|
د. المبشر أبو بكر عبده فرج
في أفريقيا تعتبر الملاريا هي القاتل الأول للأطفال، وتتسبب في حدوث وفاة واحدة من بين كل خمس وفيات بين الأطفال. وعلى الرغم من أن الأطفال هم الضحايا الأساسيون للملاريا، وخاصة من هم دون الخامسة من العمر؛ فإن الفرصة المتاحة أمام الأطفال ضئيلة لدفاعهم الشخصي عن حقوقهم، والمطالبة بها من أجل التمتع بالحماية الصحية والصحّة الجيّدة، وكذلك تكون الفرصة أمامهم ضئيلة في التّعبير عن حاجاتهم لمن لديهم السلطة، والقدرة على التغيير، مثل: البالغين والآباء، ومن يقدّمون الرعاية، وصناع القرار، ووسائل الإعلام، ولكن مع ازدياد الوعي بخطورة الملاريا سيتعاظم العمل لمكافحة الملاريا، ممّا يمهّد الطّريق لمستقبل خالٍ من الملاريا. وانطلاقاً من هذا الأساس المنطقي كان موضوع، وشعار يوم دحر الملاريا بأفريقيا الجديد لعام 2004م هو:
«مستقبل خالٍ من الملاريا: الأطفال يتعاونون لدحر الملاريا»؛ حيث ظلت معظم البلدان الأفريقية جنوبي الصحراء الكبرى تواجه بسبب هذا المرض أزمة صحية عمومية متزايدة الخطورة. وممّا ساهم في حدوث هذه المشكلة: الحروب الأهلية العديدة، والاضطرابات الاجتماعية في كثير من البلدان الأفريقية، إضافةً إلى التغيُّرات المناخية والبيئية التي تساعد على انتقال عدوى الملاريا في المناطق التي كانت خالية منها. ومما زاد الطين بلة: قلة الموارد المالية الوطنية، وانعدام الدعم الخارجي، وقصور التوجيه التقني، وقلة الخبرة في مجال مكافحة الملاريا في المناطق التي يشتد توطن المرض فيها، وذلك فضلاً عن ظهور وانتشار المتصورة المنجلية
Plasmodium falciparum المقاومة للكلوروكين، والذي زاد الوضع سوءاً.
وعلى الرغم من ظهور الملاريا في البلدان الأفريقية جنوبي الصحراء الكبرى ـ بصفة أساسية ـ فإن انتشار المتصورة المنجلية المقاومة لأدوية متعددة، الذي حدث في المناطق الحدودية في جنوب شرق آسيا، وأمريكا الجنوبية ـ خلال الثمانينيات ـ هدد أنشطة مكافحة الملاريا في أجزاء أخرى من العالم.
وإزاء هذا الوضع الخطير، اقترح المجلس التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية ـ في عام 1990م ـ عقد مؤتمر وزاري معني بالملاريا؛ لتشجيع البلدان المتأثرة والمجتمع الدولي على تكثيف الجهود المبذولة لمكافحة هذا المرض. وبعد الاجتماعات التحضيرية التي شملت ممثلي الوكالات المانحة، ومؤسسات البحث، والأمم المتحدة، ووكالاتها المتخصصة، والمديرين، والاختصاصيين العلميين، والإداريين، تمّ التوصل إلى اتفاق جماعي على المعايير الحالية لمكافحة الملاريا، كما تمت صياغة استراتيجية عالمية لمكافحة الملاريا، وقد عرضت هذه الاستراتيجية على المؤتمر الوزاري المعني بالملاريا الذي عقد في العاصمة الهولندية، (أمستردام)، في تشرين الأول/أكتوبر 1992م؛ حيث تمت مصادقته عليها.
وفي عام 1993م بدأ المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، استعراض الوضع العالمي للملاريا، وذلك استجابةً للمخاوف التي أعرب عنها أعضاء المجلس، لا سيما القادمون من بلدان أفريقية لا تحظى فيها الملاريا بالاهتمام العاجل المطلوب من البلدان، ومن منظومة الأمم المتحدة. وقد أدت المراجعة التي قام بها المجلس إلى المصادقة على الاستراتيجية العالمية في الدورة التاسعة والأربعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في كانون الأول/ ديسمبر 1994م، وقد طلبت الجمعية العامة إلى المنظمة مواصلة القيام بدور المنظمة الرئيسة لمكافحة الملاريا، ووضع خطة للعمل للفترة من 1995م إلى 2000م، بالتشاور مع سائر وكالات الأمم المتحدة، وسائر الشركاء في مجال مكافحة الملاريا، والبلدان المتأثرة. وقد صادق المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة على هذه الخطة في عام 1995م، ودعا إلى زيادة الموارد المخصصة للوقاية من الملاريا ومكافحتها.
