مجلة ثقافية فصلية متخصصة في شئون القارة الأفريقية تصدر عن المنتدى الإسلامي

العدد الثاني * شعبان 1426هـ * سبتمبر 2005م

كتب وإصدارات >>> الفقر في أفريقيا .. خصوصيته واستراتيجية اختزاله

هالة جمال ثابت

مقدمة:

ما زالت أفريقيا جنوب الصحراء تعاني من ظروف معيشية متدنية؛ حيث يعاني ثلث تعداد سكانها من الجوع، ويموت نحو سدس عدد أطفالها قبل سن الخامسة، برغم استمرار الزيادة السكانية في الكثير من دولها. وما زال الركود الاقتصادي، وانخفاض مستويات المعيشة سائداً في أغلب مناطقها. وهو الوضع نفسه الذي كان سائداً منذ عقد سابق من الزمان؛ مما يعني إخفاق كل المحاولات التي بذلتها دول القارة، والمؤسسات المالية الدولية لرفع معدلات النمو الاقتصادي، وإنجاح تجارب التنمية، وتحسين مستويات معيشة أبناء القارة.

وعلى مدى عقدين كاملين بُذلت العديد من المحاولات لاختزال الفقر في أفريقيا، إلا أنها أخفقت جميعاً في تحقيق أهدافها. واستمرت هوة الفقر التي تفصل بين القارة الأفريقية وباقي دول العالم في الاتساع. حيث تنقسم الدول الأفريقية ما بين دول منخفضة الدخل: (وهي الأغلبية؛ حيث يبلغ عددها 40 دولة أفريقية)، وتبلغ حصة الفرد فيها 745 دولاراً أو أقل سنوياً من إجمالي الدخل القومي، وفقاً لإحصاء عام 2001م، ودول متوسطة الدخل (ويبلغ عددها 14دولة)(1)، وتتراوح فيها حصة الفرد من إجمالي الدخل القومي ما بين 746 إلى 9205 دولارات في عام 2001م(2).

وتبدو خطورة هذا الوضع إذا عرفنا أن التقديرات المعتدلة تطلب أن تحقق الاقتصاديات الأفريقية معدلات نمو لا تقل عن 7% للحد من الفقر بصورة كبيـرة. وفي ظل ظروف أفريقيا الاقتصادية الحالية يعتبر هذا تحدياً كبيراً في ضوء أهداف الألفية الجديدة، وتتلخص في: اختزال الفقر والجوع، وتحقيق تعليم ابتدائي عالمي، وتطوير المساواة بين الجنسين، وتمكين المرأة، وتخفيض نسبة الوفيات بين الأطفال، وتحسين الصحة الإنجابية، ومحاربة الإيدز، والملاريا، وغيرها من الأمراض، ودعم البيئة المستدامة، وتطوير شراكة عالمية للتنمية(1).

في إطار كل هذه الظروف ظهرت استراتيجية اختزال الفقرPoverty Reduction Strategic Papers والتي تعد الإطار الأساس الذي تمنح المؤسسات المالية الدولية على أساسها القروض للدول الفقيرة. وفي الوقت نفسه تمثل هذه الاستراتيجية فرصة لزيادة المشاركة الشعبية في صنع القرار، وتمنح الدول المقترضة الفرصة لصياغة استراتيجية ذاتية لاختزال الفقر، تتناسب مع ظروفها وأوضاعها الداخلية.

وبناءً على ما سبق تحاول الورقة تحليل استراتيجية اختزال الفقر، وما إذا كان من الممكن اعتبارها حلاً مناسباً لاختزال ظاهرة الفقر في الدول النامية بما يتناسب مع الأوضاع الداخلية لهذه الدول، أما إن هذا الحل يعد تكراراً لحلول سابقة، مثل: برامج التكيف الهيكلي، والتي حاولت المؤسسات المالية الدولية فرضها، بما لا يتناسب مع الأوضاع الداخلية في الدول المطبقة لها.

