|
الكاتب: جَيسُن بيرك الناشر: صحيفة "The Observer" البريطانية 21 آذار/مارس 2004
بينما يهدد المهاجمون الإسلاميون بمجازر أخرى في أوروبا، ينظر خبير الأعمال الإرهابية جَيسُن بيرك في ماهيّة الدوافع التي توحّد المجموعات الفدائية المتباينة. بينما تتحول صدمة تفجيرات مدريد إلى إحساس أكثر تجذرًا بعدم الأمان، يتكرر سؤال واحد عن الفدائيين الذين كانوا وراء موجة الإرهاب: ما الذي يريدونه؟ إن الجهادية الإسلامية الحديثة متنوعة ومعقدة. والقاعدة هي بمثابة عقيدة أو مجموعة من القيّم مثلها كمثل منظمة واحدة يقودها قائد واحد. وهذه القيّم والأفكار - "المطالب" - للفدائيين متنوعة جدًا. وقد أتضح أن للفدائيين المسلمين المتأخرين مبررات مختلفة. فرمزي يوسف[مثلاً]، الذي حاول تدمير مركز التجارة العالمية سنة 1993، كان مندفعًا برغبة في بروز ذائع الصيت أكثر من كونه بوازع ديني. فلم يكن مصليًا وكان يغازل المحاميات أثناء محاكمته. أما محمد عطا، زعيم مختطفي 11 أيلول/سبتمبر، فقد تصرّف على أساس شعوره، بيقين مطلق، بأنه لم يكن له خيار غير شنّ جهاد (حرب مقدسة). فكان ملزمًا بإنجاز واجبه الديني. أما عن أحد الذين نظّموا تفجير الملهى الليلي في بالي [في أندنوسيا] في شهر تشرين الأول/أكتوبر سنة 2002 فقد ذكر بأنه كان مشمئزًا من تصرفات العهر الوسخة لـ "البيض" هناك. بينما ذكر آخر بأنه كان غاضبًا بسبب الحرب في أفغانستان. وليس هناك تفجيران متماثلان أيضًا. فمفجري مدريد اختاروا أن لا يقتلوا أنفسهم، على خلاف فدائيين منسوبين بشكل وثيق إلى "متشدّدي القاعدة" الذين يرون بأن موت المفجرين هو جزء أساسي من الرسالة [الموجهة]. وبدلاً من ذلك يبدو أن تفجيرات مدريد كانت موجهة لتحقيق الهدف العملي قصير المدى وهو ضمان انسحاب القوات الأسبانية من العراق. والناظر إلى الهجمات الأخيرة للفدائيين الإسلاميين في العراق – سواءًا من قبل المفجرين الانتحاريين أو خلافه – سيرى مرة أخرى أنها مختلفة. فمع أن هدفها هو مكسب تكتيكي قصير الأمد – عرقلة تشكيل قوة شرطة عراقية، مثلاً – فإنها ترسخ مفهوم ضعف الغرب وعجز أمريكا عن حماية حلفائها وفي ذات الوقت تستعرض عقيدة المفجرين أنفسهم. والأمر الأخير مهم لسببين؛ لتخويف "الكفار"، ولإشعار أولئك المسلمين الذين يعيشون حياتهم وفقًا لقيم بعيدة كل البعد عن قيم المتعصبين بالخجل والتحول إلى التزام ديني أفضل. إلاّ أنه وعلى الرغم من هذا التنوع فهناك قواسم مشتركة. ولفهمها يتحتم علينا إعادة صياغة سؤالنا. فإن "ماذا يريدون؟" يدلل على مفهوم غربي للقيام بشيء من أجل تحقيق أهداف محددة. وبدلاً من ذلك علينا أن نسأل: "لم يشعرون بأن عليهم التصرف بالطريقة التي يتصرفون بها؟" والجواب على ذلك أنهم، ومن وجهة نظرهم الملتوية، يعتقدون بأن ليس لديهم خيار. إنه وفي كل تصريح للفدائيين بإمكانك أن ترى خليطًا من العام والمحدد. فمثلاً إمام سامودرا (منفّذ تفجير بالي المذكور أعلاه) رأى أن نوادي بالي الليلية هي جزء من هجوم ثقافي عام يشنّه الغرب ضد العالم الإسلامي. وهذا نموذج مثالي. ففي كشمير يتحدث السكان المحليّون عن أن القمع الذي يتعرضون له هو جزء من حملة عالمية ضد المسلمين. وفي الشيشان ينظر إلى الحرب مع روسيا على أنها دليل على نفس تلك الدوافع للقضاء على الإسلام. وفي الأسبوع الماضي هدّدت جماعة غير معروفة من قبل بأعمال عنف في فرنسا ودونّت منع الحجاب في المدارس، والدعم الأمريكي المستمر لإسرائيل، والحرب في العراق، وقتل المدنيين في أفغانستان، كدليل على أن الغرب لم يهجر الحملات الصليبية مطلقًا. إن المفهوم القاضي بأن الغرب العدائي متوثب لإذلال، وتقسيم ومن ثم غزو العالم الإسلامي هو أساس متجذر للعنف الإسلامي. فالفدائيون يعتقدون بأنهم يخوضون معركة مصيرية من أجل بقاء مجتمعهم، وثقافتهم، ودينهم، وطريقة حياتهم. إنهم يقاتلون دفاعًا عن النفس ويفهمون – كما نحن في الغرب نعتقد أيضًا– بأن الدفاع عن النفس يسوّغ استخدام أساليب لعلها ممّا يكون منبوذًا في ظروف أخرى. إضافة لذلك، فإنه يتحتم إيجاد تفسير للحالة الخطرة للشرق الأوسط. فإذا كان الإسلام هو النظام الاجتماعي المثالي – كما يراه الفدائيون وفق منطقهم – إذًا يجب أن يكون هناك شيء آخر للّوم على الوضع المتردي للحالة الاقتصادية،والعسكرية، والسياسية لبلدانهم. إنهم يلومون الغرب – وفشل معظم المسلمين بممارسة دينهم بالتزام وإخلاص كافيين. والقنابل يقصد منها رد اعتبار المسلمين عالميًا، وبإضعاف "الصليبيين" وحلفائهم، تعجيل العودة النهائية إلى العصر الذهبي قبل ألف عام عندما كانت بلدان الإسلام هي قوة العالم الرائدة. إن المقاس الكوني لأهداف الفدائيين يجعل من الصعب التصّدي لهم. لكن وبطريقة ما يجب علينا وقف انتشار نظرتهم العالمية، وحرمانهم من الأوكسجين السياسي وانتزاع الشرعية التي تسمح لهم بالعمل. وليس هناك رصاصة فضية! إلاّ أن هنالك أمورًا من الممكن القيام بها. سلام في إسرائيل-فلسطين على سبيل المثال، قد لا ينهي الإرهاب الإسلامي فورًا لكنه سيحرمهم من "دليل" أساسي. وكذلك سيفعل إصلاح مفروض على النظام السعودي وأنظمة قمعية أخرى. إن السلاح الأقوى في مواجهة عنف الراديكاليين هو حسن النيّة والاعتدال لـ 95 في المائة من مسلمي العالم البالغ عددهم 1.3 بليون مسلم. يجب علينا أن نحارب للحفاظ عليه، ولاستخدامه، إذا ما كان لنا، يومًا ما، أن نكون أحرارًا من الخوف والعنف. |
||