وحدث تطور هام آخر في آذار/مارس 1996م عندما تم تحديد الملاريا كمقوّم ذي أولوية من مقومات المبادرة الخاصة المعنية بأفريقيا على نطاق منظومة الأمم المتحدة. وفي حزيران/ يونيو 1997م، اتخذ مؤتمر رؤساء الدول والحكومات الأعضاء بمنظمة الوحدة الأفريقية (إعلان هراري) المعني بالوقاية من الملاريا ومكافحتها، في إطار إنعاش وتنمية الاقتصاد الأفريقي، الذي تعهد باعتبار مكافحة الملاريا إحدى الأوليات. وأعاد المؤتمر تأكيد مصادقته على الاستراتيجية العالمية لمكافحة الملاريا، والإجراءات التي اتخذتها منظمة الصحة العالمية تنفيذاً لها، ودعا الدول الأعضاء إلى تقديم الدعم السياسي الكامل لمكافحة الملاريا، ووضع وتنفيذ خطط للعمل من أجل الوقاية من الملاريا ومكافحتها، وضمان اتخاذ إجراءات متعددة القطاعات، جيدة التنسيق.
وتم مؤخراً إنشاء مبادرة متعددة الأطراف لمكافحة الملاريا في أفريقيا، تُعنى بصفة خاصة بتقوية قدرات البحث في أفريقيا. وقد جاءت هذه المبادرة عقب الاجتماعات التي عقدت في السنغال، وهولندا في عام 1997م، وشارك فيها كل من منظمة الصحة العالمية، والبنك الدولي، وغيرها من وكالات الأمم المتحدة، واللجنة الأوروبية، والمعاهد الوطنية للصحة بالولايات المتحدة الأمريكية، ومؤسسة ولكوم ترست Wellcome Trust
في المملكة المتحدة، وغيرها من الجهات المانحة، إضافة إلى باحثين من أفريقيا والبلدان المتقدمة.
وكان من بين أهم الاستثمارات المالية الأخيرة في مجال مكافحة الملاريا، لا سيما في البلدان الأفريقية جنوبي الصحراء الكبرى، قيام المدير العام لمنظمة الصحة العالمية بتخصيص مبالغ كبيرة للبلدان ذات الأولوية، لعامي 1997م و 1998م، وفي عام 1998م قامت المديرة العامة للمنظمة التي انتُخبت حديثاً بتدشين مشروع دحر الملاريا، وبذا جعل الملاريا إحدى الأولويات الأولى.
كما تم الاعتراف بأهمية الملاريا، من قبل أعضاء قمة مجموعة الثمانية الذي عقد في عام 1998م في برمنغهام (بإنكلترا)، والذي تعهدت فيه الحكومة البريطانية بدفع مبلغ 60 مليون جنيه استرليني من أجل المعركة ضد الملاريا. وسوف يتم تخصيص نسبة كبيرة من هذا المبلغ لبرنامج دحر الملاريا.
الوضع الأفريقي والعالمي الراهن للملاريا:
يعتبر حوالي 100 من البلدان أو المناطق في العالم مصابة بالملاريا في الوقت الحاضر، نصفها تقريباً في البلدان الأفريقية جنوبي الصحراء الكبرى. وعلى الرغم من أن هذا العدد أقل كثيراً مما كان عليه الحال في أواسط الخمسينيات (140 بلداً أو منطقة)، فإن أكثر من 2400 مليون من سكان العالم لا يزالون عرضة للخطر.
