مجلة البيان  الصفحة الرئيسية  اتصل بنا  صوتيات
 نصرة النبي صلى الله عليه وسلم
 مؤتمر تعظيم حرمات الاسلام
 مؤتمر رحمة للعالمين
كتاب لماذا يكرهونه ؟
كتاب محبة النبي صلى الله عليه وسلم
كتاب حقوق النبي بين الإجلال والاخلال
كتاب الادلة الجلية على صدق خير البريه صلى الله عليه وسلم
 كتاب الا تنصروه فقد نصره الله
 رسالة إلى الغرب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وبعد:
فـي هـذه الأيـام تـتـفـاعـل ردود الأفـعـال داخـل بلـدان العالـم شعـبياً ورسـمـياً على استـحياء، بعد أن أثارتها إعـادة الرسوم الكاريكـاتيـرية المسـتهزئة بـأعـظم الرسـل - عليهم الصلاة والسلام - والمستفزة لكل مشاعر المسلمين، بل المستهينة بهم، والمسيئة إليهم بصَلَفٍ ووقاحة.
وقد كانت بداية هذا الاستفزاز قبل سنوات، حين بدأ البيت الأبيض بإعلان الحرب على الإسلام ونبزه بكل أوصاف الفاشية والتخلف: {مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إن يَقُولُونَ إلاَّ كَذِبًا} [الكهف: ٥]، وما لبث ذلك أن تحوّل إلى ظاهرة فرحت بها أوروبا واحتضنتها، واحتفت بكل من سوّلت له نفسه النَّيْلَ من الإسلام وأهله ومقدساته، زعماً أن ذلك نوع من حرية التعبير. وما لبثت الزعـامـة النصـرانية إلا قليلاً حتى تبنت الموقف ذاته، لتعبّر - وعلى لسان كبيرها - عن حقدها على الإسلام ونبيه - صلى الله عليه وسلم -  وأهل الإسلام، في حرب شاملة ومعلَنة تحت مسميات وأوجه مختلفة: طوراً لمحاربة الإرهاب، وآونة لمصلحة الديمقراطية، وتارة لنشر قِيَم العالم المتمدن: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا} .
[البقرة: ٧١٢]
وعلى الرغم من أن الإساءة البالغة التي تمثلت في نشر هذه الرسوم، وتسابق هذا الكَمّ الهائل من الصحف إلى نشـرها بوقـاحة وحقد؛ غير أن هؤلاء الحاقدين لم يتمكنوا من الغضِّ من مكانة الإسلام ولا من المنزلة الشامخة لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ} [سبأ: ٤٥]. إن مجرد وجود الإسلام بذاته يغيظ أعداء هذا الدين، بل يؤذيهم ويخيفهم؛ فهو لقوته ومتانته يشكل حرباً مشتعلة الأُوار يخشاها كل مبطل، ويرهبها كل باغٍ، ويكرهها كل مفسد، ولا بد أن تترجم تلك الخشية، وتستبين تلك الرهبة، وتنبعث تلك الكراهية. وليست هذه الرسومات التـي لم تأتِ مصادفة أو محض نزوة موجّهة إلى الجالية المسلمة في الدانمارك فحسب، وإنما كانت حركة ممنهجة للتطاول على ثوابت الإسلام ومقدساته وأهله؛ هذه الرسومات ليست إلا واجهة ناطقة ومعبرة عن الصراع العقدي القائم بين الإسلام وأعدائه، تلك العداوة التي لم يتوانَ قادة الغرب السياسيون والدينيون والإعلاميون عن إذكائها، والتحريض على تفعيلها، وبخاصة بعدما شعروا بخطر الإسلام المتزايد على الباطل، ورأوا جذوته التي لا تنطفئ ولن تخمد؛ فهي لا تنطفئ؛ لأن الحق الأبلج وقودُها، ولن تخمد؛ لأن المنهج القويم رافدُها، والنظام السليم منطلقها، وهو الأمر الذي جعل صدورهم تغتلي حسداً وتغيّظاً على الإسلام، فأعلنوها حرباً شعواء على المسلمين والكيد لهم والتآمر عليهم، وسلكوا لذلك كل السبل عسكرياً وثقافياً وإعلامياً وسياسياً، واستغلوا ظرفاً حرجاً من تاريخ الأمة الإسلامية بعد أن أعرضت عن رسالة نبيها - صلى الله عليه وسلم - ، وعَبَّدتْ نفسَها لغير الله، وغدا حاضرها بين المذلة والهوان، وسادها الاعوجاج والافتراء والظلم: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: ١١]، فالله لا يغـير نعمة أو بؤساً أو عزاً أو ذلة أو رفعة أو مكانة إلا أن يغير الناس من تصوراتهم ومشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم؛ فيغيّر الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم.
