|
الناشر: صحيفة "The Guardian" البريطانية 1 أيّار/مايو 2004 مشهد واحد يمتلك قدرة الصعق حتى في عصرنا الحاضر، عصر الإعلام متعدد الوسائل وواسع النطاق، الذي يزودنا بدوريات الأخبار على مدار الأربع والعشرين ساعة يوميًا. إن صورة السجين العراقي المحتجز في سجن أبو غريب [غربي بغداد] والتي يظهر فيها مُجبرًا على الوقوف على صندوق وقد ربطت بجسده الأسلاك الكهربائية وأُلبس رأسه قلنسوة من طراز الكو كلَكس كلان [الجماعة العنصرية سيئة السمعة من الأمريكيين البيض، والتي كان أعضاؤها يغطون رؤوسهم بمثل هذه القلنسوة]، تلك الصورة تمثل أكثر من حرج آخر للإدارة الأمريكية. هذا المشهد ومشاهد أخرى لمساجين عراقيين عراة تصور الانتهاك والإهانة التي يتعرضون لها من قبل آسريهم الأمريكيين، توقظ أي شك ظلامي حول نوايا الولايات المتحدة في العراق. وهي بمثابة المجنِّد الأكثر فعالية لتوظيف قوى المقاومة داخل وخارج العراق. إنها ليست مجرد خطأ فاحش من قبل الولايات المتحدة، حيث أنها تعلن عن تدشين مستوى شاملٍ جديدٍ من المخاوف والمخاطر في العراق وبين العديد من المسلمين في كافة أنحاء العالم على حدٍ سواء. إن أحداث سجن أبو غريب تفتح فصلاً مخزيًا من معاملة الأمريكيين السيئة لسجنائهم، كما أدت إلى إدانة عالمية. والصور المعدودات – التي عرضت عبر شاشات التلفزيون الأمريكي مساء الخميس والتي يعاد تداولها الآن حول العالم – تقوم أيضًا بتوفير دليل تفصيلي إلى غالبية العالم العربي والإسلامي على الانحطاط والفساد الجنسي للغرب. وبما أن ارتكاب الفاحشة يعدّ على العموم بأنه غاية في الإهانة في مجتمعات مثل العراق، فإن تلك الصور وادّعاءات الاغتصاب ستعمل على تأكيد وتشخيص التأثيرات السيئة للغزو والاحتلال الأمريكي. وممّا يجعل الأمور أكثر سوءًا، ويُظهر أن هذه ليست بحادثة عارضة إعلان الجيش الأمريكي الشهر الماضي عن تنحية 17 عسكريًا، بضمنهم ضابط برتبة عميد، من مهامهم بسبب سوء معاملتهم للسجناء. وكان واحد من هؤلاء ممّن هم قيد المحاكمة العسكرية، واسمه إيفان فريدرِك - وهو ممن يؤدون خدمة الاحتياط ويعمل كمأمور سجون في حياته المدنية – كان قد صرّح في برنامج <<60 دقيقة>> لقناة "CBS" بأن الاستعداد [في سجون العراق] سيء والإشراف ضعيف. حيث أن هناك جنود متدربون على المسائل الإدارية فقط ويُطلب منهم القيام بدور الشرطة العسكرية. كما وتمّ تكليف أناس من القطاع الخاص - استأجرهم البنتاغون - للقيام بأعمال الاستجواب، في الوقت الذي لا يخضعون فيه للقوانين العسكرية أو المدنية النافذة. ويذكر أنه حتى قبل مسألة نشر صور [سجناء] أبو غريب، كان هناك عملية استطلاع للآراء جديرة بالاحترام وجدت أن 71% من العراقيين يعتبرون قوات التحالف الآن على أنها قوة احتلال، ويطالب 60% بالانسحاب الفوري للولايات المتحدة وحلفاءها من العراق. والعجز الذي أصاب نسبة من يثقون بالنوايا الحسنة [المزعومة من قبل الأمريكيين] لن يتحسن، بغض النظر عن مدى شمولية الإجراءات التي سيتخذها القادة الأمريكيون لمعاقبة حرّاس [سجن] أبو غريب. لقد قام الجيش الأمريكي بوضع سلاح قاتل في أيدي أعدائه. وهو متشبث بالقشّة الأضعف لإبعاد شبهات مقارنة هذه الإساءات المقزّزة بتلك التي اقترفها نظام صدّام حسين. إنه لمن الصواب أن تطالَب الولايات المتحدة وبريطانيا بمستوى عالٍ من السلوكية، حيث أن ذلك كان تبريرهم لغزو العراق. ولعلّ أحداث أبو غريب تشهد لها نضرة جون ستيوَرت مِل [فيلسوف وكاتب بريطاني معروف، 1806-1873م] على أن المجتمعات المتحضرة تستسلم لخصومها المقهورين سابقًا عندما تفقد قوتها الخُلقية. وحذّر مِل: "إذا كان الأمر كذلك، فكلما بُكّر باستلام مثل هذه الحضارة أمرًا بالتنحي كلمّا كان أفضل." |
||