وتنقسم الورقة إلى ثلاثة أجزاء؛ حيث يتناول الجزء الأول: تعريفاً لمفهوم الفقر، ولظاهرة الفقر في القارة الأفريقية، ويتناول الجزء الثاني: المعوقات التي تعترض طريق التنمية في القارة الأفريقية. بينما يتناول الجزء الثالث: استراتيجية اختزال الفقر.

أولاً: ظاهرة الفقر في السياق الأفريقي:

على الرغم من النجاح النسبي الذي حققته القارة الأفريقية في رفع مستوى معيشة الأفراد، إلا أن حصة أفريقيا ممن يعيشون تحت خط الفقر؛ (أي من يحصلون على أقل من دولار أمريكي يومياً) ما زالت هي الأكبر؛ حيث يقدر عدد هؤلاء بحوالي 522 مليوناً في جنوب آسيا في عام 1998م، بالمقارنة بما يقرب من 291 مليوناً في أفريقيا جنوب الصحراء، و278 مليوناً في شرق آسيا ومنطقة المحيط الهادي. وعلى الرغم من الجهود المضنية التي بذلتها دول القارة لخفض نسبة هؤلاء، إلا أن النجاح كان نسبي؛ حيث تمكنت القارة من خفض نسبة من يعيشون تحت خط الفقر بواقع 1.4% فقط في الفترة من 1990م، وحتى 1998م، وهي نسبة ضئيلة إذا ما قورنت بالنجاح الذي حققته القارة الآسيوية؛ حيث انخفضت النسبة بواقع 4% في منطقة جنوب آسيا، و12.3% في منطقة شرق آسيا (انظر الجدول 1). وهو ما يعني أن نسبة من يحصلون على أقل من دولار أمريكي يومياً قد زادت من 19% في عام 1990م إلى 24% في عام 1998م (2).

وعلى الرغم من ارتفاع إنتاج الغذاء في الفترة من عام 1980م إلى عام 1995م في مناطق الدول النامية بنسبة 27% في آسيا، و12% في أمريكا اللاتينية؛ فقد انخفض في أفريقيا جنوب الصحراء بنسبة 8%. ورغم انخفاض انتشار الجوع في آسيا إلا أن ثلث سكان أفريقيا ما زالوا يعيشون في ظل الجوع الشديد، والنسبة في ازدياد مستمر. وما زالت القارة الأفريقية تعاني من ارتفاع نسبة السكان الذين يعانون من سوء التغذية؛ حيث انخفضت النسبة انخفاضاً طفيفاً من 35% إلى32%، في حين تأمل أهداف التنمية إلى خفض النسبة إلى 17% في عام 2015م، وهو هدف بعيد المنال استناداً إلى مسار الإنجازات الحالية. (انظر الشكل 1).

ونلاحظ ارتفاع نسبة الالتحاق بالمدارس الابتدائية خلال التسعينيات في أمريكا اللاتينية لتصل إلى 90% من الأطفال، وتبلغ النسبة 79% في جنوب آسيا، بينما زادت النسبة 3% فقط في أفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث تصل نسبة الأطفال الملتحقين بالمدارس الابتدائية إلى 60% من الأطفال (انظر الشكل 2)، ونتيجة لهذا ترتفع نسبة الأمية في أفريقيا. حيث قدرت نسبة الأمية في القارة الأفريقية لدى البالغين من العمر 15 عاماً وما فوق 62.4% في عام 2001م بعد أن كانت تقدر بما يربو على 50% في عام 1990م، بينما ارتفعت هذه النسبة في الفئة العمرية من 15 إلى 24 عاماً من 76.4% في عام 1990م إلى 77.9% في عام 2001م، كما وصل مجموع نسب الالتحاق الإجمالية بالتعليم الابتدائي والثانوي والعالي في الفترة من 2001م إلى 2002م ما يقرب من 45%؛ وذلك رغم اختلاف نسبة الأمية فيما بين الدول الأفريقية؛ حيث تصل إلى أدنى معدل لها في دول مثل: زيمبابوي (12%) وموريشيوس (16%)، بينما تبلغ أعلى معدلاتها في دول مثل: النيجر (85%)، وبوركينا فاسو (77%)، وجامبيا (56%)(1). يتضح عدم امتلاك الأفراد في القارة للقدرة العلمية التي تمكنهم من الارتقاء بوضعهم الاقتصادي، أو مكانتهم الاجتماعية؛ فتظل أوضاعهم الاقتصادية بلا تغير يُذكر، مهما كانت المحاولات المبذولة في سبيل ذلك.

