|
الكاتب: ارِك س. مارغولس الناشر: موقع "Big Eye" الإخباري 2 شباط/فبراير 2004 "كلنا كنا مخطئين" هذا ما صرح به ديفيد كَي، رئيس المفتشين المكلف من قبل البيت الأبيض، وهو من المتبجحين بالحرب منذ أمد بعيد. وكما اعترف الأسبوع الماضي، فليس هناك أسلحة دمار شامل في العراق كما كانت تزعم الولايات المتحدة وبريطانيا طوال الوقت. الادعاءات بأن العراق كان يملك أسلحة نووية، أشعّة موت، شاحنات موت، طائرات موت بدون طيّار، مختبرات جرثومية نقّالة، مصانع غازات سامّة، مستودعات أسلحة مخفيّة، صواريخ بعيدة المدى، علاقات مع القاعدة – كل ذلك كان زائفًا. الشيء الحقيقي الوحيد هو: نفط العراق. كما أن تحذيرات الرئيس جورج بوش الساخنة بأن العراق كان يمثّل "تهديدًا وشيكّا" للبشرية جمعاء، لم تكن سوى فقاعات هواء ساخن. وإذا لم يمتلك العراق أسلحة دمار شامل، كما كانوا يصرّون، فلنا أن نختار واحدًا من استنتاجين: 1- أن الرئيس جورج بوش ووزيريه كولن باول ودونالد رامسفيد كذبوا بشكل شنيع حول التهديد العالمي الذي زعموا أن العراق كان يشكلّه، وبالتالي فقد خدعوا الكونغرس والشعب الأمريكي بشكل خطير. والسبب الحقيقي لمغامرة العراق كان سلب النفط والترويج لإسرائيل أكثر عظمة. 2- أو أنهم ضُلّل بهم بشكل يكاد لا يُصدّق، وعليه يجب الحكم عليهم بأنهم بالكليّة ليسوا أهلاّ لقيادة أمة عظيمة. إذا كان بوش وفريقه المقدام من مدعّي الخبرة بالأمن القومي ضُلّلوا حقيقة بشأن أسلحة العراق وقدراته فإذاً هم قاموا بشنّ حرب بالخطأ... وبالتالي فإنهم كانوا في كرسي القيادة خلال أعظم تخبُطين تعرض لهما الأمن القومي منذ حادثة [قصف اليابان الانتحاري لميناء] بيرل هاربر؛ هجمات 9/11 وغزو العراق. إن خطط بوش التي أعلنت هذا الأسبوع بخصوص تحقيقات بشأن المعلومات الاستخباراتية التي قادت إلى الحرب، ليست إلاّ عملية تمويه صمّمت لإرجاء هذه القضية المتفجرة إلى ما بعد الانتخابات. الرئيس صدّام حسين الذي طالما نَعتَه بوش بالكذّاب، كان في حقيقة الأمر ينطق بالحقيقة على الدوام عندما كان يقول بأن منظومات الأسلحة القديمة للعراق تمّ تدميرها. إن بوش وبلير هما من كان يتحدث بغير الحقيقة. وعلى صدّام أن يستأجر المحامي جوني كوشرين [محامي المشاهير المعروف في أمريكا] لمقاضاة الولايات المتحدة وبريطانيا بكل ما تساوياه. عليه لك أن تختار، الحرب العراقية إمّا أنها كانت أم الأكاذيب أو أم التخبطّات! وفي مواجهته لهذه الحقائق البغيضة، حاول بوش إعادة تصنيف الحرب التي لم يكن هناك داع لها ضد العراق مدّعيًا أنها كانت مبرّرة لأن صدّام كان رجلاً مُروِعًا بحق. وياله من نفاق محضّ، فعندما ارتكب صدّام أبشع أعماله – خلال الثمانينيات – كان حليفًا مقربًا للولايات المتحدة ومدعومًا بالخفاء من قبل واشنطن ولندن بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية وبالفنيين والمال. ويحاول البيت الأبيض الآن أن يرمي باللائمة على وكالة المخابرات المركزية "CIA" فيما يتعلق بتخبطات قضية العراق. وبالتأكيد فإن مدير الـ "CIA" جورج تَنيت أخطأ بحق وكالته وحق الأمة عندما لم يصرّح بفضح الحرب الإعلامية للبيت الأبيض بخصوص العراق. إلاّ أن ضباطًا متقاعدين وفاعلين في الـ "CIA" ما فتئوا يحذرون الجمهور وأجهزة الإعلام (بما فيهم كاتب المقالة) من أن المعلومات الاستخباراتية حول العراق تم تحريفها وتسييسها بشكل كبير من قبل عصبة مؤيدة للحرب من آيديولوجيي المحافظين الجدد في وزارة الدفاع ومكتب نائب الرئيس، ولكن تمّ تجاهلهم. وهناك وحدة غامضة في مخابرات البنتاغون، وتدعى مكتب المشاريع الخاصة، تمّ تأسيسها من قبل مؤيدي إسرائيل من المحافظين الجدد لتصعيد حمّى الحرب ضد العراق. مكتب المشاريع الخاصة هذا قام بتمرير تقارير ملفقة أو مبالغ فيها بشكل كبير من المخابرات الإسرائيلية إلى البيت الأبيض والبنتاغون، جعجعت حولها