ويقدر معدل حدوث الملاريا على النطاق العالمي بما يتراوح بين 300 و500 مليون حالة سريرية سنوياً، يحدث حوالي 90% منها في البلدان الأفريقية جنوبي الصحراء الكبرى، وينجم معظمها عن المتصورة المنجلية. ويعتقد أن الملاريا تؤدي إلى وفاة ما يتراوح بين 1.1 و 2.7 مليون شخص في العالم سنوياً، منهم حوالي مليون من الأطفال دون سن الخامسة في البلدان الأفريقية، جنوبي الصحراء الكبرى. وتُشكّل هذه الوفيات بين الأطفال، الناجمة بصفة أساسية عن الملاريا المخية، وفقر الدم قرابة 25% من وفيات الأطفال في أفريقيا، وقد أُبلغ عن معدلات إماتة تتراوح بين 10% و30% بين الأطفال المحالين إلى المستشفى؛ بسبب الملاريا الوخيمة، وإن كانت معدلات الإماتة أعلى من ذلك أيضاً في المناطق الريفية والنائية التي لا يتيسر للمرضى فيها العلاج الكافي إلا بقدر محدود. وبصفة أساسية تحدث الوفيات الناجمة عن الملاريا خارج البلدان الأفريقية جنوبي الصحراء الكبرى في الأشخاص عديمي المناعة الذين يصابون بالعدوى بالمتصورة المنجلية في المناطق التي لا تتوافر فيها الخدمات التشخيصية.
ومن بين أكبر التحديات التي تواجه أنشطة مكافحة الملاريا على الصعيد العالمي انتشار واشتداد مقاومة الطفيلي للأدوية المضادة للملاريا. وقد أدّت قلة عدد مثل هذه الأدوية إلى صعوبات متزايدة في تطوير السياسات المتعلقة بالأدوية المضادة للملاريا، والتدبير العلاجي الكافي للمرض.
وتنتشر ـ حالياً ـ مقاومة المتصورة المنجلية للكلوروكين في جميع البلدان الأفريقية التي تتوطن فيها الملاريا، لا سيما في شرق أفريقيا؛ مما يثير مشكلات متزايدة بالنسبة لتوفير العلاج المناسب. ونتيجة لذلك قامت مالاوي في عام 1993م، وكينيا في عام 1996م بتغيير توصياتهما بشأن معالجة الخط الأول للملاريا غير ذات المضاعفات من الكلوروكين إلى مركب السلفادوكسين والبريميثامين، كما قامت بوتسوانا وجنوب أفريقيا في عام 1997م، بتنقيح الدلائل الإرشادية للمعالجة التي تتبعانها. وتشير التقارير الأخيرة الواردة من كينيا، وجمهورية تنزانيا المتحدة إلى حدوث تغيرات في حسـاسية الطفيلي للسـلفادوكسـين والبيريميثامين؛ مما قد ينذر بحدوث مقاومة سريرية.
الوضع العالمي للملاريا:
تنقسم مناطق العالم إلى:
- مناطق زالت الملاريا عنها، أو تم استئصالها منها، أو لم يسبق وجودها فيها.
- مناطق معرضة لخطر محدود.
- مناطق يحدث فيها انتقال الملاريا.
وقد تم مؤخراً، توثيق عدد من أوبئة الملاريا في جميع أنحاء العالم، لا سيما أفريقيا. وتصبح المناطق وبائية عندما تتغير الأحوال التي عادةً ما تحد من انتقال المرض تغيراً جذرياً؛ نتيجة لأمطار غزيرة بشكل غير عادي، أو فترات طويلة من الرطوبة الزائدة، أو تغيرات مناخية جزئية أكثر دواماً بسبب تطوير نظم الري، أو المشاريع الزراعية أو غرس الأشجار.
وتتزايد الإصابة بالملاريا الحضرية وحوالي الحضرية في جنوب آسيا، وفي كثير من مناطق أفريقيا. وقد أسهمت الصراعات المسلحة، والاضطرابات الداخلية، إضافةً إلى التغيرات البيئية المعاكسة إسهاماً كبيراً في حدوث أوبئة الملاريا، نظراً لتحرك أعداد كبيرة من اللاجئين الذين يفتقرون إلى الحماية والمناعة، والقوة البدنية داخِل المناطق الموبوءة. وتساهم مثل هذه التحركات السكانية في حدوث تفشي جديد للملاريا، كما تجعل الأوضاع القابلة لحدوث الأوبئة أكثر ميلاً للانفجار.
ومما يؤدي إلى حدوث أوبئة الملاريا تركز أنشطة التنقيب عن الذهب أو الأحجار الكريمة، والحراجة في مناطق الغابات؛
حيث يتعرض السيل المستمر من العمال لشدة انتقال عدوى الملاريا. فضلاً عن أن هذه الأنشطة هي البؤر الأصلية لمقاومة الطفيلي لأدوية متعددة في البلدان الأفريقية جنوبي الصحراء الكبرى.