كما ترتفع نسبة الوفيات أثناء الحمل والولادة بشكل مخيف في أفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث تصل النسبة إلى نصف وفيات الأمهات في العالم النامي؛ حيث تتوفى أُمّ من بين كل مائة أثناء الولادة. وفي هذا الإطار تبدو الأهداف التي وضعتها الأمم المتحدة أهدافاً بعيدة المنال؛ حيث تنص على تخفيض وفيات الأطفال بنسبة الثلثين مع حلول عام 2015م، بينما تبلغ نسبة الوفيات من الأطفال دون الخامسة في أفريقيا 17%، ومن هنا لن تتمكن القارة من تحقيق هدف خفض الوفيات سوى بعد نحو 150 عاماً (انظر الشكل 3).

وفي حين يعتبر الحصول على مياه الشرب النقية أمراً ضرورياً للبقاء على قيد الحياة، ولتحقيق أهداف التنمية، تبلغ نسبة السكان الذين لا يحصلون على مياه مأمونة 65% في آسيا، بينما تصل إلى 28% في أفريقيا. (انظر الشكل 4).

أما بالنسبة للصرف الصحي؛ فيقدر عدد المحرومين من سكان آسيا 80%، بينما تصل نسبة المحرومين من خدمات الصرف الصحي إلى 13% في أفريقيا (انظر الشكل 5).

إلا أن (الفقـر) وفقـاً لتعـريـف البنـك الدولـي لا يقتصر على المعنى المادي فقط، بمعنى الحرمان من المال والثروة (وهو ما يقاس بمفهوم الدخل والاستهلاك)، ولكنه يتسع ليشمل انخفاض نصيب الفرد من عوائد التنمية الاقتصادية .. من الخدمات الأساسية، والتعليم والرعاية الصحية... إلخ(1).

فالفقير ليس من تنقصه الأموال والثروة المادية فقط، ولكن هو من يعاني من ضعف مستوى الدخل ومن ثم الاستهلاك، وضعف نصيبه من الخدمات التعليمية، والصحية، والأمن؛ نتيجة تعرضه للتقلبات الاقتصادية، وكذلك يعاني من ضعف فرصته في المشاركة السياسية، ومن ثم فرصته في الوصول إلى السلطة(2).

وبهذا المعنى لا يصبح الفقير فقيراً بالوراثة، ولكنه يصبح كذلك عند افتقاده للوسائل والأدوات التي تمكنه من الخروج من دائرة الفقر والتهميش، وتعينه على تحسين مستواه الاقتصادي والاجتماعي.

ومن هنا يكون اختزال الفقر من خلال تمكين الفقراء Empowerment، بمعنى منحهم الأدوات والقدرات التي تمكنهم من تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية وظروفهم المعيشية(3).

ومن هذا المنطلق رُكّزت الحلول العديدة التي طرحتها الأمم المتحدة لاختزال ظاهرة الفقر في العالم النامي على بعدين أساسيين: فمن ناحية ركّزت على تنمية القطاعات التي يتركز فيها الفقراء، ومن ناحية أخرى عملت على تمكين هؤلاء الفقراء، وتنمية قدراتهم ليتمكنوا من الخروج من دائرة الفقر. وعلى هذا الأساس كانت استراتيجية اختزال الفقر كما سيرد تحليله في جزء لاحق في الورقة.