والمسلمون إنما صلح أمرهم - منذ الوهلة الأولى - بهذا الدين، وارتفع شأنهم بالقرآن، وعلت منزلتهم بالتزام سبيل هذا الرسول العظيم - صلى الله عليه وسلم - ، فنالوا بذلك العـزة، وحققوا النجدة، وتمكنوا من الذود عن حياض الحق، وطردوا عنها الضوالَّ الهَمَج بالجهاد الصادق في سبيـل الله تعالى، والانطـلاق من قـيود الأرض والتطلع إلى الخلود الأبدي، سالكين لذلك منهج التمسك بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -  والتحاكم إلى الوحي، والتآزر، وصلاح ذات البين، فكانوا أنموذجاً للثبات على المحجة ومقارعة العدو.
لقد كان حَدَثٌ كهذا كفيلاً بأن يوقظ همم المسلمين وينبههم لخطورة الوضع الذي تتتالى فيه الإساءات، وتتكرر التحديات السافرة، وتتنوع الاستهتارات البالغة وتتشكل من قِبَل العالم المتصهين، الذي لا يفتأ يستفز المشاعر ويعبث بالمقدسات، بعد أن امتص الدماء وسرق الخيرات، واحتل وقتل، وشرّد ودمّر. والأسباب وراء كل ذلك واضحة، وقد بيّنها القرآن وجلاَّها، وفضح ما يريدونه ويطمحون إليه ويخططون له من الوقيعة بالمسلمين، الذين استغرقوا في سُباتهم، واستكانوا لعدوهم، وذلوا وضعفوا، ومكَّنوا أعداءهم من خيراتهم، وملّكوهم زمام أمورهم، فتكالبوا عليهم تكالب الأَكَلة إلى قصعتها، وطفقوا يسومونهم الخسف والنكال تجسيداً لما امتلأت به صدورهم من السوء المستكنّ والحقد الدفين والضغينة النتنة، في عداوة متأصلة لا تعرف انقطاعاً ولا مهادنة ولا موادعة. وقد بيّن القرآن الكريم ذلك في صورٍ حية ناطقة تتجدد فوق كل أرض وفي كل حين، لكن المصيبة تتمثل في غفلة المسلمين عن حجم هذه العداوة ومستواها وما تدبره للإسلام وأهله، وما تصيبهم به من الشر والأذى، أو تلحقه بهم من الضرر! قال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران: ٨١١]. فما أوضح سمات هذه العداوة ودخائل نفوس حَمَلتها وبواطن مشاعرهم؛ إذ هم نموذج بشري مكرور في كل زمان وفي كل مكان، أعداء يتظاهرون بالعدل والإنصاف وبدعوى (الديمقراطية).. بل بالمودة أحياناً؛ فتكذبهم الوقائع وتفضحهم الممارسات، ويتضح أنهم لا يريدون بالمسلمين إلا كل اضطراب وخبال، ولا يقصِّرون في إعناتهم ونثر الشوك في طريقهم والكيد لهم ما واتتهم فرصة لذلك. هذا؛ والنداء القرآني لا زال غضّاً طرياً يتجدد ويتكرر: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران: ٨١١]! غيظ مستعِر، وشر مبيّت، ونوايا سيئة تغلي لها الصدور؛ كأنما تواصت بها أجيالهم في حربهم على هذا الدين: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: ٣٥].
إنها طبيعة الطغيان والحقد تجمع بين اللاحقين والغابرين، عقلية عنصرية بغيضة، وحقد دفين، وإساءة متكررة إلى أجلِّ وأعظم نبي عرفته البشرية، عليه من ربه أزكى الصلاة وأطيب التحية. فبعد أن قذَّروا القرآن ونجَّسوه وداسوه بأرجلهم، واستهزؤوا بشعائر هذا الدين وشرائعه كافة؛ جاء دور الإساءة إلى الحبيب، عليه الصلاة والسلام. إنه الاستفزاز المتكرر، والتحدي السافر، والإهانة المتواطَأ عليها لأمة الإسلام؛ تُبسَط لها الصحف والمسارح، وتشرع لها أبواب الكنائس والقصور، في سلسلة من مشروعات الحقد وفجاج البغضاء والمكر السيئ.
