت شاهدة عيان ـ من خلال قواتها المتمركزة في أحد القواعد العسكرية ـ في البلاد ـ على مأساة المسلمين؛ حيث قامت الطائرات الفرنسية بتدمير خمس طائرات حكومية كانت مرابضة في أحد المطارات، كما تم تنفيذ عملية إعادة انتشار القوات الفرنسية حول المطارات العسكرية في البلاد، وقامت باريس بإرسال تعزيزات عسكرية في البلاد، وتدهورت العلاقة بين الرئيس الكاثوليكي (لوران جباجبو) والحكومة الفرنسية(2).
وبـدأ الاهتمـام العالمي بالأزمة؛ ليكتشف الجميع أن عمليـة إبـادة جماعيـة كانـت تتـم للمسلمـين ـ دون ضجيج ـ مِن قَبْل، وأن ما حدث مؤخراً أشبه بسقوط ورقة التوت عن محنة المسلمين في ساحل العاج(3).
وفي هذا الإطار فإننا سنحاول في هذه الدراسة تناول عدة نقاط هي:
1 ـ إلقاء الضوء أولاً على محنة المسلمين ـ ليس فقط في عهد جباجبو ـ ولكن منذ عهد بوانييه ـ أول رئيس وطني للبلاد ـ لندرك حجم المأساة التي يعاني منها المسلمون على مر النظم المتعاقبة ـ بغض النظر عن طبيعة تلك النظم (ديمقراطية أو عسكرية أو معارضة).
2 ـ ثم نحاول بيان الموقف الدولي منها، خاصة الموقف الفرنسي، باعتبار أن فرنسا شريك فيما يحدث في البلاد الآن، ثم موقف المجتمع الدولي ممثلاً في الأمم المتحدة.
3 ـ ثم أخيراً نحاول استشراف المستقبل، أو بمعنى آخر محاولة بيان مدى انعكاس الأزمة على أوضاع المسلمين.
ولكن قبْل تناول هذه النقاط يتعين علينا أولاً إعطاء لمحة سريعة عن أوضاع المسلمين في ساحل العاج، وأثر السياسة الاستعمارية الفرنسية على الأوضاع الراهنة.
أوضاع المسلمين في ساحل العاج:
يبلغ عدد سكان ساحل العاج وفق إحصائيات عام 2003م قرابة 16 مليون نسمة، وكشأن كل الإحصائيات تختلف الأرقام حول نسب السكان؛ إذ تتراوح تقديرات عدد المسلمين بها بين 60% ـ 65%؛ (أي قرابة 10 ملايين نسمة)، يدين معظمهم بالمذهب المالكي كشأن معظم دول غرب إفريقيا، في حين تتراوح نسبة النصارى بين 20% ـ 25%معظمهم كاثوليك (80%)، في حين يشكّل الوثنيون النسبة الباقية(1). ويوجد بالبلاد 70 طائفة عرقية، لعل من أبرزها: الماندينجو، والجيولا أو الديولا (التي ينتمي إليها (الحسن واترا) زعيم حزب تجمع الجمهوريين المعارض) المسلمتين في الشمال، في حين من أشهر القبائل المسيحية قبائل البيتيpete
التي ينتمي إليه الرئيس (لوران جباجبو)، والبوليpoli
التي ينتمي إليها كل من الرئيس الراحل (هوافييه بوانييه) والرئيس (كونان بيديه) في الجنوب، فضلاً عن قبيلة ياكوبا في الغرب التي ينتمي إليها الرئيس العسكري الراحل (روبرت جيه). وهناك أكثر من ستين لهجة محلية أبرزها لهجة الماندي الخاصة بقبائل الماندينجو، إلا أن الفرنسية هي اللغة الرسمية في البلاد. وهنا يلاحظ أن التقسيم الديني الذي يتقاطع مع كل من التقسيم الجغرافي، والتقسيم الاقتصادي ـ أغلبية المسلمين يعملون في الزراعة في الشمال، خاصة في محصول الكاكاو في حين أن الجنوبيين يعملون في مجال التجارة والصناعة ـ كان سبباً في زيادة حدة الانقسامات في البلاد، خاصة في ظل سياسة التمييز ضد المسلمين؛ حيث انقسمت البلاد إلى قسمين تقريباً هما: شمال مسلم زراعي فقير يشكّل الأغلبية، وجنوب مسيحي صناعي تجاري غني يشكّل الأقلية(2).