وقبل الانطلاق لتحليل استراتيجية اختزال الفقر، يجدر الانتقال إلى أهم المعوقات التي تعترض طريق التنمية في القارة الأفريقية، والتي يجب التغلب عليها قبل الحديث عن أي محاولات للقضاء على ظاهرة الفقر، ورفع معدل النمو وتحقيق التنمية الاقتصادية في القارة.

ثانياً: معوّقات التنمية الاقتصادية في القارة الأفريقية:

تمتلك القارة الأفريقية العديد من المقومات التي تسمح لها بالخروج من دائرة الفقر؛ فهي أكثر قارات العالم ثراء، وقد حباها الله بالطبيعة الرائعة، وبالموارد المعدنية، والثروات الطبيعية، والأرض الخصبة والتي تمكّنها من أن تلحق بركب التنمية، وتتولى مكاناً رائداً على المستوى الدولي.

إلا أنها في الوقت نفسه تشهد العديد من المعوّقات التي تعترض طريقها للتنمية، وتحول دون إنجاح محاولاتها لرفع مستوى معيشة مواطنيها. وتتعدد هذه المعوقات ما بين معوقات اقتصادية من تخلف في الأوضاع الاقتصادية، واعتماد أغلب الاقتصاديات الأفريقية على تصدير السلع الأساسية، وهو ما يجعلها عرضة للتقلبات الاقتصادية العالمية. ومعوقات اجتماعية من ارتفاع معدلات الأمية، وانتشار الفساد الذي يلتهم جزءاً كبيراً من عوائد التنمية، وضعف المعارضة والمجتمع المدني، ومعوقات سياسية من وجود نظم سياسية دكتاتورية تقمع المشاركة الشعبية، وتحظر التعددية الحزبية؛ فلا تسمح برأي غير رأي الحكومة. ومن هنا يشعر المواطن الأفريقي إلى جانب فقره بالإحساس بالظلم والاغتراب فيضعف انتماؤه للدولة، ويختفي أمله في إمكانية تغيير أوضاعه، وتحسين مستواه(1).

كما أصبح الفقراء في القارة الأفريقية ضحايا لظروف وقوى جديدة التهمت ثمار النجاح المتواضع الذي حققته في طريق التنمية. وكان من أهم هذه القوى: الصراعات والنزاعات الداخلية، والإصابة بمرض نقص المناعة البشرية (AIDS)، وظاهرة التهميش التي تعاني منها القارة في ظل النظام العالمي الجديد، وأخيراً: ظاهرة العولمة وعلاقتها بالنمو واختزال الفقر. ونفصّل أهم هذه القوى الجديدة كما يلي:

الصراعات والنزاعات الداخلية:

أثقلت ظاهرة الصراعات الداخلية، والصراعات فيما بين الدول الأفريقية تاريخ القارة منذ الاستقلال. وتبدو خطورة الأوضاع المتردية التي تعاني منها أفريقيا في هذا الإطار من متابعة حجم الصراعات الدموية التي عانت منها القارة في الفترة الأخيرة.

حيث شهدت القارة 16 صراعاً داخلياً من ضمن 35 صراعاً من هذا النوع على مستوى العالم في منتصف التسعينيات، وظلت أفريقيا تستأثر بأكبر عدد من الصراعات الداخلية عامي 1998م و 1999م على مستوى العالم، وعددها 25 صراعاً داخلياً. وفي عقد التسعينيات توفي ما بين اثنين إلى أربعة ملايين قتيل في تلك الصراعات، وفي عام 1993م وحده نزح نحو 5.2 مليون لاجئ و 13 مليون مشرد في القارة الأفريقية (2).

وهكذا أدت الصراعات الداخلية إلى تكثيف الحروب الأهلية الدموية، وتشريد أعداد هائلة من الأفراد، ومن المأسوي أن 90% من ضحايا هذه الصراعات من المدنيين لا العسكريين، ونصف هؤلاء من الأطفال؛ مما يمثل تهديداً مستمراً لاستقرار الدول الأفريقية مع ما يمثله من خطورة عبور الصراع للحدود الدولية للدولة للتأثير على أمن واستقرار الدول الإقليمية المجاورة.

