كل هذا الكلام عن حرب أهلية

والآن هذه المذبحة. هل هي مصادفة؟

مصدر المقالة الأصلية 

الكاتب: روبرت فِسك 

الناشر: صحيفة الـ "The Independent" – 3

آذار/ مارس 2004م

أمرٌ شاذٌ، أليس كذلك؟ فلم يسبق أن وقعت حرب أهلية في العراق. ولم أسمع أبدًا كلمة واحدة تنم عن عداء بين السنّة والشيعة في العراق.

ولم يسبق للقاعدة أن نطقت بتهديد ضد الشيعة – على الرغم من أن القاعدة منظمة [تضمّ] السنة فقط. إلاّ أن سلطات الاحتلال الأمريكية ولأسابيع مضت ما فتأت تحذرنا من حرب أهلية، بل حتى أنهم نشروا رسالة يقال أنها كتبت من قبل أحد أعضاء القاعدة الفاعلين، تحرض على نزاع سنيّ-شيعي.

إن فطناء الصحفيين عادة ما يتحمسون [لتغطية] مثل هذا الموضوع - أي الحرب الأهلية - لكنني ولسبب ما لا أصدق به. كما وأنني لا أصدق بأن الأمريكان كانوا وراء مجزرة الأمس على الرغم من صيحات الاتهام التي أطلقها العراقيون الناجون يوم أمس. لكنني قلق بشأن جماعات عراقيي المنفى الذين يظنون بأن أعمالهم ربما تنتج ما تريده أمريكا؛ خوف شديد من حرب أهلية سيؤدي بالعراقيين لمسايرة أية خطة تطرحها الولايات الأمريكية لبلاد ما بين النهرين.

أتذكر منظمة الجيش السري الفرنسية [منظمة يمينية كانت تصر على إبقاء الجزائر مستعمرة فرنسية] وتفجيراتهم للقنابل في أوساط الجالية المسلمة الجزائرية في فرنسا. وأتذكر الجهود المستميتة للسلطات الفرنسية لتحريض مسلمي الجزائر ضد بعضهم البعض، الأمر الذي أدى إلى إزهاق نصف مليون نفس.

وأخشى أنني أتذكر أيضًا آيرلندا والتفجيرات في دبلن وموناهان سنة 1974م، والتي مع تعاقب السنين يظهر أن لها علاقة وثيقة – عبر مقاتلي الموالين البروتستانتيين – بعناصر من جهاز الأمن العسكري البريطاني.

لكن من الواضح أن التفجيرات في كربلاء وبغداد كانت منسقة. وكان وراءها نفس العقل المدبر. هل ياترى كان سنيًا؟

وعندما اقترح الناطق باسم سلطات الاحتلال يوم أمس أن التفجيرات كانت من عمل القاعدة، لابد أنه كان على معرفة بأنه يرمي إلى القول؛ بأن القاعدة حركة سنية وأن الضحايا كانوا شيعة.

المسألة ليست أنني لا أؤمن بأن القاعدة غير قادرة على صنع حمام دم كهذا. لكنني أتساءل مع نفسي لماذا يُلمّح الأمريكان وبشدّة إلى مسألة السنة-الشيعة هذه.

دعونا نعكس النظارات وننظر من الجهة الأخرى! إذا أرادت حركة عنف سنية بطرد الأمريكان من العراق – وهناك فعلاً حركة مقاومة تقاتل بشراسة لتحقيق هذا الغرض – ما الذي يدعوها لاستعداء سكان العراق من الشيعة، أي 60% من العراقيين؟ لعل آخر ما تتمناه مثل هذه المقاومة أن يكون غالبية العراقيين ضدهم!

إذًا وماذا عن القاعدة؟ لقد أخبرنا الأمريكان مرارًا بأن المفجرين الانتحاريين هم من "الأجانب". وهم ربما كذلك، لكن أمِن الممكن حصولنا على بعض الهويّات أو الجنسيات؟ لقد تحدث وزير دفاع الولايات المتحدة دونالد رامسفيلد عن عبور المئات من المقاتلين "الأجانب" لحدود السعودية "كثيرة الثغرات". وكررت الصحافة الأمريكية بإذعان هذا الادعاء.

والشرطة العراقية تعلن باستمرار عن عثورها على جوازات سفر المفجرين، إذًا هل لنا الإطلاع على أرقامها؟

نحن بصدد الدخول في حقبة مظلمة وسيئة من تاريخ العراق. لكن سلطة الاحتلال التي يفترض أن آخر ما تود التفكير فيه هو حرب أهلية، تصرخ باستمرار في آذاننا منذرة بـ "حرب أهلية" وأنا قلق حول هذا الشأن. خصوصًا عندما تؤكد القنابل حقيقة الأمر!

إغلاق