الاستعمار الفرنسي وسياسة التهميش:
ولقد لعب الاستعمار الفرنسي منذ قدومه للبلاد أواخر القرن التاسع عشر، وحتى حصول البلاد على استقلالها عام 1960م دوراً هاماً في تكريس هذه الفوارق؛ فقام بإخضاع البلاد لنظام الحكم المباشر، وعمل على التمييز بين المواطنين على أساس الدين؛ فسمح لأبناء القبائل الوثنية والمسيحية باستكمال تعليمهم في فرنسا، وفي المقابل حُرم المسلمون من شغل الوظائف الهامة في البلاد، ثم أصدر قانوناً عام 1939م تم بموجبه وضع أنصار كل ديانة تحت إشراف وزارة الداخلية، حتى يسهل تتبع تحركات أتباع كل ديانة، ومن ثم احتواء أي حركة اضطراب أو تذمر، (ولعل ذلك كان سبباً في بروز الخلاف بين النظام الكاثوليكي، والمعارضة الإسلامية بعد ذلك؛ حيث كانت المعارضة تطالب دائماً بحقيبة الداخلية، من أجل تحاشي عملية التتبع والاعتقال، فضلاً عن إسقاط الهوية عن المسلمين، كما سنرى بعـد ذلك). ولم تكتفِ باريس بهذا، بل كانت تكافئ كل من يرتد عـن دينه من المسلمين بمنحه الجنسية الفرنسية، وبـذلك ساهمـت فرنسـا في تمكين الأقلية الكاثوليكية مـن السيطرة على مقاليد الحكم في البلاد. كما سعـت لطمـس الهـوية الثقـافية لـلأغلبيـة المسلـمة، من خلال جعل الفرنسية هي اللغة الرسمية، كما حظرت لغة الماندي التي كانت لغة الإسلام في غرب أفريقيا، فضلاً عن منعها تدريس الإسلام في المدارس(1).
أوضاع المسلمين في ظل نظم الحكم المتعاقبة:
أولاً: نظام هوفييه بوانييه (1960 ـ 1993م) وسياسة التهميش المتوازن.
لم يرغب الاستعمار الفرنسي في الرحيل دون تسليم البلاد لأحد الأتباع الأوفياء الذي يسمح لهم بالبقاء ـ بصور مختلفة ـ في البلاد، ولم تجد فرنسا رجلاً أوفى من هوفييه بوانييه رئيس الحزب الديمقراطي ذي الغالبية الكاثوليكية، وعضو البرلمان الوطني الفرنسي؛ حيث إنه متمتع بالجنسية المزدوجة ـ فصار بوانييه رئيساً للبلاد، وصار حزبه هو الحزب الوحيد، بالرغم من أنه أخذ بالمبادئ الليبرالية في المجال الاقتصادي، وتم وضع أول دستور ـ علماني ـ في البلاد ـ مع احتفاظ فرنسا بقاعدة عسكرية كبيرة، هي قاعدة ميناء بويه بالقرب من أبيدجان، ويوجد بها قرابة ألف جندي من الكتيبة 43 مشاة بحرية، ولم يمضِ سوى عامين فقط حتى قام بوانييه بتوقيع معاهدة للدفاع المشترك مع باريس عام 1962م، يحق لفرنسا بمقتضاها التدخل لإنقاذ البلاد من أي عدوان خارجي، أو تمرد داخلي، كما تم تغيير اسم البلاد إلى الفرنسـية، فأصبحت كوت ديفوار.