وتظهر خطورة ظاهرة الصراعات والنزاعات الداخلية من آثارها السلبية على مختلف الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع.

فالدول التي تعاني حالة مستمرة من هذا النوع من الصراع غالباً ما تعجز عن تنفيذ السياسات الاقتصادية، والاجتماعية طويلة الأجل، فتصبح الدولة فريسة لحالة تدهور، وعجز اقتصادي مستمرة تهدد أي أمل لتحسين حالة المعيشة لمواطنيها. فقد أخفقت أغلب خطط التنمية الاقتصادية بالرغم من تدفق المنح، والقروض، وغيرها من المساعدات المالية أو المعونات الفنية، والتي وصلت إلى ملايين الدولارات، وفقدت العديد من الأنظمة الحاكمة في أفريقيا مشروعيتها؛ نتيجة لعجزها عن حماية مجتمعاتها من كوارث المجاعة، والقحط، والصراعات الأهلية، والتصحر وما إلى ذلك من الكوارث القومية.

كما تخلف الأوضاع الأمنية المتردية مشكلات أمنية خطيرة، أهمها: مشكلة إعادة توطين اللاجئين، ويصل عددهم إلى 10 ملايين لاجئ، بواقع نصف اللاجئين في العالم، والمشردين والنازحين، ويقدر عددهم بحوالي 15 مليون أفريقي من بين 25 مليوناً على مستوى العالم.

وكان لظاهرة الصراع داخل القارة العديد من الأسباب، أهمها: التنافس على الموارد النادرة، والفقر، وحرمان المواطنين الأفارقة من ممارسة حقوقهم السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وفوق كل ذلك كانت الحرب الباردة من أهم أسباب استعار الصراع داخل القارة. وكانت النتيجة أن أصبح 4% من سكان القارة ـ ما يقرب من 23 مليون نسمة ـ من اللاجئين، والنازحين. وقد تسببت هذه الصراعات في تآكل جهود سنوات من التنمية الاقتصادية والبشرية في العديد من الدول الأفريقية، مثل: رواندا، والصومال، وليبريا، وأنجولا(1).

وأدّت ظاهرة الصراع في القارة الأفريقية إلى زيادة الفقر، سواء على مستوى الدخل أو على مستوى القدرات البشرية في أكثر من 12 دولة أفريقية جنوب الصحراء. وكانت النساء والأطفال من أكثر الفئات تأثراً بهذه الظاهرة؛ حيث قدرت منظمة اليونيسيف نسبة القتلى بما يفوق 60% من ضحايا هذه الصراعات. وهو ما يهدد جهود التنمية في القارة على المستوى القريب والبعيد على حد السواء.

مرض نقص المناعة البشرية:

ومع تزايد الإصابة بفيروس ضعف المناعة البشرية (الإيدز) الذي يعاني منه أكثر من 36 مليون شخص في العالم، ثلثهم من أفريقيا، ومن بين أشد السكان فقراً، يمكن إدراك أن وباء فيروس الإيدز لم يعد مسألة صحية فقط، بل أصبح يهدد جهود التنمية.

فخطورة انتشار مرض الإيدز هو في تركزه في أكثر الفئات (نشاطاً) على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وهي الفئة العمرية التي تتراوح ما بين 15 و45 عاماً، وهي الفئة التي تعول عليها الدول تولي مهمة إدارة عملية التنمية، والخروج بها من دائرة الفقر.