ولا تزال أمتنا الإسلامية - وبكل أسف - على الرغم من حدة الصراع غائبةً مهدَرة الكرامة خاضعة لغيرها، وليست فاعلة. فعلى أرضها وبمقدراتها وأبنائها؛ تدار حروب استعمارية صهيونية ضدها؛ وغايةُ مسعِّريها اجتثاثُ الإسلام واستئصال قيمه والقضاء على هويته، والمساس بمقدساته، وسلب إرادة شعوبه ونهب ثرواتهم، وإغراقهم في مهاوي الرذيلة ومهابط الركاكة الفكرية، وأتون الاضمحلال الحضاري. كل ذلك والأمة تعيش في جاهلية وانحراف عن العبودية لله وحده، وبُعْدٍ عن المنهج الذي ارتضاه لعباده، واستبداله بنُظُم وشرائع وقوانين وعادات وتقاليد من وضع البشر، دون أن تسلك سبيلاً للنجاة.
إننا مطمـئـنون إلى انتـصار الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -  ولو تقـاعس الناس كلهم عن ذلك كما كان - ولا يزال  ربه ناصره  - منذ بعثته إلى قيام الساعة: {إلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} [التوبة: ٠٤]، وتـلك ســنـــة الله - تعـالى - في نـصـره لرسـله، علـيهم الصلاة والسلام: {إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: ١٥].
ولكننا نتساءل: أين المليار مسلم؟! أين ساسة العالم الإسلامي؟! أين علماؤه؟! أين الإعلاميون؟! أين أهل الشجاعة وأصحاب الكرامة من المسلمين؟!
إنَّ تـواطُــؤ سـبـع عشـرة صحـيـفـة دانمركــيـة على إعـــادة إصــدار تلك الرسـوم المشـؤومــة؛ يـمـثِّل حلقة مسـتفـزة مـن صـور الكـيد والأذى للـنبـي - صلى الله عليه وسلم -  ولديـنـه الذي جـاء بـه، وإظـهار السخرية والاستهزاء بهذا الدين لصـرف الخـلق عـن الحـق، والتهـوين من شأن الإسلام بعد انتشاره المذهل خلال السنوات الأخيرة في الغرب، وإقبال أبناء الغرب أفراداً وجماعات على الدخول فيه، وهو الأمر الذي أطار صواب الغرب – إن كان له صواب – وسعَّر جنونه، فابتكر ألواناً جديدة من الكيد اللئيم الذي ظل ديدن زعمائه، الذين لا تزال أضغانهم وأحقادهم تتكـشف: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} [محمد: ٩٢].
لـقـد أكـرم الله - تـعـالـى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، ومنحه من الخير الدائم والفضل العميم والذكر الحسن ما الله به عليم، وجعل أعداءه وشاتميه ومنتقصيه في سقوط وشنار: {إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر: ١ - ٣]، فمهما استخف المستخفون، وتجرأ المتجرئون؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم -  بنصر الله لن يزداد إلا تعظيماً وعلوَّ منزلة: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} [النساء: ٥٤]، ولن يزداد دينه إلا انتشاراً ومَنَعة، ولن يزداد أعداؤه إلا خبالاً وخِسة.
إن التهور الذي قامت به الصحف الدانمركية جاء في سياق حملات منظمة مدعومة من اللوبيات المتطرفة اليمينية والصهيونية. لذا؛ ينبغي أن يأتي الرد عليه في سياق منظّم مدروس، لا يقف عند حد الاستهجان والتنديد وردود الفعل الآنية، بل ينبغي استنهاض همم كافة القوى الحية في الأمة للوقوف صفاً واحداً؛ ذَوْداً ودفاعاً عن الإسلام ونبيه - صلى الله عليه وسلم -  ومقدسات الإسلام وكرامة الأمة المهدرة، وحتى لا تكون ردة ويحيق بنا الاستبدال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} [المائدة: ٤٥].
فما أحوجنا إلى تفعيل ما أوصت به المؤتمرات التي عُقدت لنصرة الحبيب - صلى الله عليه وسلم -  ودين الإسلام، وتفعيل مقترحاتها، وترجمة معالم الإسلام الرشيدة والتعريف بنبينا - عليه الصلاة والسلام - ولا سيما إعجاب بعض عقلاء الغرب به، وبخـاصـة ما عـرف فـي كـتاب (الأبطال) لكارليل (فصل: البطل في صورة نبي)، و (المائة الأوائـل: أولـهـم محمد، عليه الصلاة والسلام) لمايكل هارت[1]، وغيرها؛ مما يعرّف به غير المسلمين المسمَّمة أفكارُهم عن الإسلام ونبيه الكريم - صلى الله عليه وسلم - .
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


[1]   نقل هذا الكتاب إلى العربية الأستاذ: خالد أسعد عيسى، ونشرته بعنوان (المائة الأوائل) دار قتيبة بدمشق، وسبقه الأديب (أنيس منصور) تحت عنوان: (محمد أعظم الخالدين) ونشرته دار نهضة مصر بالقاهرة عام 1999م.

 

جميع الحقوق محفوظة لمجلة البيان @ 1429هـ