ولقـد كانـت لنشـأة بوانييه في المدارس التبشـيرية بصماتـها الواضحة على سياسته؛ فلقد أقسـم أمام بابـا الفاتيكان على جعل بلاده قاطبة تحـت رايـة الصليب، وعمد إلى إشاعة فكرة تفوق الكاثوليكية على الديانة الإسلامية، وذلك أثناء بناء كنيسته الشهيرة في العاصمة ياماساكرو، وقام بتسخير المال العام لخدمة الكنيسة والمدارس الكاثوليكية، كما فتح وسائل الإعلام الرسمية لتغطية الاحتفالات الكاثوليكية، خاصة يوم الأحد الذي كان يوم العطلة الأسبوعية الرسمية في البلاد، كما أعلن أيام الأعياد الكاثوليكية أيام عطلات رسمية، في حين رفض الاعتراف بأعياد المسلمين، وهو أمر غير مسموح به حتى اليوم(2).
وبالرغم من انحياز بوانييه لديانته الكاثوليكية، وكذلك لقبيلته (بولي)، إلا أنه لم يضطهد المسلمين ـ بمعنى أنه لم يرتكب ضدهم أعمال عنف ـ كما حدث من بعده، بل سمح لهم بالعمل، خاصة في مجال زراعة الكاكاو في الشمال ـ صحيح أن نصارى الجنوب كانوا يشترونه ويبيعونه بأضعاف مضاعفة للخارج ـ إلا أن هذا الأمر كان مقبولاً ـ إلى حد كبير ـ ولقد كان تواجد القوات الفرنسية في وسط البلاد بمثابة زمام الأمان للبلاد(1)، ولا شك أن لهذا الأمر خطورته ـ في ظل ضآلة عدد أفراد الجيش والشرطة في البلاد ـ خاصة إذا ما نشب خلاف بين النظام والقوات الفرنسية التي يمكن أن تتطيح به في أي لحظة، أو تقف موقف المتفرج في حالة وقوع أي محاولة انقلابية داخلية (كما حدث من بعد في عهد بيديه وجباجبو، ولقد كان ذلك سبباً في اشتعال الأزمة الأخيرة بين الجانبين).
ولقد ساهمت سياسة بوانييه الليبرالية في تشجيع المستثمرين على دخول البلاد والاستثمار بها، كذلك شجعت على هجرة العمالة ـ خاصة في مجال زراعة الكاكاو الذي تعد ساحل العاج أكبر منتج له على مستوى العالم؛ حيث تنتج قرابة ثلث الناتج العالمي ـ من دول الجوار الإسلامي، خاصة مالي ـ بوركينافاسو ـ غينيا، وسمح لهؤلاء المستثمرين الأجانب بالحصول على الجنسية العاجية، حتى بلغ تعداد هؤلاء قرابة 60 ألفاً ـ منهم 40 ألف فرنسي ـ يسيطرون على 41% من رأس المال، و55% من تجارة البلاد، في حين بلغ عدد الأجانب الأفارقة من دول الجوار قرابة 5 ملايين نسمة ـ معظمهم مسلمون ـ(2)، وهو ما أحدث مشكلة بعد ذلك، خاصة بعدما تزاوج هؤلاء بالعاجين، لذا تمت إثارة قضية المواطنة فيما يتعلق بالترشيح في الانتخابات، وكان أول من أثار هذه القضية الرئيس (كونان بيديه) عندما أراد الحيلولة دون منافسة (الحسن واترا) له في الانتخابات التي شهدتها البلاد عام 1995م.