ويعرض الشكل التالي نسبة الإصابة بالمرض بين الأطفال تحت 15 عاماً في بعض الدول الأفريقية؛ حيث يتضح تنامي الإصابة بالفيروس فجأة وبسرعة، بالمقارنة بما كان عليه الحال منذ أوائل التسعينيات. ومن المقدر أن يصل عدد المصابين إلى عدة أضعاف في عام 2005م بالمقارنة بعددهم في عام 1990م، وعام 1995م بشكل خطير يهدد أي مساعٍ تبذلها الدولة من أجل التنمية؛ حيث يتراوح تقدير عدد المصابين في عام 2005م في دول مثل: تنزانيا، وأوغندا، ورواندا، وزامبيا من 10 إلى 20 مليون مصاب، بينما لم يكن هذا العدد يتعدى الخمسة ملايين في معظم هذه الدول. وهو ما يدل على خطورة تفشي المرض، وضرورة التكاتف من أجل مواجهته قبل أن يقضي على كل آمال القارة في تحقيق التنمية (انظر الشكل 6).

وعند مقارنة نسبة الإصابة بالمرض في القارة الأفريقية بالمقارنة بغيرها من مناطق العالم النامي الأخرى: يتضح أن نسبة الإصابة ترتفع فجأة وبسرعة، بالمقارنة بهذه المناطق. كما يقع الغالبية العظمى من المصابين بالمرض في القارة؛ حيث وصل عددهم في عام 2002م إلى ما يربو على 25 مليون فرد من بين 42 مليون مصاب على مستوى العالم، ويمثلوا بذلك أكثر من 70% من عدد المصابين في العالم. (انظر الشكل 7).

وهكذا يتضح أن المرض أصبح يمثل السبب الأول في الوفيات في القارة؛ حيث يصل إلى 91% من الوفيات في 29 دولة أفريقية، ويهدد 43 مليون طفل أفريقي بوفاة العائل بحلول عام 2010م. كما يتوقع ارتفاع عدد المصابين به من الأطفال تحت سن الخامسة ليصل إلى 1.5 مليون خلال 20 عاماً.

والقضية هي في العلاقة بين الإيدز والفقر المادي في صورة انخفاض الدخل، وهي علاقة مزدوجة؛ فمن ناحية نجد الفقر من أهم أسباب الإصابة بالمرض؛ فالفقير نتيجة لفقره عاجز عن دفع تكاليف العلاج، وجاهل بأعراض المرض، وأسبابه، وطرق الوقاية منه؛ نتيجة لأُميته والتي كانت بدورها نتيجة لفقره وعجزه عن دفع تكاليف التعليم، أو لتفضيل العمل صغيراً؛ بهدف توفير دخلاً إضافياً، لإعالة أسرته عن التفرغ لإتمام مراحل التعليم، ومن ناحية ثانية فالإصابة بالمرض تسبب الفقر؛ وذلك لأن المرض يضرب بالأساس أكثر الفئات مساهمة في النشاط الاقتصادي، ومن ثم يؤدي إلى عجز هذه الفئات عن العمل والإنتاج. وينخفض الدخل نتيجة لانخفاض الإنتاج. كما أن ما يتم إنفاقه على تكاليف العلاج يأكل البقية الباقية من هذا الدخل المحدود؛ مما يؤدي إلى زيادة معدلات الفقر(1).

ولا تستطيع الدول الأفريقية مواجهة هذا الخطر في ظل عجز الشعوب الأفريقية عن دفع تكاليف العلاج، وانعدام الوعي الصحي، وقلة عدد المستشفيات. وفي ظل كل هذا يصبح الحديث عن التنمية، واختزال الفقر أمر حتمي لا بد من تحقيقه والوصول إليه.

أزمة الديون:

تفاقمت أزمة الديون الأفريقية في العقدين السابقين بشكل أثار المخاوف في إمكانية سداد الدول الأفريقية لها، حيث زادت الديون الخارجية للدول الأفريقية من حوالي 110 مليار دولار أمريكي في عام 1980م إلى 350 مليار دولار أمريكي في عام 1998م، بما يمثل 65% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة. وعجزت الدول المدينة عن تسديد فوائد الدين على الرغم من مختلف الجهود المبذولة لمعالجة الأزمة؛ حيث تقدر خدمة الدين بحوالي 31% من صادراتها للسلع والخدمات. وتزداد خطورة القضية مع انهيار أسعار السلع الأساسية، والتي تعتمد عليها أغلب الدول الأفريقية بشكل أساس؛ حيث تمثل سلعة واحدة أو سلعتان في بعض الأحيان أكثر من 50% من عائد التصدير لأربعين دولة أفريقية(2).