ويمكن ملاحظة الآثار الاقتصادية للملاريا في المناطق الريفية، بصفة خاصة؛ حيث يتكرر حدوث الملاريا في وقت من السنَة تمسّ الحاجة فيه إلى الأعمال الزراعية. فضلاً عن أن هذا المرض سبب شائع للغياب عن المدرسة الذي تصل نسبته إلى 28% في بعض المناطق. وتقدر التكلفة السنوية المباشرة وغير المباشرة للملاريا في أفريقيا وحدها بأكثر من 2000 مليون دولار أمريكي.
الوضع الراهن لتنفيذ الاستراتيجية العالمية لمكافحة الملاريا:
استعرضت اللجنة التقدم الذي تم إحرازه منذ عام 1992م في مجال تنفيذ الاستراتيجية العالمية للمنظمة لمكافحة الملاريا التي تتمثل عناصرها التقنية الأساسية الأربعة في ما يلي:
- تقدم خدمات التشخيص المبكر، والمعالجة الفورية للملاريا.
- تخطيط وتنفيذ تدابير وقائية انتقائية مضمونة الاستمرار، بما في ذلك مكافحة النواقل.
- الاكتشاف المبكر للأوبئة، واحتوائها، أو الوقاية منها.
- تقوية القدرات المحلية في مجال البحوث الأساسية والتطبيقية؛ للسماح بالتقييم المنتظم لوضع الملاريا في القطر، وتعزيز هذا التقييم، لا سيما المحددات البيئية، والاجتماعية، والاقتصادية للمرض.
أضف إلى ذلك أن من الاعتبارات الهامة ـ حالياً ـ الوقاية من معاودة ظهور الملاريا في البلدان التي إما أن تكون قد نجحت في خفض معدل حدوث هذا المرض إلى مجرد حالات متناثرة، أو أن تكون قد قطعت سلسلة انتقال المرض تماماً.
1 - تقديم خدمات التشخيص المبكر والمعالجة الفورية:
ففي الإقليم الأفريقي كان من التطورات الهامة، خلال الأعوام قيام البلدان الأفريقية جنوبي الصحراء الكبرى بإعداد خطط وطنية للعمل، تتماشى مع توصيات الاستراتيجية العالمية. وجرى إعادة تدريب أكثر من 16000 من مقدمي الخدمات الصحية على التشخيص المبكر، والمعالجة المناسبة للملاريا، في كثير من البلدان، مما وضع أساس المكافحة الفعالة للملاريا.
وفي بعض البلدان الأفريقية يمثل عدم الإقبال على مرافق القطاع العام القاعدة؛ نظراً لسوء جودة هذه المرافق. وعليه يتمّ التدبير العلاجي للملاريا، وغالباً في قطاع الرعاية الصحية الخاص الذي كثيراً ما لا يُلتزم فيه بالدلائل الإرشادية العلاجية. وفي بعض البلدان تستمر المعالجة على أساس التشخيص الظني، ويظل الانتشار المستمر لمقاومة الطفيلي لأدوية متعددة مسألة مثيرة للقلق. وصحيح أنه كان هناك الكثير من برامج التدريب على التدبير العلاجي السريري للملاريا، ولكن هناك حاجة إلى المزيد، لا سيما داخِل القطاع الخاص.
وفي الإقليم الأفريقي لمنظمة الصحة العالمية، وعلى الرغم من تحسن معدل التغطية بالمرافق العلاجية ـ بوجه عام ـ لا تزال هناك مشكلات في كثير من البلدان، لا سيما البلدان المتأثرة بالاضطرابات الداخلية. ولقد أدى الأخذ بنظام تحقيق مردود (استرداد تكاليف) المعالجة في كثير من البلدان إلى عواقب متباينة؛ ففي بعض المناطق أثّر إدخال التكاليف تأثيراً سلبياً على التدبير العلاجي للملاريا، لا سيما إذا لم يقترن بأي تحسنات في جودة الرعاية المقدمة؛ إذ ينتشر استعمال أدوية الخطين الأول والثاني في القطاعين العام والخاص، بينما تتوافر لعدد قليل من بلدان الإقليم الموارد اللازمة لترصد جودة الأدوية.