وفي هذا الإطار العام الذي عاشته البلاد طيلة ثلاثة عقود ـ هي فترة حكم بوانييه ـ تمكنت البلاد من تحقيق طفرة اقتصادية كبيرة، وبلغ معدل النمو الاقتصادي بها 5%؛ بحيث صارت واحة للاستقرار والأمن في غرب أفريقيا (وإن كان الوضع بدأ يتدهور منذ أوائل التسعينيات)(3). وفي هذا الجوّ العام تمكّن المسلمون من إنشاء العديد من المدارس الإسلامية، واستعانوا بعلماء من غينيا المجاورة لتدريس العلوم الإسلامية، وارتفعت نسبة المدرسين المسلمين في المدارس بصورة كبيرة (55% في المدارس الابتدائية ـ 50%في المدارس الثانوية ـ 30% من أساتذة الجامعة)، وقرأ المسلمون معاني القرآن على لغة الماندي، وتم تأسيس المجلس الإسلامي الأعلى لساحل العاج، ودخل المسلمون كذلك عالم التجارة(4).
ولقد تحسّن الوضع السياسي للمسلمين مع بداية عصر الانفتاح السياسي أوائل التسعينيات، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي من ناحية، ومظاهرات الطلبة المنادية بالأخذ بمبدأ التعددية من ناحية ثانية. وبالفعل تم إجراء أول انتخابات رئاسية تعددية في البلاد، وكانت المفاجأة أن المرشح الرئيس لبوانييه كان كاثوليكياً أيضاً وهو لوران جباجبو رئيس الجبهة الشعبية الايفوراية ذات التوجهات الاشتراكية، ورئيس البلاد الحالي، كما بدأ بوانييه يشعر بمزاحمة من رئيس البرلمان كونان بيديه ـ وهو كاثوليكي أيضاً من قبيلته نفسها ـ ومِن ثَمّ قام باستحداث منصب رئيس الحكومة، وعهد به إلى شخصية مسلِمة من الشمال هي الحسن واترا ـ رئيس حزب التجمع الجمهوري الذي ينتمي إلى قبيلة الجيولا ـ.
ولقد ساهمت هذه الخطوة في إيجاد حالة من التوازن النسبي بين المسيحيين والمسلمين، وإن كانت تسببت ـ بطريقة غير مباشرة ـ في الأزمات الطاحنة التي شهدتها البلاد بعد رحيل بوانيه؛ حيث طالب المسلمون في الاحتفاظ بهذه المكاسب، في الوقت الذي أنكر عليهم رؤساء البلاد ـ بدءاً من بيديه ـ ذلك، وبدأت ـ منذ ذلك الحين ـ عملية الاضطهاد المتعمد للمسلمين.
ثانياً: نظام كونان بيديه (1993 ـ 1999م) وسياسة الاضطهاد المتعمد:
يمكن القول: إنه بانتهاء عصر بوانييه انتهى العصر الذهبي ـ إن صح التعبير ـ بالنسبة للمسلمين، وبدء عصر الاضطهاد المتعمد لهم، والذي تمثّل في عملية تصفيتهم جسدياً وسياسياً من الأنظمة المختلفة أيّاً كان شكلها (ديمقراطي حكومي مثل بيديه، أو عسكري مثل: روبرت جيه والذي كان أقلهم في الاضطهاد إلى حد ما، أو معارض وصل للحكم عن طريق الانتخابات مثل: جباجبو). وكان من نتيجة ذلك أن عرفت البلاد الانقلابات العسكرية بعدما كانت واحة للاستقرار في الإقليم.
ويلاحظ أن سياسة هذه النظم المتتالية كانت متشابهة إلى حد كبير، خاصة فيما يتعلق بإثارة قضية المواطنة والهوية، واشتراط أن يكون المرشح لأي منصب سياسي ينتمي لأبوين عاجيين، بالرغم من أن التقاليد والأعراف الأفريقية تكتفي بأن يكون الأم أو الأب من جنسية البلد نفسه لإثبات الهوية(1). ولقد كان هذا الأمر متعمداً لعدم مشاركة زعيم المعارضة الإسلامية (الحسن واترا) في انتخابات الرئاسة عام 1995م على اعتبار أن أمه من أصول بوركينية (نسبة إلى بوركينا فاسو المجاورة). لذا صارت قضية الهوية مثار جدل كبير في البلاد، وسببت في اندلاع أعمال العنف بعد ذلك، إلى أن جاء اتفاق السلام في ليناس ماركوسي بفرنسا (يناير 2003م) ليحسم القضية بالاكتفاء بأن يكون أحد الأبوين فقط من أصول عاجية.