ومن هنا كانت المناداة بضرورة معالجة مشكلة الديون الخارجية للدول الأفريقية بإسقاط، أو تخفيف عبء المديونية، التي تأكل معظم عوائد الدخل القومي، ومخصصات التنمية الواجب توجيهها لخدمة التعليم والرعاية الصحية، والبنية التحتية تتجه لخدمة سداد الدين، وتزيد من ظاهرة الفقر، ومن ثم تعطل خطط التنمية، وتزيد من توسيع الهوة بين الدول المتقدمة والدول النامية(1)؛ فإجمالي خدمة الدين التي تدفعها القارة الأفريقية تعادل ضعف الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية فيها. بينما إلغاء الديون من على كاهل الدول الأفريقية سيكلف المواطن في الدول المتقدمة ما يقارب من سنت واحد يومياً. ومن هنا يقع العبء الأكبر من مهمة اختزال الفقر، وإلغاء الدين الأفريقي على كاهل الدول المانحة، والمؤسسات المالية، والتنموية الدولية(2).

تهميش القارة الأفريقية :

لا يمكن إغفال ظاهرة التهميش التي تعاني منها القارة الأفريقية، باعتبارها أحد الأسباب المعوقة لعملية اختزال الفقر في القارة.

ففي إطار التهميش الذي تتعرض له البلدان الأفريقية في الاقتصاد العالمي استمر هبوط حصة القارة الأفريقية من التجارة العالمية؛ حيث انخفض نصيب القارة إلى 2% من الصادرات العالمية وفقاً لتقارير منظمة التجارة العالمية، مقارنة بنصيب القارة الآسيوية، الذي يقدر بما يربو على 17%، ونصيب دول أمريكا اللاتينية البالغ 5%، كما انخفضت نسبـة تدفق الاستثمار الخارجي إليها إلى 6.4 مليار دولار فقط من إجمالي تدفق الاستثمار العالمي البالغ 400 مليار دولار. وبهذا لا يتعدى نصيب القارة من تدفق الاستثمار الأجنبي 1.5%، بينما بلغت نسبة رؤوس الأموال التي هربت من أفريقيا 205% من رؤوس الأموال العاملة فيها خلال السنوات الثلاث من 1998- 2000م، بينما ورد إلى قارة آسيا 24% من رؤوس الأموال العاملة فيها، وهرب منها 2% فقط خلال الفترة نفسها(3).

أفريقيا والعولمة:

حاولت العديد من الدراسات بحث العلاقة بين ظاهرة العولمة من ناحية، والنمو الاقتصادي والفقر من ناحية أخرى؛ حيث ركّز بعضها على وجود علاقة إيجابية بين العولمة واختزال الفقر؛ فالأولى تؤدي إلى رفع القيود عن الاقتصاد القومي، وتحرير التجارة الدولية؛ مما يؤدي إلى النمو الاقتصادي. والنمو الاقتصادي بدوره يؤدي إلى القضاء على ظاهرة الفقر. إلا أن هذه النتيجة ليست صحيحة في كل الأحوال. ففي أحيان عديدة تستفيد بعض القطاعات من النمو الاقتصادي على حساب قطاعات أخرى من المجتمع. ومن ثم يؤدي النمو الاقتصادي إلى زيادة ثراء بعضهم، وازدياد فقر بعضهم الآخر.

