الأطفال الذين خانتهم الوعود المنكوثة يموتون وسط القاذورات

مصدر المقالة الأصلية  

 الناشر: صحيفة "The Daily Telegraph" البريطانية

الكاتبة: جوليوس سترَوس

التاريخ 5 حزيران/يونيو 2004

 إنّ لدى ياسر، وعمره 11 سنة، أيامًا قلائل فقط للعيش. أذرعه كلّها كدمات، وأرجله متلاشية من شدة النحافة، ولثّة   فمه مملوءة باحتقانات الدم - من جراء اللوكيميا التي أنهكت جسده. كان يرقد يوم أمس على سرير رثّ في المستشفى التعليمي للأطفال، وهي الوحدة التخصّصية الرئيسية لعلاج الأطفال في بغداد التي كانت تعرف فيما مضى بمستشفى صدّام للأطفال. وبينما كان الأب، محمد خالد، يُدلّك رجلي ولده لتخفيف الألم يلتفت ياسر ويقول باستسلام: "ربما يكون هذا يومي الأخير."

لقد توفي أربعة أطفال في ردهة ياسر خلال الـ 48 ساعة الماضية. البعض من مثلهم ربما كان سيموت حتى مع توافر أحسن العلاج، ولكن الأطباء يقولون بأن أغلبهم كان سيبقى على قيد الحياة [لو توافر لهم العلاج المناسب]. إن الذين قضوا ماتوا بسبب الوضعية المتردية، حيث القاذورات متفشية وإمدادات العلاج الكيماوي متذبذبة، وبسبب النوعية الرديئة من الأدوية التي أجبروا على تعاطيها.

وتقول الطبيبة المناوبة، سوزان الزبيدي، التي تتقاضى مرتبًا شهريًا قيمته 80 جنيهًا استرلينيًا؛ "لو كان لي أن أسطّر ما أتمنّاه لما عرفت من أين أبدأ! لعلنا نبدأ القائمة بأدوية العلاج الكيماوي، وبالمضادّات الحيوية المناسبة، وأجهزة نقل الدم والتغذية بالتقطير. هذه وحدها ستنقذ الكثير من الأنفس."

إن مستشفى الأطفال الأشهر في بغداد هذا، ما كان ينبغي له أن يصل إلى هذا المستوى!

يُذكر أنه في عهد صدّام تمّ استغلال الأوضاع المترديّة بدهاء من قبل النظام الذي كان يرمي باللائمة على عقوبات الأمم المتحدة لموت عشرات الآلاف من الأطفال. فكانوا يطوفون بالإعلاميين المتعاطفين وبمتخولّي الأعذار لصدّام في أرجاء ردهات المستشفى، بينما كان يوضّح المسؤولون [العراقيون] كيف أن الغرب الشرّير كان يُقتّل أطفالهم.

المسؤولون الغربيون بدورهم كانوا يردّون بأن اللائمة تقع على صدّام. فكانوا يقولون بأن عدم كفاءة النظام وإصرار صدّام على صرف أمواله على الأسلحة لا الأمور الصحيّة [في البلد] هي التي كانت تتسبب في موتهم.

لكن وبعد مضي 14 شهر على الإدارة التي تقودها الولايات المتحدة، لا يزال الأطفال يموتون، وإمدادات الأدوية ما زالت عشوائية ومتذبذبة، كما ولا يزال الأطباء الاختصاصين يعتمدون على أجهزة تشخيص عمرها تجاوز العقود من الزمان!  والجدران في الردهات متهاويّة، وأسلاك الكهرباء المكشوفة تتدلّى من السقف، بينما تسيل المياه القذرة على الجدران من الأنابيب المتكسرّة.

وفي الوقت الذي تصل فيه درجة الحرارة في النهار إلى 45 درجة مئوية وهي مرشحة للارتفاع إلى أكثر من ذلك ليس هناك تكييف للهواء والعديد من الآباء يمدّدون أولادهم على الأرض بالقرب من نوافذ مكسورة في الممّر لتوفير بعض الراحة.