ولقد بدأ كونان بيديه حكمه باستكمال فترة بوانييه وفقاً للمادة 11 من الدستور، والتي تقضي بأن يستكمل رئيس البرلمان فترة حكم الرئيس في حالة وفاته، كما خلفه في رئاسة الحزب الحاكم، ومنذ ذلك الحين عمل على تصفية، واضطهاد مسلمي الشمال من خلال عدة إجراءات أهمها:
1 ـ إثارة قضية المواطنة؛ حيث قام بإدخال تعديل في الدستور يقضي باشتراط أن يكون مرشح الرئاسة ينتمي لأبوين عاجيين، وبذلك يحرم (الحسن واترا) من منافسته في انتخابات عام 1995م، وهذا ما تم بالفعل، كما هرب (واترا) من البلاد خوفاً من اعتقاله.
2 ـ استبعاد الضباط المسلمين من الجيش، وكذلك من الحزب الحاكم، لكي لا يشكّلوا جبهة معارضة بالنسبة لحكمه(1).
ولقد شهدت البلاد في عهده تدهوراً شديداً في الأوضاع الاقتصادية، مع بداية تطبيق برامج التكيف الهيكلي، وانتشار الفساد بصورة كبيرة، مما أدى إلى وقوع عدد من المظاهرات أعوام 1996م، 1997م، 1998م، كانت تنذر بقرب انتهاء حكمه. وبالفعل شهدت البلاد الانقلاب الأول في تاريخها في الثالث والعشرين من ديسمبر 1999م، قامت به مجموعة من ضباط الجيش بقيادة كاثوليكي هو (روبرت جيه) الذي تولى الحكم من خلال رئاسته للمجلس العسكري الحاكم(2).
ثالثاً: حكم روبرت جيه (1999 ـ 2000م)، واستمرار سياسة استبعاد المسلمين.
لقد حاول (جيه) منذ البداية إبراز ـ شأنه شأن أي حاكم عسكري ـ أنه لا يرغب في الاستمرار في الحكم، وإنما سيتولى إدارة البلاد لفترة مؤقتة لحين استتباب الأوضاع بها، ويبدو أن هدفه من ذلك امتصاص ردود الأفعال الدولية التي أدانت الانقلاب. ولقد تحرك (جيه) على عدة محاور أغلبها سياسية من ناحية، كما حاول التصالح مع المسلمين من ناحية ثانية، ومن أبرز هذه التحركات ما يلي(3):
1 ـ تشكيل حكومة انتقالية في البلاد تضم 22 وزيراً معظمهم من أتباع (الحسن واترا) الذي عاد إلى البلاد بعد الانقلاب وأيد (جيه)؛ حيث اعتبر الانقلاب ثورة شعبية، وليس انقلاباً، وإن كان قد حرص على نفي التنسيق مع (جيه) بخصوصه.
2 ـ تشكيل مجلس استشاري؛ بهدف صياغة الدستور الجديد للبلاد، ولقد غلب على تشكيل المجلس سيطرة رموز المجتمع المدني عليه.
3 ـ الإفراج عن جميع الساسة المعتقلين في عهد (بيديه) ـ بما في ذلك أعضاء حزب (واترا) ـ.