من بعد أجهزة إعلام المحافظين الجدد. وكان مسؤول سابق كبير في جهاز المخابرات الإسرائيلية قد أكد بأن بلده كان "شريكًا كاملاً" في عملية اختلاق معلومات استخباراتية "ملفقة" غُذيت بها الفئات المؤيدة للحرب في أجهزة استخبارات الولايات المتحدة وبريطانيا. وبكلمات أخرى، قام أقصى اليمين في حزب الليكود الإسرائيلي بتغذية معلومات استخباراتية ملفقة إلى مؤيدي الليكود الأمريكان المزروعين في البنتاغون ومكتب نائب الرئيس ومجلس الأمن القومي. وللعلم فإن هذا العامود الصحفي ردّد باستمرار لفترة العشر سنوات الماضية بأن هناك حملة مسعّرة من الأكاذيب والمعلومات التضليلية ضد العراق. ومع أني أمقت صدّام الذي كانت شُرطته السرية الوحشيّة قد هدّدت بإعدامي، إلاّ أنني أصبحت حانقًا من مشاهدتي الديمقراطيات الغربية تلفق حربًا إعلامية تليق بالإعلامي النازي الدكتور غويبلِس. شاهدت باشمئزاز من يُسمَون "خبراء العراق" و إعلاميي المحافظين الجدد – وقليل منهم سبق له أن زار العراق – وهم يُحذّرون الليلة تلو الليلة من على شاشات التلفاز الأمريكي من "التهديد المميت" [القادم] من العراق. بينما أستُبعد وبشكل مدروس اختصاصيون حقيقيون في شؤون الشرق الأوسط من التعليق في أجهزة الإعلام الأمريكي. وكما علّق أحد القرّاء مؤخرًا، إن الإعلام الأمريكي لا يُعدّ "مخترقًا" بل هو [فعليًا] يشارك الحكومة الفِراش! ويذكر أنه بسبب تحديي الحرب الإعلامية أصبحت هدفًا لهجمات مسعورة من قبل زملاء صحفيين وخبراء في الإعلام في الولايات المتحدة وكندا. وأُغرقت برسائل الكراهية بالبريد الإلكتروني كل أسبوع. بل حتى أنني تركت البرنامج النصف أسبوعي الذي يقدّم من محطة تلفزيون أونتاريو – بعد تسع سنين – بعد أن حاول منتجو المحطة فرض الرقابة على وجهات نظري حول العراق واستمروا بضخّ إعلام مؤيد للحرب مُوالٍ لطرح المحافظين الجدد عبر برامج تلفزيون أونتاريو. وكان صديق مقرّب قد حذرني السنة الماضية قائلاً: "لا تكن مع الجانب الخاسر" ثم أردف: "لماذا تخاطر بسمعتك ومستقبلك بإصرارك على أن العراق لا يمتلك أسلحة دمار شامل وبالقول بأن غزو الولايات المتحدة كان خاطئًا وغير شرعي". لماذا؟ لأنني كنت أعلم أنه ليس لدى العراق أسلحة دمار شامل ولا الوسائل التي تستخدم في إنتاجها. كما أني أكره بقوة الحملات الدعائية بأنواعها – والأسوأ فيها جميعًا، عندما تأتي من حكومات ديمقراطية. أحد مقدمي برامج الإذاعة سألني الأسبوع الماضي: "هل تشعر أنك أبرأت ذمتك؟ ... لقد تنبأت قبل سنة بأنه لن يعثر على أسلحة دمار شامل في العراق." ليست المسألة أنني أبرأت ذمتي. إنني فزع فحسب! فزع من اللامبالاة – أو حتى الموافقة – الواسعة الانتشار والمستمرة بين كثير من الأمريكيين بخصوص العدوان ضد العراق الذي انتهك القانون الدولي والمعايير الأساسية للسلوك الحضاري. فزع من الموقف الجبان للكونغرس الأمريكي وأجهزة الإعلام السائدة. كما إنني قلق جدًا بشأن الكراهية المتنامية للولايات المتحدة حول العالم. الظاهر أن قلّة من الأمريكيين يبدون مكترثين من كون رئيسهم إمّا كذّب أو أنه ورّطهم في فوضى مروعة في العراق، والتي كلفت لحد الآن 523 قتيلاً أمريكيًا وقرابة 10000 مصاب و 200 بليون دولار أمريكي [للسنة المالية] 2003-2004، ناهيك عن موت الآلاف من العراقيين والفوضى المرعبة الجارية في العراق. إن هذا سوء تصرف تاريخي يتجاوز ضرره بمراتب فضيحة وترغيت [في عهد] نيكسون، أو مراوغات بِل كلِنتون. إن حمّى الحرب وكراهية المسلمين والأجانب التي رعتها الإدارة الأمريكية لا تزال آخذة بأمريكا. وأنا لا أقارن أمريكا 2004 بألمانيا النازية، لكن الواحد منّا يبدأ يفهم الآن كيف جُرّ الألمان – وهم أيضًا كانوا شعبًا مثقفًا ومتحضرًا على مستوىً رفيع – في الثلاثينيات بواسطة حملة تخويف وأكاذيب إلى دعم سياسة عدوان وكراهية دينية وتمييز عنصري. |
||