ومما يدعو إلى القلق ظهور المتصورة المنجلية المقاومة للكلوروكين ومركب السلفادوكسين والبريمياثين، في شرق أفريقيا وغربها؛ وذلك بسبب التكلفة الباهظة للعلاجات البديلة، ومن حيث المقارنة بالإقليم الأمريكي لمنظمة الصحة العالمية، فتمّ إحراز تقدم رئيس في مجال إدماج البرامج التقليدية لمكافحة الملاريا، داخل الخدمات الصحية العامة. وعلى الرغم من أن كفاءة الخدمات الصحية المحلية في اكتشاف حالات الملاريا أعلـى بكثير مـن كفاءة الخدمات التخصصيـة فإنها لا تزال تحتاج إلى تقوية في كثير من البلدان. وقد أدت إعادة تحديد المناطق المعرضة لخطر الملاريا إلى ترتيب المناطق من حيث الأولوية، وتحسين استهداف المرافق التشخيصية والعلاجية لمن هم في أمسّ الحاجة إليها.
وقد جاء منه في مقررات منظمة الصحة العالمية واللجنة الخاصة بالملاريا؛ حيث أولت اهتماماً خاصاً لاستعراض بعض القضايا التقنية المتعلقة بوضعية المرض وانتشاره، وطرق المعالجة.
التدبير العلاجي للملاريا الوخيمة:
على الرغم من تحسن التدبير العلاجي للملاريا الوخيمة في المرافق الصحية إلى حد ما في بعض المناطق؛ فإنه لا تزال هناك بعض المشكلات، لا سيما في البلدان الأفريقية جنوبي الصحراء الكبرى؛ حيث يعيش كثير من مرضى الملاريا الوخيمة في مناطق لا توجد فيها شبكة للمواصلات تنقلهم إلى المستشفى. وفي مثل هذه الظروف يمكن لتوفير المعالجة الإسعافية قبل الإحالة إلى المستشفى (مثل إعطاء الأرتيميزينين عن طريق المستقيم) أن يقلل من الوفيات.
مقاومة الطفيليات للأدوية:
لا يزال اتساع نطاق مشكلة مقاومة الطفيليات للأدوية يمثل تحدياً للجهود المبذولة لمكافحة الملاريا، القائمة على التبكير بالتشخيص والمعالجة. ومن الضروري وجود أدوية جديدة مضادة للملاريا، وأساليب جديدة للتغلب على مقاومة الطفيليات؛ من أجل النجاح في مواجهة هذا التحدي.
2 - تنفيذ التدابير الوقائية الانتقائية المضمونة الاستمرار:
أولاً: مكافحة النواقل:
يتفاوت مدى تنفيذ تدابير مكافحة النواقل تفاوتاً كبيراً بين أقاليم المنظمة.
استخدام المواد المعالجة بالمبيدات:
استخدمت المواد المعالجة بالمبيدات بصورة ناجحة ومأمونة؛ للسيطرة على الأمراض والوفيات الناجمة عن الملاريا في سلسلة من البيئات في جميع أنحاء أفريقيا. وحيث يتزايد تدريجياً في البلدان الأفريقية جنوبي الصحراء الكبرى استخدام الناموسيات المعالجة بالمبيدات وغيرها من المواد، مع التحول من التنفيذ المرتكز على المشاريع إلى التنفيذ التشغيلي. وقد تم بنجاح تنفيذ برامج ترتكز على استخدام المواد المعالجة بالمبيدات؛ ففي مناطق إقليم غرب المحيط الهادي، مثال: فيتنام؛ حيث تستخدم الناموسيات بنجاح على نطاق واسع، باعتبارها أحد مقومات الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الملاريا، ويشمل ذلك المناطق ذات الطبيعة الوبائية أيضاً. وفي الصين ظلت الملايين من هذه الناموسيات تستخدم بصورة روتينية نمطية على مدى أعوام كثيرة. وفي (جزر سليمان) زاد استخدام الناموسيات زيادة بالغة على مدى الأعوام القلائل الماضية؛ مما أدى إلى انخفاض هائل في الإصابة بالملاريا. ويتضح من التجربة العامة الإقبال الشديد على هذا النوع من المداخلات، إضافة إلى التثقيف الصحي، حتى في المجتمعات التي دأبت على عدم استخدام الناموسيات، وهو الأمر الذي يمكن أن ينعكس بصورة إيجابية على خفض مستوى المرض بأفريقيا عند تطبيقه؛ من خلال تلافي مشكلات صعوبة ضمان توفير الناموســيات لجميــع المحتاجين إليها، لا سيما السكان الأفارقة المحرومون من الخدمات.