إلا أن كل هذه المصالحات كانت شكلية، وبرز وجه (جيه) الحقيقي عندما قام المجلس الاستشاري بتقديم مسودة الدستور الجديد له لإقرارها، والتي كان من أهم ما جاء بها: هو الاكتفاء بنسب الشخص إلى الأم أو الأب العاجي من أجل المشاركة في الانتخابات؛ إذ بعدما وافق عليها، قام بتعديلها وإعادتها إلى صياغتها الأولى. ومعنى ذلك استبعاد (واترا) من الترشيح في انتخابات سبتمبر 2000م. ومن هنا بدأت المواجهات بين الجانبين، وبرزت مرة أخرى أزمة مسلمي الشمال، خاصة بعد رفض لجنة الانتخابات قبول أوراق ترشيح (واترا)، كما زعم (جيه) بوجود تحركات عسكرية للانقلاب عليه، قام على أثرها باعتقال العديد من كبار الضباط في المؤسسة العسكرية، والأمر نفسه طال العديد من السياسيين كان من أبرزهم (أميل بواكييه) وزير الداخلية السابق، ومرشح الحزب الديمقراطي (حزب بوانييه وبيديه) في الانتخابات، كما تم تحديد إقامة (واترا)، ومنعه من مغادرة البلاد(1).
ولقد ظن (جيه) أن الطريق ممهد أمامه في الانتخابات، إلا أنه فوجئ بوجود منافس قوي هو (جباجبو)، وكانت المفاجأة الأكبر في نتيجة الانتخابات؛ إذ أعلن كل منهما فوزه بها، إلا أن (جباجبو) نجح في استغلال حالة السخط الشعبي ضد (جيه)، وكذلك التذمر الذي بدأ يحدث ضده في الجيش، ودعا إلى انتفاضة شعبية أدت في النهاية إلى فرار (جيه) خارج البلاد، وإعلان (جباجبو) نفسه رئيساً للبلاد ليبدأ فصلاً جديداً من معاناة المسلمين لا يزال مستمراً حتى الآن.
رابعاً: حكم جباجبو (2000م ـ حتى الآن) والبعد الديني في الصراع.
لقد كان يفترض أن يستفيد (جباجبو) من سياسة أسلافه، خاصة (بوانييه)، ويتعلم من أخطاء كل من (بيديه وجيه) في التعامل مع مسلمي الشمال، إلا أنه وقع ـ عن عمد ـ في هذه الأخطاء نفسها؛ مما جعل الشمال المسلم ينتفض هذ المرة، وشهدت البلاد انقلابين دمويين في فترة وجيزة (يناير 2001م، سبتمبر 2002م) اضطرته للجلوس على مائدة التفاوض، وتوقيع اتفاق سلام في فرنسا (يناير 2003م).
فجباجبو لم ينجح في احتواء الشمال وزعيمه (واترا) بعد الانتخابات الرئاسية، صحيح أنه التقى به، إلا أنه لم ينجح في التوصل لاتفاق ودي معه، يتضمن نوعان من الترضية له، مثل: منحه منصب رئيس الحكومة، كما فعل بوانييه، أو حتى أحد الحقائب الوزارية السيادية، خاصة أن (واترا) لم يعترف بنتيجة الانتخابات؛ بسبب استبعاده منها. إلا أن (جباجبو) أصرّ على تطبيق مبدأ الاستبعاد، وقرر كذلك عدم مشاركة (واترا) في الانتخابات البرلمانية التي ستشهدها البلاد في شهر ديسمبر، كما تمّ استبعاد حزب (واترا) من تشكيلة الحكومة الجديدة، والتي استأثر فيها حزبه بأغلبية مقاعدها (18 مقعداً من إجمالي 23 مقعداً)(2).