ومن هنا لم يعد المقياس هو اعتبار العولمة بمثابة الوصفة السحرية لتحقيق النمو، ومن ثم اختزال الفقر. ولكن أصبح المقياس هو نوع سياسات النمو الاقتصادي الواجب اتباعها؛ فهناك سياسات تعزز النمو الاقتصادي، وتدعم الفقراء في الوقت ذاته، وتقضي على فقرهم، بينما هناك سياسات أخرى تعزز النمو في حين تزيد من فقر الفقراء؛ فتحرير سوق رأس المال؛ بمعنى فتح الأسواق أمام التدفق الرأسمالي الخارجي؛ قد يؤدي إلى عدم الاستقرار الداخلي؛ لأنه يزيد من فقر الطبقات المعدمة. وهو الشيء نفسه بالنسبة لسياسات إزالة التعريفة الجمركية، والتي نجد العديد من دول العالم النامي، خاصة الدول الأفريقية غير مهيأة للتعامل معها. وبالفعل أثبتت دراسات البنك الدولي في جولة أوروجواي أن الأوضاع الأفريقية في ظل العولمة قد أصبحت أسوأ مما كانت عليه قبلها(1).

من كل ما سبق يتضح أهمية ظاهرة الفقر، وخطورة تأثيرها على التنمية في القارة الأفريقية. وظهرت العديد من المبادرات لاختزال معدلات الفقر في أفريقيا، وكان للدول المانحة الدور الأكبر في طرح هذه المبادرات؛ فقد أعلنت الدول المانحة في عام 1996م مبادرة تعزيز البلدان الفقيرة المثقلة بالديون والتي بموجبها، تم اعتماد مليار من عملة اليورو من صندوق التنمية الأوروبي لتخفيف الديون، وكانت القارة الأفريقية هي المستفيد الرئيس منها. واتخذت دول الاتحاد الأوروبي العديد من التدابير للمساعدة في تخفيف عبء الديون عن البلدان الفقيرة التي تبنت برامج إصلاح اقتصادي. كما قررت قمة الدول السبع الصناعية في كولونيا تخفيف عبء الديون بطريقة أسرع وأعمق، وأوسع لمجموعة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون.

وبما أن الفقر ليس مادياً فقط، ولا يمكن قياسه بمستوى الدخل الفردي فقط، كانت محاولات زيادة الدخل الفردي غير كافية لاختزال الفقر. فاستبعاد الفقراء وتهميشهم على المستوى الاقتصادي وحرمانهم من المشاركة السياسية في صنع القرار تعد في الواقع استمرار لفقرهم(2).

ومن هنا كان على محاولات اختزال الفقر التعامل معه، باعتباره ظاهرة معقدة متعددة الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. كما كان السبب الرئيس في إخفاق العديد من محاولات اختزال الفقر هو فرض سياسات لمحاربة الفقر تبتعد عن الفقراء. ومن هنا كانت أهمية وضع استراتيجية لاختزال الفقر تستند بالأساس على المشاركة الشعبية في توصيف ظاهرة الفقر، وأسبابها، وكيفية محاربتها، والقضاء عليها.

كما دفعت خطورة الظاهرة البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي إلى زيادة الاهتمام باختزال الفقر في العالم بصفة عامة، وفي أفريقيا بصفة خاصة. واتخذا في سبتمبر 1999م قراراً بالتركيز على اختزال الفقر كإطار رئيس ترتكز عليه المؤسسات المالية الدولية، والدول المانحة عند تقديم مساعداتها المالية للدول الفقيرة، ومنحها امتيازات القروض وخدمة الدين.

ومن هنا كان ظهور استراتيجيات اختزال الفقر Poverty Reduction Strategy Papers (PRSP's). ، ويتناول الجزء التالي من الورقة تحليلاً لأهم مراحل سياسة اختزال الفقر، ودور البرلمان في صياغتها، والمراقبة على تنفيذها.

ثالثاً: استراتيجية اختزال الفقر:

Poverty Reduction Strategy Paper:

طرح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي هذه الاستراتيجية في 70 دولة متوسطة الدخل في عام 2002م، وبموجبها تتولى الدول المقترضة مسؤولية تطوير استراتيجيات محلية، خاصة بها لاختزال الفقر في أقاليمها. و