ويرجح خبراء الملاريا أن يؤدي التحسن في المعارف المحلية المتعلقة بوبائيات الملاريا (لا سيما انتقال المرض)، بالإضافة إلى تحسين آليات الترصد، والاستخدام السليم للمعطيات المجمعة إلى مكافحة النواقل مكافحة أكثر انتقائية، وإلى التقليل من الاعتماد على الرش الثمالي داخل المباني.
ثانياً: إدارة البيئة:
لا تزال الملاريا التي هي من صنع الإنسان، والتي أطلق عليها «لعنة المنطقة المدارية» نتيجة كثيرة الحدوث لمشاريع التنمية الاقتصادية في المناطق الموبوءة في جميع أنحاء العالم. ولا يحدث هذا المرض نتيجة للاضطراب البيئي الذي تسببه المشاريع فحسب ـ لا سيما المشاريع التي تتعامل مع الموارد المائية والزراعة ـ وإنما يحدث أيضاً نتيجة للخليط السكاني الناجم عنها، والذي يتفاوت أفراده من حيث حالتهم المناعية ضد الملاريا.
ثالثاً: المكافحة البيولوجية: (استخدام السمك آكل اليرقات):
ثبتت قدرة السمك آكل اليرقات على المكافحة في بعض الأوضاع، ولكن لم يثبت ذلك بعد على نطاق تشغيلي.
رابعاً: الوقاية الكيميائية:
أثناء الحمل:
يتلقى ـ حالياً ـ القليل من النساء المقيمات في المناطق الموبوءة بالملاريا الوقاية الكيميائية. وفي بعض البلدان توصي الدلائل الإرشادية الوطنية بتوفير الوقاية الكيميائية أثناء الحمل، ولكن الجهود التي تبذل لتنفيذ هذا التدبير قليلة. وفي بلدان أخرى تتوافر الوقاية الكيميائية بالكلوروكين، ولكنها قليلة الفعالية بسبب عدم التزام المرضى، ومقاومة المتصورة المنجلية للدواء. ولا توجد في الوقت الحاضر أساليب كاملة الفعالية، والجدوى للوقاية من الملاريا في الحوامل عديمات المناعة في المناطق المستوطنة بالملاريا، أو المناطق ذات الطبيعة الوبائية. وقد اتضح أن العدوى بالمتصورة النشيطة لها أيضاً آثار سلبية على حصيلة الحمل، وأنه يلزم أيضاً دراسة دور الوقاية الكيميائية، أو المعالجة المتقطعة، أو كلتيهما في التدبير العلاجي لهذه العدوى.
في الأطفال:
لا يوصى عموماً بالوقاية الكيميائية للأطفال؛ نظراً لاحتمال تعرضهم للإصابة بالملاريا طيلة حياتهم.
3 - التبكير باكتشاف أوبئة الملاريا، أو احتوائها، أو الوقاية منها:
يتزايد إدراك الحاجة إلى تنفيذ برامج للتكهن بأوبئة الملاريا والوقاية منها. وقد بدأت بضعة بلدان بالفعل في إعداد أنشطة لرصد أخطار الوباء. ومع ذلك لم يتم في غالبية البلدان تحديد المناطق، والأوضاع ذات الطبيعة الوبائية تحديداً كاملاً؛ مما أدى إلى تأخر اكتشاف الأوبئة ـ عادةً ـ على نحو غير مقبول. وقد أوضحت التجربة أنه لم يتم بعد استخدام مؤشرات متاحة وبسيطة (مثل: معطيات الأرصاد، وتحركات السكان) استخداماً روتينياً (نمطياً) للتكهن بالأوبئة والوقاية منها. وفي معظم البلدان الأفريقية، لا يتم التعاون بصورة كافية مع القطاعات الأخرى، لا سيما خدمات الأرصاد والزراعة؛ مما يؤخر إنشاء نظام كفء للتكهن بالأوبئة.