ولم يكتف (جباجبو) باستبعاد المسلمين سياسياً، بل سعى إلى تصفيتهم جسدياً من خلال تشكيل ميليشيات عسكرية موالية له عرفت باسم (كتائب الموت)، وتضمّ بالأساس أفراد قبيلته (البيتي)، فضلاً عن الحرس الخاص به. ولقد كان الهدف الأساس لهذه الكتائب: هو تصفية خصومه الشماليين (المسلمين)، وفي مقدمتهم (واترا) الذي دعا أنصاره إلى ضرورة العمل على إسقاط النظام. وهنا شهدت البلاد حرباً دينية بين أقلية حاكمة ظالمة، وأغلبية مضطهدة؛ فقامت (كتائب الموت) بذبح المسلمين، وحرق مساجدهم، وكادت تظفر بـ (واترا) لولا هروبه خارج البلاد، كما قام (جباجبو) بفرض حظر تجول في الشمال خوفاً من حدوث تمرد ضده، لكن ما كان يخشاه حدث بالفعل، ولكن من بعض الضباط المسلمين في الجيش الذين قاموا في الأسبوع الأول من يناير 2001م بالسيطرة على مبنى الإذاعة والتليفزيون، وأذاعوا بياناً يؤكد إسقاط النظام، لكن جباجبو تمكن من سحق الانقلابيين(3). ولم يكن الانقلاب هو المفاجأة الوحيدة له؛ حيث جاءت المفاجأة الثانية في نتائج الانتخابات البلدية، والتي فاز فيها حزب جباجبو ـ بالرغم من فراره خارج البلاد ـ بالمركز الأول ـ في حين جاء حزبه في المركز الثالث، وهو الأمر الذي يحمل في طياته عدة دلالات لعل أبرزها(1):
1 ـ افتقاد نظامه للشرعية السياسية.
2 ـ فقد تأييد جانب كبير من المؤسسة العسكرية له.
3 ـ المخاوف من انقسام البلاد على أسس دينية.
ولقد حاول جباجبو الاستفادة بعض الشيء من الانقلاب الأول؛ فبدأ في اتخاذ بعض الخطوات في اتجاه تحقيق المصالحة الوطنية، وبالفعل قام بعقد مؤتمر للمصالحة في يناير 2002م، وكان من أهم مخرجاته تشكيل حكومة جديدة، لكنها كانت شكلية بسبب استبعاد الشماليين منها(2)؛ لذا صارت الأوضاع مهيأة لحدوث انقلاب ثانٍ، وبالفعل وقع هذه الانقلاب في 19/9/2002م، وذلك بعد قرار (جباجبو) تسريح أكثر من 800 جندي، وصف ضابط من الجيش (معظمهم من مسلمي الشمال)؛ مما دفع هؤلاء الى الانقلاب عليه، ونجحوا في زمن قياسي من السيطرة على نصف مساحة البلاد، وأهم مدينتين وهما بواكيه، وكورجوهو ذات الأغلبية المسلمة، وكانوا على وشك السيطرة على العاصمة ياماساكرو، إلا أن القوات الفرنسية حالت دون ذلك، وقد أعلن قادة الانقلاب تشكيل جبهة سياسية أطلق عليها اسم الجبهة الوطنية لساحل العاج بزعامة غيولاووم سورو (مسيحي)، وتم إعلان اسم الضابط (شريف عثمان) قائداً للجناح العسكري للجبهة، ولقد ساعد على نجاح الانقلاب عدة أمور أبرزها(3):
1 ـ ميراث العداء والكراهية بين الشمال والجنوب، واستغلال الانقلابيين ذلك.
2 ـ نجاح قادة الانقلاب في السيطرة على الأسلحة الثقيلة؛ بما في ذلك الطائرات المروحية والمدرعات، ولعل ذلك كان أحد أسباب رفض فرنسا طلب جباجبو بالتدخل لقمع الانقلاب وفق اتفاقية الدفاع المشترك.
3 ـ حسن تعامل قادة الانقلاب مع المدنيين، فلم يقدموا على ارتكاب مذابح أو قتل المدنيين، كما قاموا بالافراج عن وزير الرياضة الذي كان موجوداً في المناطق التي سيطروا عليها. وهنا يبرز التسامح الإسلامي مع غيرهم.
ولقد حدد قادة الانقلاب مطالبهم في عدة نقاط هي(4):
1 ـ استقالة جباجبو.
2 ـ تعديل الدستور خاصة المادة 35 بشأن هوية المرشحين.
3 ـ إجراء انتخابات وطنية، يشارك فيها الجميع دون تمييز.