ويلاحظ أن أربعة فقط من التسع ردهات مفتوحة. وتعقّب الدكتورة سوزان الزبيدي قائلة: "بالطبع هذا من صنع صدّام. لكن الأمريكيون وعدونا كذا مرة بأنهم سيضعون نهاية لهذه الأوضاع، إلاّ أنهم وحتى هذه الساعة لم يفعلوا شيئًا للمساعدة على الإطلاق."

إن مسؤولية بعض المسببات لمحنة الأطفال هذه تقع من دون شك على المتمردّين [المقاومين] العراقيين. فالقتل المستهدف للأجانب أدّى إلى هروب العديد من الشركات. والطرق المليئة بقطّاع الطرق تعني أن إرساليّات الأجهزة في الغالب ستتأخر أو أنها لن تصل إطلاقًا. لكن في الوقت الذي صُرفت فيه الملايين على وسائل الإعلام وحواجز الطرق وحرّاس الأمن، من قبل سلطة الحلفاء المؤقتة، التي يفترض أن تسلّم السلطة للحكومة العراقية الجديدة نهاية الشهر الحالي، يبدو أن مشروع تجديد مستشفى الأطفال تمّ تناسيه بهدوء.

فيذكر الدكتور عادل البدري، المسؤول عن وحدة الأطفال الخُدّج، بأنّ: "أجهزة الحاضنات لا تعمل والمعدّات غير متوفرة حتّى للفحوصات الروتينية. المستشفى بأكمله يحتاج إلى إصلاحات كبيرة، ولكن ليس هناك المال المطلوب على ما يبدو."

وفي ردهة الأمراض السرطانية ليس لدى الآباء أدنى فكرة عمّن يجب أن يتحمل اللوم عن النقص في الأدوية والوضعية الوسخة، ويمضون نهارهم محتضنين لأولادهم المحتضرين داعين ربهم أن تقع معجزة.

في هذه الأثناء ينطق ياسر [الطفل الذي سبق ذكره] متأثرًا برؤيته للزوار، ويتلفظ بعبارة شجاعة "ما اسمك؟" بالانجليزية، إلاّ أن الجهد الذي بذله يبدو أنه أتعبه. ويقول والده، الذي يعمل كسائق: "لقد أخبرونا بأن إنقاذه لن يكون إلاّ بواسطة عملية زراعة نخاع العظم. وأقرب مكان يمكن أن تُجرى فيه هو الأردن، إلاّ أنه لا أحد من الأطباء يعرف كيف يمكن الترتيب لذلك ولا حتى الكلفة المترتبة."

وفي الغرفة المجاورة يمكث زيد محمد، عمره تسع سنوات، وهو الآخر مرضه شديد. وكما هو الحال مع من هم مصابين بمرض اللوكيميا فالواجب المحافظة على عزله عن الآخرين، درءًا للإصابة بالالتهابات التي من الممكن أن تقتله، إلاّ أنه ليس هناك مكانًا كافيًا لتحقيق ذلك. وأمّه تمسح على رجليه بقطعة قماش مبلّلة وسخة محاولة تبريده، والدموع تنسكب على وجهها.

وتقول الدكتورة رنا، الطبيبة التي تقوم بعلاجه: "إنه يتشافى الآن ونأمل بأنه سيبقى على قيد الحياة، إلاّ أننا بحاجة إلى أجهزة جديدة، وإلى المعدّات والأدوية إذا ما أردنا إنقاذ حياة هؤلاء الأطفال." ثمّ تعقّب: "أنتم الغربيون تحضرون دائمًا إلى هنا، تنظرون، وتهزّون رؤوسكم، ثمّ تذهبون. و لا يتغير شيء. إن الأوضاع هنا ليست أحسن حالاً هذا العام ممّا كانت عليه العام الماضي." ثمّ تنهي تعليقها قائلة: "دائمًا وعود، فقط وعود!"

إغلاق