4 - بناء وتعزيز القدرات:
يعتبر بناء وتعزيز القدرات اللازمة للبحوث التطبيقية الأساسية، وتقييم برامج مكافحة الملاريا جزءاً أساسياً من الاستراتيجية العالمية لمكافحة الملاريا، لا سيما الإقليم الأفريقي، وهناك عجز خطير في الموظفين المهرة، وخاصة كبار الموظفين. ونتيجة لتحرك الاستراتيجية العالمية بدرجة أكبر نحو المكافحة الانتقائية للملاريا ـ بناءً على المعرفة المحلية المتينة لوبائيات المرض ـ أصبحت الحاجة إلى الخبرة في مجال الملاريا أكثر إلحاحاً. وعلى الرغم من أن هذا النقص في الموظفين المدربين يبلغ أقصاه في البلدان الموبوءة بالملاريا فإنه يشاهد في خارج هذه البلدان، وفي بلدان قام أبناؤها في الماضي بدورٍ هام في مكافحة الملاريا، ولا تزال المشورة تُطلب من متخصصيها. وهناك بعض المناطق التي لا تعاني من عجز شامل في الموظفين المدربين.
العلاقة بين برامج مكافحة الملاريا وإصلاح القطاع الصحي:
استجابةً للمتطلبات السياسية، والاقتصادية يجري إدخال بعض الإصلاحات على القطاع الصحي التي تستهدف بشكل شامل رفع كفاءة إدارة واستخدام الموارد الصحية. ولا ينتظر من مثل هذه الإصلاحات المساس بجودة إيتاء الخدمات، ومعدل التغطية بها، بل ينتظر منها أن تؤدي في النهاية عن طريق الدخول في علاقات شراكة مع القطاعات الأخرى، (مثل: الإدارات الحكومية للتعليم والبيئة، ومجالس التنظيم الغذائي والدوائي، وقطاع الزراعة)، ومقدمي الرعاية الصحية في القطاع الخاص، والمجتمعات، إلى تحسنات هامة في جودة الرعاية.
وقد شملت الإصلاحات التي طرأت على القطاع الصحي في معظم البلدان ما يلي:
- الإصلاحات التنظيمية: أي إعادة تنظيم وزارة الصحة، وتحقيق لا مركزية التخطيط، وسلطة إعداد الميزانية، ومراقبة الموارد المالية، والمسؤولية عن تنفيذ أنشطة البرامج.
- إصلاحات التمويل الصحي: أي المشاركة في التكاليف، وفرض رسوم على المنتفعين، وآليات التأمين الصحي في القطاعين العام والخاص.
- زيادة علاقات الشراكة مع المجتمعات، ومقدمي الرعاية الصحية في القطاع الخاص.
تحقيق لا مركزية النظام الصحي:
يشتمل تحقيق اللامركزية باعتباره استراتيجية أساسية في إصلاح القطاع الصحي على نقل الموارد والسلطة إلى مستوى المنطقة، والمنطقة الفرعية. كما ينبغي أن يشتمل على تخويل السلطات والمجتمعات المحلية سلطة تحديد الأولويات والاحتياجات، وينبغي معالجة القضايا الصحية بطريقة مباشرة من خلال زيادة وعي المجتمع ومعارفه في ما يتعلق بالوقاية من المرض، وتشخيصه ومعالجته، ومن خلال أنشطة البحث التنفيذية المحلية.
وقد قوضت اللامركزية السيئة الإدارة لبرامج مكافحة الملاريا فعالية هذه البرامج، وعاقت قدرتها على الاضطلاع بمسؤولياتها. وقد أدى هذا النوع من اللامركزية ـ الذي يحدث دائماً دون مساهمة موظفي برامج مكافحة الملاريا ـ إلى فقدان البرامج التي كانت شديدة الفعالية في توجهها، ومجالات اهتمامها. كما أدت إلى اعتزال الموظفين المحنكين المخلصين ذوي الخبرات التقنية الخاصة، أو انتقالهم إلى وظائف أخرى. وهكذا فقدت البرامج قدرتها على الاستجابة السريعة والفعالة للظروف المتغيرة، (مثل الأوبئة)، والتزامها وقدرتها على توجيه العمليات على صعيد المجتمع.
وعموماً، لم يقابل هذه الخسائر إنشاءُ وتنمية الكفاءة التقنية والموارد على صعيد المنطقة، والمنطقة الفرعية؛ مما خلق فراغاً في الخبرة في مجال مكافحة الملاريا، وفراغاً في تنفيذ هذه المكافحة. ونتيجة لذلك: اختفى الكثير مما يمكن أن يكون إيجابياً من حصائل اللامركزية، مثل: الملكية المحلية للبرنامج، والمسؤولية عنه، والمشاركة المجتمعية الأكثر إيجابية، وزيادة القدرة على تصميم تدابير المكافحة وفقاً للأوضاع الوبائية المحلية، وزيادة ا |