الولايات المتحدة ضائعة في أفغانستان

مصدر المقالة الأصلية  

الناشر: صحيفة “Chicago Sun-Times” الأمريكية

الكاتب: روبرت نوفاك – 31 أيّار/مايو 2004

إن حفنة المحاربين الصناديد الأمريكيين الذين يخوضون الحرب "الأخرى" في أفغانستان ليسوا شلّة سعيدة من الإخوان. فهم يعانون من النقص في العدد ويشعرون بأنهم مهمَلون، وهم قليلو الثقة بقادتهم، كما أنهم مشمئزون من القيادة السياسية الأفغانية. والأكثر أهمية من ذلك؛ أنهم ممتعضون من الجهد الهائل، ولكن غير المثمر، المبذول من أجل العثور على أسامة بن لادن لأغراض السياسة الأمريكية.

وهذه الصورة الكئيبة تمر دون تدوين لأن الصحفيين ما عادوا يتواجدون هناك إلاّ نادرًا. وقد نقلها لي مقاتلون أمريكيون أشدّاء، من الذين نذروا أنفسهم للحرب ضد الإرهاب ولكن قلوبهم مثقلة [بالهموم]. وهم بحديثهم لي لا يقصدون تقويض السياسة [الأمريكية] ولكن من أجل الكشف عن مشاكل من الممكن بل يجب إصلاحها.

إن أفغانستان تُشكّل أبرز نصر لجورج بوش منذ هجمات 9/11 الإرهابية. حيث تمّ إسقاط نظام طالبان، وبالتالي إزالة القاعدة الأهمّ لتنظيم القاعدة. إلاّ أن هذه الحرب المتغاضى عنها مستمرّة بدون نهاية قريبة. وتهريب المخدرات يسجلّ أعلى مستوى له. وإذا ما غادرت القوّات الأمريكية فإن الطالبان – أو شيء مماثل – سيستعيدون السلطة. إن الولايات المتحدة ضائعة في أفغانستان، فهي متورطة في هذا البلد الموحش وغير قادرة على المغادرة.

أمّا عن الوضع في أفغانستان، فكما وُصف لي، لا يشبه إطلاقًا البلد الذي يُزعم أنه يتقدم باتجاه ديمقراطية يعتدّ بها تحت الوصاية الأمريكية. وحامد قرضاي، الرئيس الأفغاني المدعوم من قبل أمريكا، تنظر القوات الأمريكية إليه على أنّه رجل فاسد ميؤوس منه، ومستمر في الحكم بقوّة الأسلحة الأمريكية.

والقوات المسلحة تلك ليست كما قد يبدو للعيان [من أنها قوات عتيدة]. فالقوة الأساسية للولايات المتحدة في أفغانستان تتألف من 17000 جندي من المشاة "اليافعين" – القوات التقليدية غير مؤهلّة للتعامل مع مقاتلين غير نظاميين [أي حرب العصابات]. والوحدة الجديدة المكلّفة بالقتال في أفغانستان، هي فرقة المشاة 25، التي كانت معسكِرة في ثكنات سشوفيلد في هاواي، ولم تشارك في قتال منذ حرب فيتنام.

والأكثر أهمية من فرقة المشاة التقليدية هذه هو وحدتا المغاوير المعروفتان بالـ س.و.ف (قوات العمليات الخاصّة) السوداء والـ س.و.ف البيضاء. ووحدة الـ س.و.ف السوداء، الأكثر عددًا من بين الثنتين، مكلّفة بأمر أسر أسامة بن لادن. فليس هناك أي شيء يعمل أكثر على رفع شعبية الرئيس بوش المتدنيّة من القبض على مصمّم هجمات 9/11.

المشكلة أنّه ولا واحد من الذين كلّمتهم يعتقد باحتمال اعتقاله أو حتّى كون ذلك ممكنًا. فالمقاتلون الأمريكيون يعتقدون بأن "UBL" - كما يسمون أسامة بن لادن – يختبىء في باكستان ومن المستحيل العثور عليه. والمسألة الأكثر إغاضة للمقاتلين في الميدان هو حجم القوّة البشرية والجهد المبذول لأجل ما يعتبرونه بأنه غاية ميؤوس منها.

أمّا وحدة الـ س.و.ف البيضاء فقد وكل إليها مهمّة مجابهة إرهابيي المخدرات المسلحين. وهناك ما لا يزيد عن 100 جندي أمريكي معيّنين لهذا الواجب، العديد منهم ملتحي ويعتمر اللباس الأفغاني. وهم مطعّمون بالقوّات الخاصّة البريطانية والنيوزيلندية، وأعضاء القوات شبه العسكرية لوكالة المخابرات المركزية "CIA" وكذلك عملاء وكالة مكافحة المخدّرات الأمريكية.

كما أنهم مكبلّون من قبل ضباط كبار ممّن قد يكونون خبراء في الحرب التقليدية ولكن لا خبرة لهم في تفهّم وضعيّة القوّات الأمريكية حاليًا، التي هي أقرب أسلوبًا إلى لورنس العرب منه إلى جورج باتون. وجنود العمليات الخاصة وصغار ضباطهم ينظرون بعين الازدراء إلى الفريق ديفيد بارلو، قائد الجيش الأمريكي. فعلى الورق قد يبدو أنه جيد؛ حيث أنّه خريج أكاديمية "West Point" العسكرية، ومحارب قديم من غزوات جرينادا وبنما. لكنهم يشكون كون بارنو لا يعرف شيئًا [عن الحرب في أفغانستان]!

إنّها لحرب غريبة، حيث يُشرَك الـ "JAG's" (مساعدو القضاة العامّون من المحامين العسكريين) في اتخاذ القرارات. فإن مصادري تتحدث عن قوّاد ألغوا هجمات جوية بناءًا على نصيحة من الـ "JAG's، على الرغم من وجود معلومات مخابراتية موثوقة عن القوات المعادية. وهذا هو نوع العوائق التي عانى منها جيش الولايات المتحدة، ابتداءً من حرب كوريا، حيث كنت ضابطًا غير مقاتل في الجيش، عندما كنت على علمٍ يومها بأن قوّاتنا مكبلة الأيدي خلف الظهور!

لقد أُخبرت بأن واحدًا من ضباط القوّات الخاصة المحبطين، ومن المسرّحين من الخدمة حاليًا، ممّن كان يصوّت دائمًا للجمهوريين ويحترم بوش، فكّر بالاتصال بزميل عسكري سابق وهو من مستشاري جون كيري حاليًا، إلاّ أنه رأى أن ذلك لن يحقّق شيئًا يذكر وأنه سيقحمه في السياسة. إن الضياع في أفغانستان يتجاوز السياسة وهو عبء أمريكي بعيد المدى.

إغلاق