4 ـ وضع حد لنهاية سيطرة الجنوبيين على شؤون البلاد.
وإزاء هذا الوضع المتأزم تحرك (جباجبو) على عدة محاور هي:
1 ـ طلب الدعم العسكري من فرنسا التي رفضت التورط في قمع الانقلاب.
2 ـ الاعتماد على دعم خارجي، خاصة من أنجولا التي تمتلك سلاحاً جوياً كبيراً، ولها خبرة طويلة في مواجهة الانقلابات العسكرية؛ وذلك وفق اتفاق عسكري بين الجانبين، كما استعان بمرتزقة من جنوب أفريقيا للمشاركة في قمع الانقلاب، وهو الأمر الذي قوبل باستنكار دولي وأفريقي واسع النطاق(1).
3 ـ الحسم العسكري للصراع؛ حيث ارتكبت قواته جرائم ضد الإنسانية في مواجهة الانقلابيين، وكذلك مواطني دول الجوار؛ بزعم إيوائهم لهم، وقامت بحرق بيوت هؤلاء، وهو الأمر الذي انتقدته باريس بشدة، واتهمت جباجبو بتطبيق سياسة التطهير العرقي، وكان من بين الضحايا الجنرال العسكري السابق (روبرت جيه) الذي ينتمي لقبائل ياكوبا المسيحية في الغرب(2)، وهو ما أفرز بعد ذلك قيام حركتي تمرد ـ مسيحيتين ـ في الغرب هما: حركة العدالة والسلام، والحركة الشعبية لغرب ساحل العاج ـ بهدف الثأر لمقتله. ولقد كشفت الصحف، والتقارير الدولية أعمال الإبادة التي تعرض لها المسلمون على أيدي جباجبو، ومن ذلك ما ذكرته صحيفة (سياتل بوست انتليجينسز) الأمريكية، والتي قالت: إن ميليشيات جباجبو تسرق أموال المسلمين، وتعتدي عليهم، وهو الأمر نفسه الذي ذهبت إليه بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، حيث قالت: إن قوات جباجبو تقوم بخطف المسلمين، والاعتداء عليهم(3).
لكن بالرغم من ذلك أخفق جباجبو في احتواء الموقف، وتدخلت أطرافاً إقليمية للتوسط بين الطرفين، وخاصة الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)؛ باعتبار أن ساحل العاج عضو بها، وبالفعل توصل الطرفان لاتفاق لوقف إطلاق النار في توجو 2003م، مع النص على قيام القوات الفرنسية الموجودة في البلاد بالإشراف عليه، لحين وصول قوات (الإيكواس)، لكن جباجبو لم يحترم وقف إطلاق النار؛ فاندلع الصراع مجدداً؛ مما دفع فرنسا إلى ضرورة التدخل للتوسط بين الطرفين، وانتهى الأمر بتوقيع (اتفاق ليناس ماركوسي) (24/1/2003م)، والذي كان من أهم بنوده(4):
1 ـ تشكيل حكومة وحدة وطنية، يرأسها رئيس وزراء، يعينه الرئيس بالتشاور مع الأحزاب الأخرى، على أن تضم الحكومة كافة أطراف النزاع بما فيها حركتي التمرد في الغرب؛ بحيث يتم تخصيص تسعة حقائب وزارية لفصائل المتمردين الثلاثة ـ بما فيها حقيبتي الداخلية والدفاع ـ على أن يكون نصيب الحركة الوطنية التي قادت الانقلاب سبع حقائب، كما يتم تخصيص سبع حقائب مماثلة لحزب واترا.
2 ـ بقاء الرئيس الحالي (جباجبو) في منصبه، حتى موعد الانتخابات القادمة عام 2005م، مع تقليص صلاحياته لحساب رئيس الوزراء.
3 ـ إجراء تعديل للمادة 35 من الدستور بخصوص الترشيخ لمنصب رئيس البلاد؛ بحيث يتيح لأي شخص من أم عاجية أو أب عاجي ال |